في 27 ديسمبر/ كانون الأول 2025، أُعلن رحيل المخرج والمؤلف السينمائي المصري داوود عبد السيد (1946-2025)، بعد معاناته المرضية، وعقب سنواتٍ من الابتعاد عن صناعة الأفلام، وإن لم ينقطع حتى عهدٍ قريب عن حضور العروض السينمائية اللافتة في سينمات وسط البلد، وعن تبادل النقاش مع جمهورها من الشباب، كلما سمح الوقت.
قدّم داوود عددًا من الأفلام التسجيلية، من بينها "وصية رجل حكيم في شؤون الصحة والتعليم" عام 1979، وللسينما الروائية قدّم تسعة أفلام أمست جزءًا لا يتجزأ من ذاكرة السينما المصرية، أولها "الصعاليك" الذي كتب السيناريو له إلى جانب إخراجه عام 1985، وآخرها فيلم "قدرات غير عادية" من تأليفه كذلك وإخراجه عام 2015، قبل أن يكتفي بدور المراقب للمشهد الاجتماعي والسياسي المصري، وكان أبعد ما يكون عن إثارة حماسه للعمل في الأعوام الأخيرة.
في 25 يوليو/ تموز 2023، استضافت جمعية النهضة العلمية والثقافية (جيزويت القاهرة) احتفالية إطلاق كتاب (داوود عبد السيد... سينما الهموم الشخصية)، الصادر عن دار مرايا القاهرة، من تأليف الأديب المصري علاء خالد. إلى جانب رؤية خالد لأفلام داوود وتحليله لشخصياتها، يضم الكتاب حوارًا مطولًا مع المخرج، وكذلك مع مدير التصوير رفيق رحلته أنسي أبو سيف، ومؤلف موسيقى أفلامه راجح داوود. ندوة إطلاق الكتاب مثلت فرصة لمحبي سينماه للقاء المخرج الكبير، الذي بدا عليه الهزال يومذاك، وكذا فرصة عزيزة للفت انتباهه إلى قدرة أفلامه على التأثير في الأجيال الأحدث سنًا، الذين أخبروه بشكل مباشر خلال الأمسية المزدحمة بمدى تعلقهم بأفلامه.
أحدهم طلب الكلمة وقال ببساطة: "يا أستاذ داوود، أنا بشوف فيلمك ‘الصعاليك‘ مرة واحدة في الأسبوع على الأقل". أصوات أخرى من الجمهور طالبته بالعودة، بناءً على هذا الحب الذي يراه ويلمسه، لصناعة أفلام جديدة. إلا أنه لم يبدُ قط مقتنعًا؛ أرعبته فكرة أن الذهاب لمشاهدة فيلم في السينما أضحى يكلّف الفرد، على الأقل، سبعين جنيهًا للتذكرة، وهو ما يعني بالنسبة إليه استبعاد طبقة كاملة من نزهة السينما، هي الطبقة المتوسطة، التي تنتظر أن تُطرح الأفلام للفرجة بطرق أرخص بكثير. كان رأيه جدليًا، وربما لم يأخذ في الحسبان تكلفة ارتفاع المعيشة بشكل عام في مصر خلال الأعوام الأخيرة، وأن السبعين جنيهًا – تذكرة السينما – لم تعد تشتري أغراضًا أساسية من احتياجات الناس اليومية.
مع ذلك، لا يمكن اختزال الابتعاد في السبب الاقتصادي. المشهد العام الذي وصفه داوود في حواره مع علاء خالد بـ"النكسة المؤقتة"، وفصّله في لقاءات تلفزيونية بالإشارة إلى التراجع العام في الحريات وعدم القدرة على طرح أفكار جديدة، بسبب الحضور الدائم لحالة من الرقابة المتواصلة والمكتفية بنفسها: "إن النظام السياسي الحالي يقدم نفسه على أنه ‘الأخ الأكبر‘ أكثر منه الأب". يوم الجيزويت، ورغم الابتعاد الطوعي الذي فسّره الإعلام كاعتزال، ظهر داوود خفيفًا، ومتخففًا من توقعات الآخرين. تكلّم عن الكتابة التي لم ينقطع عنها. أفلامه، بالنسبة إليه، كانت على نحو ما روايات مرئية أحدثت تأثيرًا ما، وما زالت، حتى بعد رحيله، تُحدِث أثرًا.
إما أن تنفجر كقنبلة أو تتسلل كوباء:
عام 2010، كانت كاتبة هذه السطور صحافية مبتدئة، ممسوسة بفيلمه "رسائل البحر". ذهبت لتُجري حوارًا معه عن الفيلم لصحيفة "أخبار النجوم"، بمناسبة اختيار ترشيحه رسميًا كي يمثل مصر في مسابقة الأوسكار. استقبلني داوود بحفاوة بالغة في بيته، وحين عبّرت عن انفعالي الشديد بالفيلم، والذي كان يتنبأ على نحو ما بالانفجار الشعبي الذي سيحدث بعدها بعام، عام 2011، أصغى إليّ داوود باهتمام. ولما سألته عن مفهومه عن الحب في الفيلم، قال: "الحب بالنسبة لجيلك مهم، بالنسبة لي أنا دلوقت اسمه ونس". غير أنه بدا سعيدًا بهذا التأثير، واستدرك: "هناك مثل يقول: إما أن تنفجر كقنبلة أو تتسلل كوباء، وأنا أحاول دائمًا أن أصنع تأثيرًا ما في أفلامي".
بعض أفلام داوود انفجرت كقنبلة فعلًا. "الكيت كات" (1991) مثلًا، بقدرته على إحداث تفاعل فوري مع المتفرجين إلى اليوم، يمكن القول إنه يحقق تأثيرين سينمائيين بامتياز: تأثير الأمل، الأمل في حياة أرق وأعذب لأهل الحارة، بمن فيهم الشيخ حسني (أداه محمود عبد العزيز)، الكفيف المشاغب؛ وتأثير الكوميديا النابعة من المواقف التي يُقحِم فيها حسني نفسه، في محاولته للاشتباك مع العالم برعونة، منحيًا كل شعور بالنقص أو الإعاقة.
أفلام أخرى تتسلل كوباء، منها ربما "البحث عن سيد مرزوق" (1990)، فيلمه الثاني. يخوض بطله أستاذ يوسف (نور الشريف)، ابن الطبقة المتوسطة، رحلة فلسفية في العالم بسبب صدفة لا معنى لها. استيقظ أستاذ يوسف فزعًا ذات يوم لأن المنبه لم يرن، ثم أسرع للحاق بعمله، قبل أن يكتشف متأخرًا أنه صباح الجمعة، "والشركة قافلة". بدلًا من العودة إلى بيته الدافئ، يتجول يوسف في الشوارع المحيطة، يحاور الناس، يتركهم يأخذونه من حكاية إلى أخرى، إلى أن يظهر سيد مرزوق (علي حسنين)، ويستحثه بالترغيب تارة وبالترهيب تارة أخرى على عيش الحياة من موقع المجرِّب الذي يدفع ثمن التجربة، وقد يكون فادحًا، بدلًا من الاكتفاء بمراقبتها.
يتشابه وضع يوسف في الفيلم مع ما يصفه داوود عن نفسه في حواره مع علاء خالد: "نشأت وسط أسرة عادية من الطبقة المتوسطة. الأب كان يعمل موظفًا في أحد البنوك، والأم تعمل بالتدريس. لم تكن لدي أي مخاوف في طفولتي؛ لأني كنت مؤمَّنًا بشكل دائم". يواصل: "لكني بدأت أشعر بالقلق بشكل حقيقي بعد وفاة أبي. عندها لم أكن قادرًا على العيش بدخلي من الوظيفة. لم تكن لدي أي مصاريف ضخمة، لذا لم أشعر أبدًا بالاحتياج".
يوسف في الفيلم كان ابن الطبقة المتوسطة، طبقة "الغلابة" كما يصنفها سيد مرزوق في جملة حوارية، وهم: "اللي عاوزين يمشوا جنب الحيطة، ويقعدوا في البيت من غير مشاكل". من حسن الحظ أن داوود قد غادر هذا الموقع، كما اضطر إلى مغادرته يوسف في الفيلم. يقول داوود: "كنت طفلًا منطويًا، ليس لي إخوة أو أي علاقات اجتماعية بالأصدقاء، إلا في حدود المدرسة والعائلة. لم يتوفر لي حينها الاحتكاك بالطبقات الشعبية أو الأرستقراطية. لذا أعتبر نفسي نموذجًا جيدًا لابن الطبقة المتوسطة، والذي من المفترض أن تكون تجربته محدودة في الحياة، ولكني الآن بالتأكيد غير هذا الافتراض".
السينما التي انخرط في دراستها ولاحقًا في صناعتها، في شكلها التسجيلي ثم الروائي من بعد، حرّضت داوود على الخروج من عزلته. كما حرّض "سيد مرزوق" يوسف على الخروج من بيته الدافئ إلى متاهة العالم الكافكوي، الذي اكتشف فيه مثلًا الحب.
الرِّقّة:
ثمة أبواب عديدة يمكن أن تُدخلنا إلى العالم السينمائي لداوود عبد السيد، أحدها مثلًا باب الرقة. في فيلمه الأول "الصعاليك"، المستلهم من قصة قابيل وهابيل، ويصفه في حواره مع خالد بأنه "أقل أفلامي ذاتية"، يتعاهد الصديقان الصعلوكان مرسي (نور الشريف) وصلاح (محمود عبد العزيز) على تطليق حياة الفقر وتحقيق الثراء، ويسلكان في سبيل ذلك طرقًا ملتوية. في رحلة هذا الصعود الاجتماعي، يتحجر قلب مرسي، ويمسي على استعداد لكسب ود السلطة، أي سلطة، بتقديم كل تنازل ممكن. بينما يتغلب على نفعية صلاح حبه لمنى (مها أبو عوف)، التي قضت معه بعض الوقت، لكنها لم تقع في حبه ولم تتخل عن خططها في السفر إلى الخارج. منى هو اسم المرأة التي وقع أيضًا في حبها بلا أمل يوسف في "البحث عن سيد مرزوق". المهم أن هذا الحب من طرف واحد، وهي ثيمة متكررة في أفلام داوود، يهزم صلاح تمامًا، ويجعله يتشكك في قيمة كل ما وصلا إليه: "الفلوس مش ممكن تخلي واحدة تحبك". في نهاية الفيلم ينتحر صلاح رمزيًا، تاركًا الرغبة في المزيد من الثراء تسمم قلب مرسي وصداقته برفيق عمره.
في "أرض الأحلام" (1993)، نرى فاتن حمامة، كأنما للمرة الأولى، تؤدي دور نرجس، وهي سيدة من الطبقة المتوسطة، هشة الجسد واللغة، لديها لثغة في الكلام، لا تحسن أبدًا ركن سيارتها، وهي ممزقة بين إصرار ابنها على أن تهاجر إلى أميركا، وبين رغبتها هي في البقاء في مصر، إلى أن يظهر لها رؤوف (يحيى الفخراني) الذي سيرافقها في رحلتها الباطنية إلى أن تتخذ قرارًا نهائيًا. تتكرر تفصيلة العجز عن التعبير باللغة في شخصية يحيى (آسر ياسين) في فيلم "رسائل البحر" عام 2010. يدفعه هذا العجز لترك مهنة الطب والعمل كصياد في البحر. البحر، بمعناه الحقيقي والمجازي، سيدفع يحيى إلى لقاء آخر مع المجتمع الذي بات عنيفًا، يجبر أفراده على الزيف والتملق، لكن وحده الحب يمنح يحيى بوصلة جديدة، ويعيد إحياءه بشكل ما.
في حواري معه سألت داوود عن اختياره لهذه التفاصيل، فقال إنه يختارها لشخصياته لأنه يراها جزءًا منهم، مثل الإكسسوارات، تكملهم. ربما لم يتعمد داوود أن يصيب شخصياته بدرجة من العجز، أو يسقط عليهم من رقته الشخصية. في النهاية، لا تمنعهم هذه الهشاشة من خوض رحلاتهم الخاصة ولا التعبير عن أنفسهم. كأن وضعهم أقرب لوضع الشاعر، الذي يعاني من ثقل واقع لا قبل له به، ومن حساسية زائدة إزاء الوجود في الوقت نفسه. إنها هموم ذاتية، ما كانت تتلعثم بها شخصيات داوود، هموم الذات التي يصر العالم/ المجتمع على تحطيمها. في حواره مع علاء خالد يقول: "ولكني أعبّر عن هموم شخصية. ليس دائمًا الهم الشخصي هو هم الطبقة المتوسطة".
لذا ربما يصعب القبول بالآراء التي صنّفت سينما داوود في خانة "الموجة الواقعية" في السينما المصرية، إلى جانب مثلًا عاطف الطيب، ليس لأن أفلام عبد السيد بعيدة عن الواقع، بل ربما لأن ما سيطر على سينماه فعلًا هو الشعور بالمأزق الإنساني للفرد أمام الوجود، أمام الواقع، وأمام حتى السلطة. قد يخرج من هذا المأزق مهزومًا، كحال الضابط "أبو دبورة" (أحمد زكي) في "أرض الخوف" (1999). حين يستيقظ من حلمه الطويل بامتلاك القوة المطلقة، فقط ليكتشف أنه كابوس. أو منتصرًا على نحو ما، لأنه قد احتفظ بنقائه وهشاشته، كما يحدث في آخر أفلامه "قدرات غير عادية"، حين تتمكن فريدة، الطفلة التي تملك شفافية روحية خاصة، من الثأر لنفسها ولأمها حياة (نجلاء بدر) من بطش السلطة وممثلها الضابط عمر البنهاوي (عباس أبو الحسن)، والعودة إلى البنسيون المنعزل على البحر في الإسكندرية. هذا المجتمع الدافئ، وأفراده ليسوا متشابهين لكنهم منسجمون تمامًا، وفرادة الطفلة الصغيرة وموهبتها الرقيقة، كما بدت أول الأمر، وبما تمثله من أمل في المستقبل، هي التي ستحميهم.
لم يكن داوود متشائمًا إذًا، رغم تصريحاته الأخيرة ورغم ابتعاده، الذي كان كابتعاد المكتفي أو من يرغب في الاستراحة أخيرًا. يقول لعلاء خالد في حوارهما: "أنا لست متشائمًا. ربما أصرح دائمًا بأن الأوضاع سيئة، ولكن هذا لا يعني أني متشائم. ربما الحزن الذي لاحظته لأن الحياة فيها دائمًا ما يدعو إلى الحزن، سواء بشكل شخصي أو بشكل عام. الحياة في النهاية رحلة، بشكل ما، حزينة، لأنها تنتهي بالموت".
عن (ضفة ثالثة)