«الأحداث ليست سوى سطح التاريخ، أمّا تحته فتوجد البنى العميقة التي تتحرّك ببطء»
فرناند بروديل
إنّ التاريخ شبكة متداخلة من الأزمنة، تتفاعل فيما بينها ضمن سياقات بُنيويّة طويلة الأمَد، وتشكّل «هويّات» زمنية تنقسم إلى حقبات تاريخيّة متشابكة من حيث المسار الحَدَثي، ومشتبكة في بعض الأحيان في تفاعلاتها، في عملية معقّدة يكون الإنسان فيها الفاعل الأساسي وعلى رأس قائمة المؤثّرين. إنّ الهفوة التي تصيب المجتمعات عند وقوعها في المحن والشدائد، والانتكاسات أيضاً، قد تؤدي إلى القضاء على كياناتها. والقصور عن فهم الأحداث التي تبتلينا، أو تجريدها من سياقاتها التاريخيّة، قد تَصِل بنا إلى الإحباط وزعزعة الإرادة.
يقول العلامة جوادي آملي: «الأجيال البشرية الحاضرة سلسلة مترابطة من البدء إلى الختام، والتغافل عن الماضي وعدم الاهتمام بالمستقبل هما الأساس للذهول عن الحياة الحاضرة. إذ كيف لموجود لا دراية له بأحداث ماضيه، ولا بما ينتظره من وقائع في المستقبل، أن يفكر في نفسه، فيرتكز على اليقين العلمي لتحقيق العزم العملي؛ حتى يستوعب سعادته المستقبلية ويستكشف طريقها ويتمكن من انتهاجها حقاً». إنّ فكرة الدراية التاريخية المنشودة، تهدف بالدرجة الأولى إلى فهم طبيعة الصراع الإنساني الموجود بشكل عام، وما يخصّ مجتمعاً محدّداً منه بشكل خاص. وتلك الدراية لا تقتصر على المسار الزمني والوعي بترابطه فقط، إنما بالنظر إليه عبر عين المجتمع، وتحويل النشاط الإنساني إلى نشاط مجتمعي، وليس فردانياً كما يحاضر دائماً أصحاب النظريات الماديّة.
حين تقرّر مجموعة بشرية تنتمي إلى حقبة زمنية أن تخوض دينامية التاريخ، بمعنى آخر أن تكون عاملاً نَشِطاً في مساراته، يعني أنها دخلت مخاضاً حضارياً لم يعُد يقتصر على صراعات نقطوية فقط، إنما تشترك فيه المكوّنات كافة التي تضفي على المسار التاريخي معناه الفلسفي ومغزاه الحركيّ. وبالتالي، فإنّ قرار المشاركة في صناعة التاريخ هو من أصعب القرارات التي يمكن أن تتّخذها مجموعة بشرية معيّنة، والاشتراك في التاريخ يحتاج إلى عزيمة وإرادة، فردية وجماعية، ووعي تامّ بالأهداف، وإدراك المخاطر بطبيعة الحال.
هناك أحداث تشكّل بطبيعتها نقطة تحوّل في التاريخ، وتغلق خلفها زمناً حيويّاً لتفتَح الآفاق أمام تسلسُل زمني يحمل هويّة زمنيّة مختلفة. لكن الحدث المفصلي هذا، لن يكون معزولاً عن مسار ديناميّة التاريخ، بل هو نتاج ما يسمّى بـِ«العلّية التاريخيّة». فالتاريخ سلسلة تفاعلية من العلل والمعلولات التي تُنتِج حالة تاريخيّة راهنة نتفاعل معها كي يفضي بدوره إلى مستقبل ناتج من تفاعلات الحاضر.
لم تكن ثورة الإمام الخميني في إيران وليدة عام 1979، إنما هي حصيلة مسار ثوري ابتَدَأَ فعلياً عام 1963 وما يسمّى بثورة 15 خرداد، وبدأ لحظتذاك التراكم التاريخي للأحداث، التي أَعَدَّت حزمة الوقائع، التي بدورها أنجزت الثورة وأودَعَت نقطة تحوّلها في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. لكن حتى ثورة 15 خرداد لم تكن يتيمة من دون سياق تاريخي، فهي الأخرى حصيلة تراكمات تاريخية ممتدة منذ الثورة الدستورية التي اندلعت عام 1905، واستطاعت تثبيت بعض المعادلات الداخلية، المتعلقة بدور رجال الدين في الحياة السياسية، كما والانفتاح على المناهج الدستورية وإظهار أفكار سيادة القانون. كلها بَنَت لبنات فكرية وثقافية أهَّلَت العقائد الثورية بالمواد اللازمة للمواجهة، وكان الانتصار حاسماً بعد 74 عاماً أو ما يعادل ثلاثة أرباع القرن.
أمّا نحن في لبنان، فلدينا قصة حُب وغرام مع فلسفة التاريخ؛ لا تكاد تمرّ فترة في حياة هذا الكيان اللبناني من دون أن تثبّت موطئ قدم لها داخل صفحات التاريخ التراكمي. والخطأ الجسيم الذي يقع فيه كثير من اللبنانيين هو قراءة التاريخ اللبناني كتأريخ حَدَثي فقط، أو تجريده من الأحداث التي عصفت به منذ قرون وقرون. إننا نعيش اليوم متأثرين بإرهاصات ما جرى علينا خلال عامين، وكأن الزمن الجديد شرّع أولى صفحاته التاريخية المستجدّة، ليفتح معها عصراً تاريخياً جديداً، نشأ عبر تداعيات تفاعل الأحداث في الماضي القريب.
لا يمكن عزل ما حدث عن مساره التاريخيّ، ولا عن الصراع الحضاريّ الذي نخوضه كشعوب حملت لواء المقاومة ضد الغزاة، فالتاريخ علّمنا أن أحداثه تُرسَم بالتضحيات، وعملية المحافظة على وجود المشروع تمرّ في فترات صعبة، تبلغ القلوب فيها الحناجر في الكثير من الأحيان، لكن الأولى لن تبلغ الحناجر إذا ما نظرت إلى المشهد من منظار التاريخ التراكمي. وسلوكنا في المواجهة اليوم هو ما يحدّد طبيعة موقعنا في الأزمان القادمة. وحين نرى المسار بكليّته، تصبح الحروب مجرّد تفاصيل داخل سياق الصراع التاريخي، والتضحيات الدامية ملزمة إذا ما أردنا أن لا نخضع لرياح التوسّع الاستعماري العاتية التي تريد اقتلاعنا من جذورنا.
إنّ الصراع، بلا أدنى شكّ، في جانب من جوانبه الأساسية، هو صراع حضاري. فالإشكاليّة الواقعة اليوم أكبر من احتلال وتوسّع، إنما تقع المشكلة الكبرى في التشكيل الحضاري البديل الذي يريد أن يفرض نفسه علينا كشعوب حضاريّة تمتلك جذوراً حضاريّة ممتدة على طول هذه البسيطة. في صراع الحضارات، يشكّل البناء المجتمعيّ قاعدة الصمود عندما تتعرّض الحضارة لمخاطر وجوديّة، وهنا يتدخّل التاريخ بقساوته كي يفرض قواعده بحسب متانة هذا البناء المجتمعي، تلك التي ترتكز على منظومة القيَم والتفاعلات الاجتماعيّة ومدى فعالية الوعي في ساحة المجتمع الفاعل في المسار التاريخيّ.
والمحتوى المعنوي بطبيعة الحال، الروحي والنفسي، هو قاعدة بناء المجتمع، وهو المعيار في التقدّم أو التراجع، وهذا الذي يصنع الفارق. بالتالي، فإنّ المحتوى المعنوي الداخلي في الإنسان الذي يعتبر كائناً اجتماعياً بطبيعته، هو العامل الذي سيكون الفاعل التاريخيّ الذي سيصنع الأحداث ويؤثّر في مساراتها. أهميّة كل هذا الكلام تكمن في وجوب امتلاك الوعي الكامل لطبيعة الصراع المفروض علينا، كشعوب فاعلة في مضامير التاريخ قبل كل شيء. مَن يطّلع على تاريخنا يراه تاريخاً مشرقاً مهما حمل من انتكاسات، لأن الهدف كان دائماً وجودنا ككيانات بشرية فاعلة ليس إلا. نحن ننظر إلى التاريخ كأبناء له، كمنتجين له وليس كمستهلكين صامتين. بهذا، نَعي جيداً مدى قيمة أن نبقي العزائم في أعلى درجات استنفارها في المواجهة، لأن الإحباط يؤدّي حتماً إلى الهلاك، كمشروع حضاري استثنائي استطاع النجاة من أصعب الشرور.
في الموجة التي تستهدفنا اليوم، يحاول الأعداء بكل وسائلهم تجريدنا من إطارنا التاريخيّ والحضاريّ، وإشباع وعيِنا في ترّهات الأحداث التي لا تحمل مدلولات المعركة ولا مضامين الصراع الحقيقيّة، إنما تريد إغراق الإدراك لدينا بالمعطيات الزائفة لهويّتنا الحضارية وخصائصنا التاريخيّة. يجب أن نرى النضال من بوابة التاريخ، فهذا سيكون حافزاً لدينا للنموّ بمشروعنا وتنمية قدراتنا كي نكون على قدر المواجهة.
كاتب لبناني
عن (الأخبار) اللبنانية