لا تتوخى هذه المقالة تمحيص الوقائع والأحداث والشخصيات الواردة في الرواية تمحيصا تاريخيا، بل هي تهتمّ أساسا بالجانب التقني، أي تسعى إلى الكشف عن الآليات والوسائل التي سخرها الكاتب لجعل الإيهام بالواقع التاريخي فعالا. كما ترمي إلى تفسير سبب نجاح الروائي في إخفاء الطابع التخييلي للنص، والتمويه على بعض القراء.

آليات الإيهام بالواقع التاريخي

في رواية «عزازيل» ليوسف زيدان

محمد التهامي العماري

 

مقدمة:
"عزازيل" رواية للكاتب المصري يوسف زيدان، صدرت طبعتها الأولى عن دار الشروق بالقاهرة سنة 2008، وهي تقع في 380 صفحة من القطع الصغير، فازت في السنة الموالية لصدورها بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر). تحكي هذه الرواية سيرة راهب يدعى هيبا، دوّنها سرّا في أربعين يوما بإيعاز من عزازيل، يسرد فيها ما وقع له منذ ميلاده في صعيد مصر سنة 391 إلى سنة 439 للميلاد. فبعد أن قتل المسيحيون أباه الوثني بطريقة بشعة، وتزوجت أمّه المسيحيّة من أحد قتلة أبيه، كفله عمه الذي اعتنق المسيحية، ودفعه إلى اعتناقها هو أيضا. رحل هيبا إلى أخميم لدراسة اللاهوت والطب، ومنها إلى الإسكندرية للتبحّر فيهما. وفي الاسكندرية شهد أحداثا مروعة تمثلت على الخصوص في تنكيل رجال الكنسية بالفيلسوفة هيباتيا، وكذا بمضيفته أوكتافيا التي آوته بضعة أيام في بيت سيدها التاجر الصقيلي عند حلوله بهذه المدينة. وقد كانت المشاهد التي عاينها من البشاعة بحيث غادر الإسكندرية هائما على وجهه باتجاه الشرق. إن ما لاحظه من مفارقة بين مبادئ الدين المسيحي السمحة وبين سلوك معتنقيه العنيف والوحشي دفعه إلى البحث عن حقيقة الديانة، فقطع الدلتا وصحراء سيناء، وطاف على مغارات البحر الميت ليصل إلى أورشليم. وبعد الإقامة فيها لفترة، تركها ليستقر به المقام في دير واقع شمال حلب، ومن هناك سيتابع الصراعات العنيفة التي نشبت بين الكنائس الكبرى حينئذ، وفي هذا الدير سيدون سيرته.

وقد أثار صدور هذه الرواية جدلا واسعا بسبب حديثها عن فترة حساسة من تاريخ المسيحية، وخوضها في الاضطهاد الذي تعرض له الوثنيون واليهود على يد الكنيسة بعد أن صارت المسيحية ديانة الأغلبية في مصر، وكذا إشارتها للانقسامات التي وقعت بين رجال الدين بسبب قضايا لاهوتية تتعلق بطبيعة المسيح ووضع والدته السيدة مريم، وتلميحها إلى أن تلك النزاعات العقدية كانت تخفي في عمقها صراعا حول النفوذ والمصالح. والحقيقة أن براعة المؤلف في الصهر بين المكونين التاريخي والتخييلي جعل الأمر يلتبس على كثير من والقراء بحيث راحوا يقرؤونها كما لو كانت نصا تاريخيا، ويتعاملون مع شخصياتها كما لو أنها شخصيات وجدت فعلا بل مضى بعضهم يتهمون كاتبها بالتجديف وتزييف الوقائع وتزوير الحقائق التاريخية. فهذا الأنبا بيشوي (2009) يؤلف كتابا يرد فيه على مؤلف عزازيل، ويجرد "الأخطاء التاريخية" التي وقع فيها (ص 25-26). يقول:

هذا الكتاب هو ردّ لاهوتي وتاريخي موثّق بالبراهين المستندة إلى أقدم المخطوطات الحقيقية غير الزائفة. وذلك لتصحيح الأضاليل التي أوردها يوسف زيدان في روايته عزازيل، والتي مزج فيها الأدب الروائي بالتاريخ والعقيدة والشرح اللاهوتي، بنفس الأسلوب الذي كتب به جان براون روايته المشهورة شفرة دافنشي وكسب من ورائها ملايين الدولارات. (ص 11)

وقد سار عبد المسيح بسيط أبو الخير (2009) في نفس المنحى إذ صنف كتابا بعنوان: "رواية عزايل: هل هي جهل بالتاريخ أم تزوير للتاريخ؟ ردا على رواية عزازيل ليوسف زيدان". ففضلا على اتهامه بالكذب والبهتان لأنه لم ينبه القراء إلى أن الرقوق التي تدور حولها الرواية لا وجود لها في الواقع، وأنها مجرد حيلة أدبية (ص ص 7-5)، فإنه اتهمه أيضا بسرقة فكرتها من رواية الكاتب الإنجليزي تشارلز كنجزلي 31). أما عادل جرجس سعد (2009)، فحاول في كتابه "فك شفرة زيدان فك رموز رواية عزازيل ليوسف زيدان" أن يفند كثيرا من المعلومات والوقائع التي ورد ذكرها في الرواية، بدعوى أنها مخالفة لما أورده المؤرخون في كتاباتهم.

إن العلاقة بين الأدب الحكائي عموما والتاريخ ليست حديثة. هي قضية قديمة طرحت منذ بدء التنظير للخطاب الأدبي. فقد أثارها أرسطو في كتاب "فن الشعر" منذ عهد الإغريق، حيث ميّز بين الشعر والتاريخ، ليس بناء على الوزن، بل اعتمادا على طبيعة ما يحكيه كل منهما. يقول: «ذلك أنّ المؤرّخ والشاعر لا يختلفان بكون أحدهما يروي الأحداث شعرا والآخر يرويها نثرا، وإنما يتمايزان من كون أحدهما يروي الأحداث التي حدثت فعلا بينما الآخر يروي الأحداث التي يمكن أن تقع. ولهذا كان الشعر أوفر حظا من الفلسفة وأسمى مقاما من التاريخ، لأن الشعر بالأحرى يروي الكلي بينما التاريخ يروي الجزئي.» (أرسطوطاليس 1953، ص 26).

فإذا كان التاريخ يحكي ما وقع فعلا فإن الشعر (الدرامي والملحمي طبعا) يحكي ما يحتمل أن يقع بناء على مبدأي الضرورة والاحتمال. وبذلك خلص أرسطو إلى أن الشعر أعمّ من التاريخ. فهو يميز بين خطابين سرديين، يتكفّل الأوّل [التاريخ] بسرد الأحداث التي وقعت فعلا في الماضي، بينما يحكي الثاني [الشعر] ما كان يمكن أن يحدث أو ما يحتمل حدوثه. والواقع أن هذا التصور يُجنّب المحاكاة أن تكون مجرد استنساخ للواقع، ويفتح الإبداع الأدبي على آفاق أرحب، وبذلك فإن محاكمة الشعر والأدب بعامة بمعيار الحقيقة التاريخية، أي بمطابقة الأحداث والشخوص لما وقع فعلا، شيء فيه عسف كبير.

وإذا كانت هذه القضية، أي العلاقة بين الأدب والتاريخ، تُطرح في سائر الأنواع الأدبية، فإنها مطروحة بشكل أحدّ في الرواية التاريخية. ذلك أن هذا النوع من الرواية يقرن بين أمرين متضادين: من جهة التاريخ باعتباره علما يحرص على تحليل أحداث الماضي تحليلا موضوعيا، وتفسيرها باكتشاف المنطق الذي يحكمها اعتمادا على خطوات منهجية صارمة، ومن جهة ثانية هناك الرواية بوصفها فنّا قائما على الحرية الإبداعية وعلى التخييل. فالروائي يخلق عالما روائيا مؤلّفا في الآن ذاته من عناصر تخييلية ومن عناصر مستمدّة من الواقع التاريخي، وهو أمر يضفي على هذا النوع من الكتابة الروائية طابعا إشكاليا: كيف للأنا الراغبة في التعبير عن قضاياها أن توفّق بين الحريّة التي يوفّرها لها التعبير الفني وبين القيود التي تفرضها المادة المستلهمة من التاريخ؟ هل يحقّ للروائي أن يتصرّف في هذه المادة ويعدّلها بما يناسب مقصديّته؟

ليس غرضنا هنا الخوض بتفصيل في هذه القضايا النظرية الشائكة، بل نتوخى بالأساس الكشف عن الوسائل والميكانيزمات التي استعان بها الكاتب يوسف زيدان في رواية "عزازيل" لتعزيز الإيهام بالواقع التاريخي، والتقنيات التي وظفها لكي يبهم على بعض القراء، فيستقبلوا النص كما لو كان نصا تاريخيا، غافلين عن هويته التخييلية. وتلزم الإشارة إلى أنّنا لا نقصد إلى المقارنة بين العناصر التاريخية الواردة في الرواية وبين ما هو وارد في كتب التاريخ، ولا إلى تحقيق الوقائع والأحداث تحقيقا تاريخيا، بل يعنينا بالأساس الجانب التقني، أي كيف نجح الروائي في إخفاء الطابع التخييلي للنص، وفي توهيم القارئ بواقعيته التاريخية.

لقد وظف الكاتب وسائل وتقنيات كثيرة لتحقيق ذلك، سنكتفي منها بما يلي: 1-البناء التلفظي للحكي؛ 2-الشخصيات والأحداث التاريخية؛ 3-الأمكنة والفضاءات؛ 4-محاكاة الكتابة النثرية القديمة والتناص.

1-البناء التلفظي للحكي:
يقوم الحكي في النص على محفلين سرديين: محفل مؤطِّر ومحفل مؤطَّر. وهما محفلان مستقلان عن بعضهما، لكل منهما سياقه التلفظي الخاص. يتخذ المحفل الأوّل شكل مقدّمة كتبها سارد يحكي بضمير المتكلم لترجمة أنجزها من السريانية لرقوق عثر عليها الأب كازاري شمال غرب مدينة حلب السورية أواخر الألفية الثانية. وهو يذكر في هذه المقدمة ملابسات العثور على تلك الرقوق، ويقدم معلومات عن حالتها وعن كاتبها، كما يسجّل استدراكات على أمور لم ينتبه لها مكتشفها، ويتحدّث أيضا عن الصعوبات التي لاقاها في الترجمة، والمدّة التي قضاها فيها، ويشير إلى الإضافات والتعديلات التي أجراها على النص المترجم تيسيرا لقراءته، وتسهيلا لفهمه.

ولعلّ ما يخلق الإيهام بالواقع في هذا المحفل، فضلا على المقدمة المماثلة للمقدمات التي يصدّر بها المترجمون ترجماتهم، هو التشابه القائم بين السارد/ المترجم والكاتب. فرغم الإشارة في المقدمة إلى أن هذا السارد أوصى بألا تنشر الترجمة إلا بعد وفاته، فإن ثمة تشابها بيّنا بينه وبين الكاتب. كلاهما يهتمّ بالمخطوطات، وكلاهما يمارس الترجمة، وإن كان زيدان لم تعرف عنه الترجمة عن السريانية، وكلاهما يستقر في الإسكندرية، وكلاهما يعيش في نهاية الألفية الثانية وبداية الألفية الثالثة. كل هذا يضفي ظلالا من الغموض على ذاتي التلفظ، ويعرض القارئ للخلط بينهما.

وإمعانا في ترسيخ الرواية في الواقع التاريخي، نرى سارد المحفل الأول يشير بدقة إلى تاريخ كتابة المقدمة (4 أبريل 2004)، ويعيّن مكان التلفظ (الاسكندرية)، بل نراه يورد في آخر الرواية ملحقا يضمّ صورا فوتوغرافية (ثماني صور) ورسمين وصورة مخطوط متآكل، هي نفسها المثبتة على غلاف الرواية. أما الصور الفوتوغرافية فيزعم أنها تمثل أمكنة جرت فيها أحداث الرواية (سيرة هيبا)، بينما يمثل الرسمان شخصيتي هيباتيا والتاجر الصقلي، في حين يمثل المخطوط/ البردية وثيقة يدعو فيها ثيوفيلس لهدم السيرابيون. والملاحظ هو أن هذه الوثائق الأيقونية صُوِّرت بالأبيض والأسود، غير واضحة في معظمها، مرفقة بتعليق لفظي يرفع عنها اللبس، ويوجه القارئ إلى الدلالات التي ينبغي أن يركز عليها في قراءتها، أو بعبارة أخرى يربط بين ما تتضمنه من دلائل وبين عالم الرواية، فيجعل منها أسنادا ذات وظيفة وثائقية ترسخ الأحداث والشخصيات في الواقع التاريخي.

المحفل الثاني تمثله الرقوق التي دونها سرّا الراهب هيبا، ودفنها عند مدخل الدير الذي كان يقيم فيه شمال حلب، بحيث ظلت مخبوءة لما يزيد عن خمسة عشر قرنا، إلى أن اكتشفها في بداية التسعينيات من القرن العشرين الأب وليام كازاري. وهي تتّخذ شكل سيرة ذاتية يحكي فيها كاتبها هيبا بضمير المتكلم ما وقع له بين 391 و439 للميلاد. فالكاتب يوظف إذن ما يسميه ميكال كلووينسكي "المحاكاة الشكلية" (Glowinski, p 500)، التي يحاكي فيها الكاتب محاكاة شكلية أنواعا تقع عند تخوم الأدب مثل السيرة الذاتية والمذكرات، فيعمد إلى استعارة بنيتها، ناقلا تلك البنية من نوع سردي يتماهى فيه الكاتب والسارد إلى نوع يبين فيه الكاتب عن السارد. هذا النقل يلقي بظلال التوهيم على النص الروائي، ويعرض القارئ [غير اليقظ] لإسقاط شكل السيرة على الرواية، فيُماهي بين الراوي والمؤلف. ومما يعزز هذه الحيلة هو حرص سارد هذا المحفل على تضمين المحكي كل عناصر وضعية تلفظه من زمان (تاريخ بداية التدوين ونهايته، ومدته: أربعين يوما) ومكان (دير شمال حلب) وحافز (إلحاح عزازيل). وهي كلّها عناصر تموّه على القارئ، وتوهمه بواقعية الخطاب.

إنّ بنية النص الحكائية تقوم على إدماج حكاية داخل أخرى، وإن كانت الحكاية المدمجة تستغرق الجزء الأعظم من الرواية، بينما لا تحتل الحكاية الإطار إلا بضع صفحات، مستعملة خطابا لفظيا (المقدمة في مفتتح الرواية) وآخر أيقونيا (ملحق الصور والرسوم في نهايتها)، وظيفتها هي إرساء شروط تلفظ الحكاية المؤطَّرة، وتوجيه قراءتها، وتعزيز الإيهام بأن الأمر يتعلّق بمخطوط تاريخي حقيقي.

لقد أثبتت آليات الإيهام هذه فعاليتها، إذ نجد بعض القراء خلطوا بين سارد المحفل الأول والكاتب، واعتبروا أن مترجم الرقوق وناشرها هو نفسه يوسف زيدان، وبذلك يتهمونه بالتضليل والخداع بما أنه لم ينبه القارئ إلى أن تلك الرقوق من نسج خياله. يقول القمص عبد المسيح بسيط أبو الخير عن زيدان إنه: «لم يحاول ولم يفكر أن يقول إن هذه المخطوطات المزعومة لا وجود لها في الحقيقة، بل هي مجرد حيلة أدبية، كما أن الشخص الذي يفترض أنه كتبها لا وجود له في التاريخ ولم يوجد أصلا، إنما هو شخصية من حبكة وخيال وإبداع زيدان نفسه! بل إمعانا في الخداع والتضليل زعم أن من كان يشرف على التنقيباب الأثرية التي وجدت خلالها هذه المخطوطات المزعومة هو الأب الجليل وليام كازاري، وحتى لا نجهد أنفسنا في البحث عنه لنسأله عن الحقيقة قال إنه لقي مصيره المفجع المفاجئ منتصف شهر مايو 1997م.» (عبد المسيح أبو الخير،  2009 ص 4).

وإذا نظرنا إلى العلاقة بين المحفلين، وجدناها منقطعة من الناحية النصية، ظاهريا على الأقل، إذ لكلّ حكاية ساردها وشخصياتها وزمانها ومكانها أو أمكنتها، وهو أمر يخدم التوهيم. فليس من المستساغ من وجهة النظر الواقعية أن يتداخل العالمان، لاسيما أنّ الفاصل الزمني والحضاري بينهما يتجاوز خمسة عشر قرنا. على أنّ المؤلف اهتدى إلى حيلة سوغت تدخل سارد المحفل الأوّل في حكاية المحفل الثاني من دون أن يتفطّن القارئ لذلك، ومن دون أن يتكسّر الإيهام. فبما أن سارد المحفل الأوّل ترجم نص المحفل الثاني (الرقوق) من السريانية إلى العربية، فإن الترجمة تعدّ في جوهرها نوعا من إعادة الكتابة، ومن ثمة تبيح التدخل في النص المترجم من دون أن يبدو ذلك تكسيرا لانسجام عوالم الحكي. والحقيقة أن السارد/ المترجم في المحفل الأوّل لا ينكر هذه الحقيقة. فهو يعترف في المقدمة بأنّه هو من حوّل هذه الرقوق إلى فصول، ووضع لها عناوين وأرقاما، واستبدل تسميات بعض الأماكن القديمة بأسمائها المعاصرة، وجعل للتقويم القبطي مقابله في التقويم الميلادي. ولا يقتصر حضور هذا السارد على متن النص، بل نجده حاضرا أيضا في حاشيته، إذ أدرج فيه المؤلف العديد من الهوامش التي تشرح ألفاظا في المتن، أو تقدّم معطيات تاريخية، أو هي هوامش منقولة من الحاشية التي قيل في المقدمة إن راهبا عربيا أضافها للمخطوط في القرن الخامس الهجري. (زيدان 2009، ص 26 و158...)

والواقع أننا أمام ثلاثة مؤلفين: المؤلف الحقيقي الذي كتب الرواية (زيدان)، ومؤلف الرقوق (هيبا)، ثم هناك مترجم تلك الرقوق ومعدّها للنشر وواضع مقدمة الترجمة. وإذا كان المؤلف الأول من لحم ودم، فالمؤلفان الآخران من ورق. نحن إذن أمام ثلاثة محافل تلفظية: الأول حقيقي، تتولاه ذات حقيقية يمثلها المؤلف بينما يتولّى المحفلين الثاني والثالث ذاتان متخيلتان. ولعلّ تعدّد محافل التلفظ هذا يساهم في التمويه على القارئ، ويجعله يخلط بينها، فيسقط في شرك التوهيم، ويتعامل مع الرواية كما لو كانت نصا تاريخيا. ولا مناص من الإشارة إلى أن هذه الحيلة التي اختارها المؤلف في بناء هذا النص لا تخلو من ذكاء وابتكار. فهي من الإحكام بحيث يسرت الانصهار بين التخييل والواقع التاريخي، وجعلت كثيرا من القراء يسقطون في شرك الإيهام.

2-الشخصيات والأحداث التاريخية:
تعد الشخصية "بمثابــة الركــن الركيــن فــي بنــاء الروايــات التاريخيــة. وقــد عبــر النقــاد والكتــاب ومحللــو الروايــات التاريخيــة عــن أهميــة هــذا الركــن فــي البنــاء الروائــي، لدرجــة أنــه صــار بمثابــة العنصــر الأســاس الــذي تســتند عليــه الحكايــة التاريخيــة." (بوعلي 2023، ص 571) ورواية "عزازيل" زاخرة بالشخصيات التاريخية التي عاشت في القرنين الرابع والخامس الميلاديين. وهي شخصيات يمكن تقسيمها ابتداء إلى شخصيات حاضرة بشكل مباشر في الرواية، من قبيل نسطور، أسقف القسطنطينية من428 إلى 431م، والفيلسوفة والعالمة هيباتيا ابنة ثيون (توفيت سنة 415 للميلاد)، وكرلّس أسقف الإسكندرية، وحاكمها أوريستوس، والقديس خريطون وسينيسيوس القربنائي والقديس رابولا ويوحنا الأنطاكي والأسقف ثيودور المصيصي. ثم شخصيات حاضرة بكيفية غير مباشرة، وردت في كلام الراهب هيبا، أو عرضت في الحوارات التي دارت بين الشخصيات الأخرى، وذلك من قبيل أريوس والإمبراطور ثيودوسيوس والإمبراطور قسطنطين الأوّل وثيوفيلوس ويوحنا ذهبي الفم وأوريجين وديمتريوس الكرام وجورج الكبادوكي والرسول مرقس الإنجيلي وغيرهم.

يصنف فيليب هامون(Hamon 1977, p 122)  هذه الشخصيات التاريخية ضمن الشخصيات المرجعية. وهي شخصيات يفترض أنها معروفة من القارئ، جاهزة، تحيل على عصر من العصور، وتوحي بإطار تاريخي محدّد يندرج فيه العالم الروائي. على أنّ ورود أسماء الأعلام الدالة على هذه الشخصيات التاريخية غير كاف بمفرده لكي يرسخ محكي الرواية في الواقع التاريخي. لذلك نرى السارد يعمد أحيانا، لاسيما بالنسبة للشخصيات المشاركة في الأحداث، إلى رسم صورتها الفيزيولوجية والسيكولوجية، وتقديم جملة من التفاصيل التي تجعلها تبدو أكثر واقعية، من قبيل حركاتها ولباسها وطريقة كلامها ومعتقداتها وأفكارها ومشاعرها. وهي تفاصيل من المستبعد أن يكون المؤرخون احتفلوا بتدوينها، من قبيل قوله واصفا نسطور: «في هيئته وقار وطيبة أصيلة، عيناه الواسعتان لونهما مشوب بخضرة وعسلية، وفيهما شغف وذكاء. في وجهه الأبيض خمرة خفيفة، وفي لحيته الأنيقة اصفرار لطيف وقليل من الشعر الأبيض الذي يزيده بهاء. في سمته صفاء رباني يفتقر إليه كثير من الرهبان الكبار منهم والصغار.» (زيدان، ص 38)

وهو لا يكتفي بوصف مظهره بل يصف مشاعره وأحاسيسه أيضا. يقول السارد في وصف تعاطفه معه حين أخبره بالكيفية البشعة التي قتل بها أبوه: "أتاني صوت نسطور وقد تهدّجت نبرته. ولمّا رفعت رأسي عن صدره الحاني، رأيت دموعا تبلل لحيته، ورأيت عينيه تحتقنان بالاحمرار والأسى. كان الألم مبثوثا في قسمات وجهه، ومنعكسا على جبهته التي اكتست بأسف عميق." (الرواية، ص 43) وقال السارد في وصف هيباتيا: «أراها أمامي وقد وقفت على منصة الصالة الفسيحة، وكأنها كائن سماوي هبط إلى الأرض من الخيال الإلهي ليبشر الناس بخبر رباني رحيم. كانت لهيباتيا تلك الهيئة التي تخيّلتها دوما ليسوع المسيح، جامعة بين الرقة والجلال... في عينيها زرقة خفيفة ورمادية، وفيها شفافية. في جبهتها اتساع ونور سماوي، في ثوبها الهفهاف وفي وقفتها وقار يماثل ما يحف بالآلهة من بهاء.» (الرواية، ص 136)

وجاء في وصف ثيودور المصيصي: «كان هذا الراهب فيما بدا لي من هؤلاء المتوغلين في المحبة. هو شديد الشبه بالقديس خريطون الذي رأيته في المغارة التي بقرب البحر الميّت. فكلاهما ذو لهجة شرقيّة وقوام شديد النحول وسنّ متقدّم. وكلاهما يهتزّ بدنه حين يتكلم، وتهتزّ الناس حين تسمع كلامه.» (الرواية، ص 179) واضح كيف أن هذه الشخصيات توصف لنا من منظور السارد هيبا، فندركها من خلال مصفاة وعيها، وهي بذلك تتلون بمشاعره نحوها. فهي شخصيات بمواصفات فيزيولوجية وسيكولوجية وأخلاقية وفكرية مخصوصة، لها أحاسيس وأحلام وطموحات وهواجس ونقط ضعف وقوة... ممّا يساهم في تحويلها إلى شخصيات روائية، ويجعلها أكثر احتمالا من الناحية السيكولوجية (la vraisemblance psychologique)، فيقوّي وظيفتها المرجعية، ويدخلها من ثمة في بناء الإيهام.

ثمّ هناك الشخصيات التاريخية غير المشاركة مباشرة في الأحداث، والتي نتعرف عليها من خلال صاحب السيرة، هيبا. على أن هذا السارد يوكل أحيانا مهمة الحديث عنها إلى شخصيات أخرى، سواء في حواراته معها، أو في حوارات بعضها مع بعض، فينقل لنا بذلك إدراكها لتلك الشخصيات التاريخية، وهو إدراك قد يتعارض مع إدراك هيبا، بحيث نكون أمام تمثلات متباينة لنفس الشخصية التاريخية. والواقع أن هذا يضفي طابعا ذاتيا على تلك الشخصيات التاريخية، إذ تبدو للقارئ من زوايا متباينة، بحيث تنكشف طبيعتها الإنسانية المركبة، كما تسمح للمؤلف بالتعبير عن رؤيته المعاصرة لهذه الشخصيات من جهة، والتوسل بها للتعبير عن موقفه من قضايا سياسية واجتماعية وفكرية راهنة من جهة ثانية. ومن مزايا هذه المعالجة الواقعية للشخصية التاريخية أنها تجنب الرواية السقوط في النزعة التسجيلية الوثائقية، كما تيسر التمفصل بين التاريخي والتخييلي، وتجعله يبدو أكثر احتمالا ومصداقية.

ومثلما وظّف الكاتب في روايته هذه مجموعة من الشخصيات التاريخية المعروفة، فإنه جعل في خلفية أحداثها وقائع تاريخية حقيقية تذكرها كتب التاريخ، وهي وقائع لا ترد مسرودة بشكل موضوعي مباشر، بل يطلع عليها القارئ من منظور ذاتي يتجسد في الرؤية الداخلية للسارد أو لبعض الشخصيات، فتتلون بمشاعر تلك الشخصيات وأحاسيسها، أو تظهر منعكسة في تصرفاتها وردود أفعالها، مؤثرة في مصائرها، خاضعة لحكمها وتقديرها، وهو ما يجنب حكي تلك الأحداث الفتور والمباشرة، ويضفي عليها الدرامية والتشويق. فهذا نسطور يحكي لهيبا حقيقة ما جرى في المجمع المسكوني الذي عقده الإمبراطور قسطنطين في نيقية، والذي استدعى له كلّ رؤوس الكنائس، وتدخّل في الحوار اللاهوتي، ثم أملى على القسوس والأساقفة القرارات، وأسكت الجدل الذي كان دائرا بين الأسقف إسكندر والأسقف أريوس (ص 52-54). فهذه الأحداث تروى بطبيعة الحال من منظور نسطور المتعاطف مع آريوس، بينما كانت وجهة نظر الكنيسة، وهي وجهة النظر الرسمية السائدة حينئذ، هي أن هذا الأسقف كان مهرطقا فاسد الإيمان.

ومما يقوي التوهيم بالواقع التاريخي في النص إيراد المؤلف العديد من التواريخ الدقيقة المرتبطة بتلك الأحداث، يحدد فيها اليوم والشهر والسنة، بل الوقت من النهار أحيانا. فالرقوق اكتشفت سنة 1994، وأمضى سارد المحفل الأول سبع سنوات في ترجمتها، وهيبا شرع في تدوين سيرته ليلة السابع والعشرين من شهر توت (أيلول/ سبتمبر) من سنة 417 للشهداء الموافقة لسنة 431 للميلاد (ص 14). وقد أمضى في هذا التدوين أربعين يوما... هذا عدا ذكر تواريخ بعض الأحداث التاريخية كتاريخ انعقاد المجمع المسكوني بنيقية سنة 431 للميلاد، والمجمع المسكوني في أفسوس بعد قرن وستة أعوام من ذلك. والواقع أن هذه الإشارات الزمنية الدقيقة تعدّ -كما تقول جاكلين ليفي فالانسي- "إحدى الوسائل الأوثق والأشيع التي يوظفها الكاتب الروائي لكي يضمن تصديق القارئ لحكاياته المتخيّلة." (Lévi-Valensi 1981, p. 245 ) فهي تضفي المصداقية التاريخية والواقعية على الشخصيات والأحداث.

3-الأمكنة الجغرافية:
لا يتجلّى المكون التاريخي في النص من خلال الشخصيات والأحداث التاريخية فحسب، بل يتحقق كذلك من خلال الأمكنة والفضاءات التي تتحرك فيها الشخصيات، وتدور فيها الأحداث. ولعلّ ما يميز هذه الأمكنة -وهو أمر يعزّز التوهيم التاريخي- هو أنّ لها وجودا جغرافيا حقيقيا يمكن التثبت منه بالعودة إلى الخرائط، ولبعضها تاريخ أيضا، مدوّن في كتب التاريخ، أو تشهد عليه الآثار والخرائب. إن الرواية حافلة بأسماء الأقاليم والمناطق والبلدات والحواضر المعروفة تاريخيا، اندثر بعضها، بينما ما تزال أخرى موجودة إلى اليوم، تحمل نفس الاسم، أو تغيرت أسماؤها. هناك صعيد مصر ببلداته كنجع حمادي وأخميم وأسيوط. وهناك الدلتا ومنطقة سيناء والبحر الميت. ونجد أيضا المدن التي كانت معروفة في المرحلة التاريخية التي تجري فيها الأحداث مثل الإسكندرية وأورشليم وحلب وأنطاكية. وهي كلّها أمكنة زارها هيبا، ووصف بعض مظاهرها. ثم هناك أمكنة وردت بشكل غير مباشر ولم توصف، بل ذكرت بالاسم فقط، من قبيل القسطنطينية وروما.

إن أسماء هذه الأماكن الجغرافية تمثل علامات ترسخ عالم التخييل في واقع "قابل للتثبت" من وجوده الحقيقي. كما أنها تشتغل كمعالم طوبولوجية تنشط في ذهن القارئ الكثير من الصور والمعارف والتداعيات التي تجعله يتعامل مع ما يجري فيها من أحداث، وما تحفل به من شخصيات، على أنها أحداث وشخصيات وجدت فعلا. ولتقوية البعد المرجعي لهذه الأمكنة، اجتهد السارد هيبا في وصف معالمها بحيث بدت أمكنة محسوسة وبعيدة عن التجريد والعمومية. وقد حرص في وصفه ذاك على الارتباط بخصوصيتها الجغرافية، مركزا على موقعها وتضاريسها ومناخها وغطائها النباتي. يقول مثلا في وصف الدلتا بالقرب من دمنهور: «ثم أخذت سبيلي نحو الشمال الغربي، بين حقول خضراء تمتدّ إلى نهاية النظر. هالني انبساط الأرض، واتساع الرؤية. لا جبال في دلتا النيل لتوقف نظرة المتلفّت، وإنما أرض منبسطة، وزروع كثيرة متّصلة." (الرواية، ص 62).

ويقول في موضع آخر واصفا نفس الدلتا: "وصلت إلى منطقة رحبة بأعلى دلتا النيل، حيث تلتقي الأرض بالبحر، عند نقائع شاسعة، ماؤها مزيج بين المالح والعذب. ولا يكاد عمق الماء فيها يزيد عن ارتفاع ركبتي، وارتفاع كثبان الرمال السوداء التي امتدت يومها أمام عيني إلى المدى" (الرواية، ص 164). وفي وصف مناخ أورشليم يقول: "جوّ المدينة لطيف صيفا في معظم الأيام، لكنّه قارس في البرد في الليل، وفي الشتاء" (الرواية، ص 24). وهو إلى ذلك يصف المدن والحواضر، فيقدّم معطيات حول موقعها ومعمارها ومرافقها وسكانها وتاريخها. يقول مثلا في وصف مدينة حلب: "هي مدينة لطيفة يسكنها كثير من العرب والسريان واليونان، وبعض اللاجئين إليها قديما من تدمر التي خرّبت واندثرت قبل قرن ونصف من الزمان، ولذلك فهي عربية الطابع والسكان" ويسترسل في وصف عمرانها قائلا: «العجيب في حلب أنّه لا سور لها، وإنّما تتناثر بيوتها حول تلال صغار، تتوسّطها تلّة كبيرة هائلة، بأعلاها أطلال قلعة قديمة مهدّمة الأبواب، ما تزال أسوارها باقية عالية. ويبدو من قدم المدينة أنّها كانت ذات أهمية في القرون الماضية، ثمّ انطوت أهميّتها مع الأيّام، فسكنها التجّار.» (الرواية، ص 189)

وورد في وصف الإسكندرية: "الإسكندرية هائلة. عظيمة الاتّساع (...) الطرق مبلّطة بأحجار صغيرة، رمادية، وعلى حواف معظم الشوارع أرصفة (...) الشوارع نظيفة، كأنّها عروس تغتسل كلّ ليلة، فتصبح مستبشرة" (الرواية، ص 69-70). وممّا يوصف أيضا في الرواية شكل البنايات وطرازها المعماري. من ذلك على سبيل المثال وصف بيت التاجر الصقلي الذي استضافت فيه أوكتافيا السارد هيبا. يقول: «رأيت الجمال مبثوثا في كلّ الأماكن (...) وقعت عيناي على زاوية رخاميّة مزخرفة أو تمثال بديع لآلهة الوثنيين الخلابة، أو مفارش حريريّة متقنة التطريز رهيفة الحواف. السلّم الواصل بين الطابقين كلّه كان من الرخام الأبيض، وفي درجاته كلّها نقوش متنوّعة، وحليات من الرخام الملوّن المبثوث في رخامه الأبيض. كان لكلّ درجة زخارفها، وصورها المختلفة عن الدرجة الأخرى.» (الرواية، ص 81-82)

وبمقدار ارتباط السارد بالواقع الجغرافي من خلال إيراد معطيات طبيعية عن المكان، تتعلق بالتضاريس والمناخ والنبات... وبمقدار حرصه كذلك على إبراز مظاهر العمران، فهو يحرص أيضا على الارتباط بالواقع التاريخي للمكان، فيبرز ما تركته الأحداث التاريخية من أثر عليه. يقول واصفا تمثالا أثار انتباهه وهو يسير في الشارع الكانوبي بالإسكندرية: «كل ما حولي يومها كان بديعا، إلا ذلك التمثال البائس الذي يتوسّط الطريق. عرفت بعدها بأسابيع أنه تمثال لإله كانوا يسمونه سيرابيس، وقد استبقاه أسقف الإسكندرية السابق ثيوفيلوس من معبد السيرابيون الكبير، بعدما هدمه على رؤوس الوثنيين المعتصمين فيه. وقد أقام الاسقف التمثال البائس في وسط الطريق، ليفجع الوثنيين بمصير معبودهم، ويخلّد انتصاره عليهم بإهانة آلهتهم إلى الأبد.» (الرواية، ص 71)

ويظهر من هذا الوصف أن الكاتب يستحضر هيئة المدينة في الفترة التي تقع فيها أحداث الرواية، أي نهاية القرن الرابع الميلادي وبداية الخامس، وهو مرجع مكاني لم يعد له وجود مادي اليوم إلا جزئيا، في شكل بقايا أثرية ظاهرة أو مطمورة، ممّا يعني أنه اعتمد في إعادة بنائه على أوصافه الواردة في الوثائق التاريخية المكتوبة والأيقونوغرافية، ولعلّه أضاف إليها من خياله. وخلاصة القول فإن المحدّدات الطوبولوجية للأمكنة من مساحات ومسافات وأبعاد وجهات، وكذا محدداتها الجغرافية والعمرانية والتاريخية... لعبت دورا أساسيا في توجيه الحبكة، وتحديد الشخصيات، وخلق "أثر الواقع"، مُضفِية الطابع المرجعي على كل تلك المكونات.

ولا يقتصر وصف الأماكن على المحددات السالفة، بل نراها تغتني في الرواية بمعطيات تتعلّق بالجوانب الديمغرافية والاجتماعية والثقافية كمعاش الناس من قوت وملبس ومعمار ومعتقد وعادات وأنشطة اقتصادية. فالرواية حافلة بأسماء النباتات والفواكه والأطعمة والأثاث وقطع اللباس والأدوات المختلفة المستعملة في الفلاحة والملاحة والطبخ والطب. وهي كلّها علامات تحيل على عالم تلك المرحلة التاريخية، وتخصص السياق الاجتماعي والثقافي للأحداث، وتجعلها أكثر احتمالا وأقرب إلى الواقع التاريخي.

فقد ورد في وصف أهل الإسكندرية: «بيوت الإسكندرية لا تكترث للمساء، تطلّ من نوافذها أنوار كثيرة، وحركة الناس هناك لا يمنعها هبوط الليل، فهم يحبّون السهر، وأظنّهم لا ينامون كثيرا، لا ليلا ولا نهارا. هم أكثر بدانة من الناس في بلادي، وبشرتهم أكثر بياضا ونضارة. النبيذ الجيد يكسو الوجوه نضارة، ويحسّن ألوانها.» (الرواية، ص 131) وممّا يوصف أيضا الأطعمة والمشروبات، من قبيل وصف مأكل أهل المركب الذي أقلّ هيبا من أسيوط إلى الإسكندرية: "خلال أيّام الرحلة، كان أغلب أكلهم الجبن والبصل والسمك المملح" (الرواية، ص 61)، وطعام فقراء الإسكندرية: "الخبز الخشن والجبن المالح والسمك المملّح" (ص 68)، وما قدّمه هيبا لنسطور عندما زاره في صومعته: "مشروب النعنع الجبلي الدافئ، وطبقا من البلح والتين المجفّف" (ص 38).

ويرتبط بالطعام ما ينشأ عنه من أمراض. وقد أشير في الرواية إلى العديد من الأمراض وطرق علاجها. من ذلك ما قيل عن سكان أورشليم: "أغلب أمراض الناس في أورشليم ناشئة عن الجفاف، وعدم تنويع الطعام. أكلهم واحد معظم الأوقات زيت الزيتون، خبز الخشكار المصنوع من الدقيق الأسمر غير المنخول، جبن الماعز، الفواكه الفقيرة. عيشة الناس في أورشليم خشنة." (الرواية، ص 24) ويتّصل بالمرض أساليب العلاج وأنواع الدواء. وقد ذُكرت مرارا في الرواية. من ذلك على سبيل المثال: "لم يقطع حديثنا (حديث السارد مع نسطور) إلا مجيء رجل مسكين يطلب دواء لألم شديد تمكن من أحشائه بعدما التهم طعاما فاسدا. ولم يكن للرجل علاج إلا الترياق الجامع المسمّى ميثروديطوس، وكان بصومعتي بعض منه، فأعطيته..." (الرواية، ص 180)

وللعادات المرتبطة بالموت نصيب من الوصف. فقد وصف السارد على سبيل المثال عادة المصريين في التحنيط: «التحنيط عادة وثنيّة موروثة. كان القدماء من أهل مصر يحفظون أجسادهم بعد الموت في توابيت من رخام الجرانيت، منقوش عليها صور الآلهة القديمة. ثم صارت التوابيت مؤخّرا من الخشب، وصاروا يرسمون على غطائها صورة المتوفّى.» (الرواية، ص 108) وورد عن طريقة دفن أهل حلب لموتاهم: «للناس هنا طريقة غريبة في دفن موتاهم. فهم لا يوارونهم التراب، ويجعلون عليهم شاهدا مثلما نفعل في مصر، وإنّما يضعون الأموات في فتحات كالثقوب الطوال، بعضها فوق بعض، ثمّ يسدّون عليهم بعجين لزج من تراب الأرض، ويرسمون فوق الفتحات علامة الصليب.» (الرواية، ص 190) وفيما يخصّ اللباس، فقد ورد في وصف لباس الفلاحين في الصعيد: «وجدت جماعة من الفلاحين يقصدون الإسكندرية على حميرهم، فصحبتهم وقد ارتديت ثوبا مما نلبسه في جنوب الوادي، حيث الملابس أكثر اتساعا عند الأكمام وعند فتحة الصدر» (الرواية، ص 62).

هكذا نخلص إلى أن الأمكنة والفضاءات تغتني بعدد كبير من التفاصيل المرجعية والمعطيات والمعلومات الموسوعية، وهو أمر طبيعي بما أن البناء التخييلي في الرواية التاريخيّة يُشيَّد بلبنات مستمدّة من الواقع التاريخي والجغرافي والأنثربولوجي. أو بعبارة أخرى يتعزّز فيها الاحتمال التاريخي باحتمالات أخرى جغرافية واجتماعية وثقافية وسيكولوجية... وقد سبق لرولان بارط (1968) أن نبّه إلى أنّ إحدى الوسائل التي تعتمد عليها الواقعية لخلق الإيهام هي المبالغة في إيراد التفاصيل والجزئيات في الوصف، وهي تفاصيل قد تبدو زائدة وغير ضرورية أحيانا، أيّ لا تكون لها وظيفة بنيوية مباشرة في الحكي، على أنها تلعب وظيفة أساسيّة في خلق الأجواء، والإيحاء بالبيئة، ورسم الطباع، ووسمها بالطابع الواقعي. فكلّما كان النص غنيّا بالتفاصيل، كانت قدرته  أكبر على جعل العالم التخييلي أدعى للتصديق. (Barthes, p 88)

4-محاكاة الكتابة النثرية القديمة والتناص:
لقد رأينا كيف يقوم البناء السردي للرواية على محفلين سرديين: محفل الحكاية المؤطِّرة التي نجد فيها مترجم الرقوق وناشرها، ثم محفل الحكاية المؤطَّرة المتمثل في الرقوق المكتشفة في أحد أديرة سوريا أواخر القرن العشرين. وقد فرض هذا الاختيار على الكاتب الالتزام بجملة من المحددات اللغوية والأسلوبية والخطابية التي من شأنها أن تجعل المخطوط يبدو كوثيقة تاريخية حقيقية، تعود فعلا لتلك الحقبة. على أن المأزق الذي واجهه هو أن تلك الرقوق يفترض أنها مكتوبة بالسريانية القديمة، ومن ثمّة كيف سيقدمها للقارئ العربي؟ وقد خرج الكاتب من هذا المأزق كما أسلفنا بأن اصطنع محفلا سرديا ثانيا، يضطلع فيه مترجم عربي بنقل الرقوق إلى العربية، وإعدادها للنشر، وتيسير تلقيه للقارئ العربي. ولكي تبدو هذه العملية مقبولة ومقنعة، وحتى تحافظ الرقوق على طابعها القديم، نرى المترجم -ومن خلفه الكاتب- يعمد إلى صياغتها بلغة نثرية تراثية قديمة، تحاكي لغة النثر العربي القديم المستعمل في مصنفات الرحلة والسيرة والمناظرات وكتب الأخبار. وهي لغة فصيحة تجمع بين القوة واليسر والبساطة، لا أثر فيها للتكلف والصنعة. فمع أنها تستعمل بعض المحسنات البديعة أحيانا كالسجع والجناس. إلا أنها ترد عفوا من قبيل "فهل يصل الصوت أم يصل الموت، أم يصلينا الفوت الدائم والأحزان (...) ماذا أفعل مع هذه الشجون وأنا المسجون؟" (الرواية، ص 126)، "الإفاقة فقر وفاقة" (ص 348). كما يستعمل السارد أحيانا أسلوب التصوير البياني والتشخيص وذلك باعتماد التشبيه والاستعارة من مثل قوله: «للصلاة فعل كالسحر. فهي مراح للأرواح، ومستراح للقلب المحزون، وكذلك القداسات التي تغسلنا من همومنا كلّها، بأن تلقيها عن كاهلنا إلى بساط الرحمة الربانية، فنرتاح إلى حين. ثم يعاودنا إليها الحنين ما دمنا مؤمنين بالرب، فإذا خرجنا عن حظيرة الإيمان انفردنا، وصرنا فريسة تمزقها مخالب القلق وأنياب الأفكار.» (الرواية، ص 176) فالغسل من الهموم وبساط الرحمة ونسبة المخالب والأنياب للقلق والأفكار كلها أوجه بلاغية تحاكي الصور المتداولة في الكتابات النثرية العربية القديمة.

وقد تضمن نص الرقوق العديد من الخطابات والأنماط النصية القديمة التي تعزز "أثر الواقع"، وتوهم القارئ بأنه يتعامل مع مادة تراثية حقيقية، من قبيل الخطاب الديني الكنسي والخطاب العلمي والفلسفي والخطاب الطبي والخطاب الجغرافي والخطاب الشعري وغيرها من الخطابات. فمن صور حضور الخطاب الديني في النص، وهو حضور كثيف بما أن معظم الأحداث والشخصيات على صلة بالكنيسة، شيوع المعجم الكنسي كدرجات الكهنوت من شمامسة وقسوس ورهبان وكهنة وأساقفة؛ وأماكن العبادة مثل الكنائس والأديرة والأبرشيات ... وصيغ التأدب والتقدير الخاصة برجال الكنيسة كـ"يا نيافة" ويا "صاحب النيافة" و"محبوب الله" و"المبجّل" و"حامي الإيمان" و"نصير يسوع" (ص 48) وأسماء الصلوات كصلاة الرمش وصلاة سوروتو، ومفردات أخرى متداولة في المجال الكنسي من قبيل الأقنوم والقداس والتسبيحة والمناولة والهرطقة.

هذا فضلا عن حضور أنواع خطابية مرتبطة بالكنيسة كالترانيم الكنسية (ص24، 42) والمزامير (ص 269 و270) والأدعية والتراتيل (ص 26، 35، 46، 57...) والوعظ الكنسي (ص 67 و68) والخطبة الدينية (مثل خطبة كرلس، صفحات 146، 147،151) والجدل الكلامي اللاهوتي، كالجدل حول ألوهية المسيح وحقيقة الإيمان (ص 246). ومن الخطابات الحاضرة في الرواية، نجد الخطاب الأسطوري، ويتجلى في حكاية الطير التي رواها رجل لهيبا، التقاه في الخيمة التي قضى فيها ليلته الأولى عند أسوار الإسكندرية: «قال إنه نشأ بقرية قرب جبل هناك يسمونه جبل الطير، لأن طيورا تأتي في كل عام وتحط عنده فملأ الأجواء، ثم ترحل فجأة بعدما يضحي طير منها بنفسه! بأن يدخل رأسه في كوة في سفح الجبل، فيتلقف رأسه من داخلها شيء مجهول، فلا يفلته حتى يجف جسمه ويسقط ريشه. فتكون تلك إشارة لبقية الطير كي يغطسوا في النيل ويرحلوا في الليل، ليعودوا العام التالي في الموعد ذاته، ويعيدوا الكرّة.» (الرواية، ص 66)

وكذا ما حكاه له رئيس الدير عن تاريخ المبنى الغامض المجاور لذلك الدير (ص 214 و215). كما نجد في النص أنماطا من الخطاب العلمي والفلسفي كالمحاضرة العلمية التي ألقتها هيباتيا (ص ص 136-138) ونقاش هيبا ونسطور حول فلسفة أوغسطين. والخطاب الطبي المتمثل في العلاجات والأدوية والعقاقير وأسماء الأمراض (ص 25 و44 و45). والإشارة إلى مشاهير هذا العلم مثل أبقراط وجالينوس. يضاف إلى كل هذا أنواع خطابية ذات طابع ذاتي تخللت الرواية من قبيل القصيدة الشعرية (قصائد من نظم هيبا، الصفحات 212، 269، 364) والخاطرة (ص45-46) والرسالة (ص 240-241).

ويوظف النص بكثافة ظاهرة التناص، وهي ظاهرة تحضر بصيغ متعددة، سنكتفي منها بنوعين: تناص خفي غير صريح، وآخر ظاهر صريح. فمن صور الأول توظيف عبارات مستمدة من النص القرآني من قبيل: "فيفشلون وتذهب ريحهم" (الرواية، ص 52)، و"عصاه التي يهش بها على غنمه" (ص 66 و167)، و"حال بيننا الموج" (ص77)، و"صرير ريح وثنية عاتية" (ص123)، و"يمشون على الأرض هونا" (ص 175). وهي تناصات تطرح مشكلة بالنظر إلى أن الرقوق يفترض أنّها دونت في أصلها بالسوريانية، في بيئة مسيحية، وفي فترة سبقت نزول القرآن بقرنين. فكيف يستقيم أن تتضمن عبارات لم تكن موجودة لحظة كتابتها؟ على أن حيلة الترجمة التي لجأ لها الكاتب تسوغ هذه التناصات. فهي من إضافة المترجم. ويمكن أن نعزو ذلك لأمرين: الأول إضفاء طابع "القدم" على المخطوط، وهو قدم يلمس من لغته التراثية التي توظف التعبير القرآني، والثاني هو استعمال لغة تناسب الأجواء الدينية المسيطرة على نص الرقوق. فالمترجم حاول أن يجد معادلا عربيا للغة المخطوط السريانية القديمة، ومن ثمة توهيم القارئ العربي بواقعية ذلك المخطوط.

أما التناص الصريح فيتخذ مظهرين: الأول هو الاقتباس من كتب ومصنفات موجودة فعلا، ومعروفة، من قبيل الاقتباس من الكتاب المقدس (ص 129 و301)، ومن قانون الإيمان الوارد في سفر حبقوق (ص368)، والاقتباس عن يوحنا ذهبي الفم (ص 29-30). بينما يتمثل الثاني في الإشارة إلى عناوين كتب ومؤلفات في مجالات وعلوم عديدة، منها مثلا كتب الدين كالأناجيل (إنجيل توما وإنجيل المصريين وإنجيل يهودا وسفر الأسرار، ص 36) وقصيدة تاليا لصاحبها أريوس (ص36)، وكتاب الخروج إلى النهار أو كتاب الموتى الفرعوني (ص40)، وكتاب ميمر الرحلة المقدسة لثيوفليس الاسكندري (ص40).

وتضمنت الرواية أيضا العديد من عناوين الكتب العلمية، سواء في الطب من مثل مجموعة أبقراط في الاثنا عشرة ومنتخبات الاسكندرانيين ورسالة جالينوس إلى غلوقن تلميذه (ص 173 و203) وكتابه المعروف بكتاب النبض. كما أشير أيضا في مجال الجغرافيا لكتاب الجغرافيا وكتاب الكبير في الفلك (ص136)، وكتاب كلوديوس بطليموس الاسكندري في الجغرافيا (ص 169). هذا علاوة على الإشارة إلى خطب شيشرون ومدينة الله للقديس أوغسطين (ص 39)، وكتاب هيجاسياس الداعي إلى الانتحار (ص 117) وغيرها من الكتب. إن التناص يساهم في خلق الإيهام بالواقع بحيث تشتغل شبكة هذه الإحالات التناصية كإحالة على خارج-نصي له وجود حقيقي ملموس، ومن ثمة فهي تدمج حظّا من الواقع الحقيقي في العالم المتخيل للرواية، وهو حظ يصيب مكونات التخييل بعدوى الواقعية كما يقول جان ماري شيفر. (Schaeffer 1994, p 142.)

يتبيّن ممّا سبق أنّ الكاتب سعى في روايته إلى محاكاة خطابات وأنماط نصية متعدّدة ومتباينة، تشخّص أساليب الكتابة وطرائق التعبير التي كانت متداولة في الأدب العربي القديم، وذلك لخدمة الإيهام، وتدعيم الاحتمال التاريخي (Vraisemblance historique).

وختاما نخلص إلى أنّ كافة مكونات الرواية (من شخصيات وأحداث وزمن وأمكنة وأساليب وخطابات) تشتغل ككلّ متضامن لخلق الإيهام، والإيحاء بالواقعية التاريخية من خلال بناء عالم مرجعي مشابه لعالم الفترة التاريخية التي تتحدّث عنها الرواية، أو بعبارة أخرى هي تنشئ نوعا من الشفرة الواقعية التي تسبغ على التخييل لبوس الحقيقة التاريخية. لكن هل معنى هذا أنّ تلك العناصر تتوقّف عند حد وظيفتها الأولى التي هي الإحالة التاريخية والإيهام بالواقع التاريخي؟ هل كان رهان زيدان بالمقام الأول هو أن يكتب نصا شديد الشبه بالنصوص القديمة بحيث يُلبس على القارئ فيحسبه نصا أصليا؟ لو فعل ذلك لكان أخل بميثاق الكتابة الروائية عموما، وميثاق كتابة الرواية التاريخية بخاصة، وهو الميثاق القاضي بتقديم التخييل على أنه واقع، وتقديم الواقع محوّلا إلى تخييل، مع وعي القارئ بذلك، ومشاركته فيه.

الحقيقة أن زيدان حرص كل الحرص على احترام هذا الميثاق. فبمقدار ما اجتهد في روايته على تدعيم ميكانيزمات التوهيم، ومخادعة القارئ ليخال أن ما تعرضه الرواية من أحداث وشخوص وفضاءات هي من صميم التاريخ، بثّ فيها إشارات تنحو إلى هدم هذا التوهيم (l’effet de déréalisation)، أو إضعافه على الأقل. فتأمّل مكونات النص الموازي، بدءا من التلميح الوارد في الغلاف إلى هوية النص النوعية "رواية"، مرورا بالعنوان: عزازيل (أي الشيطان) الذي يحيل على كائن روحاني لا تاريخي، وصولا إلى أنّ ثلاثا من أصل أربع شهادات نقدية مثبتة على ظهر الغلاف، تقرّ بأن الأمر يتعلق برواية، كل ذلك يشهد على أن الأمر يتعلق بعمل فنّي تخييلي. يضاف إلى هذا إشارة واردة في مقدمة المترجم تفيد بأن هيبا "كأنه لم يوجد أصلا، أو هو موجود فقط في هذه (السيرة) التي بين أيدينا." (الرواية، ص 11)

لقد أقام زيدان روايته على لعبة ماكرة تقوم على جدلية توهيم القارئ بواقعية العالم الروائي وانتمائه إلى التاريخ، ثم في نفس الآن كسر هذا الإيهام، والإقرار بأن الأمر يتعلّق بعمل فنّي قائم على التخييل. وبذلك فإنه لم يتوخّ بالمقام الأول إعادة بناء حقبة تاريخية قديمة على نحو موضوعي علمي، بقدر ما توسل بالتاريخ لفهم الحاضر المصري والعربي، والتعبير عن موقفه من القضايا التي يحبل بها هذا الحاضر. لقد استعمل أحداث الماضي وشخصياته ومواقفه للتأمل في قضايا راهنة، جامعا بين جمالية الكتابة الروائية والتفكير حول التاريخ والثقافة والمجتمع. فهو يُدين - على نحو فني رمزي- من خلال استحضار فترة متقلبة من التاريخ الروماني في مصر والشرق الأوسط، ما يطبع حياة العرب وفكرهم اليوم من لاعقلانية ودوغمائية وظلامية وتطرف ديني وتعصب عقدي وعنف مدمّر.

وفي الختام يمكن القول إن زيدان لم ينجح فقط في الصهر بين التاريخ والتخييل للتعبير عن الواقع، بل وفّق أيضا في تحويل الشخصيات والوقائع التاريخية إلى "حقيقة أدبية ملموسة" على حد قول الكاتب الجزائري واسيني الأعرج الذي. يتساءل: «كيف يجعل الكاتب من شخصيته التاريخية/ الافتراضية حقيقة أدبية ملموسة؟ وكلمة أدبية تعني بالضرورة الاشتغال على الشخصية داخل الحقيقة التاريخية، أو المفترضة كذلك، وفي عمق الشعرية التي تنقل النص من التاريخ إلى التخييل. النجاح هو نتيجة جهد كبير، استطاع صاحبه أن يجمع بين التاريخ والواقع وينتج من ذلك مادته الثالثة أي الأدبية. ليس الأمر بسيطاً طبعاً إذ كثيراً ما انتهت بعض نصوص الشخصية التاريخية إلى المنع، أو إلى محاكمات وصعوبة، لكنها المسلك الأوحد لمنتج يتم تصنيفه في الأدب، وليس في التاريخ. (واسيني الأعرج، 2018)

ولعل من تجليات هذه "الحقيقة الأدبية الملموسة" أن النص يتمتع بقيمة أدبية وفنية عالية، إن على مستوى البناء الروائي أو على مستوى اللغة والأسلوب.

 

المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين
مكناس
المملكة المغربية

 

المراجع:

-أبو الخير، عبد المسيح بسيط. (2009). رواية عزازيل جهل بالتاريخ أم تزوير للتاريخ، رداً على رواية عزازيل للدكتور يوسف زيدان. القاهرة .ط 1. القاهرة. مطبعة المصريين.

-أرسطوطاليس. (1953). فن الشعر، (عبد الرحمن بدوي، مترجم). مكتبة النهضة المصرية.

-بوعلي، عبد الرحمن. (2023، يونيو). التخييل التاريخي وحضور التاريخ في السرد في رواية "الشيخ الأبيض" للدكتور سلطان بن محمد القاسمي.  مجلة جامعة الشارقة للعلوم الإنسانية والاجتماعية 20 (2). ص ص 551-581

- بيشوي، الأنبا. (2009). الرد على البهتان في رواية يوسف زيدان. دار أنطوان للنشر.

http://metropolitan-bishoy.org/files/responses/Metropolitan%20Bishoy'%20s%20response%20to%20the%20novel%20Azazel.pdf

- سعد، عادل جرجس. (2009). شفرة زيدان فك رموز رواية عزازيل للدكتور يوسف زيدان. دار أنطوان للنشر.

- زيدان يوسف.  (2009). عزازيل. القاهرة. ط 15. دار الشروق.

-الأعرج، واسيني (2018، 25 أكتوبر). معضلات الشخصية التاريخية روائيا. صحيفة المدينة أون لاين. استرجعت في 15  أغسطس 2024.

https://www.al-madina.com/article/595080/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8/%D9%85%D8%B9%D8%B6%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%AE%D8%B5%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%8A%D8%A9-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D8%A7

- Barthes, R. (1968). L’effet du réel. Communications (11). 84-89.

https://doi.org/10.3406/comm.1968.1158

- Glowinski, M. (1987). Sur le roman à la première personne, in revue Poétique, n° 72, pp 497-507.

- Hamon, Ph. (1977). Pour un statut sémiologique du personnage. in Poétique du récit (pp 115-180). Seuil, Points.

- Lévi-Valensi, J. (1981) Le roman camusien et sa légitimité. in Le genre du roman: les genres de roman. Presses universitaires de France.

- Schaeffer, Jean Marie. (1994). Pourquoi la fiction? Seuil, coll Poétique.