نهاية هذه السنة ليست نهاية سعيدة لكثير ممن فقدوا طعم الحياة بسبب إبادةِ غزة، وحروبٍ أخرى أضرت بالبلاد والعباد. هذا الإحساس ليس إحساسي الشخصي كإنسان قبل كل شيء، وهو إحساسُ عددٍ غير قليل من المثقفين والفنانين والمواطنين العاديين الذين دفعوا ثمن دفاعهم عن حق الشعب الفلسطيني في الحرية من دون وقوعهم حتمًا في مُعاداة السامية، كما يُروَّج لذلك المكارثيون الجدد في باريس، كما سيأتي معنا لاحقًا.
الممثلة الشهيرة الساخرة بلانش غاردان (48 عامًا) والتي يقارنها كثير من النقاد بـ"كولوش" (1944 ــ 1986)، الذي توفي في حادث سير غامض على متن دراجته النارية إثر ترشحه للانتخابات الرئاسية ضد الرئيس الراحل فرنسوا ميتران عام 1981 قبل انسحابه من السباق بحوالي شهر، خرجت عن صمتها أخيرًا في برنامج "آري سور إيماج" (وقفة عند الصور)، قائلة للصحافي الشهير دانيال شنايدرمان، اليهودي المعادي لنتنياهو: "اسمي بلانش، وأصبحت مُعادية للسامية منذ السابع من أكتوبر". يجدر الذكر أن بلانش قالت هذا الكلام على خشبة مسرح "لا سيغال" يوم الفاتح من يوليو/ تموز من عام 2024، إلى جانب زميلها أميرك لومبري. قالت ذلك في قالب فني ساخر أسود للتنديد بإبادة غزة، والتنبيه إلى خطورة وصف كل من ينتقد سياسة الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بالمعادي للسامية.
ابنة لغوي شيوعي وروائية
بلانش غاردان من مواليد عام 1977 في مدينة "سوران" غير البعيدة عن باريس. اشتُهرت جماهيريًا من خلال تمثيليات نادي "جمال كوميدي" (جمال دبوز الممثل الفكاهي الشهير المغربي الأصل) انطلاقًا من عام 2006، ثم في المسلسل التلفزيوني "البنات العاملات"، الذي بثته قناة "كانال بلوس"، قبل أن تتحرر من العمل الجماعي، وتصبح ممثلة وحيدة فوق الخشبة بروحها الساحرة الناقدة والثاقبة. موهبتها الفنية الاستثنائية والمُذهلة مكنتها من الحصول تباعًا مرتين على جائزة "موليير للسخرية" (2018 و2019). بلانش ليست ممثلة مسرحية وسينمائية وتلفزيونية بارعة فقط، بل كتبت أيضًا سلسلة من السيناريوهات للسينما وللتلفزيون.
وهي ابنة لغوي شيوعي، روائية ومترجمة، تخرجت من جامعة "باريس نانتير" بشهادة الدراسات المعمقة في علم الاجتماع، مُتأثرة بالمنظر الكبير بيار بورديو. بعد تجربة مهنية قصيرة كمربية اجتماعية، اكتشفها صديقها الفنان علي عراب بعد أن شاهدها في أسطوانة رقمية مدمجة (دي في دي)، الأمر الذي دفعه إلى إرسالها لكارل زيرو، المُنشط الشهير لبرنامج "الصحيفة الحقيقية"، الذي زاد من صيت قناة "كانال بلوس" بعد أن أصبحت بلانش ضيفته بصفة منتظمة. توالت نجاحات بلانش إثر انطلاقها في تقديم برنامج فكاهي على قناة "كوميدي" عام 2007، وانفجرت شهرتها المسرحية أكثر من أي وقت مضى عام 2015 إثر تقديمها مونودراما "يجب أن أتحدث معكم"، وهي المسرحية التي نشرتها لاحقًا في كتاب.
توالت أدوارها الكوميدية لاحقًا في أكثر من فيلم، كما ساهمت في كتابة سيناريوهات عدة قبل أن تؤسس شركتها الفنية الخاصة عام 2016 تحت اسم "وايت سبيريت". رفيقة الفنان لوي سي كاي، الذي تأثرت به فنيًا قبل أن ترتبط به في حياتها الشخصية، صاحبة مواقف نضالية وإنسانية سابقة تفسر تنديدها بإبادة غزة، ومن بينها مساهمتها في دعم مؤسسة المعوزين الاجتماعيين (مؤسسة الراهب بيار سابقًا، والذي أدين باعتداءات جنسية أيام شبابه بعد رحيله، الأمر الذي أدى إلى إقصائه سياسيًا واجتماعيًا).
وقد رفضت بلانش جائزة فارسة الفنون والآداب عام 2019، التي كان من المُزمع أن يسلمها لها وزير الثقافة فرانك ريستر. يومها، قالت: "لا أقبل جائزة إلا من حكومة تلتزم بتنفيذ التزاماتها، وتحافظ على كرامة المشردين". رفضت عام 2023 المشاركة في حلقات تصوير قامت بها مؤسسة "أمازون" احتجاجًا على توجهها، وعلى الأجرة الخيالية لمؤسسها جيف بيزوس. في عام 2022، أعلنت عن تأييدها لجان لوك ميلونشون، زعيم حزب "فرنسا الأبية"، بتوقيعها عريضة مع الآلاف من أنصاره داعية إلى انتخابه رئيسًا للجمهورية. تعد بلانش عدوة الممثلة صوفيا عرام، المغربية الأصل، التي قالت عنها ساخرة: "يجب أن أكون إسلاموفوبية مثلها". أخيرًا، قالت على خشبة المسرح: "أصبحت معادية للسامية منذ السابع من أكتوبر".
أنقل هذه الحقيقة التي ما زالت حديث وسائل الإعلام الفرنسية بتوجهاتها المتضاربة كافة للقراء بعقلي البارد، وليس بعاطفتي الجياشة، بعد مشاهدتي فيديو الصحافي السابق إيمريك كارون، وأشهر نواب حزب "فرنسا الأبية"، وفيديو باسكال بونيفاس، أشهر الكتاب الفرنسيين الذي لم يعد يظهر في التلفزيون مثله مثل الممثل الشهير ديودونيه، وأخيرًا رفيقة دربه الممثلة المسرحية والتلفزيونية والسينمائية بلانش غاردان. بونيفاس أكد صحة ما قاله كارون: "فسخ عقود بلانش مع منتجين ومخرجين منذ أكثر من سنة، وحرمانها من العمل، ومنعها الناعم (الذي لا يستند إلى قرار مكتوب) من الظهور في التلفزيون بسبب تنديدها بإبادة غزة، ليس إلا حلقة جديدة في مسلسل المكارثية الصهيونية الجديدة التي تقمع الأصوات التي تعارض السياسة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا تعادي اليهود حتمًا".
بونيفاس صاحب كتاب "هل من المسموح انتقاد إسرائيل؟"، والذي سبق أن مُنع من إلقاء محاضرة في جامعة "فيلتانوز" بالضاحية الباريسية الشرقية، ظهر بدوره في فيديو جديد ليؤكد صحة ما قاله كارون في علاقة ذلك بغياب حُرية التعبير في فرنسا حينما يتعلقُ الأمر بفلسطين على حد قول آلان غريش قبل عامين.
الممثل الشهير الكاميروني الأصل أصبح يُقدم عروضَه في حافلاتٍ، وفي قاعات صغيرة، بعد أن طردته العدالة عام 2015 من مسرح "لامان دور الباريسي (اليد الذهبية) إثر فسخ عقد إيجاره، ومطاردة سياسية وإعلامية قادها ضده الكاتب برنار هنري ليفي. ديودونيه، الذي دفع ثمن تنديده بالسياسة الإسرائيلية، واتُّهم بمعاداة السامية، مثل بلانش، قال معززًا تصريحي كارون وبونيفاس معلقًا: "سبق أن عرفت المصير نفسه، وما حدث للممثلة بلانش إعدام عمومي".
حقائق وتشكيك في وقت واحد
ردًا على الصحف والمواقع الإلكترونية اليسارية الراديكالية المتطرفة حتمًا، أو الممثلة للتيار الإسلاموي اليساري حسب وصف إعلاميي القنوات والمواقع اليمينية واليمينية المتطرفة، وعلى رأسها قناة "سي نيوز"، تناول موقع "يسرائيل هيوم" الإسرائيلي القضية يوم الرابع عشر من الشهر الجاري تحت عنوان: "الفكاهية الفرنسية بلانش غاردان تقول إنها في القائمة السوداء بعد تقديمها عرضًا فكاهيًا تدين فيه إبادة غزة". يُضيف الموقع الإسرائيلي: "تربط بلانش بين عرضها المذكور وتهميشها مهنيًا، الأمر الذي تسبب لها في ضائقة مالية". قولها "أنا مُعادية للسامية منذ السابع من أكتوبر" ــ يضيف الموقع الإسرائيلي ــ تسبب في ضجة سياسية وإعلامية، وفي حصار مهني دفع بمُعاونيها ووكلائها الفنيين إلى التوقف عن العمل معها، وإلى وضع حد لعروض فنية كانت مبرمجة قبل تمثيليتها المُندِّدة بإبادة غزة.
الموقع الإسرائيلي المذكور كتب عن الحادثة من مُنطلق صحافي غير مُحايد تمامًا، كما فعلت المنابر اليسارية المتهمة بمعاداة السامية عند تنديدِ أصحابها بإبادة غزة، وكشفَ عن تشكيكه في صحة تصريحات الممثلة التي أضافت أنها اضطرت إلى ترك بيتها بسبب الضائقة المالية. ذكرت الممثلة بلانش" ــ أضاف الموقع الإسرائيلي ــ "أن التهديد لم يَعُد يتعلق بحياتها الفنية، وطاول شقها الشخصي والعائلي، وذلك من دون التأكد من سلامة أقوالها من طرف جهات مستقلة".
من جهتها، أكدت الممثلة بلانش حسب مصادر إعلامية عديدة أنها تلقت تهديدات بالاغتصاب، وتم الاعتداء على شقيقها. في الأخير (وربما للتمويه)، وقف الموقع الإسرائيلي عند حقيقة قول النائب الشهير إيمريك كارون، صاحب الشعر الطويل، والصحافي القدير: "مقاطعة ومحاصرة الممثلة بلانش غاردان نتيجة للمناخ المكارثي الصهيوني الجديد في فرنسا".
تضامن فرنسيين وعرب إلكترونيًا
وقد تابعت الضجة بعد أن فشلت في التواصل مع الممثلة بلانش غاردان ــ التي توارت عن الأنظار مُتأثرة بما حدث لها في عاصمة كانت تعتقد أنها قلعة لحرية التعبير ــ قرأت الآلاف من التعليقات التي نشرت في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي. الملاحظ في معظمها تأييد الأغلبية موقف الممثلة بلانش وتضامنهم الكامل معها رغم عدم مجاراتهم كل مواقفها الأيديولوجية، وتغليبهم حقها في حرية التعبير كما تفعل ذلك صحف ومواقع إعلامية عند تناولها الإسلام والمسلمين، من أشهرها صحيفة "شارلي إيبدو"، التي تَكيل بمكيالين حينما يتعلقُ الأمر بتفسير الإرهاب، وخلطها الممنهج بين الإسلام والمسلمين والإسلاميين المتطرفين، وعدم ترددها في السخرية من النبي محمد صلى الله عليه وسلم بشكل وقح باسم حق السخرية من كل شيء من دون غيره من الأنبياء على حد قول أحد المعلقين.
يجدر الذكر أن كل المتضامنين مع الضحية المفترضة حسب تعبير الطاعنين في مصداقية طرحها لإبادة غزة لم يترددوا في شراء كل أعمالها المسرحية والسينمائية عبر الإنترنت لدعمها ماليًا بعد حرمانها من عروضٍ فنية كانت مبرمجة قبل وبعد السابع من أكتوبر.
من بين التعاليق التي جاءت تحت مقال نشره موقع "فان كليب"، يوم الثالث عشر من الشهر الجاري: "كل تضامني. لم تعد هنالك حرية تعبير" (بريجيت ميشليه)؛ "نحن معك، والسخرية وسيلة للتعبير عن اللا مُقال" (باتريسيا غارو)؛ "نحن معك ... السخرية لا تموت أبدًا" (جيهان دريرا)؛، "برافو... حرية تعبير لم يجهر بها كثير من زملائها وزميلاتها. زمن كولوش قد ولى إلى الأبد" (نورية دانس)؛ "فرنسا الضحك على كل شيء. مفهوم الضحك على كل شيء يتوقف على الموضوع" (موريال غريو)؛ "برافو بلانش. تعالي إلى بروتاني (شمال فرنسا)؛ "هنا نحب سخريتك وطزاجتك الفنية" (يان غورمولو)؛ "حرية التعبير ليست في متناول الجميع" (ماري بيار بوفار)؛ "يجب شراء أعمالها عبر موقعها تضامنًا معها" (لارا بلستريم)؛ "ليس الجمهور الذي حاصرها، إنه الوسط الفني والحكومي السياسي" (نتالي موتو)؛ "حرية التعبير مهددة. نحن أبعد ما يكون عن نحن كلنا شارلي" (أوريلي غاري)؛ "على كل الفرنسيين التضامن معها والتنديد بحرية التعبير الانتقائية" (فؤاد فارس العطياوي)؛ "مارِسي السخرية وليس الحرب" (إيفا كوهين ستاينر).
عن (ضفة ثالثة)