يأخذنا الناقد السينمائي المرموق في رحلة خصبة ومستبصرة في أفلام المخرج الكبير داود عبدالسيد الذي رحل مؤخرا، ليكشف عبرها كيف استطاع هذا المخرج – برغم قلة الأفلام التي أخرجها – أن يقدم نبض مصر وعوالمها الداخلية على مر العقود الخمسة التي ابدع فيها عالمه الفيلمي المتميز.

في أفلامه تعانق السماء الأرض وترى الله!

طارق الشناوي

 

قبل نحو ثلاث سنوات عثر داوود عبد السيد على متبرع للكلى، وكانت تلك هي محطته الأخيرة، لكى تنتهى متاعبه الصحية، كان يجرى غسيل كلوى ثلاث مرات في الأسبوع. يوم الجراحة لم يأت المتبرع، تم إلقاء القبض عليه قبل ذهابه للمستشفى بدقائق لقضاء عقوبة الحبس بضعة أشهر، عاد داوود للبيت، وأثناء سيره في منزله زلت قدمه وعانى من جرح في الجبهة، انتظر حتى يلتئم، وانفضت شهور حبس المتبرع وذهب للمستشفى، وقبل أن يجرى الطبيب الجراحة، قال له لو انت أخي فأنا لا يمكن أن أجرى الجراحة، جرح الجبهة من الممكن أن يؤدى إلى توقف القلب أثناء الجراحة والتي تستغرق ساعات طويلة، وربما تؤدى إلى فقدان الذاكرة، وعاد داوود للمنزل في انتظار إشارة من الله.

حصل داوود من الدولة على أهم الجوائز (النيل) لم يكن يومًا معبرًا سوى عن قناعاته حتى ولو اصطدمت بالنظام، فهو لا يمكن أن يقدم للناس إلا ما يحلم ويقتنع به. أفلامه الروائية قليلة في العدد لم تتجاوز تسعة تلك التي شكلت الخريطة الإبداعية للمخرج الكبير داوود عبد السيد، إلا أنها تحفر بعمق في الوجدان، يحلو لأصدقاء داوود أن يطلقوا عليه حكيم وأحيانا فيلسوف الجيل، يتأنى في اختيار الكلمة عندما يتكلم، ويفكر ألف مرة قبل أن يمسك القلم ويكتب السيناريو، ولا يشرع في التصوير إلا بعد أن يتجسد في خياله الشريط السينمائي فيبدأ في تنفيذه.

كتبت من قبل، امتلك داوود عبد السيد ميكروسكوبًا وتليسكوبًا معًا، كان يقترب بالميكروسكوب من التفصيلة الدقيقة ليصنع منها عالمًا مترامي الأطراف، وفى نفس الوقت كان قادرًا بنظرة من خلال التليسكوب أن نرى الكون كله في لقطة واحدة. أولى الثمرات السينمائية «الصعاليك» 1985 رؤية عميقة لما كان يعرف بسينما الانفتاح، الذى كان الطابع المميز لتلك الفترة، قدم لمسته الخاصة وزاوية رؤيته العميقة.

وانتقل داوود إلى (البحث عن سيد مرزوق) ليسبح في منطقة إبداعية خصبة، البعض يطارد الفكرة التي يكتب عنها والبعض تطارده الفكرة وتلح عليه حتى يقدمها للناس وهذا هو ما حدث لداوود عبدالسيد في «البحث عن سيد مرزوق». شحنة الصدق والتلقائية في هذا الفيلم لا يمكن أن يصنعها فنان مهما بلغت حرفيته ولكن هذه الشحنة كانت أكبر من أن يكبتها ولهذا خرجت – ربما رغمًا عنه – للناس. أحداث الفيلم لم تتناول يوماً فقط بل عمرًا و«البحث عن سيد مرزوق» لم يكن مجرد شريط سينمائي بل حياة وعالم. إنه عالم داوود عبدالسيد وما أجمله من عالم!!

أكثر أفلامه شعبية «الكيت كات» يمتزج فيه مرح الطفولة بالشقاوة والذكريات الجميلة في كلمة (درجن .. درجن .. درجن .. درجن). كحة ونحنحة خفيفة يطلقها محمود عبدالعزيز أو «الشيخ حسنى» الكفيف وهو يغنى في اللقطة الأولى مع كتابة «تترات» الفيلم، هذه التفصيلة الدقيقة أثناء الغناء تنقلك على الفور من مقعدك أمام الشاشة لتجد نفسك تعيش مع شلة أصدقاء محمود عبدالعزيز أقصد «الشيخ حسنى» وتغنى وتنسجم معهم وتكح وتتنحنح مثلهم!!

لسعة البرد الخفيف مع آخر نسمات الفجر تشعرنا بها إضاءة محسن أحمد وشلة الأصدقاء تغادر المكان. نقلتنا الإضاءة إلى عز البرد حيث تجرى أحداث الفيلم. ديكور الحارة الشعبية تشم من خلاله رائحة كل حوارينا لفنان الصورة والديكور السينمائى أنسى أبوسيف وتؤكد عليها موسيقى راجح داوود. مايسترو يحرك بحرفية شديدة فريق العمل وكأنهم في رحلة فنية ممتعة، ليست هناك حدود فاصلة بين الفنان وإبداعه لأن الفنان الحقيقي يقدم نفسه من خلال لوحة أو قصيدة شعر أو فيلم، وهذا هو ما فعله بالضبط داوود عبد السيد في فيلمه «الكيت كات» المأخوذ عن قصة إبراهيم أصلان «مالك الحزين»!!

التحدي أيضًا هو السلاح الذى يحمله المخرج داوود عبد السيد فهو يتحدى بهذا الفيلم همومنا وإحباطنا وعجزنا ويجبرنا مهما ضاقت بنا الدنيا على أن نمرح ونضحك ونحلق ونغنى.

«أرض الأحلام» .. يخاطب الطفل داخل كل منا إنه ليس فيلمًا للأطفال لكنه يعود بنا إلى مرحلة الطفولة حيث الصفاء والمرح والضحك من القلب. فاتن حمامة أو نرجس ريحان الأرملة التي لم تعش حياتها، تحولت إلى جسر يعبر عليه الأبناء وهى قانعة بهذا الدور ولكن ماذا فعلت فاتن حمامة وما الذى فعله المخرج داوود عبدالسيد حتى نشاهد أمامنا نرجس وليست فاتن حمامة .. «اللدغة» في حرف الراء التي تميزت بها الشخصية وهو ليس إضافة من أجل الإضحاك عند نطق الكلمات مثلما تعودت السينما المصرية لكنه تعايش أكثر مع الشخصية، وهو أيضًا ربما يمثل لفاتن حمامة إحساسًا بالعودة للطفولة. الكاميرا تقترب من فاتن لنرى بصمة الزمن على وجهها ولا تخشى فاتن من هذا الاقتراب.

الخط الدرامي الأول الذى يقدمه كاتب السيناريو هاني فوزى، ضياع جواز السفر والتذكرة ليلة سفر فاتن حمامة للهجرة إلى أمريكا، كابوس عشناه جميعًا من قبل ولكن المخرج يقدمه لنا واقعًا يرتبط أحيانًا بالحلم واقفًا على مشارف الكابوس!!

انطلق داوود إلى «سارق الفرح» القصة القصيرة التي كتبها خيرى شلبى تتناول لحظات الفرح الضئيلة التي يسرقها البسطاء من الحياة، خيرى يقدم هذه السرقة العلنية في لوحة أدبية حيث نلتقى مع هذا العالم المهمش الذى يعيش أفراده على جبل المقطم، تبدو القاهرة على البعد متلألئة بالأضواء والعمارات الشاهقة لتؤكد هذا التناقض بين حياتين وعالمين وكيف أن المهمشين يريدون الانقضاض عندما تحين اللحظة المواتية!! ووضع داوود نبضه على وريقات خيرى شلبي وأحالها إلى قصيد سيمفوني تختلط فيه لحظات الشجن مع فرحة العين والقلب.

الفقراء الذين يقدمهم داوود لا يملكون قيمًا مثالية يحطمها الواقع، ولكنهم أبناء هذا الواقع، يقدمون تنازلات من أجل أن يسرقوا الفرح!!

«أرض الخوف»، المعادلة التي طرحها داوود هي أن بطل الفيلم والذى أطلق عليه اسم آدم يحصل على وثيقة من الدولة تحميه من أي عقاب قانوني طوال حياته وأيضًا كل أمواله التي يحصل عليها تظل ملكًا له ولورثته من بعده. لعبت موسيقى راجح داوود دورًا إبداعيًا، وكأنها تحاول أن تستعيد مرة أخرى صوت الطبيعة في بكارتها الأولى وكذلك استطاع مدير التصوير سمير بهزان والمدير الفني أنسى أبو سيف والمونتير عادل منير أن ينقلوا لنا حالة من الانسياب في الرؤية البصرية. وكانت عين المخرج داوود عبد السيد قادرة على أن نعيش ونتنفس داخل الأحداث بكل درجات الإيحاء الجميل والنبيل أيضاً!.

«مواطن ومخبر وحرامى» ذابت الفروق بين اللصوص والشرفاء وانهارت قوة القانون أمام قانون القوة، الصراع الذى كان حتمياً في الماضي بين الحق والظلم. بين الجمال والقبح. بين النغم والنشاز. تحول مع مرور الزمن إلى تعايش سلمى يأخذ الحق الظلم بالأحضان ويتغزل الجمال في مفاتن القبح، ويقول النغم للنشاز الله الله!!

تأمل داوود الواقع المصري واستطاع أن يحيله إلى ثلاث قوى تبدو متعارضة وهى المواطن الذى يمثل الشعب بكل طبقاته لكن داوود سلط الأضواء على المثقف واختار من السلطة المخبر ثم الحرامي وهو الخارج على القانون هؤلاء الثلاثة يتأرجح بينهم الصراع واختار داوود مكان المعركة في بيت قديم متهالك، يتشبث بالماضي العتيد وكأنه الوطن الذي يحمل الكثير من القيم النبيلة. لكن الزمن جار عليه، واللصوص عبثوا به والمواطنون رفعوا أياديهم واستسلموا!!

«رسائل البحر» جاء بهذا الغموض المحبب ليطرح علينا هذا السؤال ما الذى تحمله تلك الرسالة التي نراها في بداية الفيلم داخل زجاجة ثم يلتقطها صياد يخشى منها ويقذفها بعيدًا عنه لتطفو مرة أخرى عبر الأمواج حتى تأتى إلى الشاطئ يلتقطها بطل الفيلم «يحيى» الذى أدى دوره آسر ياسين بعد أن يستيقظ من إغفاءة. هل توقفت رسائل الله إلى البشر مع انتهاء رسائل السماء، دائمًا ما يرسل الله شفرات لا نستطيع أن نقرأها هذه واحدة منها لا يهم كلماتها، لو تأملناها أكثر لاكتشفنا الرسالة وفهمناها كما يريدها الله.

داوود يقدم رسالة من الله، ولكن من قال إن كل البشر يستطيعون قراءة رسائل الله، ويبدع فيلمه الأخير (قدرات غير عادية) ليواصل البحث والتساؤل عن عالم ما بعد الواقع الذي نعيشه، أتصور أن هذا الفيلم تحديدًا يعيشه الآن داوود بعد أن صعدت روحه للسماء!!.