صدر عن المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات، أخيرًا، كتاب بعنوان "تَشَكُّل الأنساق اللُّغويّة في صناعة المعجم التّاريخيّ: تطبيقات من معجم الدّوحة التّاريخيّ للّغة العربيّة"، من تأليف الباحث اليمنيّ والخبير اللّغويّ البارز الدكتور حسين الزّراعي، الّذي نستضيفه في هذا الحوار. عمل الدكتور الزّراعي خبيرًا لغويًّا أوّل في معجم الدّوحة التّاريخيّ للّغة العربيّة (2014-2025م)، وترأس وحدة الإعلام والعلاقات العامّة فيه (2023-2025م). كما تولّى مهمّات تحرير وتدريب في المعجم، وقاد فِرَق إعداد المعاجم المدرسيّة لمصلحة مركز البحوث التربويّة الخليجيّ، الكويت.
وقد درّس ضيفنا اللّسانيّات والمعجميّة في جامعتَي صنعاء والملك خالد، وترأّس قسم اللّغة العربيّة في جامعة صنعاء. وهو حاصل على الدكتوراه من جامعة محمد الخامس عام 2003م، وله عدّة مؤلّفات وبحوث، نذكر منها: "نظريّة في «بناء الكلمة وتحليلها»"؛ و"نظريّة في «المعجم النّسقيّ المحوسب»"؛ و"عن تداخل الجهة والزمن والحدث في اللّسانيّات الحديثة".
جاء الكتاب المذكور ضمن "سلسلة إصدارات"، في 225 صفحة. وهو يشمل مقدّمة، وستّة فصول موزّعة على ثلاثة أقسام، وخاتمة، إضافة إلى جداول وأشكال ومسرد مصطلحات ومراجع وفهرس عامّ. وفيه يسلّط المؤلّف الضوء على أهمّيّة دراسة الأنساق المعجميّة التي تجمع بين الجذور والأصول والألفاظ ذات الصلات المشتركة، عبر تناول تطبيقات من معجم الدّوحة التّاريخيّ للّغة العربيّة، الّذي يعتبره الدكتور الزّراعي "براءة اختراع مسجّلة للمركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات، ولدولة قطر، ونقطة تحوّل في التاريخ الفكريّ والحضاريّ للّغة العربيّة باتّجاه النهوض باللّغة العربيّة وتطوير السياسة اللُّغويّة والتخطيط لها لتحقيق نهضة لغويّة ومعرفيّة شاملتين، وتعميق الانتماء بالهُويّة اللُّغويّة وحمايتها...".
ويأتي هذا الحوار مع الدكتور الزّراعي قبل ثلاثة أيّام من الاحتفاء باكتمال معجم الدّوحة التّاريخيّ للّغة العربيّة، أحد أكبر المشروعات اللُّغويّة عربيًّا وعالميًّا، والّذي يمثّل أهمّ مشروع عربيّ يُنجز وفق المعايير الحديثة للمعاجم التّاريخيّة العالميّة، والّذي سيقام برعاية أمير قطر، صاحب السموّ الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ويُنظّم من قِبل المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات ومعجم الدّوحة التّاريخيّ للّغة العربيّة.
هنا نصّ الحوار:
(*) بداية، حدّثنا عن أبرز محطّات عملك كخبير لغويّ أوّل في معجم الدّوحة التّاريخيّ للّغة العربيّة (2014-2025م)، والّذي يمثّل مشروعًا حضاريًّا علميًّا لغويًّا معجميًّا مؤسّسيًّا جماعيًّا.
كانت البداية بدعوة كريمة للمشاركة في صناعة معجم الدّوحة التّاريخيّ للّغة العربيّة بمسوّغ الاختصاص النّوعيّ في اللّسانيّات، والخبرة الطويلة في تجارب الصناعة المعجميّة، وباشرنا -بدءًا- مع فريق العمل النّوعيّ وضع الأسس العلميّة والمنهجيّة المضمّنة فيما عُرف بالدّليل المعياريّ للمعجم، وخضنا تجربة المعالجة والتحرير وتقييم الأعمال الأوّليّة، ثمّ تقرّر إعداد الحقيبة التدريبيّة الشاملة لتدريب الفِرَق المعجميّة ومتابعتها، بعد ذلك تمّ الالتحاق بمستويات متقدّمة كالتنسيق لمنسقين ورؤساء فِرق معجميّة، ومراقبة الجودة، ثمّ صرتُ عضوًا في الهيئة التنفيذيّة للمعجم ورئيسًا لوحدة الإعلام والعلاقات العامّة، وتمّ دعم المعجم خلال مسيرته الحافلة بالكثير من المهامّ والمبادرات والخطط الفاعلة، بالتزامن مع القيام بأعمال التدريب النّوعيّ على منصّة التحرير المعجميّ، وأعمال التحرير والمراجعة ثمّ الاعتماد لموادّ المعجم. كما تمّ رفد المعجم بالمشاركات النّوعيّة في إنجاز العديد من الأبحاث المختصّة المحكّمة المنشورة والكتب والمقالات كلّها لفائدة تطوير المعجم، إلى أن وصلنا إلى هذه اللحظة الفارقة الّتي أُعلن فيها اكتمال هذا المُنجز الفريد، في كانون الأوّل/ ديسمبر 2025م.
(*) ماذا تخبرنا عن كتابك "تَشَكُّل الأنساق اللُّغويّة في صناعة المعجم التّاريخيّ: تطبيقات من معجم الدّوحة التّاريخيّ للّغة العربيّة"؟
هذا الكتابُ - بكلّ أنساقه وتشكّلاته- قبضةٌ من أثر ثلاثة علوم مثّلت الأرضيّة الصّلبة الّتي تقوم عليها المعاجم التّاريخيّة وهي: فقه اللّغة (Philologie) مع أخٍ له من أبيه يُدعى علم اللّغة التّاريخيّ، وعلم التأثيل والتأصيل (Étymologie) أو كما أحبّ تسميته بعلم وراثة الكلمات، وعلم الصناعة المعجميّة (lexicologie). ومن هذه العلوم الثلاثة استمَدّ الكتابُ مجموعة متجانسة متكاملة من النظريّات والأنساق والنماذج والبرادايمات الصّواتيّة والصّرفيّة والتّركيبيّة والدّلاليّة، تشتغل في أنساق متوازية لجعل جميع الموادّ المعجميّة متّصفة بقدر كبير من المنطقيّة والانسجام، ولمنع حدوث اضطّراب أو خلط بين الجذور أو الوحدات المعجميّة المشتقّة منها من جهة، ولاكتشاف ما اختلّ أو انْتَكَلَ من الألفاظ ووقعَ خطأً خارج عائلته اللُّغويّة.
يدين الكتاب بالفضل الواسع لمشايخ وأساتذة تركوا له تريكةً يظهر أثرها في جميع جوانب الكتاب - على أرواحهم جميعًا سلام الله ورحماته- الأوّل: أوغسطين مرمرجي الدومنكي، أحد أساتذة المعهد الكتابيّ والآثاريّ في القدس الشّريف (ت. 1963م)، أثّل ضمن نظريّة ثنائية الجذر لما يُقدّر بخمسمئة مادّة معجميّة، والثاني: أستاذي العلّامة إبراهيم السّامرّائيّ الّذي قُبِض برحيله طرفٌ وافرٌ من علم المعاجم وعلم اللّغة التّاريخيّ في أوّل عتبات القرن الواحد والعشرين (ت. 2001م) تاركًا خلفه أمّ المكتبات في هذا العلم، والثّالث: أستاذي العلّامة إدريس السّغروشني الممتدّ علمًا من ابن جنّي إلى سنة وفاته (ت. 2018م) تعبيرًا عن موسوعيّته وتجذّره وعُمقه، ترك لنا نظريّة انشطار الفتحة في الصّواتة والصّرافة لتستوعب النّظام الصّرفي لنظام اللّغات السّاميّة وألسنتها كلّها.
كما يدين الكتاب بالفضل لأعمال آخرين ممن يمنّون علينا بأفكار بنّاءة ونماذج قويّة - مدّ الله في أعمارهم جميعًا- أوّلهم أستاذي وحامل لواء اللّسانيّات والمعجميّة عبد القادر الفاسي الفهريّ الّذي لا يخفى أثره في جميع تفاصيل الكتاب، والثاني عرفته أثناء تأليف كتابي هذا من خلال عمل نوعيّ في التأثيل المعجميّ للّغة العربيّة يعود إلى عالم التأثيل الإيرانيّ بيمان ميكايلي Peyman Mikaili مؤلّف "المعجم الإتيمولوجي للّغة العربيّة" (2013م) An Etymological Dictionary of Arabic، يعتمد تأثيله على تصميم للمجموعات الرّاديكاليّة التّبادليّة للأصوات العربيّة الّتي يقع بينها تناوب وتعاقب أو إبدال، وقد أشرت في كتابي هذا إلى جهود لسانيّة أخرى لا تُنكر مثل أعمال اللّسانيّ الفرنسيّ جورج بوهاس من خلال كتابه الشهير: "المصفوفات والأثول والجذور" (1997م) Matrices, Etymons, Racines, Éléments d'une théorie lexicologique du vocabulaire Arab.
ومن أولئك الّذين تضمّن الكتاب تأثيلًا لهم وتأصيلًا لجملة ألفاظ نفرٌ من العلماء المتبحرين في تاريخ اللّغة العربيّة وأصولها في عصر ما قبل الإسلام، ومنهم: العلّامة أحمد حسين شرف الدّين صاحب كتاب: "اللّغة العربيّة في عصر ما قبل الإسلام"، والعلّامة مطهّر الإريانيّ صاحب كتاب: "نقوش مسنديّة". وقد قام كتابي هذا "تشكّل الأنساق اللُّغويّة في صناعة المعجم التّاريخيّ" على قائمة مرجعيّة تربو على المئة والخمسين كتابًا تمتدّ منذ بدايات التأليف في اللّغة إلى عصرنا هذا، بالإضافة إلى طائفة من المرجعيّات الأجنبيّة الأساسيّة القائمة على التأصيل والتأثيل.
رصد التّطوّر الإتيمولوجي داخل المادّة العربيّة
(*) كيف تقرّب القرّاء من مفهوم "الأنساق اللُّغويّة في صناعة المعجم التّاريخيّ"، أو لنقل مفهوم "الأنساق المعجميّة الّتي تجمع بين الجذور والأصول والألفاظ ذات الصلات المشتركة"؟ في علاقتها بالجذور ذات الأصل السّاميّ المشترك أو في علاقتها بالألفاظ الأعجميّة.
منهج الكتاب يحاصر التوسّع الخياليّ الميثولوجي الّذي يُبنى على توهّم الاختلاط بين عناصر لغويّة لا يجمعها نَسَق مشترك: ومن ذلك أنّ كلمة (كوميل) في اللسان العبريّ (بحسب قصّة تأثيل أوردها ابن الأثير في المثل السائر) قد وضعت في مادّة (ج-م-ل) في المعجمات، وكذلك في المعجم التّاريخيّ، دون تنظيم لعائلات المادّة داخل الجذر نفسه، وهذا يؤثّر على فكرة التّطوّر التّاريخيّ، وكلمات (الجمل) و(الجمال) و(التجميل) دائمًا تظهر في المعاجم العربيّة معًا في جذر واحد؛ فاختلطت معاني ومشتقّات الجمل بمعاني ومشتقّات الجمال، واعتقد الناس في خيال واسع أنّ الجَمَال مشتقّ من معنى الجمل الحيوان دون دليل من حجّة على وجود علاقة منطقيّة بينهما؛ لأنّ الكلمتين تُمعجمان دائمًا تحت الجذر (ج-م-ل)، وأسهم مثل هذا التّداخل في التوسّع الميثولوجي حول بعض أصول العربيّة؛ فقالوا: إنّ معنى (الثّور) الحيوان له صلة بـ(الثّورة)، وإنّ (الغزْل) و(الغزال) بينهما تشابه دلالي وهكذا، وعلى المعجم التّاريخيّ اليوم أن يوجد طريقة لتمييز العائلات عن بعضها مع الحفاظ على خصوصيّة الجذر وهذا الأمر أصبح ممكنًا بمنهج هذا الكتاب المذكور، فلا يسمح أن تكون كلمة (القِنّ) وكلمة (القنّينة) في عائلة واحدة دون إيجاد حلول لذلك، أو أن تُقدّر علاقة بين كلمة (الحصان) الحيوان وكلمة (الحصن)، وقد جاء المعجم التّاريخيّ اليوم ليعيد تنظيم المادّة اللُّغويّة للمعجم على أساس فكرة التّطوّر ضمن نسق واضح للعائلة اللُّغويّة، ويُصحّح ما وقع من اختلاط غير صحيح بين العائلات كان بوسعه أن يعمّق ظاهرة التوسّع الميثولوجي على غير هُدًى.
أضيف أيضًا بعض الأمثلة لمسائل التّداخل بين الجذور السّاميّة المشتركة وأسبابها وأهمّ طرق علاجها في كتابي المشار إليه. إنّ جذور اللّغة العربيّة هي أصلًا جذور ساميّة وكذلك جذور النقوش القديمة، وأضرب فيما يلي أمثلة واضحة لما يحدث عند عمليّة ربط الألفاظ السّاميّة المشتركة بنظيرها من الجذر أو من المادّة المعجميّة من دون مراعاة البحث عن بقية صُور اللفظ الّتي تمثّل نسقًا مشتركًا.
فالباحث عن كلمة (الماجل): "شبه حوض يجتمع فيه ماء المطر" يعثر عليه في مادّة (مجل) في حين أنّ له صورة مهموزة في (ءجل) مكمّلة للنّسق، واختلاف صور الكتابة في النظائر السّاميّة جعل من اللفظ واردًا في موضعين: (مجل) و(ءجل) بدون ربط بينهما، وهذا أثّر على منهج المعجم وعلى القيمة من النظائر في مواضع كثيرة، أمّا مادّة النظائر فقد رُبطت فقط بـ(ءجل) وأغفلت (مجل)، وزاد الأمر تعقيدًا أنّ النظائر في (مجل) بعيدة عن معاني الماجل.
ومعلوم أنّ النّطق الصّوتيّ للفظ في النظير السامي لا يوافق غالبًا نطقه في العربيّة بسبب الاختلاف بتقديم أو تأخير أو إبدال صواتي، وهذا الأمر ألحق اضطّرابًا كبيرًا في مادّة النظائر فنجد أنّ مادّة شهر (آذار) قد لحقت خطأً أو توهّمًا بمادّة (الآدَر): المصاب بانتفاخ الخصية، وهذا الخطأ الفادح قد نجم عن التشابه الصّوتيّ في النّطق بين (آذار) الشهر و(آدر) الصّفة، فوقع الربط غير الصحيح، ومثل ذلك ما وقع عند إجراء عمليّة ربط خاطئة بين (يناير) ومادّة (صرر) مراعاة للشكل الكتابيّ في إحدى النظائر، والّذي يشتبه بكتابة (صرر)، وكتابنا هذا يشخص الإشكال ويبني عمليّات الربط على أساس التشابه في المبنى والمعنى معًا بالنظر إلى جميع صُور اللفظ المحتملة.
وقد وقع أثناء جمع علماء اللّغة للألفاظ تداخلٌ واختلاط واسع بين العائلات اللُّغويّة ليس مع النظير السامي وحسب بل حتّى مع مقابله من الألفاظ الأعجميّة، وهذا معروف وواضح لمن يتتبّع المادّة اللُّغويّة في المعجمات، ومن أوضح الأمثلة ما يظهر في كتاب العين تحت مادّة (بلس): "بلس: المُبْلِسُ: الكئيبُ الحزين المُتَنَدِّم. وسُمِّي إِبليسَ لأنّه أُبِلسَ من الخَيْر أي أُوِيسَ، وقيل: لُعِن. والمُبلِسُ: البائِسُ. والبَلَسانُ: شَجَرٌ حَبُّه يجعَل في الدّواءِ، ولحَبِّه دُهْن". فيُرى جليًّا في معجم العين أنّ عائلة اللفظ (إبليس) ومشتقّاته قد اختلطت بعائلة شجر البلسان. ومن ذلك أيضًا اختلاط مشتقّات (المَعِدة) بمشتقّات قبيلة (مَعَدّ) ومع مشتقّات نبات (المعْد) الّذي هو لغة أو صورة مصحّفة عن نبات (المغد) وهو لفظ أعجميّ، وغير ذلك كثير، على أنّ الاختلاط بين الجذور وعائلاتها لا يقتصر على نوع واحد بل على عشرات الأنواع، اختصّ الكتاب في تقديم حلول جذريّة لكلّ هذه الأنواع قد نأتي على جلّها في هذا الحوار الاستثنائيّ، ومن ذلك ما يمكن التمثيل له للتبسيط بما يلي من أنماط اختلاط بين عائلات جذور عربيّة نجم عن عدم أخذ جميع صُور النّسَق المتجانسة في الاعتبار عند عمليّة المعجمة؛ وذلك بسبب وقوع تناوب صوتي على لفظ واحد أو تقديم أو تأخير فعوملت صوَره معزولة عن أصولها وبُني منها جذورٌ بعضها جذور وهميّة.
تُسمّى كلّ مجموعة أصوات تتبادل مواقعها مع نظائرها بالمجموعة التّبادليّة القصوى، بمعنى أنّ الصّوت الواحد يتبادل مع نظيره الموافق له في المخرج والصّفة على مستوى الجذر بأكثر من صورة، وهذه الصُّور تمثّل نسقًا مشتركًا في المبنى والمعنى؛ فالهمزة والواو (ء/و) يُعدّان تبادليّين ضمن نسق واحد؛ بمعنى أنّه يقع بينهما تبادل وتناوب على الموقع، وحيثما ورد واحد منهما في جذر فهو يحتمل نظيره، كالهمزة في الجذر (أرف) يُحتمل أن يكون منه في (ورف) وهذا يعني وجود تداخل في المعاني كما في (نبأ) و(نبو)، ومثل هذا يحصل في كلٍّ من (أرب) و(ورب) بحيث إنّ معاني الفساد والمخادعة والالتواء دخيلة في (أرب)، وهي أصلٌ في (ورب) الّتي منها المواربة، وإنّ معاني (العقل والفطنة والدّهاء والظّفَر والحاجة) معانٍ مستقرّة في (أرب) المهموز، وإذا توقّعنا مثل هذه التناوبات على اللفظ النظير في السّاميّات فلنا أن نتوقّع حجم الإشكال وخطورته وما يترتب عليه.
تظهر العلاقة التّبادليّة المُطّردة بين صوتي الباء والميم، في جذور عدّة ومنها (أزم) و(أزب) ويتبادلان إنتاج معنى الشّدّة، ومنه (الأَزْبَةُ بالفتح: الشِدّةُ)، وكذلك (الأَزْمَةُ)، فالكلمتان تثويان إلى بعضهما في أصل أثليّ واحد، إحداهما لغة في الأقدم، ويُضمّ إليهما: (اللَّزْبَة) الّتي تتأثّل في الجذر (لزب) وكان لا بدّ من الإحالة والربط بين جميع الصُّور الّتي تفرّقت بهذا النّوع من التناوب الصّوتيّ.
كان لا بدّ في سياق معجم تاريخيّ يُعنى بالتّطوّر من اعتماد منهجيّة واضحة لرصد التّطوّر الإتيمولوجي داخل المادّة العربيّة نطقًا وكتابة، تعين على تفسير اختلاط الموادّ المعجميّة بغيرها، وعلى مسألة تداخل الجذور، وغيرها من هذه المسائل، وذلك لا يتأتّى إلّا بمعرفة أصوات اللّغة والتّطوّر الّذي لحق بكلّ صوت؛ فالجيم، على سبيل المثال، من الأصوات الّتي يلتبس فيها الوصف على الدّارسين اليوم، فهي تُنطق مُعطّشة، وتُنطق مجهورة، وقد توصف بأنّها المقابل المجهور للكاف، وهو النّطق المصريّ المعروف للجيم، واستُدلّ على ذلك بما ذكره العلّامة عبد الله محمد بن أحمد المقدسيّ عن نطق أهل عَدَن للجيم، في كتابه "أحسن التقاسيم": "ويجعلون الجيم كافًا فيقولون لرجب ركب، ولرجل ركل؟ وقد روي أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أتى بروثة عند الاستجمار فألقاها وقال هي ركس". وقد وهمت بعض المعجمات في وضع اللّفظ (ركس) في عائلة الجذر (ركس)، ولو انتُبه للتّناظر والتّناوب الحاصل بين صوت الجيم ونظيره الكاف، لكان الجذر (رجس) هو المكان الّذي يثوي فيه اللّفظان (رِجس) ونظيره (رِكس).
أمّا صوت القاف، فهو في نُطقه القائم كما ينطق بها المجوّدون من قُرّاء مصر، فيوافق ما ورد في وصف سيبويه له بقوله: "ومن أقصى اللّسان وممّا فوقه من الحنك الأعلى: مخرج القاف"، لكنّنا نقع في حيرة أمام وصف آخر لسيبويه نفسه: "ومن أسفل من موضع القاف من اللّسان قليلًا، وممّا يليه من الحنك الأعلى مخرج الكاف" والّذي تليه الكاف من الحنك إنّما هو صوت القاف الّتي تشبه الجيم عند أهل القاهرة ووسط اليمن، وهذا الوصف يوافق رأي نيكولاي تروبيتسكوي الّذي يعتبر أنّ القاف هي المقابل المفخّم للكاف، كاعتبار الطّاء المقابلَ المفخّم للتّاء، وهذا يعني اتّحاد مخرجهما.
وليس هنا موضع استطراد لكلّ الأصوات العربيّة وما لحق بها، ويكفي ما ذُكر من تعقيد رصد التّطوّر الّذي حصل لبعض الأصوات كالجيم والقاف ليتبيّن لنا أنّ مسألة التّأثيل ورصد محطّات التّطوّر مسألة شائكة ومعقّدة، لكنّ العمل المعجميّ الصحيح لا يقوم إلّا بها.
تقوم فكرة تجميع الأصوات التّبادليّة (الّتي تتبادل فيما بينها وتتنقّل من صورة صوتيّة إلى أخرى، في لغة واحدة أو في لغات ساميّة أخرى) على مجموعة راديكاليّة radical clauster تمثّل الطّيف الصّوتيّ الأساسيّ، وهي عبارة عن عيّنة من مجموعة الأصوات الّتي يمكن أن يكون منها لكلّ صوت من أصوات الجذر أو الكلمة نظيرٌ يحلّ محلّه دون تغيير في المعنى، ويقدّر أنّ معنًى واحدًا مشتركًا يكون بين كلّ أربعة جذور، ومن ثمّ يصحّ استعمال المعنى الإتيمولوجي الدّاخلي للجذور المشتركة الأخرى.
يتبيّن من نماذج الأصوات التّبادليّة أنّ المجموعات الصّوتيّة ذات القِيَم الاستبداليّة أو التّبادليّة أو التّناظريّة، تتألّف من خمس أو سبع مجموعات على أساسها يمكن لنا التفطّن إلى مواضع الاختلاط بعمل منظّم ودقيق. المجموعة الأولى (الهمزة والخاء والهاء والحاء والعين والغين) وهذه المجموعة هي تلك الّتي تُسمّى بحروف الحلق، ولم يذكر معها صوت الواو (في نموذج ميكايلي) الّذي يتبادل موقعه مع صوت الهمزة في موادّ معجميّة عديدة كما في (أرب) و(ورب) و(أبل) و(وبل). وتتألّف المجموعة الثّانية من (الباء والفاء والميم معًا، والرّاء واللّام معًا) ويظهر أنّ (ميكايلي) جمع بين حرفي الذّلاقة: الرّاء واللّام، والحروف الشّفويّة؛ ربّما لأنّه وجد حالاتٍ وقع فيها تبادل بين أصوات هذه المجموعة. أمّا المجموعة الثّالثة فتتألّف من (التّاء والثّاء معًا، والسّين والشّين معًا، والزّاي والذّال، والصّاد والضّاد معًا، والطّاء والظّاء معًا، والجيم والقاف والكاف معًا). ولا يوجد في المجموعة الرّابعة غير حرف واحد وهو (الدّال)، وفي الخامسة (الياء والواو، والنّون، والهاء).
(*) لماذا وقع اختيارك على معجم الدّوحة التّاريخيّ للّغة العربيّة كمادّة رئيسيّة ليكون موضوع هذه الدراسة عبر تناول تطبيقات منه؟
الكتاب في أصل فكرته وتكوينه كان موجّهًا منذ البداية إلى معجم الدّوحة التّاريخيّ بحكم انتمائي إليه، وقد صُمّمَ لتقديم حلول مركّبة لإشكالات التّداخل بين الجذور ولمّ شتات العائلات اللُّغويّة وردّها إلى مواضعها مع إبراز خاصّيّة التّطوّر التّاريخيّ على النحو الصحيح، وكان بعضها قد تفرّق لاعتبارات مختلفة نجم أكثرها عن التحليل الحاسوبيّ للوحدات الصّرفيّة أو نجم عن الربط الخاطئ بين الجذور ونظائرها؛ لذلك اختار الكتاب التطبيق على موادّ المعجم لتكون الحلول واقعيّة وقابلة للتطبيق، والكتاب جاهز أيضًا ليصبح مرجعيّة دقيقة في مراجعة المعجم التّاريخيّ برؤية جديدة تجمع بين خصوصيّة الصناعة المعجميّة العامّة ومتطلّبات المعاجم التّاريخيّة.
(*) تطرح في الكتاب رؤية مفادها أنّ "معالجة المفردات خارج سياق الأنساق المعجميّة الّتي تجمع بين الجذور والأصول والألفاظ ذات الصلات المشتركة، تؤدّي إلى خلل في الصناعة المعجميّة الحديثة. فالعزل بين الكلمات ونظائرها يُفقد المادّة المعجميّة دقّتها التأصيليّة ويجعلها عرضة لمخاطر الاضطّراب". فهل لك أن تتوسّع في توضيح هذه الفكرة؟
أبدأ بمثال بسيط لتوضيح ما يترتب على العزل والانفصام بين عائلة المجموعة الواحدة الّتي تمثّل نسقًا لا يقبل الفصل في موضوعين من المعجم وهذا العزل على أنواع عديدة:
مثال النّوع الأوّل: تعتبر مادّتا (مغص) بالصّاد و(مغس) بالسّين نسقًا واحدًا وقع بينهما إبدال في موضع الصّاد والسّين لاشتراك في المخرج؛ فالّذي سيطّلع على (المَغْس) بالسّين في المعجم من خلال شاهد من كتاب العين: 175هـ/791م، المَغْسُ: وَجَعٌ فِي البَطْنِ يَتَلَوَّى مِنْهُ المَرِيضُ."المَغْسُ لُغَةٌ فِي المَغْصِ" سيعتقد أنّ أقدم شاهد مدوّن لهذا النّوع من الأعراض كان بتاريخ (175هـ) وهذه معلومة غير دقيقة، والصحيح أنّ هذا العَرَض قد رُصد له شاهد أقدم في مادّة (مغص) بالصّاد، بتاريخ 2هـ/623م، من خلال شاهد من الحديث النبويّ: المَغْصُ: الوَجَعُ وَالتّقَطُّعُ فِي الأَمْعَاء: "إِنَّ أَبَا حَسَنٍ وَجَدَ مَغْصًا فِي بَطْنِهِ"، ولولا الإحالة المسجّلة على مادّة (مغس) الّتي تفيد أنّها من مادّة (مغص) لما كان ليعرف شيء عن أقدمية اللفظ، والأفضل ضمن الحلول المقترحة لهذه الظاهرة ضمّ المادّتين (مغص) و(مغس) في مادّة واحدة، وضمّ نظائرها السّاميّة إلى هذه المادّة المجتمعة.
ومثال النّوع الثّاني: ما تنافر في موادّ مختلفة وأصله واحد من قبيل كلمة: (الماجل: حوض الماء)، أو (المأجل) بتسهيل أو همز، وضعا في موضعين مختلفين: الأوّل في (م ج ل) والثاني في (ء ج ل) فيتوهّم الّذي يراه في (مجل) أنّ تدوين هذا اللفظ قد تأخّر إلى سنة 125هـ والصحيح أنّ شاهده الأقدم في (ء ج ل) بسنة 60هـ، والحقيقة إنّ مثل هذا العزل بين أعضاء نسق واحد قد يقضي على فكرة المعجم التّاريخيّ إذا تعاظم ولم يُحاصر بعمل نوعيّ محكم، والحلّ المقترح لهذا النّوع هو إجراء الإحالة الخارجيّة بين اللّفظين مع إعادة ربط بالنظائر بهما معًا وليس بواحد منهما.
وهناك نوع ثالث وهو الأهمّ والأشمل ومثاله الواضح من مادّة (ب-ر-د) على سبيل المثال، فمادّة (برد) تتألّف من سبعة أصول أو سبع عائلات اشتقاقيّة ودلاليّة وهي على هذا النحو: (عائلة ألفاظ البَرْد خلاف الحرف، وعائلة ألفاظ البَرْد بمعنى القطْع ومنه المِبْرَد، وعائلة ألفاظ البريد الرّسالة والرّسول، وعائلة البُرْد الثوب، وعائلة البَرْدِيّ الورق، وعائلة البُرْدِيّ ضربٌ من التمر الجيد، وعائلة البارود). وعلى الوضع الرّاهن في المعجم فقد عُزِلت عائلة (البريد) وعزلت عائلة (البارود)، والّذي ظلّ داخل الجذر (برد) بقيّة العائلات، وفيها قد نجد ألفاظ هذه العائلات متداخلة ببعضها؛ فلا يمنع أن تجد معنى القَطْع يتبع معنى البَرْد خلاف الحرّ والعكس أيضًا موجود، وقد تجد معنى البُرد الثوب بين الاثنين، ممّا يؤثّر على مسألة التطّور وعلى الترتيب التّاريخيّ ويعمّق اعتقادًا بأنّ هذه العائلات تنتمي إلى أصل واحد. والحلّ المقترح في كتابي (تشكّل الأنساق اللُّغويّة) هذا، هو أنّ تنتظم جميع العائلات السبع تحت الجذر (برد) مع مراعاة تمييز العائلات وتنظيمها دلاليًّا وتاريخيًّا، كلُّ عائلة على حِدَة، وتُرتّب مداخل هذه العائلات بحسب الأقدم، وتوسم العائلة الأعجميّة الأصل بمعلومات التأثيل على أصل هذه العائلة، ثمّ تُذكر معلومات النظائر السّاميّة على أصل كلّ عائلة من هذه العائلات، وكلّ هذه المعلومات مدرجة تحت جذر واحد للعائلات السبع. يتميّز هذا الحلّ بما يلي:
- الجمع بين خُصوصيّة المعاجم العامّة في احترامها لنظام الجذور السّاميّة من جهة، ومتطلّبات المعجم التّاريخيّ في تنظيمه للعائلات الّتي تطّورت عن بعضها من جهة ثانية، على اعتبار أنّ الجذر خاصّيّة للغات السّاميّة كلّها، يعدّ بمثابة حاضنة تاريخيّة للألفاظ الّتي تشترك في صوامت هذا الجذر وليس له دلالة يُفهم منها أنّه عربيّ أو أعجميّ.
- تيسير البحث عن الكلمة بالجذر اللغويّ فكلمة (بريد) المعزولة أو (البارود) لا يُعثر عليها عند البحث بالجذر في الوضع القائم، وهذا أمر مخالف لنظام التجذير الّذي تقيّد به المعجم في منهجه وتقيّدت به المعاجم اللُّغويّة الكبيرة.
- لمّ شتات عدد كبير من الموادّ الّتي بقيت معزولة عن مشتقّاتها، فكلمة (إبليس) وكلمة (شيطان) وكلمة (فلس) وكلمة (طُنّ) الأعجميّات الأصل، عُزلت عن جُذورها وسائر مشتقّاتها، ومنها الّتي بقيت في الجذور (بلس، فلس، طنن)، فعند البحث في الجذر القائم (بلس) نعثر على كلمة (المُبْلِس) المشتقّ من كلمة (إبليس)، ولكن لا نعثر على كلمة (إبليس) نفسها، وكذلك بالنسبة لكلمة (فلس) نعثر عند البحث بالجذر على كلمة (المُفْلِس) ولا نعثر على الأصل (فَلْس)، وكذلك لفظ (الطُّنّ) الفرنسي معزول عن الجذر (طنن) الّذي يتضمّن الأصول اللاتينيّة للفظ. أمّا كلمة (الشّيطان) فقد اختلطت مع كلمة (الشَّطَن) الحَبْل الطَّوِيل الشّدِيد الفَتْل في الجذر الثلاثيّ (شطن)، وهذا خطأ صوابه أن توضع كلمات (الشّيطان) ومشتقّاته تحت الجذر الرباعيّ (شيطن) وتضمّ إليه المشتقّات (مُشيطِن ومُشَيطِنة ومتشيطِن... إلخ)، أمّا الجذر الثلاثيّ (شطن) فتضمّ إليه المشتقّات الخاصّة بمعاني الحبل الشّديد الفتل، مثل (الشّاطن والمشطون)، وهكذا يتّم تصحيح المسار الإتيمولوجي والتّطوّر وفق نظام العائلات المتجانسة، وتصبح جميع المعلومات صحيحة متطابقة على مستوى التجذير وتنظيم المشتقّات في عائلات متجانسة منطقيًّا، وعلى مستوى الترتيب التّاريخيّ للتّطوّر، ثمّ توضع على أصل كلّ عائلة معلومات نظائره من اللغات السّاميّة.
ولعلّ كتابي هذا قد شخّص الإشكال تشخيصًا دقيقًا وقدّم حلولًا جذريّة لمسائل العزل والتّداخل بين الجذور وغيرها في علاقتها ببعضها وفي علاقتها بالألفاظ ذات الأصل الأعجميّ وفي علاقتها بجذور النظّائر السّاميّة.
والصّورة الآتية المقدّمة لنموذج رابع فيه تداخل أكثر تعقيدًا، يُتوقّع من خلاله ارتفاع نسبة التّداخل وعدم الإحالة بين الجذور الّتي تحمل نُويّات المعاني المتماثلة، كما تحتمل تعريفات هذه المداخل سمات خارجة عنها وما إلى ذلك ممّا رأيناه مع (أرب) و(ورب) وممّا سيمرّ بنا في حالات أخرى كثيرة من المعجم العربيّ، ومنها ما يقع بين الدّال والزّاي بحسب ما أشار إليه العلامة إبراهيم أنيس.
وفي تشكّل آخر خامس يتطلّب الإحالة بين أنساقه المشتركة، كما في (أبّر) و(وبّر) النّخل والزّرع: أصلحه، نجد أنّهما يلتقيان مع (بَرّ) في معنى صلُحَ. والتّداخل متنبّأٌ به في (أبّر) و(وبّر)؛ كون الهمزة والواو في موقع تبادليّ واحد، على النّحو الّذي ظهر في أنموذج التّبادل الصّوتيّ.
(*) ما الجديد الّذي أضافه معجم الدّوحة التّاريخيّ للّغة العربيّة للصناعة المعجميّة التّاريخيّة والمعاصرة؟ وما هي أهم الخصائص الّتي ميّزت صناعة هذا المعجم؟ وإلى أيّ مدى يمكن اعتباره نموذجًا رائدًا لهذه الصناعة عربيًّا وعالميًّا؟
جاء معجم الدّوحة التّاريخيّ ليحقّق أهداف المعاجم التّاريخيّة بالمزايا العالميّة مع خصوصيّات أساسيّة لمعجمنا هذا أهمّها أنّه: مُعْجمٌ تاريخيّ تأصيليّ تطوّريّ، يجتهد في إثبات أصل اللّفظ القديم بمعناه القديم وصورته الأقدم المثبّتة في نصّ مكتوب، ثمّ يرصد مراحل تطوّراته البنيويّة والدّلاليّة اللّاحقة ضمن تسلسل تاريخيّ تطوّريّ من الأقدم إلى الأحدث، في تنظيم للألفاظ والمعاني ضمن عائلات أو أنساق اشتقاقيّة ودلاليّة منسجمة منطقيًّا مع بعضها. ومن مزيّاته أنّه معجمٌ معزّز بالشّواهد الّتي تشهد على صحّة استعمال الألفاظ ودلالاتها في زمنها وتاريخها، وهو معجم معزّز بمعلومات عن النّقوش الأثريّة والنّظائر السّاميّة كالسبئيّة والآراميّة والأكّاديّة والكنعانيّة والعبريّة وغيرها. وممّا اختصّ به أيضًا أنّه معجم تأثيليّ تأصيليّ، يعكس حجم التّفاعل الحضاريّ والعالميّ مع الأمم والحضارات الأخرى من خلال إدراجه للألفاظ المعرّبة عن أصل أعجميّ مع رصد تاريخ دخولها إلى العربيّة ومحطّات تحوّلاتها الحضاريّة، وهو معجم معزّز بالمعلومات الموثّقة والموثوقة: يَستشهد على كلّ لفظ ومعناه ووسمه بشاهد له يشهد على صحّته، مع ذكر المستعمل له وتاريخ وفاته أو تاريخ استعمال الشّاهد، وذكر معلومات المصدر الموثّق منه والمؤلّف ومكان وتاريخ صدوره. ويتيح المعجم مدوّنة مهيكلة مرقمنة مربوطة بالمصادر والتاريخ، يتردّد فيها اللفظ مرّات عديدة في حقول معرفيّة مختلفة على أزمنة وأحقاب ممتدّة، ومن مزايا هذه الخاصّيّة: إمكانية الحصول على معلومات محايدة عن الألفاظ تمكّن الباحثين من إعادة تقييم المعطيات التّاريخيّة، وتعين على إجراء دراسات مسحيّة وتحليليّة لفائدة علوم مختلفة كالإناسة والبيئة والمجتمع والتاريخ وعلوم الحضارة وعلم اللّغة التّاريخيّ والأدب وغيرها ممّا قدمتُ عليه أمثلة غنيّة في مقال سابق نُشر على صفحة المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات، وعلى منصّة "ضفة ثالثة- العربيّ الجديد"، بتاريخ (27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025م) بعنوان: "معجم الدّوحة التّاريخيّ للّغة العربيّة، نهضة شاملة، ومنصّة مفتوحة للباحثين والدارسين والمهتمّين".
(*) لم يعد مبالغة أن المفكّر عزمي بشارة يمثّل وعْيَ الأمّة بأهمّيّة تبنّي مشروع معجم الدّوحة التّاريخيّ وإدارته والإشراف عليه في جميع مراحله. فما هو تقييمك للدور الّذي لعبه المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات، بإشراف مباشر ومتابعة من قِبل المُفكّر العربيّ الدكتور عزمي بشارة، طيلة الثلاثة عشر عامًا الماضية، من العمل المتواصل في هذا المشروع اللّغويّ الرائد؟
معجم الدّوحة التّاريخيّ للّغة العربيّة هو براءة اختراع مسجّلة للمركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات، ولدولة قطر، ونقطة تحوّل في التاريخ الفكريّ والحضاريّ للّغة العربيّة باتّجاه النهوض باللّغة العربيّة وتطوير السياسة اللُّغويّة والتخطيط لها لتحقيق نهضة لغويّة ومعرفيّة شاملتين، وتعميق الانتماء بالهُويّة اللُّغويّة وحمايتها، ولم يعد مبالغة أن يمثّل المفكّر الدكتور عزمي بشارة وعْيَ الأمّة بأهمّيّة تبنّي مشاريع حيويّة كمشروع معجم الدّوحة التّاريخيّ وإدارته والإشراف عليه في جميع مراحله على امتداد ثلاثة عشر عامًا.
(*) أخيرًا، بعد الفراغ من تحرير معجم الدّوحة التّاريخيّ للّغة العربيّة، وإصدار نسخته الإلكترونيّة، متى سيرى النور ورقيًّا؟
تتطلّب النّسخة الورقيّة مزيدًا من المراجعات المركّبة خاصّة المراجعة الشاملة على أساس مسائل التأثيل والتأصيل والإحالة والربط وبعض القضايا الأخرى، وهذا أمر يتطلّب عامين أو ثلاثة أعوام، وشدّد الدكتور عزمي بشارة على ضرورة التريّث في مسألة النّشر الورقيّ إلى حين اكتمال ملاحظات المهتمّين من أبناء الأمّة على ما يجدونه على النسخة الإلكترونيّة، لتخرج النسخة الورقيّة محصّنة بشراكة ومسؤوليّة من كافة المتابعين والمهتمّين والمحبّين للّغة العربيّة.
عن (ضفة ثالثة)