هذه أربع مسرحيات متباينة في فصولها، لكن ما يجمعها هو رمزيتها، لقد استوحت من المدرسة الرمزية شكلها العام، لكنها وظفت البيئة المحلية، في المسرحيات، لذلك جاءت برمزيتها العراقية الخالصة، مؤسسة لنص مسرحي جديد.

أربع مسرحيات

الشيصبان - المحطة – صاحب الزمان - الدسيسة

يحـيى الشيـخ

 

الشيصبان

مسرحية من فصلين

الشخصيات

•      الراوي: صوت محايد.

•      الشيصبان: رجل مأزوم يعاني من مرض عصاب، يلبس عباءة (بردة) بلون أحمر غامق وخوذة كروية... تجتاحه بين حين وآخر رعشة فينتفض على غفلة ويلوّح بطرف عباءته مثل راية، ثم يعود هادئاً... يعاني من انفصام الشخصية الحاد.

•      الملكة: امرأة نحيلة محروقة ومقمطة بلفائف وكأنها مومياء، صوتها مبحوح.

•      الحاكم: رجل مدني عامي.

•      قائد الحرس الملكي: رجل ضخم مستهتر داعر وشاذ.

•      الصعاليك الأربعة: ثلاثة شباب وفتاة (نماذج بوهيمية) سكارى طيلة المسرحية، يحملون قناني الخمرة أينما كانوا، يشربونها علناً.. يرتدون عباءات ملونة ملقبين بألوانها: الأحمر، الأصفر، الأزرق، والفتاة تلبس اللون البنفسجي ولقبت: البنفسج... يعلقون برقابهم خرجاً يحملون فيه حاجتهم، ويلفون رقابهم بشالات ملونة طويلة.

•      القضاة: بملابس القضاة الرسمية.

•      الحكماء: يرتدون عباءات سوداً ويعتمرون عمامات كبيرة جداً وكأنهم كهنة.

•      القوّال: رجل متملق، ناعم.

•      الحاجب شنان: شاب وسيم وعاشق مهمته حراسة بوابة جحر الشيصبان.

•      كنز: خطيبة الحاجب شنان، مغنية جميلة.

•      النادل، المتسولون، نساء ورجال وأطفال: عامة الشعب.

الفصل الأول

مستهل

المسرح مكشوف، والمسرحية من غير مَشاهد، تلعب الإنارة دوراً أساسياً في الانتقال من مشهد إلى آخر... الديكور ثابت تنتقل مكعبات القش من مكان إلى آخر حسب الحاجة، وأغلب الأحيان يقوم الممثلون بذلك خلال تمثيلهم المشهد.

** مارش عسكري ويقترح: (Slavonic March, Op.31, Tchaikovsky) يلازم المسرحية، يخفت ويظهر حسب حاجة الحوار، تعترضه أحياناً قرع طبول وصنوج حسب الحالة.

الديكور عبارة عن دهاليز (أقبية أو جحور) بمثابة مستعمرة نمل تحت الأرض (مقطع عرضي): فوهات دائرية متراكمة فوق بعضها وسلالم تؤدي إلى الطوابق العليا... عالم عشوائي فاقد الأبعاد والهندسة.

ساعة كبيرة في الأعلى متوقفة، وساعات حائط أينما يسمح المكان متوقفة أيضاً... الشعب مولع بالزمن المتوقف.

تسلط الأضواء على الشيصبان في مقدمة المسرح على الأرض، متكور على نفسه يعاني من تحول من كائن بشري إلى ذكر نمل، يزحف على بطنه بحركات بطيئة، يتلوى مثل دودة...

الراوي: (ظهوره ليس مهماً) "الرجل القابع على الأرض أمامكم وصل عقله إلى قدرات خارقة، مكنته من التحول من طبيعته البشرية إلى طبيعة أخرى، إلى كائن آخر، أو إلى شيء. قضى حياته يجري تدريبات قاسية للتماهي مع كائنات أخرى، تتخللها حالة انفصام تام، وتصحبها رعشات وصراخ وزبد بما يشبه حالة الصرع، يصاحبها ألم يفوق ألم المخاض، فيغيب عن طبيعته ويتحول إلى ما يريده... أشرف عليه أطباء مختصون وعلماء نفس، وسحرة يهابهم الجن... يقضي وقتاً يمارس حياة شخصيته الجديدة ويدخل في كل ما يلزمها من علاقات يقتضيها الحال، ثم يعود إلى طبيعته الأولى متى شاء عبر عملية أشد قساوة من الأولى؛ لكنها عملية خلق في جوهرها، وكان يعي أن الخلق لا يخلو من هذا الألم، وفي هذا سر سعادته الدفينة، وإصراره على التحول الخلاق... إنه ليس مازوشياً ولا سادياً، بل يعتقد بنفسه إلهاً أسطورياً. ظل يمارس هذه اللعبة حتى أدمن عليها، وأصبحت تحولاته إلى شخصيات أخرى مرضاً تحكّم في حياته؛ لكنه لم يهتدِ إلى ما يشبع غروره ويلبي طموحات عقله وروحه. بعد تجارب عدة، اهتدى إلى كائن فذ، خارق الذكاء، جبار، قوي، عريق، يعرف ما فوق الأرض وما في باطنها، يستشعر العالم عن بُعد ويهتدي إلى كنوز العالم الخفية. فقرر بشكل صارم التحول النهائي إلى ذكر النمل، الشيصبان بلا رجعة. هيأ نفسه كلياً واستسلم لعقله وراح في عملية التحول ببطء شديد: ضاق خصره حتى كاد ينقطع، تفصص صدره وشعر بضيق نفس، استدقت عنقه وتكور رأسه وامتدت من مقدمته مجستان حساستان، نتأت على جانبيه عينان مركبتان، ظهر من فكه قاطعان حادان، على جانبي جسده نبتت ستة أرجل ذات شعيرات دقيقة ومفاصل مرنة، وأخيراً لم يعد يشعر بقلبه الذي ظل يخفق بعنف، وقد تحول إلى أنبوب طويل يمتد من رأسه حتى مؤخرته... غير أن دمه ظل أحمر مثل كل البشر".

** يظهر الشيصبان بوضوح تحت ضوء كشاف... بعد أن يهدأ تماماً ينهض ويأخذ بتأمل جسده وقد أصبح أحمر مائلاً للسواد براقاً وكأنه قطعة فخار مزججة بإتقان... يدور بعينيه، يطوي جسمه ويتلوى يميناً وشمالاً مختبراً صلاحية جسده الجديد... يتلفت مستشعراً العالم المحيط به، فتنبه إلى غناء يأتي من بعيد ويظهر جيش جرار من النمل يدب بانتظام في مسيرة منضبطة تماماً، ينشدون بحماس على وقع أقدامهم على الأرض:

(نعمل من شروقها حتى المغيب،

صوت نسائي: منذ الأزل...

منذ الأزل تسمع الأرض غناءنا والحقول...

صوت نسائي: منذ الأزل...

منذ الأزل تدق قلوبنا كالنواقيس،

صوت نسائي: منذ الأزل...

منذ الأزل تعلو أنغامها للفراديس،

صوت نسائي: منذ الأزل...

منذ الأزل نعمل... بلا كلل... بلا كلل

صوت نسائي: منذ الأزل... منذ الأزل)

** جمهرة تأتي من اليمين تتجه إلى اليسار، وجمهرة تعاكسها في الاتجاه، كما يفعل النمل؛ يتوقف بعضهم يهمس للآخر وهكذا في سلسلة لا تنقطع مع همهمات لزيادة العزيمة... يحمل كل منهم حقيبة ظهر مليئة تضاعف من انحناء الظهر.

الشيصبان: (ينتبه لهم وبانفعال شديد يهرع نحوهم) قبيلتي، إخوتي، أنصاري.

** ويلتحق في مؤخرة الرتل وهو يلهث، يتعثر في طريقه مرات عدة، فهو لم يعتد بعد السير كونه نملة، ولم يقدّر حركة مفاصله، يسقط وتجرح يده، يلعق دمه وينهض، يخفي يده المجروحة خلف ظهره ويمشي وراءهم... يلتفت إليه الأخير في السرب:

الأخير: رائحتك كريهة... ولا تحمل شيئاً.

** تردد الشيصبان في الإجابة عليه مخافة افتضاح أمره فهو لم يجرب صوته بعد:

الشيصبان: اح، اح، اح.

** وانشغل في البحث فيما حوله تلافياً للمواجهة المباشرة، مدّعياً الجدية والحرص والبحث عما يحمله... التقط كسرة ورقة يابسة في الطريق وحملها على مضض، وهو يبحبح.

الأخير: (يتوقف ويواجه الشيصبان وجهاً لوجه ويتمعن فيه) من أين الأخ؟

الشيصبان: من الخنادق القديمة.

الأخير: أمي من هناك، لا بد أنك تعرفها.

الشيصبان: لا أعرف أحداً، هاجرتُ وأنا صغير ونسيت كل شيء، وعدت قبل أيام بعد أن ضاقت بي الدنيا.

الأخير: لا بد أنك عاشرت البشر، فرائحتك الكريهة تنمّ على ذلك.

الشيصبان: (بانفعال شديد وتذمر) أرجوك، دعني وشأني.

الأخير: ما هكذا تورد الإبل يا أخي، هذه ليست من أخلاقنا، فكل واحد منا مسؤول عن الكل والكل مسؤول عن الواحد... تبدو معاشرتك للبشر قد أفسدت أخلاقك... هيا أسرع فقد تأخرنا عن الركب.

** يهرولان، لكن الشيصبان يتأخر عن صاحبه متعمداً، يجرجر أطرافه، ويدخل متأخراً إلى الأنفاق، وكانت هادئة تماماً والنمل قد أودع محاصيله في بيادرها وركن للنوم. خلالها تُسمع ريح تمر عبر قنوات، وخرير مياه.

تردد الشيصبان قليلاً قبل أن يدخل، تنفس هواءً ثقيلاً مشبّعاً برائحة تربة رطبة وعفن، سمع صوت قطرات ماء في مكان ليس بعيداً، سار ببطء شديد وهو يتلفت بحذر مثل لص. صادف مومياء ملقية على الأرض تعترض طريقه: طويلة ملفوفة بقماط لا يظهر منها سوى رأس متغضن، وذراعان مضمدتان بلفائف، وعينان جاحظتان بائستان. وقف يتأملها ويفكر؛ هل يدفعها، أم يقفز فوقها، أم يلقي التحية وينحني إجلالاً فربما تكون طوطماً يعبدونه؟ لكنه جفل ورجع خائفاً، وقد تدحرجت أمامه وسدّت عليه الطريق.

الملكة: (صوت مبحوح ونفس متقطع) ليس من عادة النمل التأخر عن العودة هكذا... أشم فيك رائحة ليست غريبة عني... إن لم تحترق ذاكرتي معي فهي رائحة آدمية، ولونك يميل إلى لونهم... أعطني مما سرقت منهم.

** يتجنب الاقتراب منها ويرد عليها بحذر:

الشيصبان: لا أعرفهم ولم أسرق منهم شيئاً... ولم أخالطهم طيلة حياتي... هيا افسحي الطريق... رجاءً!

** تزحفت نحوه مسرعة في محاولة جادة لإخافته، ومنعته من التقدم.

الشيصبان: يا مومياء المقابر، قلت لك افسحي الطريق، وإلا أعيدك إلى قبرك قبل أن يصحو الأموات.

الملكة: اسمع يا نغل، من تسميها مومياء المقابر هي الملكة هنا! قضيت كل حياتي في أجمل المدن، مع البشر في بيت عامر، حتى احترقت المدينة واحترقتُ معها، ولم يبقَ مني غير الذي تراه، فأنا أعرفك وأنت تشبه أحداً منهم... العبيد هنا من أمثالك ينتظرون نهايتي وأنا أنتظر ساعة موتي... دعنا نتفاهم! وأعدك بكتمان سرك، الذي يفضحه جرحك النازف، فأنت بشر، حتى لو طرت.

** تلمس جرح يده وكان دبقاً ينزف، فأدرك أنه مفضوح لا محالة، وليس من الحكمة تفويت فرصة للنجاة، أمام مستقبل مجهول تماماً. ردّ عليها بلهجة ود وتعطف وهو يبالغ بتمسيد رأسه:

الشيصبان: (تغيرت لهجته وصوته) لا أخفي عليك يا صاحبة الجلالة، أنني في طور التحول إلى شيصبان، وهذا يقتضي وقتاً طويلاً... أنا على أتم الاستعداد للتفاهم والاتفاق، وحتى التحالف إلى الأبد.

الملكة: حتى يكتمل تحولك ويتغير لون دمك الأحمر، وتتخلص من رائحتك الكريهة، وتبرهن أنك شيصبان يعرف ملوكه ويتذكر نسبه، ويتكهن بالمستقبل، يكونون قد قطعوك وجففوك في الشمس، وأقاموا على شرفك وليمة واحتفالاً كبيراً.

** تزحف الملكة نحو الحائط وتتكئ عليه وتجلس، بمواجهة الشيصبان، وتواصل كلامها بسخرية وتحذير.

الملكة: بلا هبل يا ولد، فأنت متورط لا محالة، لا أعرف ما الذي جاء بك وكيف تحولت، ولكن دعنا نتفق على عهد قبل فوات الأوان!

الشيصبان: (بصوت ذليل) جلالة الملكة، أنا خادمك وطوع بنانك.

الملكة: أولاً... تحكي لي كيف تحوّلت ولماذا، ومن أين جئت... فليس من عاقل يفضل العيش في هذه القبور غير الأموات بلا إرادة منهم... كيف تخليت عن الشمس، والنسيم، والحقول والزهور، وتغريد الطيور... كيف طاوعك قلبك وابتعدت عن الأنهار والسماء؟ أية أهداف ترنو إليها؟ ... أتمنى أن يكون أولها القيام بخدمتي، وتجند نفسك لإعادة مكانتي وهيبتي الملكية، فالقوم هنا أهملوني وأخذوا يقصرون في طعامي بغية موتي وتنصيب ملكة أخرى... من جانبي، أكتم سرك وأحميك، وإذا أخلصت فعلاً أجعلك وزيري الأول.

الشيصبان: أعاهدك بشرفي!

الملكة: بربك، هل بقيت لديك ذرة شرف بعد التحول؟ لم أعرف ولم أسمع في حياتي عن كائن تلعب به الأهواء والنزوات والمفاتن غير البشر... ومع كل هذا الجشع، يتذمرون ويذهبون للموت وعينهم على بقية باقية من حياة فاسدة.

الشيصبان: لكل هذا الذي تفضلت به جلالتك، قررت التحول والتخلص منهم ولم يبقَ لي غير إرادتي في اختيار النمل، ومملكتك تحديداً موئلاً لي...

الملكة: ولكن كيف ولماذا؟ يا ليتني أصدقك!... نحن نقطع آلاف الأميال حتى نصل إلى حقولهم وموائدهم، نجني ما يسد رمقنا، وأنت تتركهم هكذا... بفعل نزوة...

الشيصبان: للضرورة أحكام يا ملكتي، للضرورة أنياب تنهش.

** (يظهر الصعاليك الأربعة وسط ظلام دامس، سكارى يعربدون يحملون فوانيس ويغنون).

الملكة: هيا اختفِ بسرعة!

** (يضع الشيصبان يده على صدره وينحني... ويركض مسرعاً إلى أول جحر يصادفه، ويلقي بنفسه على التراب... ويبتلعه الظلام).

صوت الصعلوكة منفرد: (بلغه يا قمرُ... إذ ينشرُ الخبرُ أنّي غداةَ غدٍ... يغتالني السهرُ)

** (يرد الصعاليك وراءها حتى ينخفض صوتهم ويختفون في دهليز مظلم)

الصعاليك: (بلغه يا قمر... إذ ينشر الخبر ... إني غداة غد... يغتالني السهر)

** غير أن زاوية حادة في عقل الشيصبان أبت أن تطفئ سؤالها:

الشيصبان: (يسلط عليه ضوء ضيق جداً) لم أخلق لأموت... لم آتِ لأنام، الشدائد العظيمة رحم لشدائد أعظم... فويل للزمن.

** تدخل المسرح مجموعة كبيرة من الجنود يحملون الرماح، على رؤوسهم خوذ كروية، يقودهم الحاكم وفي يده عكاز، يرافقهم القوّال يتأبط سجلاً كبيراً.

** يسلط ضوء كشاف على جحر الشيصبان، تؤثثه عدد من مكعبات قش يمكن استخدامها للجلوس، أو استعمالها مناضد أو حواجز... الحيطان عشوائية... الشيصبان نائم في جحره، يستيقظ مرعوباً على صياح ولغط عند مدخل الجحر.

صوت: من هو؟ متى جاء؟

** خرج الشيصبان منهكاً وهو يتثاءب، ويفاجئه ما يرى.

الحاكم: ليس من عادتنا النوم حتى الضحى! هيا اخرج إلى العمل!

الشيصبان: عفواً سيادة.. (يتلكأ في تقدير اللقب ويمسح فمه فيسعفه أحد الجند)

جندي: سيادته، الحاكم.

الشيصبان: نعم نعم سيادة الحاكم، لقد اشتغلت أكثر من اللازم يوم أمس، وأخذتني غفوة... سأخرج حالاً.

** تقدم منه قائد الحرس الرئاسي يجنح ذراعيه مثل نسر ويتمايل في مشيته، دار حوله وأخذ يشم مؤخرته، دفعه الشيصبان وصرخ به:

الشيصبان: أنا شيصبان مثلك يا أعمى!

** لم يتراجع القائد، وعاد يشم مؤخرة الشيصبان، وهو يتأوه ويشنف:

قائد الحرس: أنت مثير جداً.

الشيصبان: (بغضب واستياء) حلّ عني!

** يركله بكل يأس وقوة، ويلقيه صريعاً على الأرض، مهشم الأوصال يصارع الموت، يرفس، ثم يخمد ميتاً... الجنود يفاجئهم الأمر بعضهم يصرخ رعباً، بعضهم يضحك، وبعضهم يبتعد... يتحرك الحاكم بحذر، وهو يواصل النظر إلى الضحية يرافقه مارش... ينحني عليه ويجس نبضه، ويعلن بتعجب وعدم تصديق:

الحاكم: (وهو ينظر للشيصبان) قتلته! لقد مات (يقولها بفرح).

الشيصبان: (بخوف) قمت بالدفاع عن نفسي وشرفي، فليس بعدهما ما يستحق العيش...

الحاكم: لا أحد يلومك في الدفاع عن شرفك؛ ولكن هل تعرف أنك صرعت قائد الحرس الرئاسي، أقوى شيصبان في المملكة، عجزت عنه جحافل النمل.

الشيصبان: عجيب! قائد يموت بركلة واحدة! كنت أنوي إبعاده عني لا غير.

الحاكم: حسناً فعلت! سلمت ساقك، لقد أزحته عن وجهنا، فقد تجبر أكثر من اللازم، نهب كل شيء، واغتصب الحرس الرئاسي كله، وكاد يصل إلى أعلى المستويات (يتنحنح)... وصلتنا بشأنه مئات الشكاوى، ولكن لم يستطع أحد كفه عن غيه... لقد خنّثَ الجميع.

** (يلتفت إلى الحرس، كلهم يهزون رؤوسهم شهادة على صدقه، ويطأطئونها محرجين... الشيصبان يشعر بالزهو وينفخ صدره عالياً ويتلفت للآخرين وهو يستعرض نفسه).

الحاكم: كما ينص نظام المملكة، من يصرع قائداً يحل محله! ويقلد وسام البطولة ويعين مكانه... وسنقوم بإصدار مرسوم بتنصيبك، بالرغم من أننا لا نعرف من تكون وما هو اسمك الكامل".

الشيصبان: (تململ وتعطف دلالاً) أشكركم على ثقتكم، سيادة الحاكم وأرجوكم أمهلوني يومين أو ثلاثة لأعدّ نفسي للقيادة، بعدها يمكنكم معرفة من أكون".

الحاكم: هذا من حقك، ومن حقك اختيار ساعات عملك في الأنفاق أو خارجها، فالحرس الرئاسي في كل مكان.

** (يحييه تحية عسكرية ويشير للحرس بالمغادرة)

الشيصبان: (يرد التحية العسكرية بطريقة مشوشة غير نظامية... وتذهب يده إلى خلف رأسه. القوّال كان يرافق الحرس وبيده دفتر كبير مهمته تدوين الأحداث، يتخلف عن الركب ويعتلي منصة، (مكعب من القش) ويخطب بحماسة شديدة):

القوّال: أبشروا واستبشروا... لقد ظهر الحق وزهق الباطل... فلا مراوغ بعد اليوم ولا مماطل، وقد ظهر القائد المارد الذي انتظرتموه طيلة التاريخ، وانهار النظام البائد، وتقوضت صروح السائد الآبد.

** وقبل أن يدخل الشيصبان في جحره يلتفت وينادي على القوال الذي يهرع إليه وينحني، يضع الشيصبان يده على كتفه:

الشيصبان: ما اسمك يا بطل؟

القوّال: القوّال سيدي.

الشيصبان: قه، قه، القواد؟

القوّال: لا، لا سيدي، اسمي القوّال... إل، إل. (يقولها بوضوح حرفاً حرفاً، ويؤكد على حرف اللام).

الشيصبان: لا فرق، لا فرق... حرف واحد لا يغير من الحقيقة كثيراً... فاللغة الجعبرية تفعل المعجزات بحركة واحدة، تصوّر أن كلمة "حُبٌ"... وأنت تعرف الحب أكيد... تتحول بحركة صغيرة، إلى "حِب"... يعني زير ماء كبير... قه، قه، قه...

** (القوال يضحك كما يضحك الشيصبان وبنفس النبرة)

القوّال: تمام سيدي تمام.

الشيصبان: واضح في خطابك الرائع تقدير لأهميتي... وما دمت كذلك حريصاً، أريد منك ترتيب مقر عملي الجديد مهما كانت الكلفة، وترشح مجموعة خيرة من أمثالك للحرس الخاص، والتشريفات، وفرقة موسيقية للاستعراضات والمناسبات التاريخية... فأنت كما قدرت في خطابك، أمامنا مهمات تاريخية لا مثيل لها... ولا تنسَ أريد حاجباً قوياً وشجاعاً عند بابي... قل لي، ماذا تشتغل؟ وماذا تجيد من أعمال؟

القوّال: كل شيء سيدي، فأنا شاعر بلاط، وصحفي في الصحف الصفراء، وكاتب عرائض وتقارير، وقارئ في المناسبات الدينية والوطنية والقومية والأممية...

الشيصبان: ها (بانبهار شديد) ... أنت تحفة أثرية، ترهم مثل المرهم.. قه، قه، قه... تصلح لوظيفة الناطق الرسمي، على أن تغلق فمك الواسع هذا (يشير إلى فم القوال بسبابته ويكاد أن يدخلها فيه) تغلقه عن الثرثرة بما تسمع وترى، فأنا لا أحب المنافسات، والمؤامرات، والخزعبلات، والآهات... والوريقات (يضرب الدفتر من يد القوال ويبعثر أوراقه ويضحك) قه، قه، قه...

القوّال: أمركم سيدي. قه، قه، قه...

الشيصبان: لماذا تقهقه؟

القوال: أسايرك سيدي... فحين يضحك الرئيس، تضحك الدنيا والآخرة...

الشيصبان: (يستاء) الآخرة تأخذك... هيا (يطرده).

** (يهرول القوال يجمع أوراقه المبعثرة... تطفأ الأنوار ويسلط ضوء كشاف على الشيصبان وهو يتقلب قلقاً في فراشه)

الراوي: "الشيصبان تؤرقه أفكاره، شأنه شأن كل قادة العالم سواء كانوا فوق الأرض، أم تحتها في الأقبية، ناهيكم أنه توكل لأول مرة بقيادة الآخرين، فطيلة حياته لا يعرف غير العبث مع نفسه في أحلام اليقظة والتحول من كائن إلى آخر... قضى تلك الليلة، وهي ليست مثل كل ليلة، يتقلب في فراشه القاسي ويقلب فكرة بعد أخرى وهو يصارع النوم... فكّر بكل ما يمكنه أن يفعله. واهتدى إلى جملة أفكار؛ التحصن بالصمت قدر الممكن، وعدم الاختلاط بالعامة، وتجنب النقاشات التي تفضح جهله وعدم أصله، والابتعاد عن المثقفين الخبثاء، والصحافة الصفراء، والاكتفاء بهز الرأس... فكر بتكليف الناطق الرسمي بالرد على الأسئلة متحججاً بكثرة المشاغل والمواعيد الرسمية... والأكثر أهمية من هذا وذاك هو التعالي والغموض، وتعيين حاجب على بابه، ليحظى بمزيد من الأبهة والسمو والسرية".

** جاءت الملكة يحملها الجند بعربة تشبه العربات الصينية (يجرها خادم) يهرول وراءها الجنود والصغار يصفقون وهي تنثر عليهم الحلوى... يساعدها الجند على النزول عند بوابة جحر الشيصبان... تأمرهم بالانصراف... يعترضها الحاجب برمحه، ويمنعها من الدخول.

الملكة: تعترض الملكة يا ابن الزفرة! من أنت؟

شنان: شنان حاجب الشيصبان مولاتي... إنها الأوامر.

الملكة: قل له الملكة.

** (صوت الشيصبان من جحره ويكون مغطى بستارة من الدانتيلا)

الشيصبان: اسمح لها بالدخول... تفضلي يا صاحبة الجلالة.

** (تدخل جحر الشيصبان بعد أن تسحب الستارة بعنف وتنزعها من مكانها، وهي غاضبة، مستاءة).

الشيصبان: يا هلا، يا هلا، اعذري المخلصين من رعيتك يا مليكتي، فقد تعلموا على يدك طاعة الأوامر...

الملكة: يا نغل، سيرتك على كل لسان تملأ الأفواه، ألذ من الطعام. عطلوا العمل هذا اليوم على غير عادتهم، احتفالاً بالبطل الجديد والقائد (تقولها بتهكم).

الشيصبان: أول الغيث قطر... ثم طوفان لم تشهده حياتك... أرجوكِ تجنبي استخدام هذا الوصف السوقي، أقصد "النغ..." فهو يسيء لمكانتك ومكانتي.

** (قدم لها الطعام بجدية واستعراض رسمي، وقال):

الشيصبان: علمت بأنك بأحسن حال، وهذا مهم جداً لنبدأ العمل...

الملكة: (ترفع يدها وتوقفه عن الكلام) على مهلك، أولاً، قل لأعوانك الابتعاد عني فليس لدي ما أخفيه غير حروقي، وليس لدي ما أخسره غيرها.

الشيصبان: لقد صدر بهذا الشأن مرسوم رئاسي، لحمايتك ورعايتك والاطمئنان على أحوالك... ثم هم رعيتك بالأصل.

الملكة: أنا في قلب رعيتي منذ أن ولدت فلا تقلق عليّ... المهم عندي معرفة ماذا تخطط له... سمعت الكثير من التكهنات... هنا لا شيء أكثر أهمية من التكهن بالمستقبل وهي قدرة طبيعية، إضافة إلى أنها مراس يومي... ولا يمنعهم من اكتشاف الحقيقة مهما كانت مستورة. (تشير إلى الستارة الملقاة على الأرض).

الشيصبان: تعرفين بأني لا أخفي عليكِ سراً... وأنتِ تعرفين أخطر أسراري، (يتخصر ويتبختر أمامها) أول خططي أفكر بلقاء أهم الشخصيات المؤثرة في المملكة، وأنضج الرؤوس حكمة وبصيرة...

الملكة: يعني أنك تطلب الشعب كله... فكلهم ذوو رؤوس حاذقة وأصحاب بصيرة.

 الشيصبان: لا بأس ليكن الشعب كله، ولكني أعني الحكماء منهم تحديداً، أولئك المحيطين بك... كما في نيتي القيام برفقتك بجولة ملكية في شعاب المملكة للتعرف على أحوالها... وعلى خزائنها وثرواتها في موكب ملكي يليق بكِ ليعود مجدك ويعود الشعب إلى ماضيه العتيد.

الملكة: صحيح أني أعرف أخطر أسرارك؛ لكني لا أحزرها كلها... يبدو أن طموحك بلا حدود، وتميل للتستر... أحذرك للمرة الأخيرة، وأذكّرك بأنك محاط بعقول وعيون لا مثيل لها في الأرض، لا تخطئ في النظر وتقدير الأمور.

الشيصبان: مليكتي الغالية، علينا نحن أيضاً ألّا نخطئ في تقدير الأمور... والعمل بسرعة فلا أحد يضمن المستقبل في مكان بلا زمن (يتكلم وهو يشير إليها ويلف يده بالهواء يمثل حالتها الملفوفة بالأشرطة الطبية) علينا طرق الحديد وهو...

الملكة: (تقاطعه بغضب) لا حديد ساخن ولا بطيخ بارد... أولاً وأخيراً عليك الحذر فاللحيطان... آذان، وحسن التصرف... وتحت هذه اللفائف التي تسخر منها، يا "نغ..." (تتوقف عن الحرف الأخير وهي تزره بنظرة ثاقبة) يكمن سرك، ومن غيري لا تقوم لك قائمة. الشيصبان: أنا فقط أردت التوضيح... لهذا أفكر بالحيطة لحماية نفسي بأكبر العقول وأقوى الناس، لأحميك وأرفع من شأنك، وأحمي مملكتي.

الملكة: آها... صارت مملكتك بين ليلة وضحاها؟ مملكتك يا بطل (تقولها بسخرية) في وفائك للعهد، والتدبير... فالنمل وريث أول نظام مشاعي في الحياة، وعليك أن تفهمه أولاً وتجيد التعامل معه... فهؤلاء لا يعرفون الغدر، ولا النميمة، ولا التقاعس، يحكمهم وعي واحد ومنطق واحد اسمه الطبيعة.

الشيصبان: ألا ترين أن الملكية أصبحت حقيبة ثقيلة بدون مقبض... مع هذا سأحمل أوزارها نيابة عنك وأظل وفياً للعهد مهما كان بائداً... وبمناسبة العهد البائد، سأبني لكِ معبداً يحمل اسمك وتمثالاً في أكبر الساحات... بعد عمر طويل إن شاء الله.

** (تقدم له لفيفة ورق أخرجتها من تحت لفائف صدرها، هزّتها بوجهه، وقالت وهي تخزر في عينيه):

الملكة: فيها أكثر مما تطلبه، أهم وثيقة تاريخية، فيها تاريخ البلاد، وقوانينها، وأسماء الرعية ومواليدهم وأنسابهم، وبالمناسبة لم أعثر على نسبك في الحقيبة الثقيلة بلا مقبض (تقولها مقلدة لهجته وصوته، وهي تخزر في عينيه) احرقها بعدما تستوفي الغرض منها...

الشيصبان: ليس في الدنيا أشد حرصاً مني على حرق الماضي... (يشير بيده إلى كائن مجهول في الفراغ، يتوجه إليه ويحدثه وهو في حالة انفصام شخصية) أيها الماضي... عُدْ إلى ماضيك. (يومئ له مرتين أو ثلاثاً للعودة.. وفي طريقه إلى الملكة، يلتفت ليتأكد من أن الماضي قد اختفى، فيهز رأسه راضياً ويبتسم).

** يودع الملكة بحفاوة بالغة، وينادي على الجند ليحملوها إلى مكان إقامتها.

الراوي: (يضاء المسرح كله مع موسيقى مارش) "يزدحم المكان بالعشرات، في طليعتهم الحكماء يتبعهم القضاة، ومن ثم الصعاليك، ومن ثم الرعية... يتوجهون كلهم مثل موجة إلى مقر الشيصبان بعد أن أصبح أكبر وأكثر ترتيباً وإضاءة، أصبح مقر الرئاسة فعلاً. يتهامسون ما بينهم ويتدافعون أثناء دخولهم المكان متخذين أماكنهم كيفما اتفق. يقف الصعاليك بعيداً عن الآخرين يرصدون ما يجري... في طرف آخر يقف القوال يتأبط دفتره الكبير... ليس من عادات النمل عقد اجتماعات تلهيهم عن العمل، فهم يتناقلون الأخبار والتوجيهات ويتبادلون الآراء من واحد إلى آخر في طريقهم وهم يشتغلون، فكل ما في حياتهم متفق عليه ضمناً ما دام كل نفر في المجتمع يدرك واجباته، ويعالج الخلل بنفسه أو ينبه المجتمع بشأنه، ويتحمل مسؤولية الجميع. المراكز الإدارية فيه ليست امتيازات، إنما واجبات مضاعفة تلقى على كاهل الجديرين ومن يتطوع. طيلة حياتهم منذ ولادتهم حتى مماتهم يغنون للعمل".

** (تصدح موسيقى عسكرية عالياً... خلالها تصل الملكة في موكبها المعتاد تختض على وقع عجلات العربة وخطوات الحوذي... تأخذ مكانها في صدر المكان... تنتبه لصورة كبيرة جداً (بورتريه) للشيصبان على الحائط تتأملها طويلاً، تلتفت إليه وفي نيتها الكلام؛ الشيصبان ينتبه لها؛ لكنه يعاجلها ويخطب بهم:

الشيصبان: اسمعوا وعوا، أمة بلا اسم، بلا شعار، بلا علم، ولا عملة للتداول، أمة زائلة. فالتاريخ لا يعرف غير الأسماء... دعوتكم لننهض بهذه البلاد، ونبني إمبراطورية يهابها باطن الأرض وما فوقها، أقودها إلى النصر... دعوتكم لنختار اسماً وشعاراً وعلماً يميّزنا بين الأمم.

** القضاة يصفقون... يتقدم حكيم ويقول بثقة عالية وفي صوته نبرة ورع وخشوع:

حكيم أول: عشنا وعاشت أجيال من قبلنا بملايين السنين بلا اسم ولا شعار ولا علم، لا يميّزنا غير طبيعتنا ونظامنا المشاعي.

** (أخذ الشيصبان بالتململ والضيق)

حكيم ثانٍ: لنا نظام سائد منذ الأزل ضمن لنا البقاء منذ تسعين مليون سنة، بلا اسم ولا علم ولا شعار... نحن الكائن الفريد منذ الخليقة الأولى، كتب له البقاء حياً بفعل إيماننا بأنفسنا.

** (الشيصبان يزداد ضيقاً وأخذ يقضم أظافره)

حكيم ثالث: اسمنا "النمل" وشعارنا وحدة المصير، يطبق على جهات الأرض من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، وليس فيها كائن يجهلنا، ولا يحسب لنا الحساب.

** الصعلوك الأحمر ثمل تماماً كان يراقب الشيصبان بانتباه شديد طيلة الوقت، وهو يغلي غضباً وقد أخذ يتوتر ويرتجف، فتقدم منه يترنح وقال:

الصعلوك الأحمر: أيها الرأس!

الشيصبان: (يرفع يده مستاءً) الرئيس! وليس الرأس.

الصعلوك الأحمر: عفواً، أيها الرس...

الشيصبان: (مرة أخرى يرفع يده مستاءً) الرئيس وليس الرس.

الصعلوك الأحمر: عفواً سيادتكم، نحن نقضم كل شيء، أفواهنا لم تخلق للكلام والخطابات الفارغة، إنها للقضم فقط، نقضم الأخضر واليابس، النيئ والمطبوخ... نقضم القواميس والمخطوطات والأفعال الممنوعة من الصرف، والأفعال التامة والناقصة وأشباه الأفعال أيضاً... ونقضم أمواتنا إذا استدعت الحال، أما الأحياء فنتركهم للزمن، إما يتفسخون (يلتفت للملكة) وهم أحياء أو يموتون (يقولها بتهكم) خالدين في جنات الخلد.

الشيصبان: نعم، يمكنكم أن تقضموا كل شيء، إلا الرئيس.

الصعلوك: أيها الر...ئ، ئ، ئ.

** وأخذ يتأتئ، ويتلعثم ويسكت... يجد "القوال" فرصة سانحة، وينط من مكانه ويمسح فمه:

القوّال: نسميها على اسم بطل الأبطال؛ بلاد الشيصبان.

الراوي: "لم يفهم النمل إن كان "القوال" يسخر أو يمزح أو أنها من تفوهاته السمجة الكثيرة، فقد اعتادوا على تصريحاته المجانية، فلم يفتحوا فماً، وظلوا يتلفتون الواحد للآخر في حيرة من أمرهم... بهذا الصمت تخلصوا من ورطة كبيرة لا تحمد عقباها... فليس فيهم من يشغله الاسم والعلم والشعار، حتى الملكة تغاضت عما قيل".

الصعلوك الأزرق: (يترنح) ما دام قد أصبح للبلاء اسم...

الشيصبان: (يرفع يده مصححاً) البلاد، وليس البلاء، الله يبليك بجهنم.

الصعلوك الأزرق: ليكن شعارنا وعلمنا صورة الرئيس... وتستخدم بمثابة علامة تجارية، على البضائع، وحليب الأطفال وسراويلهم...

** يقاطعه القضاة الذين أدركوا الورطة، بالتصفيق بحماسة شديدة، وهم يتغامزون ويتهامسون ما بينهم... ويتقدمون بعجالة يباركون الشيصبان ويودعونه... شيّع الشيصبان الملكة والآخرين إلى مدخل الجحر، وطلب من الحكماء الثلاثة الذين اعترضوا وناقشوا، وهو يقطع عليهم الطريق بعصاه ويشير لهم بالبقاء معه للمزيد من التشاور.

الشيصبان: أريدكم للمزيد من التشاور بأمور أكثر أهمية وسرية، وأنا... ولا أعوذ بالله من كلمة أنا، أفكر بإنشاء مجلس للحكماء، وأنتظر منكم مرشحين من أمثالكم، يرشدون سياستنا، ويزكون أفعالنا.

** (وهو يتكلم كان ينتقل من طاولة عليها كؤوس ودوارق وأوانٍ ويقدم للحكماء عصير اللوز وكرات سكر أسمر تملأ الكف).

الشيصبان: هذا عصيري المفضل، وهذا السكر الأسمر طعامي الأجود... كلوا واشربوا وأنتظر قراركم بشأن استيراد كمية منه تكفي الشعب في الشتاء القادم.

الحكيم الأول: قطعاً، هذا يسر الجميع، فالحصول عليه من عبر البحار يكلفنا الكثير من الجهد والضحايا.

** (الحكماء يهزون رؤوسهم بالموافقة وهم يلتهمون السكر ويشربون العصير... ثم يستأذنون للمغادرة)

الشيصبان: أنتظر زيارتكم... بابي مفتوحة لكم في كل الاوقات.

** (في طريق خروجهم يسأل أحد الحكماء بصوت منخفض):

الحكيم الأول: لماذا يستورد السكر الأسمر والبيادر مليئة بالسكر الأبيض الناصع، ثم من أين له هذا... لونه غريب؟ (يعصر بطنه من شدة الألم).

حكيم الثاني: ماذا كان يعني بـ "نستورد"؟ الذي أعرفه أننا أمة تجيد الغزو، وجمع فائض الحقول، أو التقاط سقط الموائد.

** (يلتفت إلى صاحبه ويسأله)

حكيم الثاني: أهذا ما يسمونه سقط المتاع؟

الحكيم الأول: لا يا صاحبي... سقط المتاع هم أبناء الزنا، أما نحن فأبناء حلال، مشاعيون بطبيعتنا.

** (في طريقهم يصيبهم المغص، يترنحون يعصرهم الألم، يتأوهون، ويسقطون أمواتاً... ترافقهم موسيقى أبواق جنائزية).

الفصل الثاني

** يمتلئ المسرح بحشد كبير يتراكض، بعضهم يحمل سلالم، يعلقون اللافتات، وينشرون معلقات كبيرة، وأخرى طويلة تنزل من أعلى مطبوع عليها صورة الشيصبان ... إنه كرنفال شعبي وعيد وطني، كشافات ضوء تلعب في المكان ... وموسيقى وأغاني وطنية ... تدق الساعة بصوت عالٍ ثلاث عشرة دقة. .

أحدهم: (يصرخ عالياً منادياً يطوف بين الجموع) الساعة دقت... دقت الساعة.

أحدهم: (يصرخ عالياً منادياً يطوف بين الجموع) الساعة دقت... دقت الساعة. آخر: ثلاث عشرة دقة! حسب التوقيت الجديد... يعني الواحدة ظهراً. آخر: رقم مشؤوم، أعوذ بالله!

** مكبرات الصوت تذيع موسيقى عسكرية (مارش).

الراوي: (صوت فقط) ((خلال ساعات امتلأت الأنفاق والساحات العامة بعلم البلاد وصور الرئيس. وكانت مناسبة حماسية للعاطلين عن العمل لصياغة مداليات عليها نحت بارز لوجه الشيصبان الشاب. بعد أيام تحوّلت إلى عملة للمقايضات، ويمكنك بواسطتها شراء ما تحب، فلا شيء يعصى عليها. ما لم يكن ممكناً بيعه ولا شراءه في يوم من الأيام، أصبح اليوم ممكناً: الفكر، والفن، والحب، والشرف، وما لم تكن المقايضة عليه ممكنة، أصبح بفعل النقود أمراً حتمياً، ولا بد منه مع ربح التخفيضات... الزواج، والطلاق، والموت أيضاً، ما كان يُهدى أصبح يُباع ويُشترى بفعل العملة... سحرها هيمن على العقول والأرواح. أعزائي المشاهدين، لا أعتقد أن أحداً منكم يمكنه التخلي عنها أو قضاء يوم واحد بدون استعمالها، أو عدم التفكير بها؛ ولكن دعونا ننسى تحدياتها، وقد أصبحنا أرقاماً في مصارفها، وفي المسرحية ما ينسينا إياها)).

** يظهر الصعاليك الأربعة في مقدمة المسرح يتأملون العملات الذهبية ويتبادلونها:

البنفسج: (بانبهار شديد) ذهب خالص!

 **تضعها أقراطاً على أذنيها.

الأصفر: يبدو أنه فتح خزائن الدولة.

الأزرق: يفتح صدرك بركلة إذا سمع هذا.

الأصفر: ( (يتلفت حوله حذراً)

الأحمر: ماذا يمكننا أن نفعل بها، فهي قاسية لا تُؤكل ولا تُشرب...

الأصفر: البشر في الطبقات العليا يقايضون بها... بمعنى يبادلونها بالطعام... يسمونه بيعاً وشراءً.

الأحمر: تبدو معاشرته للبشر أكسبته عادتهم وتأثر بنظامهم... يقولون إنه ولد هناك وعاش هناك... أظن أنها العولمة.

الأصفر: ماذا تعني؟ ا

لأحمر: سمعتها من أحدهم ولا أعرف معناها.

الأزرق: ماذا يستفيد الذي يأخذها ويعطي بدلاً عنها طعاماً؟

الأصفر: بدوره يشتري بها ما يعوزه، والآخر الذي يجنيها يشتري بها ما يعوزه أيضاً، وهكذا تدور العملة بيد الجميع وتسد حاجتهم وتظل كما هي أو تزيد أضعافاً، ويسمى فائض القيمة

الأحمر: اسمع بدون فلسفة رجاءً... أنها الزيف بعينه... دورة زائفة لا فائض فيها غير النصب والاحتيال... إنهم ينصبون على بعضهم البعض، إنها رمز للنفاق.

الأزرق: إنهم متفقون على هذا ويتبادلونه بقناعة تامة، ويخترعون عشرات الوسائل والطرق الذكية لتبادله وتقنينه. نظام البشر تاريخ من الزيف، غير أنهم في حروبهم العالمية يكونون حقيقيين وواقعيين، فالمقايضة فيها نفس بنفس، دم بدم، مدينة مهدمة مقابل أخرى مهدمة. حينها تسقط العملات وتختفي أغلب الأحيان، ويعود البشر إلى سابق عهدهم البدائي يتبادلون سلعة بسلعة. وبعد الخراب التام يتفقون على الصلح وتبدأ دورة الزيف من جديد... من عاش معهم احترق بنارهم، وملكتنا مثال تاريخي.

البنفسج: سمعت من جدي، أن قبائل منهم يتسابقون في حرق ما يجمعونه طيلة العام، فكلما وضعت القبيلة أكثر وحرقته، تضع القبيلة الأخرى مقابلها أكثر منه وتحرقه، حتى يحترق كل ما جنوا طيلة الموسم، ويعودون من جديد يجمعون لموسم حرائق جديد

الأحمر: عدميون!

الأصفر والأزرق: ماذا تعني؟

الأحمر: كلمة يستخدمونها في حالات كهذه؛ لكني لا أعرف معناها.

الأصفر: أرجوك مرة أخرى لا تتثاقف بلا رصيد.

** يُضاء المسرح كله في سوق المدينة، بسطات على الأرض، أشياء معلقة، مكعبات قش عليها بضائع وأدوات والباعة ينادون كل على بضاعته. الصعاليك الأربعة يتجولون بين الموائد يقلبون البضائع المعروضة، "الأزرق" يجرب قلادة على صدر البنفسج.

بائع 1: يا سكر، يا أسمر، (يصادف مرور حسناء من أمامه فيغني لها) "أسمر يا سمراني... من أساك عليّ... لو ترضى بهواني، برضو أنت اللي لي"

** أغنية عبد الحليم حافظ، وإذا تعذر الغناء يمكن التعويض عنه بمسجل صوت يفتحه البائع في وقتها.

متسول: الثواب قبل يوم العقاب.

بائع 2: ورق الغار... (يلتفت إلى فتاة تمر من أمامه تتغنج في مشيتها) يا ستار!

 ** يلطم على رأسه وهو يتابعها بنظراته. 

بائع 3: شعر أشقر يهفهف ويطير، قلامات أظافر، سمسم، لدينا كل ما يغطي العيوب ويفتح القلوب، فلا عاتب ولا معتوب

 متسول: من مال الله يا محسنين.

امرأة تتسوق: (تقف أمام أحد الباعة تأخذ حلية ترفعها عالياً، وتسأله): بماذا تبادلها؟

البائع: البيع بالعملة يا حلوة!

المرأة: (تتعجب) ما هذه العملة؟

البائع: نظام جديد، تشترينها من الحاكم

المرأة: حلوة! وبيع! وشراء! وحاكم! ماذا تعني بهذا كله؟ هل تساومني على شرفي يا نذل، يا ساقط؟ 

**تنزع نعالها وتهوي به على البائع، يهرب وتطارده وهو يستنجد بالآخرين ... في السوق يعلو الهرج والمرج والخلافات بين الباعة والناس وشتائم متبادلة.

الصعلوك الأحمر: ها إخواني! جاءكم كلامي، ألم أقل لكم إنها وسيلة زائفة، تفسد كل شيء، حتى المقدس.

متسول: (يتوجه للصعلوك الأصفر) تصدّق قبل نزول الحق، تصدّق الله يجبر بخاطرك...

الأصفر: (يقدم له قنينة الخمر) هذه جبر الخواطر...

المتسول: لا تجدف أرجوك! جبر الخواطر ليس نعمة ربانية فائضة كهذه (ويخطف القنينة من يد الصعلوك بخفة) بل جهاد مع النفس

** يضع القنينة في فمه وكأنه يبلعها، ويكرعها عن آخرها، ويتوجه صوب مكعبات القش يرتب منها مسطبة ينام عليها متوسداً ذراعه. يخلع الصعلوك عباءته ويغطيه

الأصفر: هنيئاً.

** ويلتحق بأصحابه ويكونون قد رتبوا طاولة وجلسوا حولها. وقبل أن يجلس تخطف من أمامه فتاة تتغنج في مشيتها، يتبعها ويقلد مشيتها، ويقرأ الشعر:

الأصفر: حامل الهوى تعبُ يستخفه الطربُ

 ** خلالها تصعد البنفسج على الطاولة يساعدها الأحمر، ترقص الفلامنكو وتكمل الأغنية:

البنفسج: تعجبين من سقمي صحتي هي العجبُ، حامل الهوى تعبُ، يستخفه الطربُ

 ** يلتحق الأصفر بأصحابه وتنزل البنفسج من الطاولة... يصفق لها الصعاليك والناس في السوق الذين تجمهروا حولها

الأحمر: (حافياً) إكراماً لكما (يفتح جرة من الخمر ويوجه كلامه لـ "الأصفر") ... وننتظر منك قراءة ما كتبته أخيراً.

الأصفر: (يرفع الجرة ويقدمها للبنفسج، تشرب قليلاً وتعيدها له، يشرب قليلاً أيضاً يعيد الجرة إلى الطاولة، ويسحب لفيفة مطوية من خرجه، ينشرها ويقرأ، ثم يتناوبون على القراءة واحداً تلو الآخر، يطوفون بين الناس في السوق): فرشتُ لغتي على الأرض وركعتُ، ألفَ الترابُ فمي... قليلٌ من الوعظ وكثيرٌ من التواضع، ونعمة فائضة من رطب جني، على حصيرتي... ليس في الشكر ما يبطل الكلام.

صعلوك آخر: خطأٌ اعتقدتُ أن المجد للإنسان وحده، صانع العجلة، والقلم، وأناشيد الحرب! في مستوطنة النمل بين الأشجار المتآخية، فوق أنسجة التفسخ، تحت أعشاش الغربان الهوجاء، تبدد اعتقادي، مثل وثني ظهر له الرب بغتة، ورمى بوجهه نظام الأشياء: نظام التكافل السرمدي.

صعلوك آخر: ليس لهذا وحده أؤمن بنظام الأشياء الصريح، بل مذ كنت فكرة ساذجة في الطين، لعبة في الكور، حبراً تحت الأظافر... كفلت هذا الكون ورب الكون. كفلتُ رياح السماء والنساء ويتامى البارود... كفلتُ التنور والتبن والروث والطحين في كف أمي... كفلتُ سرب الوز في السواقي، والشبوط في الشبكة... كفلت القنافذ في البساتين، وجحور الأرانب في البراري...

صعلوك آخر: منذ أور ما زال البردي يمنحنا لقاحه الأصفر، منذ الفجر قطعان الجاموس في الأهوار تنتظر؛ يعود كلكامش مندحراً

البنفسج: ألقي لغتي على الأرض ليس تواضعاً، بل شغفاً بالتراب، واعترافاً بأمومته ... وأركع! أركع للمرأة اللبوة الفخورة بالحلمة تكفل الرجل من الموت وترضعه... أركع للنظرة الأخيرة في عين الشاة قبل الذبح، للرضيع ينام الحليب بين شدقيه، لخطوته الأولى في ساحة المعركة الأبدية: معركة الحياة بلا معنى

الناس يصيحون: أعيدي، أعيدي!

** تعيد البنفسج المقطع الذي قرأته مرة أخرى، ثم يتبعها الأصفر): لا نملك ما نقوله في النهاية، فليس هناك ما يستحق القول أكثر أهمية مما نقوله الآن).

** الجمهور يصفق، ثم تعلو صرخة حادة لفتاة من خلفهم، ويعم الهرج والمرج ويهرب المتسوقون. يخلو السوق ويأتي النادل ليأخذ حسابه، يخلع "الأحمر" عباءته ويقدمها له ثمناً

النادل: لا نعتمد المقايضة بعد الآن، الدفع بالعملة المحلية (يفرك إبهامه بسبابته إشارة)

الأحمر: (حافياً) بالأمس بادلتك بنعالي... هل تريدني أن أخلع لك سروالي؟

 ** يباشر بخلع سرواله ويتوقف.

النادل: هذا كان بالأمس. أما اليوم فالعملة تحكمنا.

الأحمر: أنت مرتشٍ وسمسار... أرجع لي نعالي

   **يشير إليه ويكون قد لبسه النادل ... ثم يهجم عليه ويصادف مرور الشيصبان والحرس الرئاسي، يتدخل الحرس ويفض النزاع، ويتقدم الشيصبان نافخاً صدره.

الشيصبان: (يشير للنادل) الطاولة على حسابي! (يتقدم من الصعاليك) أريدكم لخدمة خاصة... وأنتظر زيارتكم.

  **تعلو صرخة أخرى لفتاة من وسط موكب الشيصبان. يلتفت الصعاليك أحدهم للآخر.

الأحمر: هل يعتقد بإمكانه شراءنا بقنينة خمر مغشوش؟ خسئت!

البنفسج: خسيس!

** يظهر شنان وحبيبته كنز، من خلف موكب الحرس، يجرها بسرعة ويخفيها خلف كومة من القش.

شنان: اشششششش، اسكتي، وابقي في مكانك، حتى يغادر الموكب. 

كنز: أحبك شنان... متى نقيم العرس؟

شنان: الجحور مشغولة كلها والشاغرة منها معروضة للإيجار... إنها طريقة جديدة للعيش اخترعها الشيصبان... ثم هذا ليس وقته.

كنز: إذن، نبحث عن أرض أخرى، نظام آخر... لم أعد أطيق العيش بعيدة عنك، وأنت مثل مسمار على باب الشيصبان... أخذ رحمي يجف.

**يفرغ السوق... يسلط الضوء على شنان وكنز خلف كومة القش، تتكئ كنز وتغمض عينيها وتحلم... موسيقى هادئة... يجد شنان فرصة ويخطف قبلة منها.

كنز: (تنتفض) يا خائن... كنت أنوي إعطاءك أجمل منها بإرادتي... لو صبرت.

**تهرب منه. يُسمع صوتها تغني أغنية فيروز: "شايف البحر شو كبير ... كبر البحر بحبك.

** الحشد نفسه يتحرك ببطء شديد وكأنهم لقطات من فيلم بالسرعة البطيئة، الموسيقى تخفت بالتدريج ترافقها الإنارة، ويعلن الراوي بصوت حزين:

الراوي: (عبر مكبرات الصوت) في غمرة أفراحنا التاريخية تفقد المملكة خيرة أبنائها؛ وحكمائها الكبار في حادث غامض، نعزي القائد والشعب، ونشد من أزركم...

** يسلط ضوء كشاف حاد على ثلاث جثث ملفوفة بقماش أبيض ممدة على مكعبات قش في مقدمة المسرح. يخرج الشيصبان من جحره مجنوناً يشق طريقه بين الجموع يتخبط يميناً وشمالاً وهو يولول:

الشيصبان: (يصرخ) ويل للأعداء... أعداء المملكة، ويل لكم... الويل لكم.  

 **يظل يصرخ ويطوف بين الجمهور ويتوجه أخيراً صوب الجثث ويركع أمامها على ركبتيه، ينحني عليهم ويفرش ذراعيه عليهم ويحاول احتضانهم كلهم مرة واحدة، ينتحب بحرقة.

الشيصبان: فلذات كبدي، رفاقي...

**ثم ينتفض متوتراً مجنوناً.

الشيصبان: شيعوا الحكماء، طوفوا بهم في المعمورة كما تطوفون بمشاعل النصر، ادفنوهم في مقبرة العظماء... وإنا إليه راجعون.

الراوي: بقرار رئاسي تنكس الأعلام، وتؤجل احتفالات التنصيب إلى غدٍ لاحق.

** الصعاليك في ركن بعيد يهمس الاحمر بأذن صاحبه:

الأحمر: منذ متى نشيع موتانا وندفنهم، فنحن نموت ويأكلنا إخوتنا ثواباً لنا وغفراناً؟

الأصفر: إشششش، أغلق فمك، وإلا فتحه لك حتى مؤخرتك.

البنفسج: أين تقع مقبرة العظماء؟

الأصفر: سيفتتحها هؤلاء المغفلون هذا الحين.

** الجماهير ترفع الجثث على الأكتاف، وتطوف بها. يغادرون بالتدريج، وبالتدريج تخفت الأضواء. سوى جحر الشيصبان يظل مضيئاً. فيه عدد من العمال يحملون أدوات وعدة بناء وآلات حفر.

الشيصبان: لا يفل الحديد غير الحديد... افتحوا النفق حتى آخر الأرض، إنه لنا جميعاً في ساعة الملمات... وفاة الحكماء بشارة خير... (ينتبه إلى نفسه ويصحح كلامه) أقصد نذير شؤم بعاصفة لا تبقي ولا تذر.

**العمال ينظرون إلى بعضهم البعض باستغراب ويباشرون عملهم في فتح نفق في نهاية الجحر وهم يغنون الأغنية التقليدية لديهم

صوت نسائي: نعمل فيه منذ الأزل، منذ الأزل. منذ الأزل. تسمع الأرض غناءه والحقول

صوت نسائي: منذ الأزل... منذ الأزل. تدق قلوبنا كالنواقيس،

صوت نسائي: منذ الأزل... منذ الأزل. تسمعها السماء في الفراديس،

صوت نسائي: منذ الأزل... منذ الأزل. نعمل... بلا كلل... بلا كلل.

** يسلط الضوء على العمال وهم يخرجون من جحر الشيصبان المعتم ... موسيقى جنائزية تتصاعد، العمال يترنحون، يعصرون صدورهم من الألم، يتخبطون ويسقط الواحد تلو الآخر، ويموتون.

** يعم الظلام والصمت وتدق الساعة ثلاث دقات ... يسلط الضوء على الشيصبان وهو يحمل الطعام في سلة خوص "زنبيل" يعبر بحذر فوق جثث العمال واحداً فواحداً، وهو ينظر لهم، ويتسلل خلسة إلى جحر الملكة. تستقبله بدهشة وهي تتلمظ، تتكلم بصوت خافت كالهمس:

الملكة: ماذا وراءك في هذه الساعة المشؤومة... اللغط يعم البلاد كلها، القلاقل والأقاويل تشتعل في عقولهم... وجدوا أخيراً عمال الأنفاق موتى عند بابك، كما مات الحكماء تماماً، بلا أثر للجريمة... لا تقل مؤامرة، أرجوك؟ عليَّ أن أعرف ماذا يجري وكيف تتصرف!

** انتظرها حتى أكلت طعامها وتذوقت العافية، وهو يقدم المزيد، وقف خلفها وأمسكها من كتفيها، ثم أخذ يدور بها (تكون جالسة على مقعد دوار من غير مساند ولا ظهر) ثم يعكس دورانها وهي مشرئبة الرأس تنظر إليه مندهشة مثل مشنوقة، وتحاول أن تتكلم لكنه يواصل كلامه ولا يعطيها فرصة. يدور حولها وعيناه في عينيها يحوم حولها مثل صقر.

الشيصبان: لا بد أن العرش علمك أن للعالم رباً واحداً، وللسفينة رباناً واحداً، وللجسد رأساً واحداً... وكما للسيطرة على الأوضاع وإدارة المجتمع بصورة سليمة، لا بد من إرادة واحدة تتحكم في القرار... لا بد من إرادة واحدة ينظر إليها دون غيرها... وجود إرادتين يخلق الكثير من المشاكل، كما ترين... فما تسمعينه خطير جداً عليك وعليّ، لهذا أرى تنازلك لي عن العرش صيغة لا استثناء لها لاستتباب الأمن والسلام في ربوع الأمة... وسأضمن لك كل امتيازاتك بلا نقصان (يدخل حالة انفصام الشخصية وهو يختض) ولا بطلان... ولا بهتان... برعاية الشيصبان... قه، قه، قه، قه

الملكة: ليس في الشرائع، ولم يحدث في تاريخ ممالك النمل على طول المعمورة وعرضها، أن أصبح الشيصبان ملكاً، مملكة النمل للملكات... ألا ترى؟

** تشير إلى نفسها.

الشيصبان: نعم، نعم، أرى جيداً... جيداً جداً.

**يقولها بسخرية وتهكم ويلف مقعدها بسرعة وتوتر وهو يكرر "جداً، جداً. "

**تخاف الملكة منه وتصدر منها صرخة فزع.

الشيصبان: (يجثو أمامها على ركبتيه يمسك بفخذيها، ويمسدهما من الركبة حتى المفرق وهي تنظر إلى يديه مشمئزة وتمسكه من كتفيه وتحاول دفعه عنها) ليحدث هذا في تاريخك أنت... تسنين شريعة جديدة ويدخل اسمك كأول أنثى حكيمة تنازلت عن عرشها لذكر، ودشنت عصراً جديداً للشيصبان... (ينهض منفعلاً يشمر بذراعه في حالة انفصام تام) ثم تتوالى سلالة الشيصبانات: دولة الشيصبان الأسود، والشيصبان الأبيض، والشيصبان الوردي، والأخضر، وال... ها، ها، ها.

 ** يعلو صوته وهي تحاول الرد عليه، لكنه يرفع يده بوجهها ويمنعها من الكلام.

الشيصبان: من جانبي قد حسمت الأمور، وسيقام احتفال تعلنين فيه التوقيع على وثيقة توريثك العرش لي.

**يشير إلى نفسه.

الملكة: (بتخاذل) لا بد أن الطمع أعمى عينيك... فأنا لا يمكنني حتى الوقوف، ولا النطق بكلمة سليمة، أو توقيع مرسوم خطي... لقد شُلت يدي. (ترفعهما بوجهه وتبكي)

الشيصبان: سأدبر كل شيء، وبأدق التفاصيل... سأكتب الكلمة وأقرأها نيابة عنك... وما عليك إلا التصرف الملكي، الوقوف باعتدال وأنفة، تهزين رأسك بالموافقة، والابتسامة على محياك... ومن جانبي سأبقى وفياً للعهد.

** يخرج دون أن يوليها اهتماماً، وتبقى مخذولة ... تنهار في مكانها تنتحب وتكلم نفسها

الملكة: يا ويلي... جوع الأسد يفقده كرامته، فيتعارك مع ضبع على لقمة، أما جوع الضبع فيزيده شراسة وقوة... طوبى لمن كسر سنه دون لقمة رخيصة... طوبى.

** تنهار تماماً وتبكي بحرقة.

القضاة:  (كلهم بصوت واحد يظهرون على مكعبات قش متناثرة على المسرح يقرؤون في لائحة فقرة، فقرة... واحدٌ يشير بيده، يعطي الإيعاز ويقود المجموعة كما في الفرقة السمفونية):

المُلْكُ أساس العدل... كما المعلول أساس العلة ومصدرها، والمطر سبب الغيمة، واصطفاق الأوراق سبب الرياح... ومادام الاتفاق بين طرفين قد أبرم علناً، فهو دستور مكفول من قبلنا... ولا حاجة للبحث عن مسوغات قانونية لا ترقى إلى أهمية المبايعة والاحتفال بها أمام العامة... مرحى للاتفاق والسلام وسيادة القانون.

الراوي: (يقدم الحضور واحداً واحداً ومجموعة مجموعة وهم يدخلون إلى أماكنهم المخصصة):

•      الملكة بحلة جديدة ملونة متوجة بإكليل من أوراق الزيتون تحملها العربة الملكية (تدخل).

•      الشيصبان بملابس عسكرية ونياشين، يتبعه الحاجب شنان (يدخل).

•      القضاة بعمائمهم البيض... (يدخلون).

•      القوال يلبس قلنسوة طويلة مثل مهرج (يدخل).

•      مجموعة الحرس الرئاسي يحملون المشاعل (يدخلون بمشية عسكرية واصطفاف).

•      الصعاليك يلبسون عباءاتهم الملونة الفضفاضة على يمين المنصة تتقدمهم البنفسج... (يدخلون تتقدمهم البنفسج).

•      جماهير الشعب... (يتدافعون).

** نُصبت منصةٌ في وسط أكبر الساحات وزُينت بما يليق بحفل التنصيب، امتلأت الجدران بالشعارات والأعلام، كبّرت صورة الملكة والشيصبان ووضعت في كل مكان، وُزّعت أطنان من الحلوى على الحاضرين.

 **أسندوا الملكة فوق المنصة بكومة من الحطب، فانتصبت وكأنها نفرتيتي في تابوت مزخرف. وقف الشيصبان إلى جانبها في أتم قيافته وقد غطت صدره نياشين البطولة، علق برقبته سلاسل ومداليات... يتأبط عصا القيادة برأس كروي ذهبي.

** ينتهي الراوي من تقديمه، يسلط الضوء على كنز خطيبة شنان من وسط الجموع تهرول إلى طرف المسرح وتنادي:

كنز: شنان، شنان.. (تؤشر له ليسرع... شنان يهرع لها ويمسك بيدها ويركضان) حبيبي.

شنان: كنزي، حبيبتي.

**يأخذها خلف الجموع ومن هناك يدخل جحر الشيصبان ويطفئ الأنوار، ولكن صوتهما يغطي على صوت الجموع والموسيقى.

شنان: آه، ما أجملك... هل تتذكرين قبلتنا الأولى؟

كنز: وكيف أنساها وقد اختطفتها مني وأفسدت لحظتي وأيقظت الأشياء من حولي... كنت أنوي إعطاءها لك وأنا غائبة عن العالم، وأنت تنتظر لحظة ولادتك بين ذراعي...

شنان: وهل هذه مثلها؟ (يخطف منها قبلة).

كنز: يا داعر (تمازحه وتقولها بغنج وتضحك من فرط الحب وتمنعه من المواصلة) اصدق معي كما عهدتك، قبل أن أمنحك نفسي... وأريد أن أتأكد من أنك تستحقها فعلاً... قل لي كيف اقتنعت بخدمة وغد قاتل مثل الشيصبان، هل اشتراك بالعملة كما فعل مع آخرين؟

شنان: خدمت عنده بإرادتي لأتجسس عليه وأعرف خططه وأنقذك منه، فهو لم يبقِ امرأة في حضن زوجها ولا فتاة في حضن أمها... وكان يذكر اسمك دائماً... هل تتذكرين حادثة السوق حين اختطفتك وأخفيتك خلف عربة القش، لقد كان يطاردك وأنت لا تدرين، وكان بإمكانه اختطافك أمام الملأ، ولكنه يئس من العثور عليك فاختطف غيرك... المسكينة ظلت تصرخ ولم يجرؤ أحد على إنقاذها منه. إنه وغد، سفاح.

كنز: لِمَ أخفيت عني الحقيقة؟

شنان: خشيت اعتقادك بأني أدعي البطولة في حبك... وكنت ساعتها أتمنى الموت دونك... وحتى هذه اللحظة ونحن في جحره، لا أبخل بدمي من أجلك... يا كنزي، يا مهجتي...

كنز: يا حبيبي، يا روح الروح... خذني فأنا ما ولدت إلّا لأجلك... خذ كنزك الذي خبأته لك، ولم يمسه من قبلك مخلوق... آه (تغني المقطع الأول من أغنية فيروز: "أنا لحبيبي وحبيبي إلي" وتكررها عدة مرات مع موسيقى مرافقة بعيدة......).

** تسلط الأضواء الكاشفة على المنصة وهي عبارة عن مجموعة مكعبات قش رصفت حيث يجري التنصيب، تعزف موسيقى مارش عسكري، على وقعه يتقدم الشيصبان من بين جمهور يشق له الطريق ترافقه عاصفة من التصفيق والتهليل والتصفير. يصعد المنصة ويلقي خطابه

الشيصبان: اسمعوا وعوا، وإذا وعيتم فانتفعوا، (يدخل حالة الانفصام بالتدريج ويبدأ بقراءة الخطاب وهو يشمر بذراعيه ويتراقص، يأخذ المنصة عرضاً وطولاً) ... إنه من عاشَ مات ومن ماتَ فات وكل ما هو آتٍ، آت، مطرٌ ونباتٌ وأرزاقٌ وأقواتْ وآباءٌ وأمهاتٌ وأحياءٌ وأمواتْ، (ينزل للجمهور يصافحهم ويصعد) جمعٌ وأشتاتٌ وآياتْ، وأرضٌ ذات رتاج، وبحارٌ ذات أمواج... ما لي أرى النملَ يذهبون فلا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا هناك فناموا؟ يا قوم... أنا الملكة، أقسم قسماً لا نقض له ولا حنث فيه، إن هذا الذي أمامكم، الشيصبان... (يتوقف عن القراءة ويشير إلى نفسه ويستعرضها للجمهور) نقي النسب سليل الأجداد، قد وليته ملكاً من بعدي، مطلق الحال، مصون غير مسؤول.. الشيصبان إمامكم، دينكم ودنياكم، فطوبى لمن آمن به، وويل لمن خالفه وعصاه.

** أعقبه الحشد بالتصفيق والهتاف والزغاريد، ويسرع بالمغادرة يصعد "القوال" على مكعب قش، قريب من المنصة، ينشد بصوت جهوري وبلغة عالية البلاغة ويقرأ على طريقة قراء المنابر.

القوّال: في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر... ورأيت قومي نحوها تمضي الأصاغر والأكابر... لا يرجع الماضي إليّ ولا من الباقين غابر... أيقنت أني لا محالة حيث صار الشيصبان صائر.

** حشد من الجنود يحملون مشاعلاً يهتفون ويدبكون على طريقة فلاحي جنوب العراق ويطوفون حول المنصة، وقد غطى المكان دخان كثيف.

الجنود: ( يهزجون)

نتباهى بيها... نتباهى،

يا محلاها... يا محلاها،

من سوّاها... من سوّاها،

بالنار مسيسة ومحروقة...

بالنار مسيسة ومحروقة.

 **بعض من الجمهور يردد وراءهم "بالنار مسيسة ومحروقة" يقودهم القضاة يدبكون أيضاً ويشمرون بشلاتهم الحمراء أمام المنصة ، يصعد جندي ويشعل النار في الحطب حول الملكة... يواصل الآخرون أهازيجهم ودبكاتهم... أخذت الملكة تستغيث والنار تستعر، ثم تنطفئ ببطء.

الراوي: لم يتقدم من الرعية من ينقذ الملكة فأدركت نهايتها، وكانت مطوقة بالنار والجنود الغاضبين، تأتأت بأعلى صوتها ببضع كلمات وهي تحترق، غطت صوتها الأهازيج وغوغاء الحرس وصراخ الحشود الهاربة من النار. تبددت كلماتها في الهواء ولم يسمعها غير الصعاليك الذين كانوا قريبين منها يتابعون مراسيم التنصيب، وشاهدوا حريقها المروّع عن كثب. عادت الحشود وقد التهمت النار فرحتهم وكانت الأولى من نوعها في مأساتها ودلالاتها ونتائجها.

** تطفأ الأنوار كلها ويضاء جحر الشيصبان ... تصرخ كنز وهي في حضن خطيبها. يفاجئهما الضوء الساطع ودخول الشيصبان، ينهض شنان مرعوباً ويحتضنها بقوة... يتقدم الشيصبان نحوهما فيجمدان في مكانهما

الشيصبان: (بهدوء تام وهو متعب وقد سيطرت عليه حالة الانفصام) المغنية الحسناء... كنت أبحث عنك في السماء ووجدتك في عريني... ابقي يا جميلتي في مكانك، فراشي الليلة أجمل من منصة التنصيب، ونصيب الليلة أثمن من نصيبي غداً... النهايات العظيمة تبرر البدايات مهما كانت وضيعة يا شنان... أشكرك على هذا الكنز، سيكون لك أكبر مقام عندي... اسقنا ما يطيب لفتاتك.

**تنهض كنز صارخة تنظر في شنان، معتقدة أنه غدر بها واستدرجها إلى مخبأ الشيصبان ليبيعها له.

كنز: ماذا؟

شنان: (يتمسك بخطيبته) لن تكوني له إلا على جثتي.

**ينهض محتضناً كنز، يعترض الشيصبان طريقهما ويمسك بذراع كنز ويحاول جرها، يستل شنان مديته الطويلة، ويطعن ذراع الشيصبان فيصرخ:

الشيصبان: خائن... خائن... أمسكوه.

 ** لا أحد يتحرك من الحرس... يهرب شنان ممسكاً بيد كنز وهي تركض معه منتصرة ... يتوقفان في الطرف القصي من المسرح، ينظر شنان إلى مديته وهو يحاول إدخالها في غمدها، يرى دماً أحمر على نصلها ويصرخ:

شنان: دم... دم أحمر.

كنز: يا للهول! أحلف بروح أمي، لقد عرفته منذ أول مرة شاهدته فيها، كانت عيناه تحفران في جسدي بنهم... تعرف يا شنان، (تلتصق به ويحضنها بحنان شديد) ... الإنسان مخلوق بائس، يفضحه موقفه حتى وإن لم تنزل منه قطرة دم واحدة...

** يتعتم المسرح ويضاء على الصعاليك وهم منزوون في منتهى السرية والكتمان في جحر في طابق علوي. يصعد القوال السلم ويدخل وراءهم متأخراً، تتدلى من رقبته قلادة مضيئة يحمل دفتره.

  الأحمر: (يوجه كلامه للقوّال) من دعاك للسهرة، فأنت لا تعاقر الخمرة كما هو شائع عنك، مع أنها دمك

... ** القوال يطأطئ رأسه ويدخل.

الأزرق: أنا دعوته... في دفتره ما يلزمنا، فقد رأيته يدون الأحداث.

الأصفر: ماذا تحمل في رقبتك؟

القوّال: قلادة مضيئة أهدتها لي أمي، عثرت عليها في أحد البيوت... قالت إنها تعود لقوم يؤمنون بالطلاسم... أحملها تبركاً ووفاءً لها.

الأصفر: حسناً فعلت فنحن بحاجة لضوء ينير لنا ظلمة عقولنا، وتعويذة تنجينا مما هو قادم... فما سمعناه يستدعي الدهاء، والتفسير الدقيق، والكتمان.

**كلهم ينهمكون في ترتيب الحروف في كلمات بشكل جماعي ويتبادلون الأدوار:

الجميع: آ، آ، إم... إن، إن، دح، دم، ار، ار، إه، هـ. أحم، أحم، أحمر.

**يمضي وقت وهم يرتبون حرفاً حرفاً

البنفسج: (تصرخ عالياً) وجدتها، قالت الملكة: "إنه آدمي، دمه أحمر

الأصفر: لكنها في كلمتها قالت إنه سليل حسب ونسب.

الأزرق: ولكنه هو من قرأ الكلمة. وقد يكون هو من كتبها، فلغتها نادرة لا تعرفها ملكة أمية مثلها.

القوّال: تقصدون أنه ليس من النمل!

الصعاليك: (يردون بصوت واحد) نعم، إنه ليس منا... إنه من الطبقات العليا.

 ** يشيرون بسباباتهم إلى أعلى.

القوّال: ولكن كيف أصبح شيصباناً؟ عرف أسرارنا وحكمنا بقوة لا تقهر... في علمي أن الملكة كانت تكثر من زيارته وقضاء أوقات طويلة في جحره... أنتم مخطئون ولا ريب، كل هذا من بنات خيالاتكم بسبب الغيرة منه... ثم إني لم أسمع من الملكة غير الصراخ وطلب النجدة؟

 البنفسج: خير لنا أن نستشير الأمة

القوّال: (وهو ينزل السلالم خلفهم) تصبحون على خير، أفضل المشي والتفكير بالأمر. (

**الصعاليك يدخلون في الظلام وهم يدندنون): يا ليلَ الصبّ متى غدهُ وقيام الساعة موعدهُ رقد السُمّار وأرقهُ أسفٌ للبين يرددهُ ويختفون في الليل.

** من خلفهم يتسلل القوّال إلى مقر الشيصبان وكان قلقاً يدور في جحره مثل فهد حبيس.

الشيصبان: (بلهفة) بشّر، حمامة لو غراب؟

القوّال: ستسمع كل شيء بنفسك، وتعرف الغراب من الحمامة. (

**ينزع القوّال الحلية المضيئة من عنقه ويفتح المسجل فيها ... تُسمع أصوات الصعاليك وهم يرتبون الحروف، تخالطها وشوشات وكلمات متقطعة مدغمة ... تماماً مثل موجات الراديو تعلو وتنخفض، ثم جملة واضحة: "إنه آدمي، دمه أحمر" ... يعاد التسجيل، تتكرر الجملة عدة مرات، وفي كل مرة يزداد الشيصبان توتراً، مرة يضحك ومرة يصرخ... يرافقه قرع طبول وصنوج.

**القوّال والشيصبان في الضوء.

الراوي: ظل الشيصبان وصاحبه القوال ليلتهما يستمعان إلى الحلية التي سجلت ما دار في الاجتماع بوضوح تام، ويعيدان الاستماع. في الصباح قدم الشيصبان فطوراً دسماً للقوال، وأسقاه العصير المميز، أكل وهو يتلمظ، وشرب حتى ارتوى، وغادر الجحر بخطوات متعثرة

... ** يخرج القوّال من جحر الشيصبان، يتقدم إلى مقدمة المسرح، يتلوى من الألم، بحركات صامتة يسقط على مكعب قش قريب، ويموت ويواصل الراوي روايته:

الراوي: النمل لا يعرف الأسرار ولا الكتمان، فالأخبار تنتشر بينهم أسرع من الصوت. وهكذا شاعت ثلاثة أخبار جديدة:

•      الخبر الأول: بشرى بولادة ملكة من سلالة عريقة في نفق سري.

•      والثاني: موت "القوال" عند باب الشيصبان، بنفس الطريقة التي قضي فيها الحكماء وعمال الأنفاق والقضاة الذين انتهت صلاحيتهم...

•      والخبر الثالث: بعد التحقيق وفحص الدم تأكدوا من جنس الشيصبان وأصله، وإنه بشر من دم أحمر ولحم حي، وأشاعوا الأخبار. أدرك الشيصبان نهايته حين تناهت له أصوات حشود قريبة تزمجر وتتوعد، وتذكّر يومه الأول، لكن الذكرى سرت في مفاصله باردة كما تسري رعشة الحمى، وشعر بضعف حيلته، فإما أن يستسلم، أو يهرب على أمل تحول جديد أكثر نجاعة... ألغم منافذ الأنفاق وفجّرها، وأخذ نفقه السري إلى الخارج، وفجّره بلغم من بعده.

** يظهر شنان وخطيبته كنز في طليعة حشد كبير محاصر وخائف ... نساء وأطفال وشيوخ، وعجزة على عكازات، يبحثون عن مخرج من الأنفاق المغلقة الملغومة ... أصوات انفجارات وانهيارات، وصراخ ودخان ... ثم يسود الصمت ... يتناهى صوت رياح قادمة من مكان محدد يزداد ووضوحاً، رياح تمر عبر نفق ضيق.

 شنان: (يشير إلى جحر الشيصبان ويهرع نحوه) تعالوا... رأيته مرة يخرج ويدخل من هنا (يقترب أكثر بحذر ويصرخ غضباً) ... لقد فجّره أيضاً... اللعنة! (يعود إلى مكانه ويمسك بيد كنز خائفاً).

امرأة: (تحمل رضيعاً) نحن في مقبرة جماعية... لقد فجر كل الأنفاق، وألغم المخارج

كنز: ريح قادمة من هناك (تشير إلى جهة يأتي منها صوت ريح وموسيقى ناي رعوي) تحمل أناشيد رعاة... أشم رائحة زعتر بري وأقحوان (تترك يد شنان وتتوجه صوب المكان، ملهوفة تمسك أذيال ثوبها المطرز بالورد، وتدور راقصة).. أسمع ثغاء جدي وخرير سواقي الزرع... (تلتفت إلى الحشد) الشمس تنتظرنا فوق التلال، والحقول ترقص سنابلها عشقاً للنسيم، والأرض تحمل لنا قوتَها... (يعلو صوتها وتشير إلى المكان) هناك... هناك.

** تعود راكضة وتأخذ بيد شنان تجره صوب نفق، يتبعهما الحشد كله حتى يختفوا كلياً.

الراوي: وأخيراً انتهى الشيصبان إلى الخارج، إلى الفضاء الذي تنيره الشمس، وكانت جحافل النمل هناك تجمع مؤنتها، سحبوه من الحفرة مترباً، أشعثاً تفوح منه رائحة خوف آدمي، تراكموا عليه وأخضعوه مرغماً بلا إرادة إلى تحول حقيقي طبيعي آخر.

 ** يسدل الستار على وقع موسيقى مارش الافتتاح.

 

 

المحطة

(مسرحية من مشهد واحد)

 

       الشخصيات:

•      عجوز أعرج.

•      رجل وفي وسط العمر يقرأ صحيفة يعتمر قبعة.

•      رجل ثاني يقابله يقرأ الوجه الآخر للصحيفة. 

•      عشرات الركاب نساء ورجال مدنيون بمختلف الأعمار والهيئات بعضهم يحمل حقائب واكياس، إنهم ركاب قطار أنفاق (مترو).

 الموسيقى والاصوات: صوت قطار يدخل المحطة ويخرج، بعض إعلانات صوتية عن قدوم قطار والاتجاه المقصود... موسيقى جاز تصعد وتخفت حسب حركة المسرح (عادة يوجد في ممرات المحطات عازفون جاز او كيتار ...)

المكان : محطة مترو مضيئة، عربة متوقفة مطفأة الأضواء ومغلقة.

       ** يدخل الرصيف رجل أعرج متهالك يحتضن كيس تسوق، يتوجه إلى مصطبة في الطرف البعيد من الرصيف، يجلس ويضع الكيس بين ساقيه على الأرض، يسند رأسه على ظهر المصطبة، وسرعان ما يغفو...

       ** تشتغل ماكينة القطار استعداداً للانطلاق، يُضاء داخل العربة كما يفتح الباب، يدخل رجل من الجانب الآخر من الرصيف، راكضاً، يمسك بظلفتي الباب قبل أن يغلق، ويدلف إلى العربة لاهثاً، يُغلق الباب ويصطفق بشدّة.

       ** العربة فارغة تماماً، يجلس الرجل على مقعد يحاذي النافذة، يفتح صحيفة تغطيه كلياً ويستغرق بالقراءة.

       ** يرفع الرجل الأعرج، الغافي على المصطبة رأسه، يتأمل القطار المغادر ببطء حتى يختفي، ويعود إلى غفوته.

       ** صوت عجلات على سكة الحديد والأضواء تتذبذب...

       ** يدخل قطار آخر إلى المحطة ويتوقف ببطء يصاحبها صرير عجلات وفرامل، خلال توقفه تدخل الرصيف موجة من الناس، يتزاحمون ويتدافعون عند باب العربة، ينهض الرجل الأعرج مسرعاً، ويهرع للركوب، لكنه ينسى كيسه فيعود لالتقاطه، أثناء ذلك ينغلق الباب ويتحرك القطار، فيعود الرجل إلى مكانه حائراً متأسفاً محبطاً.

       ** الركاب يتوزعون بشكل عشوائي داخل العربة، منهم من يجلس وأغلبهم يظل واقفاً ممسكين بالأعمدة يتأرجحون مع تأرجح القطار. أحدهم يجلس قبالة قارئ الصحيفة، ينحني إلى الامام ويمد عنقه ويقرأ الوجه الآخر للصحيفة، ويقهقه أحيانا، الرجل الأول ينزل الصحيفة ويكشف عن وجهه ويفاجئ الآخر، فيتوقف عن الضحك.

الرجل الأول: الكل يكذب، ونحن نتواطأ مع أنفسنا في قراءة أكاذيبهم.

الرجل الثاني: قرأت في صفحة الأحداث عن امرأة احترق شعرها في صالون حلاقة، وهدّدت الحلاق بغرامة تكلفه كل ما يملك، فقرر الزواج بها وهي قرعاء محروقة الرأس، ليرضيها... ورضى الاثنان بالحال!

الرجل الأول: (يضحك) هذا هو التواطؤ الفعلي.

الرجل الثاني: «بسخرية" إنها الحياة، يا عزيزي!

       ** قهقه الرجلان وعم الضحك بالتدريج على ركاب العربة كلها...

       ** بعد دقائق يدخل قطار آخر، يتوقف وتضاء العربة ويفتح الباب، يهجم الناس من داخلها للخروج، يتزاحمون ويتدافعون، ومجموعة أخرى تحاول الدخول، ينهض الرجل الأعرج يحتض كيسه بحذر، يتدافع ويتمكن من دخول العربة بعنوة، فيفقد كيسه وتتناثر حاجياته وراءه، لكنه يدخل العربة تبتلعه موجة الركاب.

       ** داخل العربة التي تختض، حوارات متقطعة تخالطها أصوات، وضحكات.

       ** أثناء سير القطار، ينتبه الرجل الذي يقرأ الصحيفة ويتلفت من النافذة، ثم يسأل الرجل الجالس أمامه:

الرجل الأول: هل وصلنا محطة السنترال؟

الرجل الثاني:  "يجيبه" لقد اجتزناها للتو، لكن القطار سيعود إليها فهذا الخط دائري .

الرجل القارئ متذمراً: آه، ليس هناك أطول من الدائرة.

الرجل الثاني بسخرية: أنها الحياة، يا عزيزي!

       ** صوت فتاة من داخل العربة المكتظة بالركاب، تستجدي وتتوسل:

الفتاة   : الله يجبر بخاطركم، الله يوصلكم بالسلامة...

       ** ينهض الرجل قارئ الصحيفة استعداداً للخروج، يطوي صحيفته ويقدمها للرجل قبالته:

الرجل الثاني: أشكرك، اعتني بحياتك، يا عزيزي!

       ** ويتوجه الرجل الأول نحو الباب ويقف لاصقاً وجهه على زجاجها.

       ** يتصاعد صوت مغني لا يظهر يعزف على القيثار داخل العربة ويغني "غرباء في الليل" لـ فرانك سناترا.

       ** يتوقف القطار وحالما يُفتح الباب تهجم موجة ركاب إلى داخل العربة، تصاحبها اعتذارات تعيق الرجل من النزول وهو يحاول جاهداُ، لكنه لم يتمكن ويظل في الداخل وجهه ملتصقاً بالباب والقطار يمضي...

       ** يتغير المشهد وتبدو محطة أخرى، يتوقف القطار، لا أحد يركب ولا أحد ينزل غير الرجل قارئ الصحيفة الذي انتظر طويلاً عند الباب...

       ** ينزل ويظل واقفا على الرصيف وظهره للعربة، يسّتل ورقة من جيبه، يفتحها ويستغرق في قراءتها وكأنه يعاني من قصر البصر، ثم يرفع رأسه يقرأ اللافتات، ويبحث عن ضالته بين العناوين، من لافته إلى أخرى، يتوجه للناس يسألهم وبيده الورقة وينتقل من واحد إلى آخر:

الرجل  : رجاءً! رجاءً!

       ** لكن لا أحد يجيب فالكل في عجلة من أمره، بعضهم يبدي امتعاضاً منه لأنه يعيق طريقهم...

       ** تفرغ المحطة من الركاب، صوت جاز من بعيد، ثم يدخل قطار آخر للمحطة خلف ظهرالرجل، ودون أن ينتبه، تجرفه موجة ركاب قادمين من كل الجهات يصعدون إلى العربة، يدفعونه ويدخلونه معهم، فيعود إلى مقعده الأول، وينظر عبر النافذة ...

       ** القطار يمضي، الأنوار داخل العربة تضيء وتنطفئ، المغني يواصل أغنيته بمصاحبة القيثار بصوت يختفي ويظهر، مع وتيرة عجلات القطار.

(تسدل الستارة)

 

صاحب الزمان

(مسرحية من ثمانية مشاهد)

 

الشخصيات:

الراوي: صوت محايد

صاحب الزمان: رجل أعمى تقوده عصاه.

قروي: يرتدي معطفاً

مدني: يعتمر قبعة

زوجة المدني: امرأة مدنية

جمهرة من الناس لا على التعيين.

الجوكي: (فارس السباق الخيل)

رئيس البلدية

ثلاثة مرافقين

عدد من عناصر إطفاء الحريق.

المكان: مسرح مفتوح بلا ديكور، تلعب فيه الإنارة دوراً أساسيا في انتقال المشاهد... خلفيته سماء بغيوم تلونها الشمس ساعة غروبها بالأحمر والبرتقالي والأصفر...

الموسيقى: رياح تهدأ تارة وتصعد تارة أخرى كما يلزم الحوار والحركة في المكان.. موسيقى ناي رعوي.

 

المشهد الأول

الراوي  :((في أقصى مدينة ما، فوق رابية خضراء، انتصب برج حجري قديم، قيل إنه أول ما بُني على تلك الأرض، يرفع ساعة مدورة بآلاف العقارب، بل ملايين العقارب... لكل مواطن يولد عقربين منها، يتابع حركتهما وينظّم حياته على وتيرتهما، حتى قلوبهم كانت تشتغل على وتيرة دقاتها...

        قيل أيضا، أن رجلاً أعمى سكن البرج، يتحسس الهواء ويعرف كل ثانية تمضي، ويسمع دقات قلوب الناس بفعل سماعه دقات الساعة، ويحدس بفعل الحرارة والبرودة شروق الشمس وغروبها، يفتح كفه ويحركها مثل رادار ويختبر حركة الريح واتجاهاتها... أصبح بفعل عزلته في البرج وحمايته للساعة، سادن أحلام الرعية، يفتح حلماً ويغلق آخر... ولأنه لا يفضح سراً، ولا يغفل سراً، اصطلحوا عليه: صاحب الزمان. كان يتجول بينهم وديعاً يحمل صمته أينما ارتحل.

       حين كان صاحب الزمان في البرية بعد الحصاد، يمرر راحته على وجه الأرض كما يمررها على وجهه، يلتقط حبوب القمح ليطعم طيوره، زلزلت الأرض زلزالها، وتزعزع البرج وانفطرت الساعة وسقطت عقاربها... بعدها هام الرجل في البرية ولم يعد له مكان يأويه...

       تخاصم الناس فيما بينهم على توزيع عقارب الساعة، وقد اختلطت ببعضها، وتكسر أغلبها إلى قطع صغيرة يصعب جمعها وترتيبها، لكنهم على طبيعتهم التوافقية البرغماتية، رضخوا لواقع الحال، وتقاسموا ما عثروا عليه على علاته، فاختلط الحابل بالنابل، ونسوا الرجل الأعمى صاحب الزمان؛ لكنه لم ينس أحدا منهم، ويتذكر ساعات ولادتهم، وأسماءهم وأسماء أمهاتهم...

        قيل أيضاً إن الناس مثلما اختلطت ساعاتهم، اختلطت أحلامهم ولم يعد أحد يدّعي بملكية خاصة للأحلام... والحال إنهم رضوا، وبعضهم على مضض، بتقاسم أحلامهم أو بعضها، أو حتى مشاهد صغيرة منها... ولم يعد المرء يدّعي ملكية خاصة لأحلامه لا شك فيها. امتلك الناس كل شيء، ولا شيء في نفس الوقت)).

 

المشهد الثاني

       **  (يظهر الصديقان القروي والمدني... خطوة، خطوتان، ثم يجلسان على مسطبة على الهامش)

القروي : لا أطيق نظامها، ويمكنني العيش بدونها؛ لدي مزرعتي وحيواناتي، وامرأتي؛ أزرع وآكل واتكاثر...

المدني : (يعتمر قبعة) لكنك إذا مرضت ورقدت في المستشفى تدفع للطبيب ثمن ساعاته... فكيف تنكرها، تدفع كل شهر فاتورة عداد الكهرباء بالساعات، كل شيء محسوب بالساعات؟

القروي : البيت مليء بالحطب وشموع العسل، وليس لديّ كهرباء ولا ماء دولة معقم بالكلور، أستقي من الينابيع وأسقي ماشيتي من السواقي، لديّ عربة وحصان... أموت في العراء ويأكلني أخوتي النمل، ولا أستجيب لنداء الأطباء، انهم مرتزقة. هل تعرف مشكلتك أنت، أو مشكلتكم جميعاً؟ أنتم عبيد مقيدون بأغلال الوقت...

المدني : وأنت مغلول بعزلتك، لا نهار تعرف ولا ليل، تسمع قلبك فقط وتصم آذانك عن دقات عقاربها... كيف يمكنك تجاهلها... التاريخ كله ولد بفعل حركتها اليومية... الوقت هو النظام.

القروي : لا، يا صديقي، أنت على ضلال مبين، لأنك لا تعرف غيرها، ولم تسمع غيرها، ولم تر غير عقاربها، لا تدرك أن خرير المياه أجمل منها، تغريد الطيور في الفجر ساعة لا مثيل لها في دقة المواعيد، وهم يؤبون مساء ويملؤون الأشجار بضجيج حكاياتهم، يقص كل واحد منهم ما صادفه في السماء وما شاهده تحت جناحيه في الأرض. أنت لا تدرك أن ثغاء الحملان في الحقل، وخوار الثور في الزريبة، هو موعد طعام وساعة تزاوج، نظام من أنظمة الفردوس. البقرة لا تعنيها ساعة ولادة عجلها، إنما متى يحشر خطمه في ضرعها يرضع وهي مسترخية تشمه وتلحس جلده. كل صباح تجمع ابنتي الصغيرة البيض من قن الدجاج، لا تحصي ساعات النهار، بل عدد البيضات...

       التاريخ الذي تعبده يا صاحبي، جاءت به حمامة تحمل بمنقارها غصن زيتون، وليس بفعل عقارب ساعتك... نعم أعترف بأني مغلول، إنما مغلول بحريتي، مثلما صاحب الساعة مغلول بزمانه.

  ** (يدخل صاحب الزمان يعلق بكتفه خِرجاً، يتحسس الأرض بعصاته، والريح ترافق خطوته، تصمت حين يتوقف وتُسمع حين يمشي... يرفع ذراعه إلى أعلى ويدور بكفه ويستنشق الهواء بعمق).

صاحب الزمان: الخريف على العتبة، حيث يضيق النهار ويتسع الليل... (يرفع سبابته مثل لاقط موجات ويدور في المكان يبحث عن إشارة) الغيوم تتراكم حبلى تحمل في رحمها مطراً غزيراً، ستمتلئ الوديان وترتوي الآبار (يدس يده في الخرج المحمول على كتفه ويسحب منه قوقعة يضعها على أذنه، ويبتسم) آه، مازالت الريح رضيعة... أخشى أن تجرح قدميها الصخور، سأطلقها حين تبلغ الفطام (ينحني على الأرض، ويمسحها براحته) يا للغبطة، استيقظت الديدان، أيقظها الندى وما زالت الطيور غافية، إنها فرصتها لتحرث الأرض.

       ** (ينهض الرجل المدني ويقترب منه)

المدني : انت صاحب الزمان الذي اسمع عنه!

صاحب الزمان: كنتُ.

المدني       : أنا ابحث عن ساعتي، وقيل لي إنك تعرفها، هل تخبرني عنها، أرجوك؟ فقد اختلطت مع ساعات الآخرين ولم أعد أتبينها.

صاحب الزمان: تعال يا عزيزي، اقترب ودعني ألمس جبينك!

** (يخلع الرجل قبعته، يقترب وينحني ... يتلمس صاحب الزمان جبين الرجل بأنامله، ويتنهد): ساعتك حين اجتازت الشمس برج الميزان، وتململ الثور حين رأى الزهراء قريبة بجواره تتفتح لزحل تغريه ليعاشرها... إنها لا تصبر بلا ذكر، تظل حتى الفجر تمارس الحب في السماء... في تلك الساعة ولدت، وماتت أمك بحمى النفاس.

المدني:  (يضطرب، ويقول): ملايين الناس ولدوا في تلك الساعة.

صاحب الزمان: وماذا يضيرك، فأنتم من جنس واحد مثل السنابل في الحقل.

المدني: لكننا لسنا من رحم واحد.

صاحب الزمان: ما عادت الأرحام تشكل معضلة... كل شيء يجري في المختبرات هذه الأيام... كلكم من نطفة واحدة... لم يعد يعرف المرء لا أمه ولا أبيه، ولم تعد معرفة الأنساب والأبراج ممكنة، فقد عبثت بها الأقمار الصناعية والطائرات بلا طيار، والصواريخ عابرة القارات ومركبات الفضاء الذرية... ناهيك عن قارئي الطالع والأبراج الأميين... أخذت الشمس تتململ في برجها، والضوء يتكسر قوامه من فرط الغازات السامة واليورانيوم المنضب، وأنت تسأل عن ساعتك الخاصة! احمد ربك فأنت تميز نفسك بين الآخرين، وسيأتي يوم تنسى وجهك في المرآة، أو تتقطع أشلاءك وتختلط مع أشلاء الآخرين في انفجار مدبر وتحشر مع أطنان اللحم المفروم في حفرة. سامحني على سوداويتي. إنها رؤيا عابرة... كن بخير... بنيّ.

       ** (يهم بالمغادرة غير أن الرجل المدني يستوقفه)

المدني : أرجوك، هل يمكنني الحصول على وثيقة بما قلته لي؟ فهي تلزمني لإثبات هويتي، وشهادة في قيد الحياة، من أجل الخدمة العسكرية.

صاحب الزمان: يسعدني تقديم المساعدة، لكني لا أقرأ ولا أكتب... وسائلي ليست ملموسة ولا مكتوبة ولا مقروءة، إنما (يتوقف عن الكلام) ...  سمها ما شئت... كن بخير، بُنيَّ.

       ** (يختفي صاحب الساعة ويعود المدني إلى صاحبه)

المدني:       قل لي كيف دبرت أمر تجندك؟

القروي:       دفعت البدل النقدي، واشتريت دفتر الخدمة العسكرية بمئة دينار، كذبت على الدولة، كما كذبت علينا واستغفلتنا وسرقت أتعابنا... واحدة بواحدة... أكره حمل السلاح والذهاب للحرب دفاعاً عن طبقة فاسدة تحكم البلاد... تعرف أن الشعوب البدائية في مجاهل أفريقيا حملت أسلحتها لحماية نفسها من الحيوانات المفترسة، أو للزينة!

المدني : ومن اين لك بشهادة قيد الحياة؟

القروي : اشتريتها أيضا... دفعت ثمنها بعجل صغير. (ينهضان للمغادرة يتصافحان ويواصل القروي كلامه) اعتني بنفسك صديقي العزيز، واضبط ساعتك جيداً، (يقولها وهو يضحك) فقد غيروا التوقيت كما أذاعوا في السوق.

       ** (يفترقان كل إلى وجهته)

 

المشهد الثالث

القروي : (يدخل وهو يسحب شجيرة يابسة، يتوقف ويلتفت لها ويحدثها) عساك تكفين لإشعال الموقد، فالعجين اختمر والأولاد جياع... (يتوقف مرة أخرى يحدث نفسه): أرجع أحطب واحدة أخرى قبل المغيب... على المرء أن يحسب حسابه، فيما الحياة تمضي بلا حساب... (يضحك مع نفسه) أعتقد أن لها حساب جاري في مصرف ما.

       ** (يدخل صاحب الزمان للمشهد)

صاحب الزمان: إذا رغبت أفتح لك حساباً... فالكل يتهافتون على المصارف ويطلبون مني إثبات هوية.

القروي : لا، أشكرك... ليس لدي ما أودعه في الحساب، ولست بحاجة لوثيقة تثبت هويتي. تعرفني السماء، والحقول، وما بينهما...

صاحب الزمان: يمكنك فتحه على بياض، ما دمت مزكى من هؤلاء كلهم.

القروي: سيمتلئ بالسواد، ويسوّد حياتي...

صاحب الزمان: (يكتم ضحكته) هل أساعدك بشيء؟

القروي : لا، أشكرك... لكنك لم تعرفني على حضرتك...

صاحب الزمان: أنا صاحبك، صاحب الساعة.

القروي: يا الله (متعجبا) ما أعرفه عنك أنك لا تظهر للناس وتكلمهم. بعضهم يصورك كائناً بعشرات الرؤوس ومئات العيون، يطير بأجنحة من عقيق!  

صاحب الزمان: (يضحك من كل قلبه ويغص بالضحك) لهم الحق فأنا لا أظهر وأكلم إلا من أجد معه حقيقة الفرح وما يمنح الزمان مسرة.

القروي: وماذا وجدت معي من مسرة لتظهر لي؟

صاحب الزمان: مسرتي معك أنك عفيف تشبه الماء في رونقه... على قيد الحياة دون وثيقة ولا مستمسكات بلدية... أحب الذين تزكيهم الأحلام، ويسند الهواء وجودهم.

القروي: استغفر الله... هذا إطراء كبير...

       ** (يخجل ويطأطئ رأسه وما أن يرفعها لا يجد محدثه ويتلفت يبحث عنه دون جدوى).

 

المشهد الرابع

       ** (يدخل الرجل المدني وهو في عجلة من أمره ترافقه زوجته)

المدني: (مستاء يشمر بذراعه رفضا) أرجوكِ لا وقت لدي!

الزوجة: ماذا وراءك غير سباق الخيل، تلحق على الخسارة! لم تبق لدينا غير حلقة الزواج... ربما الزواج كله... عيشة تنغص.

المدني: لو تلعبينها مرة لفرشت قلبك على مضمارها، تدعسه بقوائمها وأنت تصرخين بالمزيد...

الزوجة: دعها لقلبك، فقلبي يوشك على التوقف... (تسكت تجنباً للمشاكل)

       ** (يدخل صاحب الزمان وعشرات الناس، يشاهدون سباق الخيل ظهورهم للمشاهدين ووجوههم صوب شاشة كبيرة تعرض سباق خيول... يتحمسون ويصرخون ويشجعون، ويشتمون)

صاحب الزمان: (خلفهم ووجه للمشاهدين... يرفع كفه ويحركها بكل الاتجاهات) أسمع صياحاً ولهاث خيول... أشم رائحة عرق يتصبب... (يسأل رجلاً خلفه) أهي معركة لا سامح الله؟ ماذا هناك، رجاءً؟

الجوكي: سباق الخيل، أرجوك لا تشغلني، فالحصان تأخر عن المقدمة... (يمثل حركة الجوكي وهو على ظهر حصان يعدو)

صاحب الزمان: عندما كان البرج عامراً بالزمان، كان الناس يرونه على حقيقته كل لحظة ويعرفونها حق المعرفة، منسجمين معه ومع أنفسهم... ما كان يشغلهم غير الانسجام فقط... الآن يتسابقون مع بعضهم ويسرقون بعضهم البعض... تذهب النقود من جيب هذا إلى جيب ذاك... سرقات يجيزها القانون.

رجل من المتسابقين: يا ليت صاحب الساعة يبني لنا برجاً جديداً ينظم حياتنا، فهو وحده يبحث عن الانسجام.

الجوكي: هل رأيتم أجمل من هذا النظام والانسجام، انظر كيف يتراصون كتلة واحدة وكأنهم موجة تهجم بقوة وتتراجع منكسرة، تصعد زاعقة وتنخفض مخذولة... أليس هذا انسجاما؟ وحدة مثالية؟

رجل آخر: اعتقد أن سياجاً عالياً، أو حصناً منيعاً يحمينا ويحمي خيولنا، أفضل لنا من الأبراج العاجية... ثم من يلتفت لبرج الوقت والناس عيونهم وقلوبهم ومواقيتهم مرتهنة بسيقان الخيل؟

       ** (عرض جديد من السباق، الخيول تتسابق والناس كل منهم يصيح ويشجع فرسه... يختفي صاحب الزمان بين الجوع وكأنه يبحث عن أحدهم).

       ** (تخفت الأضواء تدريجياً وتتوارى الأصوات وتنطفئ شاشة عرض السباق)

 

المشهد الخامس

       ** (يدخل القروي يحمل جردل ماء، يرى قارئ الوقت جالساً على صخرة رافعاً رأسه للسماء)

القروي: السلام عليكم! كأنك تبحث عن طير تائه!

صاحب الزمان: وعليك السلام... لا والله، أبحث عن حل غائب... فأنا كما تراني فاقد البصر أحدس لا غير... كنت في ساحة سباق الخيل، شممت فيها رائحة زمن آخر غير الذي أعرفه، تمنى أحدهم بناء برج جديد... وأفكر بتلبية أمنيته، أفكر بهندسة تنجيه من الزلازل، والحروب، وما يهدّد كيانه...

القروي:     لكنك تعرف يا صاحبي، أن زمن الناس تكسّر واختلط ببعضه، وعليك بناء هيكل يستوعب حالهم الراهن، غير هذا لا أحداً سينسجم مع بنائك القديم ومبادئك الأولى...

صاحب الزمان: صدقت، صدقت والله... إذن ابني قبة ضخمة، زجاجية كبيرة بحجم الأرض تستوعب الناس كلهم، فيها كل ما يحتاجونه: مصارف وساحات سباق الخيل، حلبات لسباق السيارات، حلبات مصارعة وملاعب رومانية لمصارعة الثيران... تملؤها الساعات الإلكترونية، ربما من النافع تشغيل روبوتات للقيام بالخدمة، فيتمتع الناس بالرفاهية الحقيقية.

القروي:      أنصحك بتعليقها في الهواء، وعزلها كلياً عن الأرض، تظل طافية، فاستقرارها على الأرض لن ينجيها مما يحصل في الطبيعة... وإذا انقطع خيطها وسقطت فهي نهاية منطقية.

صاحب الزمان: يا ليتني أراك فيها، لنعيش تحت سقف واحد.

القروي : لا، يا صاحبي، لن أتخلى عن سقفي (ويرفع رأسه للسماء) ... ثم أنك ذو قدرة على الدخول والخروج منها، متى تشاء، أما أنا فإن دخلتها يفسدني هواؤها ويختل نظامي، ولا أخرج منها إلا ميتاً... أودعتك بخير... حيّاك الله.

صاحب الزمان: اسمع! ارجوك (يكون الرجل القروي قد ابتعد ولم يسمع النداء، فحدّث صاحب الزمان نفسه): كنت أنوي الاستعانة به لاختيار مكان الكرة. والاتفاق مع البلدية بتسجيل المواطنين الراغبين في العيش فيها.

 

المشهد السادس

       ** ترفع ستارة السماء ببطء ويظهر خلفها في عمق المسرح قبة كبيرة (عبارة عن هيكل معدني يحتل المسرح من يمينه إلى شماله، وتصعد قمته حتى السقف)

       ** يدخل الرجل المدني وقد تغيّرت هيئته، يلبس معطفاً عسكرياً بالياً يربط رأسه ويغطي عيناً واحدة برباط طبي، يعرج ويستعمل عكازاً... يقف أمام الهيكل:

المدني : كان هذه القبة حلمي قبل الحرب...

       ** (يدخل للقبة ويخرج، يدخل ويخرج... يتجمهر الناس عند المدخل... يصل الجوكي ويقف مندهشاً)

الجوكي       : إنه حلمي أنا، طلبته من صاحب الزمان حين كان في الساحة.

المدني : أنت سارق تغش الناس في مضمار السباق، وتسرقهم خارجه أيضاً، كان هذا حلمي ليلة أمس على الرصيف... ثم قل لي بربك، على أي فرس راهن صاحب الزمان في ساحة سباق الخيل (يضحك ويُضحك الناس من حوله)

الجوكي       : وأنت! هل كان صاحب الزمان في ضيافتك، في قصرك المنيف على الرصيف...

       ** (يضحك الناس ويتهامسون ما بينهم)

المدني : أروي لك حلمي الأخير، ولا تقل إنه حلمك!... حلمت وكأني مغطى بجثث تقطّر دماً أسود كالقطران، وفي المقبرة جاء رجل وسحب جثتي، وأنا أصرخ من غير صوت، وسمعته يقول: إنه حي، إنه حي... هيا قل لي من كان الرجل هذا في حلمي؟

الجوكي       : إنه الدفّان عبد الحق... فقد كنت هناك وهو يسحب جثتك من القاطرة.

       ** (يضحك الناس ويتصاعد اللغط والهرج ثم يهدأ تدريجياً بظهور رئيس البلدية يتأبط سجلاً كبيراً، يتبعه ثلاثة مرافقين: الأول يحمل كرسياً وآخر يحمل طاولة، والثالث يحمل جهاز قياس المساحات "ليفل" ... يضعونها عند مدخل القبة، يفرش رئيس البلدية السجل على الطاولة، وينادي على المواطنين):

رئيس البلدية: الاصطفاف حسب الطول... (يشير للمرافق) ابدأ بالقياس

المرافق: (يضع كل مواطن على مسافة ويقيس طوله) مئة وخمسة وخمسين، الذي بعده: (يتقدم) مئة خمسة وأربعين وسبعة، بعده، (يتقدم) مئة وسبعة وستين، بعده، مئة وسبعة وستين...

رئيس البلدية: لا يجوز بنفس الطول.

المرافق:     ارجع أنت، اخلع حذاءك (يخلع الرجل الأخير حذاءه ويعيد القياس) مئة وسته وأربعين...

       ** (يرجع الرجل يلبس حذاءه)

المرافق:     لا يجوز... لقد تم تثبيت الطول بدون حذاء... وأنت (يشير إلى صاحب الحذاء الذي ينحني ليخلع حذاءه ليدخل) ممنوع تخلعه لقد تم قياسك انت والحذاء... التالي (يتقدم المدني)

المدني:       أنا أعرف طولي، مئة وأربعة وسبعين، فلا تتعب نفسك.

المرافق:     هذا كان قبل مشاركتك في الحرب... (يشير الى عكاز الرجل) ولعلمك أن المعلومات الخاطئة تعتبر تزوير هوية، وإخلالاً بالأمن المجتمعي...وعقوبتها الحرمان المؤبد من العيش في القبة.

المدني:     لكني مؤبد على الرصيف أصلاً!

رئيس البلدية: لا تتحدى الحكومة يا محترم (يقولها باستخفاف) ... هيا انقلع... ما يعوزنا مجانين.

امرأة:       (تنبثق من وسط الجموع وتتوجه صوب رئيس البلدية) يا سيد، لدي تسعة أبناء من عمر سنتين وحتى الثامنة عشر... يكبرون بالساعات... أرجوكم، أريد الحصول على استثناء من قرار عقوبة التخلف عن قياسهم كل ساعة...

رئيس البلدية: تشترين جهاز قياس "ليفل"، مثل هذا من البلدية، (يلتفت ويشير إلى جهاز القياس "ليفل") بالمناسبة معروض الآن بأسعار مخفضة لمدة يومين... تقيسين الأولاد وترفعين التقارير إلى البلدية... ويمكنك إرسالها عن طريق الأنترنيت... واتفقنا مع "ماسك" على تخفيض أسعار الشحن الإلكتروني. هل تعرفين "ماسك"؟

المرأة   : لا.

رئيس البلدية: إنه مالك الأقمار الفضائية.

المرأة   : تقصد صاحب الزمان؟

رئيس البلدية: لا، يا غشيمة، صاحب الزمان رجل فقير لا يملك غير الزمان فقط، أما "ماسك" فهو يملك الزمان والمكان.

       ** (رجل من المصطفين في الدور يلتفت ويحدث الرجل خلفه):

الرجل  : هل تعرف كم سعر المتر في الفضاء؟

الثاني  : اعتقد، في حدود معلوماتي المتواضعة، انها مجاناً وما عليك غير الوقوف في مثل هذا الدور عند البوابة الأخرى على اليمين.

       ** (يلتفت الرجل الى جهة اليمين ولا يرى غير رئيس البلدية يناديه).

رئيس البلدية: (يشير بسبابته إلى الرجل الثاني) عليك دفع ضريبة ممارسة السمسرة.

الرجل  : نحن نتحدث في حدود الظن وليس اليقين القاطع.

رئيس البلدية: لليقين القاطع ثمن مضاعف، يا سيد (يسخر منه ويغمز بعينه) يا سمسار...  

المرافق : سيدي، هل يكفي المكان لكل هؤلاء؟

رئيس البلدية: لابد أن يكفي، من واجبنا توفير مكان لكل مواطن. إنها من أولويات الحكومة المنصوص عليها في الدستور...

       ** (يترك القلم ويغلق السجل، ويلف كرسيه صوب المرافق ويأخذ بالحديث معه فيما يظل الناس مثل تماثيل واقفة في مسطر يراوحون على أرجلهم):

رئيس البلدية: تخيّل أن مجلس النواب ظل ثلاثة أيام يناقش تأخر دراسة مقترح رفعته منذ عامين... ظل المجلس يناقش أسباب تأخر دراسة المشروع ثلاثة أيام ولم يعثروا على سبب منطقي واحد... كان المشروع يؤهلني لتسنم وزارة التخطيط... (ويتوقف عن الكلام).

المرافق : لكنهم لم يناقشوا المشروع!

رئيس البلدية: لا، لم يفتح الملف، وألغي مع كل ما تقدم قبل الانتخابات. (يعود إلى السجل أمامه ويفتحه) أين وصلنا؟

المرافق : سألتكم سيدي، هل يسع المكان لكل هؤلاء؟

رئيس البلدية: (يضع قلمه على اذنه ويغلق الملف ويدير كرسيه ويقابل المرافق ويحدثه بأريحية لا مثيل لها): تعرف ان الملف الذي رفعته يتضمن خطوات تكتيكية تكفل للعاصمة استيعاب مليارات السكان، والنازحين، واللاجئين خلف الحدود، وحتى الهاربين من العدالة... وها أنا انفذه عملياً وعلى الأرض، بدون تصديق مجلس النواب ولا مجلس الاعيان ولا هم يزعلان... هههههههه.

المرافق : ما هي الخطوات التكتيكية سيدي؟

رئيس البلدية: يعجبني حرصك على التفاصيل، فهي أكثر أهمية من الهدف الإستراتيجي... هل تعرف الفرق بين الإستراتيجية والتكتيك، يا ولد؟

المرافق : لا سيدي، إنما اسمعها دائما في خطابات المسؤولين.

رئيس البلدية: ما يجري امامك هو تطبيق عملي للتكتيك وللإستراتيجية! اسمع وتعلم، فهي فرصتك لتكون إداريا جيداً.... بعدما يدخلون جميعاً تغلق الباب بإحكام، وتتصل بعناصر الإطفاء ليقوموا بواجبهم، يفرغون الهواء من الكرة، فينضغط المواطنين بطبيعتهم... فيسعهم المكان... هذا هو التكتيك!

المرافق : تقصد عملية "ايفاكيويشن" كما يقولون بالإنجليزية...

رئيس البلدية: نعم يا شاطر!

المرافق : لكنهم سيختنقون بعد لحظات، سينقطع الهواء عنهم...

رئيس البلدية: لا تقلق، لدينا أساليبنا ورؤيتنا، سيتنفسون أوتوماتيكيا، هكذا: حين يفرغ الهواء من الكرة، ينضغط المواطن، (يمثل عملية الانضغاط بيديه) سيخرج الهواء منه، يتنفسه مواطن آخر، وهكذا دواليك يتبادلون الهواء نفسه ولا يموتون... يلتصقون ببعضهم ويتحولون إلى كتلة وطنية متراصة، وهذه هي الإستراتيجية.

       ** (يتزاحم الجميع، يخلعون احذيتهم ويدخلون حشرا، وتغلق أبوابها... يُسمع صوت مزاليج واقفال توصد... يدخل عناصر الإطفاء وتبدأ عملية تفريغ الهواء، يلتصق الناس ببعضهم كما تلتصق الأوراق الجافة)

 

المشهد السابع

       ** (يظهر صاحب الزمان في ضيافة عائلة القروي... الأولاد والبنات يتسابقون لخدمته ويظلون وقوفاً استعدادا لأية خدمة).

صاحب الزمان: (يُحرج ويقعد على حصيرة مرتبكا) لا تحرجوني أرجوكم، هيا اجلسوا ليهنأ لي المكان برفقتكم.

       ** (الأولاد يتراكمون حوله، يحتضن ما يمكنه احتضانه ويضع كفه فوق رؤوس الأولاد واحداً واحداً)

صاحب الزمان: أنتِ خديجة، وأنتَ آآآآ امير، أنتِ تينة... وأنتَ مهيار....

أصغرهم      : قال أبي إنك تعرف الناس كلهم وتعرف الزمان أيضا... هل تعرف اسمي، ومتى ولدت؟

صاحب الزمان: (يضع يده على رأس الصغير) نعم، كنت أعرفهم وأعرف الزمان، أما الآن فقد اختلط كل شيء عليّ، ربما الشيخوخة هي السبب.... ولكني أحاول معرفة اسمك وساعة ميلادك واسم أمك...

       ** (الأولاد كلهم يتحفزون لسماع ما سيقوله)

صاحب الزمان: اسمك نهر... (يتردد) لا، لا، اسمك نُهير، ولدت ساعة خسوف القمر وانبلاج المشتري... تناثرت حينها ملايين الشهب احتفالاً بصرختك الأولى...

الصغير       : (منفعلاً جداً) واسم امي؟

صاحب الزمان: (يلتفت للأم محرجاً) اسمها... فضيلة!... صح؟

       ** (الصغير يقفز من الفرح ويرمي بنفسه في حضن صاحب الساعة)

صاحب الزمان: (يهمس للقروي) أريدك لأمر... (يخرجان من المجلس بعيداً) أين الناس؟ لا أسمع صوتاً ولا أشم نفساً، وتعثرت بتلال من الأحذية في مدخل القبة.

القروي: تم حشرهم في القبة الفلكية يا سيدي، أليس هذا ما خطّطت له؟

صاحب الزمان : لا، لا، لا (يهرول إلى القبة وكأن في اذياله النار)

 

المشهد الثامن

       ** (يظهر صاحب الزمان أمام القبة المكتظة بالبشر يتأملها ويلمس سطحها، الناس داخلها يستنجدون بلا صوت "بانتوميم" ويظهر رئيس البلدية وجهاً لوجه لقارئ الوقت)

رئيس البلدية: ماذا تفعل في الخارج؟

صاحب الزمان: (يتصنع حال مواطن مسكين، ضعيف يتضرع) لقد تأخرت عن الموعد، تعطلت ساعتي... هل تسمح لي بالدخول؟

رئيس البلدية: لا يمكن! لا أحد يمتلك قرار فتحها في الفترة الانتقالية حتى تجرى الانتخابات وينتخب مجلس شعب جديد، ويناقش قضية القبة الفلكية... ولكن يمكنك الفرار أو الانتظار ولك الخيار... هه، هه، هه...  فالكل ينتهي بحرف الراء، إقرار الميزانية، وإقرار العقود، وإقرار الإعدامات، وتسجيل المواليد الجدد... وبمناسبة تسجيل المواليد، اين مكان اقامتك؟

صاحب الزمان: فاقد المكان.

رئيس البلدية: يمكنك اخراج بدل ضائع في حال الفقدان... ومع هذا علينا تسجيل مكان اقامتك.

صاحب الزمان: انا...  "هوملس"

رئيس البلدية: (ينادي على المرافق ويسأله): ابحث في الخارطة عن "هوملس" أين تقع؟

صاحب الزمان: لا تتعب نفسك، أنها خارج الخارطة.

رئيس البلدية: ما فهمت، اين بالتحديد، ليس هناك مكان خارج الخارطة دون علمي... قل أي مكان في الكون وسأخبرك بإحداثياته الدقيقة...

المرافق : (يغطي فمه ويقترب من اذن رئيس البلدية ويهمس له، ينتفض الرئيس ويغادر مسرعا)

امرأة من داخل القبة: أرجوكم ساعدوني في العثور على ابني

رجل   : ربما تجدينه مطوياً مع أحدهم أو في جيبه...

المرأة   : (تضع وجهها على جدار القبة من الداخل وتصرخ) ابني... (ثم تشير إلى صاحب الزمان ليفتح الباب، يختفي صوتها تأن وتسقط جاثية)

       ** صاحب الزمان يحاول زعزعة الباب بلا جدوى، يدخل القروي ومعه أولاده يحملون معاول، يكسرون الباب ويسقط الناس فوق بعضهم مثل حجارة تسقط من كيس مشقوق...

       ** يعود رئيس البلدية ومرافقيه يحملون نقالات، يضعونها على الأرض ويأخذون بتحميل الموتى...

الفلّاح : (يوجه كلامه لصاحب الساعة الذي يحاول تلمس طريقه وهو يولول)

صاحب الزمان: لا، لا، لقد تأخرتُ.

الفلّاح: يا صاحبي، لقد فشلت التجربة... عليك الآن البحث عن مكان تحت الأرض لتجربة اخرى... فالإنسان هو الإنسان!

(يسدل الستار)

 

الدسيسة

(مسرحية من تسعة مشاهد)

 

مقدمة

في أيام معدودة سريعة الإيقاع تغيّرت سحنة "نوح" وشابت لحيته الكثة الجدعاء وكشف الصلع، الذي نهب شعره عن جبين واسع تغضنت منذ سنين. يمر بين الناس وهو يحمل عصا زيتون أطول من قامته وقد أمسي أثقل خطوة يطأطئ رأسه، عيناه كليلتان غرقتان بالدمع... لا أحد يعرف هل ذلك ورعاً، أم بكاءً، أم شوقاً.

         بعدما استقبل نوح رسالة ربه، أسلم نفسه كلياً للقدر المحتوم، واستوت في عينيه الأمور كلها، بات أعمق صمتاً يسعى بعيدا وراء صوت خفي أنبأه أن طوفاناً قادماً يغرق المعمورة. لم يعرف الناس غير هذا، ولم يصدقوه. بعضهم كان على يقين أن جبل باريس الشاهق سيكون ملاذا آمناً، إن صدقت رؤية نوح.

       أما نوح نفسه فقد اخفى السر الأعظم: أن الرب اصطفاه وذريته دون غيرهم، واوصاه ببناء سفينة يبحر بها حتى ينتهي الطوفان، ويترك عالم الخطيئة وراءه يغرق إلى الأبد.

       ارتأى نوح تشيد سفينته في عمق البرية، يعينه أبناؤه واحفاده وقوم يحبونه: حطابون وحمّالون ونجارون وسفّانون وبحارة خبروا المحيطان، وكلف أمهّر النجارين للإشراف على بنائها وأطلق عليه لقب الربّان تكريما له.

       طيلة أيام، وهم يقطعون الأشجار وينشرونها ويبنون الهيكل، كانوا يتندرون على الشيخ: كليم الله؛ إنه يبني سفينة في عرض البر ابعد ما تكون عن ساحل بحر أو ضفة نهر. من سيحملها واية مياه عميقة سترفعها وقد غدت جبل اخشاب ثقيل يناطح قيدومها السماء؟

الشخصيات:

نوح

المجذوم وكلبه

زوجة نوح، امرأة بدينة.

سام

حام

ابنة حام

حفيد صغير

حفيد شاب

جمهرة ناس من مختلف الاعمار

اقفاص دجاج وارانب وطيور... (حيوانات بيتية اليفة)

 

المشهد الأول

المكان : مقطع عرضي لسفينة نوح: ثلاثة طوابق تربطها سلالم مربوطة بحبال قنب سميكة علّقوا عليها ملابسهم. الأبناء والاحفاد محشورون بين حزم تبن مبعثرة ودعائم السفينة الخشبية... في كل مكان عشش للحمام وحفرت الجرذان والأرانب جحورها... المكان مكان بدائي، وظلام دامس يستشري في المكان، والريح تدخل وتخرج كيفما هبت يرافقها نعيق بوم، وابواب تصرّ وتصطفق بعنف.

       وصل الطوفان إلى ذروته، أما نهايته فكانت عدما مجهولا. اليأس والتذمر كانا لعبة الآخرين المتوفرة لتبديد الوقت الثقيل. الاحفاد يلتصقون ببعضهم، ومنهم من جلس القرفصاء وحيدا لا رغبة لديه في شيء. بعض الكبار يحمل شمعة تنير الخوف، يذرع السفينة قلقا غارقا في التفكير.

        جلس نوح قريبا منهم يتأمل شمعة تهتز ذبالتها وتكاد أن تنطفئ، يحتضن حفيده الصغير ويداعب جدائله منتبها يسمع دبيب النمل، ولم تكف عيناه عن الدمع...

         وقفت امامه زوجته تلبس مئزرا، يغطي راسها منديل صغير:

زوجة نوح     : ضيّعتنا يا نوح! سنهلك كما هلكوا.

نوح    : لم نهلك يا امرأة، إننا نعوم على وجه الموت، وحسب.

سام    : كيف يصدق المرء حلما يقوده إلى الجحيم؟

نوح    : لم يكن حلما يا بني، إنها يقظة حقيقية تطبق عليكم من كل الجهات (يفتح ذراعيه ويدور فيهما على كل اتجاه) ليس لدي ما افعله من اجلكم غير ما فعلته، وما يفعله غراب طار يبحث لكم عن بر يأويكم... مصيركم تحت جناحيه!

الحفيد الشاب: مصير تحت جناح طائر أهبل... سآخذ زورقا وأبحر لمصيري.

نوح    : تنتحر لأنك لا تعرف إجابة!

الحفيد الشاب: في هذا المكان، لا إجابة غير الموت... انتظره أنت واحفادك. (يغادر مستاء مسرعا)

نوح    : (ينهض ممسكا بيد حفيده الصغير) مع الفجر راقب الأفق يا بني!

 

المشهد الثاني

       ** اضاءات متفرقة أنه الفجر

الحفيد الصغير: (يصيح وهو يشرف من الطابق الأعلى) اليابسة... اليابسة!

       ** (يهرول في ارجاء السفينة يبث البشرى، ومعه يضاء المكان، خلفه يهرول الصغار يرددون صيحته):

الصغار       : اليابسة، اليابسة!

       ** (يتراكض ركاب السفينة ويطفون على الدرابزين، ينظرون إلى الأفق موزعين على الطوابق الثلاثة، يشيرون إلى جهة معينة في البعيد، وكل واحد منهم يعين الاخر على تحديد مكان اليابسة اشارات خرساء عدا بعص الهمهمات... بعضهم تسلق الأعمدة، والآخرون باشروا بجمع حاجياتهم على عجل، وهم يتراكضون، يهبطون السلالم ويصعدون، يحملون صرر واقفاص طيور... أثناء خروجهم يتهامسون ما بينهم وكأنهم يتآمرون... تشوش يختلط بأصوات المواشي والطيور كما في شوق شعبي، وصوت أمواج بعيدة)..

               ** (سام في المقدمة على وشك الخروج يخاطب أخيه حام في آخر الرتل):

سام    : أين الشيخ؟

حام    : لم ينزل من السفينة بعد.

سام    : (يوجه كلامه إلى امه في مقدمة الرتل، وتكون أول من نزل على السلالم مسرعة): أمي نسينا الشيخ وراءنا!

زوجة نوح     : لا تقلق عليه، سيتبعنا (بتهكم) ليس لديه ما يفعله بعد الطوفان.

الحفيد الصغير: (يمسك بيد امه، يهم بالعودة إلى السفينة) جدي!

أمه    : (تجره بعنف وترمقه بنظرة توبيخ) دعه وشأنه.

 

المشهد الثالث

** نوح والمجذوم وكلبه

** المجذوم عصابي متوتر برداء رث، يلف يديه بأشرطة من خرق. شعره أشعث ولحيته شعواء... يربط رأسه بشريط ملون عتيق، حاف ووسخ. يهرش جسمه بعصبية. التوتر العصبي الذي يعاني منه يتمثل بإجاباته المستعجلة، والنطنطة من مكان إلى آخر... أعوج لا يمشي باتزان، يميل بجسمه يمينا وشمالا. يجسد قمة الضيق والقرف في كل ما يفعل، يرافقه كلب أينما تحرك.

       ** نوح مرهقاً، يقف عند قيدوم السفينة، متعكزا على عصاه، في الفضاء تتداخل بقايا أصوات من غادر السفينة، يرافقها صوت أمواج ونعيق غربان واصوات حيوانات.

نوح    : (يتجول في السفينة يتفقدها في لحظاته الأخيرة قبل المغادرة) كما يغادر الوليد رحم امه، غادروا بلا ندم ولا تاريخ... من هذا الحطام سيبدأ تاريخهم، وبه سينتهي تاريخي.

المجذوم       : (في قاع السفينة يأخذ بالخروج زاحفا على ركبتيه من مخبئه تحت السلم) الإنسان (يضحك بتعجب ويضيف) ينتهي قبل أن يبدأ... ها، ها، ها.

نوح    : (ينزل السلم من الطابق العلوي إلى الطابق الأوسط بحذر يحدوه الصوت... يتلفت حوله وكأنه يكلم اشباحًا، يكمل هبوطه السلم إلى قاع السفينة باتجاه الصوت وهو يتكلم مع الأرواح التي تعتقدها تطارده. يدير رأسه يبحث عنها) أرواح معذبة، عالقة في الهواء تطاردنا... أية ريح خبيثة جاءت بكم من الجحيم وكأنكم هباب منثور.

       ** (المجذوم يخرج جسمه كله وهو ما يزال يزحف على أربعة، يظهر معه كلبه)

       ** (نوح تفاجأه حركة المجذوم خلفه وهو يحاول الوقوف، يتراجع نوح إلى الوراء مرعوبا ويكاد أن يسقط)

نوح    : اللعنة... من؟

المجذوم       : (يهرب من نوح، ثم يعود قريبا منه ببطء، يتأمله من أسفل إلى اعلى، يقترب إليه أكثر ويشير بسبابته): آه... نوح! ما زلت فيها؟ ظننتك هربت كما هربوا.

نوح    : (منفعلا ومضطربا ومتعجبا وأخذ يتعرف على الشخصية التي امامه) النجار؟

المجذوم       : الأنبياء لا يخطؤون الحدس.

نوح    : حدسي ينبئني كأني لم أبحر بعد... كيف دخلتها؟

المجذوم       : بنيتها ولم اخرج منها... إنها سفينتي!

نوح    : لا اصدق ما أسمع... من أكون إذن؟

المجذوم       : أنت ربان سفينة الحمقى.

نوح    : (بغرابة) لقد خدعتني... ولكن كيف خدعت ربك؟

المجذوم       : ارجوك! أنا لم أخدع أحدا... قدري أن أبقى معك... (يشير بسبابته إلى اعلى) لقد أوحى إليّ بذلك.

نوح    : (مستنكرا) هااااا... وماذا تفعل معي؟ لقد انجزتُ واجبي أمامه (يلتفت إلى الجمهور) ... وقد نويت الرحيل بعيدا عنكم.

       ** (يبتعد عن المجذوم وكأنه يرحل فعلا)

المجذوم       : (يلحق به) ارحل (يشير له أن يرحل يهشه كما يهش الدجاج) فما الذي يبقيك؟

نوح    : كنت على وشك الرحيل، قبل أن اكتشف الدسيسة. (يشير للمجذوم)

المجذوم       : (يهرش ظهره) ليست هناك دسيسة، فأنت كما ترى هو جذام واضح (يمد يده وهو ينزع عنها اللفائف) حقيقته أعظم لعنة من طوفانك.

نوح    : لو علمت بوجودك في سفينتي لحرقتها قبل أن أبحر... فلا تطهركم غير النار. (يتوقف محتارا بأمره ويلتفت للجمهور) لا اصدق أني اجترحت اسطورتي لأحمل النجاسة (يشير للمجذوم) من ضفة إلى أخرى... لم أبخل على ربي؛ قضيت أيامي أطعم الكائنات، انزل أطعم الحيوان، واصعد أطعم الطير... (يستدرك ويلتفت للمجذوم) ولم اطعمك، فكيف عشت؟

المجذوم       : عشت كالأفعى في هذا الجحر (يشير الى المكان الذي خرج منه تحت السلم وهو يشبه بيت كلب) ...

نوح    : (يلتفت ببطء إلى مكان الجحر)

المجذوم       : كان الكلب ولي نعمتي (يربت على رأس الكلب بجواره)

نوح    : لا تجدف! (غاضباً، يرفع سبابته بوجه المجذوم) وتنسى نعمته، لولاه لأخذك الطوفان إلى حتفك.

المجذوم       : كيف اجدف به وقد اغرقني بنعمته، من هامتي وحتى أخمص قدمي، آ آ آ (يقول ذلك وهو يهرش ظهره)

نوح    : لابد أن خطيئتك عظيمة!

المجذوم       : عظمتها أن أكون معك في مركب واحد، في ميزان واحد.

       ** (مع كل ما يقوله المجذوم، يلف حول نوح وهو يهرش ويحاول الاقتراب منه، بينما نوح يبتعد عنه ويتجنبه ويبعده بعصاه... يخشى ملامسته)

نوح    : نعم، الميزان، الذي يتأرجح دائماً... (يولي ظهره للمجذوم ويذهب بعيدا يخاطب الجمهور، وهو يعقد يديه خلف ظهره).. كنت وحدي في ميزانه، وعدني بأرض طاهرة من غير دنس، وانتهى بي أن احمله حياً... (بحرقة) كيف حدث ذلك دون علمي وحدسي؟ (يرفع رأسه للسماء، يصمت برهة، ويسأل) ماذا وراءك يا صاحب الميزان؟ ... (يصعّد نبرته) أيها الغامض! ما اعرفه ليس الذي اراه (يلتفت إلى المجذوم ويشير اليه) ... أنت تطيل عذابي.

المجذوم       : (يقفز امام نوح ويفتح ذراعيه) انا عذابك يا نوح!

نوح    : نعم، أنت أشدّ من العذاب.

 

المشهد الرابع

       ** نوح والمجذوم والكلب

       ** (المجذوم وحده على المسرح، يقف معتدل الجسم ويستعد كالجنود قبل السير يتنكب مكنسة قش، يغني بلحن مارش نشيد (بلادي، بلادي، بلادي، لك حبي وفؤادي) ويمشي مثل جندي في استعراض عسكري، يرفع صدره ويطوح بيده ويلتفت جانبا إلى الجمهور كما أمام منصة رئاسية)

المجذوم       : عذابي، عذابي عذااااابي... أنت حزني واكتآآآآ بي (يعود ادراجه ويلتفت إلى القاعة ويبقي رأسه ثابتا وهو ينشد) أنت يا روح الجذاااام... فيك يأسي واغترااااابي. (يعود ادراجه مرة أخرى) عذابي، عذابي، عذابي...

       ** (ينتبه إلى نوح وهو ينزل يحمل عصاه ويوجه كلامه للمشاهدين)

نوح    : سماع المجانين مشقة للنفس. (يتم نزوله السلم ويخاطب المجذوم الذي ما زال يتنكب المكنسة ويمشي مشيته العسكرية)  لا استوعب وجودك معي هذه الساعة وانت تعيدني إلى خطوتي الأولى، وكأني لم افعل شيئاً.

المجذوم       : (يتوقف ويكون قد وصل امام نوح وجها لوجه) تتكلم وكأنك خسرت كل شيء.

نوح    : ما ربحت شيئاً لأخسره، غير ربي، وحتى إذا خسرته؛ فلن يخسرني.

المجذوم       : يا نوح! دعني اقول لك الحق. أنت تعرف ربك، ولا ريب؛ لكنك لا تفهمه... أنتم تعتقدون أنه يرتب لكم كل شيء كما يرتب صاحب البيت سفرة الطعام لضيوفه... انت خسرت يقينك بمجرد سؤالك له: ماذا وراءك يا صاحب الميزان؟

       ** (المجذوم يقلد طريقة نوح في سؤاله السابق)

نوح    : لكنه وفر لك الحيلة لتنجو... أليس في هذا ترتيب سفرة باذخة، أيها اللبيب، ويقين لا ريب فيه؟

المجذوم       : صدقت! إنها سُفرة باذخة (يقولها كما قالها نوح) ... تعال وشاركني.

       ** (يرفع يديه إلى اعلى ويهول بهما ويطارد نوح... نوح يتراجع حذرا ويدفعه بعصاته، يصده ويبقيه بعيداً عنه)

نوح    : كان يجب ان تكون اول الغرقى؛ لكني اراك آخر الأحياء... عليّ ان افهم هذه المعضلة!

المجذوم       : أنا لست معضلة، أنا خديعة واضحة... لقد خدعك كما خدع ابليس، إنه ماكر، بل امكر الماكرين؛ ساقك عبر الطوفان تحمل الفضيلة كما تعتقد؛ لكنه دس لك في قاعها هذا الجذام، (يشير الى نفسه) فأما أن تؤمن بمشيئته او تشك بعدالته.

نوح    : لا هذا ولا ذاك... إنه يقول شيئا نعتقد أننا نسمعه ونفهمه ونفعل؛ لكنه يفعل ما يفهمه هو... النقيض أنك أمامي تحت سمائه تنكر رحمته.

المجذوم       : (يرفع يده احتجاجا) اتهام باطل.... اتهام باطل. لم أنكره يوما، فأنا أناشده أكثر منكم، أنا اشد حاجة اليه (يتكلم وهو ينظر في يديه)

نوح    : انت تناشد الريح! لقد انزل فيك عقابه ولن يسمعك بعده.

المجذوم       : قبل أن تأخذ الريح كلامي اسمعني جيداً... لقد انتهت قضيتك. انت وحدك هذه المرة تطوف في الفراغ. عليك أن تجد مكانا آخر يليق بفشلك.

نوح    : ليس لي مكان غير هذا (يدك الأرض بقدمه بقوة) منذ ولادتي وأنا حبيس بين اضلاعها، حبيس حلمها، ولن يكون لي غيرها... فأنا ولدت من اجلها وكل ما فعلته كان بإرادته.

المجذوم       : هل تتذكر الحلم الذي رويته لي وانا انجر اول اخشاب السفينة، وأدق أول مساميرها؟

              **(المجذوم يتوجه للمشاهدين يروي لهم)

المجذوم:    قال لي، كان في زورق ضيق مليء بالمجاذيف يعوم في بحر من لهب، كلما ادخل فيه مجدافا يحترق المجذاف، ويدخل مجدافا آخر فيحترق، حتى احترقت المجاذيف كلها... فأخذ يجذف بيمينه، فتحترق، يجذف بيسراه، فتحترق (يعود إلى نوح وكأنه يتذكره على غفلة) فنبت له جناحان من لهب، فأحرق نفسه واحرق العالم من حوله... (يلف حول نوح وهو يشير إلى اذيال ردائه ويصرخ) أنت تحترق، انت تحترق! وووووووو

نوح    : (طيلة الوقت وهو غارق بالحلم، يستيقظ على صرخة المجذوم، ينتفض وينفض رداءه كمن شبت بأذياله النار فعلا) آه... ذهب الجذام بعقلك، تبا لك ألهيتني عن صلاتي (يخرج)

 

المشهد الخامس

       ** (نوح غائب عن المشهد يناجي ربه، من مكانه تُسمع أدعية وابتهالات، ثم يدخل منهكاً)

              ** (المجذوم يكنس الأرض وكأنه يرقص، يتوقف وهو يخاطب نوح)

المجذوم       : هل تعرف يا حليفي، أن سفينة الحمقى التي انقذتها كانت وجها آخر لفقدان العقل... أنت فقدت فيها ما تبقى لك من حكمة، وأنا فقدت فيها ما تبقى من عقلي؛ لكنه كان كافيا لأفهم ما كنت أره من جحري...

نوح    : عقلك لا يرى غير جنونه والظلام.

المجذوم       : صدقت، شاهدت ما يفوق الجنون؛ كان احفادك في قاع السفينة يمارسون الزنى، وسفاح القربى، والسرقة... هل تدرك ما فعلت حكمتك؟ لقد عبرت بزناة مدنسين وملعونين من طرف الخطيئة إلى طرفها الآخر.

نوح    : لم تكن مهمتي انفاذهم، بل انقاذ ربي، اهرب به من أرض دُنست إلى أرض طاهرة تمجد اسمه صباحا وعشيا.

المجذوم       : (على نفس الوتيرة) هلوليا، هلوليا... بطل مكلل بالعار، عفوا (يضع يده على فمه) سقطت النقطة من فمي الادرد، كنت اقصد مكلل بالغار... ومن انقذت؟ ربك في ملكوته وقد منحك معجزة لم يحظ بها بشر من قبلك... ونفسك حائرة، وقومك هجروك وعادوا إلى حروبهم واطماعهم، حتى زوجتك سخرت منك (يعيد ما قالته زوجة نوح بفم اعوج ويقلد مشيتها واهتزاز عجيزتها) "سيتبعنا فليس لديه ما يفعله بعد الطوفان" ... وسفينتك جنحت للبر تنام على خاصرتها مثل حوت منتحر، تصلح لتكون مزارا في العصور القادمة.

نوح    : قررت حرقها!

المجذوم       : اصارحك يا صديقي قبل فوات الأوان؛ أما تتركني فيها فتتنصل عن واجبك أو تحرقني مع السفينة فتتنصل عن اخلاقك، وانصحك الفصل بينهما، فالواجبات ليست اخلاقا بالضرورة.

نوح    : لا واجبات ولا اخلاق في هذا، إنه ما تبقى لي من ثواب وما تبقى لك من عقاب.

المجذوم       : (مستاء يلطم على رأسه ويرفع يده بوجه نوح) دعك من لغة العقاب والثواب... طيلة حياتي وأنا سمعها منكم، وكأنه لم يعلمكم غيرها. أنا من يعاقب نفسه هذه المرة، وانفيها في هذا الحطام... أنه المكان الوحيد في العالم الذي لا يحن إليه من كان فيه، ولا يتمسك به غير من خسر كل شيء؛ انت وانا (يشير إلى نفسه والى نوح)

نوح    : لن ابقي شيئا ورائي يذكرهم بخطاياهم.

المجذوم       : لا حاجة لهم بالذكريات العتيقة، تكفيهم ايامهم الجديدة، فهي مليئة بالحروب من اجل كسرة خبز، من اجل قطرة ماء، من اجل عرش مهزوز... يا نوح سيأتي طوفان دمهم أعظم من طوفانك... مثل رجل عجوز يتذكر لعبته الأولى سيتذكرون سفينتك يوما.

نوح    : انت تهذي!

المجذوم       : يا رجل هل أصابك الصمم؟ اسمع صراخهم، اسمع!

              **(وقفة طويلة يتصاعد فيها صراخ وعويل واستغاثة، قصف مدافع وطائرات.. أصوات حرب)

المجذوم:    إنهم يذبحون بعضهم... الأرواح التي خلقها ربك بأجمل خلق، تُزهق.... الأطفال تذبح في أحضان أمهاتهم، والأمهات تغتصب على مرأى من الرجال، والرجال على الخوازيق (يمثل بحركة خاطفة كيف يدخل الخازوق في المؤخرة) وأنت تعتقد بأنك أنقذت الفضيلة!

       ** (يحل الظلام بالتدريج، تتصاعد أصوات استغاثة وصراخ أطفال ونساء وضجيج حرب وحديد يتساقط وانهيارات وأصوات قنابل... الحرب بكل ضروبها... تسلط الأضواء على المجذوم وهو يسد أذنيه ويغطي عينيه من شدة الوميض... ثم ظلام تام وفي عمق المسرح تعرض أفلام عن ويلات الحروب)

 

المشهد السادس

       ** نوح والمجذوم وكلبه

       ** (يخرج المجذوم من جحره ويرتب جلسة في وسط المسرح من بعض مكعبات القش... يأخذ عصا نوح ويصنع منها صليبا ويغلفه بقطعة قماش ويثبته على واحد من المكعبات، يأخذ مكنسة ويكنس المكان، وبصوت مريض مبحوح يدندن بأغنية "سليمة مراد")

المجذوم       : قلبك صخر جلمود ما حن عليّ،

       انت بطرب وبكيف والبي بي.. (يهرش جسمه)

       كولوله، آه... كولوله المبي لوله

       بس الخزر بالعين صايرة سوله..

       ** (يدخل نوح ويكون المجذوم قد جلس فيقف احتراما وبيده المكنسة يتعامل بها مثلما رمح... يجلس نوح ويشير له بالجلوس... يتقابلان)

نوح    : عندما كنت طفلا، كان شيت ابي يأخذني إلى الاهوار لنصطاد السمك، وقبل أن تلفظ السمكة أنفاسها يذبحها ويقرأ من آياته... كان يطلب شهادتي على الذبح؛ أنه يجري حلالا لما وهبنا الله من نعمة... سألته مرة ما سر ذلك، قال: كل روح يخلقها الرب لها مكان في الكون، تخرج منه بإرادته ولا تعود اليه إلا بإرادته... هي أكبر بأضعاف مضاعفة من الجسد الذي يحملها أيام العمر... قال لي: "يا بني، ما نذبحه لطعامنا ليس زهقا للروح ولا تحديا لمشيئته، لهذا اطلب شهادتك على ما افعل"... أيها الهرطوقي، الخطأ لا يأتي من الله، بل من العقل.

المجذوم       : نشكرك يا رب، المجانين في نعمة.

نوح    : (بحسرة) الكل باطل.

المجذوم       : ابق معي، ستعيش حياة لا باطل فيها، (يرفع يده قسما) صدقني!

نوح    : نحن على مفترق طرق يا بني، المجهول وحده هو المعلوم هذه الساعة.

المجذوم       : عجبي! عندما كنا في غياهب الطوفان، كان كل شيء معلوما حتى ضياعنا، الآن نحن على الأرض حيث قيض لنا، وأنت تتحدث عن المجهول! (نباح كلب) ... نحن من غير طعام منذ الأمس.

نوح    : نفدت المؤنة مع الطوفان، لقد أكلوا كل شيء؛ الأخضر واليابس.

المجذوم       : قل سرقوا كل شيء... (يمسك برقبة الكلب ويضمه اليه) حسنا، نأكل الكلب واطلبك للشهادة على أني ذبحته حلالا.

نوح    : كان ولي نعمتك كما قلت.

المجذوم       : الكل يأكل ولي نعمته إذا جاع.

نوح    : سبحانه، يطعم المجانين من غير حساب!

المجذوم       : والحل؟

نوح    : حلها أن تركع صامتا، علّه يعطيك جواباً شافياً، واذهب لصلاتي علّه يعينني عليك.

       ** (يقوم متثاقلا، يصعد السلالم إلى اعلى ويختفي في الظلام)

 

المشهد السابع

       ** نوح والمجذوم

       ** (ينزل نوح من فوق وفي يده قارورة زيت... يقفز المجذوم من مكانه متشوقا لسماع ما نزل به الوحي على نوح)

المجذوم       : ها... ماذا أوحى لك؟

نوح    : لم اسمعه جيدا، وكأنه قال لي: اشفه او...

المجذوم       : أو ماذا؟

نوح    : لا اجزم بالأمر، لقد مر ولم اراه، اجتازني ولم اشعر به، كلماته مبهمة غاب معناها في عقلي، كررها مرتين، او، أو

المجذوم       : اخذت تفقد الصلة بربك يا نوح! هذا نذير شؤم.. دعني أكملها لك: قال لك أو تصاب بالجذام.

نوح    : لو حدث هذا فستكون حكمة أعظم من الطوفان.

المجذوم       : سأتكفل بدفنك فيها، (يدق السفينة بقدمه) واكتب على شاهدة قبرك: هنا يرقد نوح بن شيت ابن آدم ربان سفينة الحمقى.

نوح    : (يضحك) وماذا لو مت قبلي؟

المجذوم       : أنا لا أموت كما يموت الانسان.

نوح    : (متعجبا) ها... كيف؟

المجذوم       : أتساقط عضوا فعضوا وأنا حيٌ، اتبدد في الهواء، اتطاير كذرات الغبار، يتنفسني الناس، ادخل انوفهم واصعد إلى رؤوسهم، أنمو فيها، اتكاثر، تنتفخ الرؤوس، ملايين المخلوقات مثلي تخرج من انوفهم، كما تخرج الديدان من الجثة، تطارد الأجيال كما أطارد جدهم الآن... (ينهض ويركض وراء نوح الذي يهرول متثاقلا فهو يعرف انها مزحة فيسمح بها)

نوح    : اركع!

       ** (المجذوم يركع ويأخذ نوح بمسح رأسه بالزيت وهو يتمتم).

 

المشهد الثامن

       ** سام وبعض الأبناء والاحفاد الشباب والمجذوم

       ** (يدخلون بثياب ممزقة وسيوف مدماه... جرحى حرب يجرجرون اقدامهم متعبين)

شاب  : (يحمل سيفه ويشير الى السفينة) مازالت قوية كالطود.

أحد الرجال    : تصلح قلعة.

سام    : (يشرف على الأفق من أعلى السفينة ويشير إلى البعيد) انظروا هناك، مدينتنا القديمة غارقة في الوحل... نحن لم نبحر إذن! لم نتحرك شبرًا واحداً من مكاننا؛ طافت المياه وغمرت الارض ثم غاضت ونحن في نفس المكان... ما الذي حصل؟ ما الذي يحصل؟ أين المكان الصحيح وأين المكان الخطأ؟

       ** (تدخل مجموعة يولولون ويبكون، على اكتافهم نعش مكشوف)

أحد المشيعين: أين ندفنه؟

سام    : من القتيل؟

أحد المشيعين: ابن أخيك البكر.

سام    : (بغضب) ومن القاتل؟

الرجل  : إبنك.

سام    : (يشير للمشيعين أن ينزلوا الجثمان) انزلوه.

       ** (يخرج المجذوم من مكانه تحت السلم، الحشد يتراجع خوفا منه، بعضهم يهرب بعيدا، ويصيح)

أحدهم : مجذوم، مجذوم.

       ** (رجل يشهر سيفه ويتوجه للمجذوم ليوقفه، لكنه لم يجرأ على الاقتراب منه... المجذوم يطوف حول الجثمان)

المجذوم       : ما زال يحلم.

سام    : دعه طاهرًا ولا تقترب منه!

المجذوم       : سلبتموه اطهر ما خلق الله، وتدعون له بالطهارة بعد أن فقدها.

       ** (يقترب أكثر نحو الحشد، والحشد يتراجع).

سام    : لم يبق لنا من يعلمنا معنى الطهارة غير المجاذيب! (يشير الى أحدهم) ابحثوا عن نوح!

المجذوم       : لا يسمعكم أنه في حوار مع ربه.

       ** (يدخل ابن سام القاتل، يحمل سيفه هاربا وثمة أصوات تطارده قريبة من السفينة)

سام    : ماذا اقترفت؟

الأبن  : لقد نهب ارضي.

سام    : ومن ملكك ارضًا... وهي مازالت طينا مبلولا؟

المجذوم       : (يطوف حول جثمان القتيل ويرتل) مثل ساقية ماء تجري حياة الانسان من منبعه العميق إلى مصبه، يتعرج ويتلوى، تسد مجراه الصخور، فيغور تحتها، ثم ينبع في مكان آخر... ينزل الوديان ويهدر في المنحدرات، يخضع حينا ويتجبر حينا، وآخر المطاف ينقطع رجاؤه ويبتلعه البحر المالح... إذا حميّت جفت مياهه، مثل قحف يملأه التراب يكون فمه... ما كان هو ما يكون... كما خرج من بطن امه عاريا يرجع، ذاهبا كما جاء... ها هو ذا اليوم، ها هو ذا قد جاء، دارت الدائرة، أزهرت العصا، افرخت الكبرياء... يا هوووووووو (يطارد الحشد، يهربون منه، الابن القاتل يتصدى له ويطعنه في احشائه... يحتضن المجذوم بطنه ويجثو على ركبتيه، يهرب الجميع ولم يبق غير سام).

 

المشهد التاسع

       ** نوح وسام والمجذوم

سام    : ابتي!

نوح    : (يربط كفيه بالخرق وينزل السلم يحمل عصاه) يا ويلكم، دنستم الأرض وجئتم تدنسون بيتي.

سام    : أصابك بالجذام؟

نوح    : اصابني باليقين.

سام    : اليقين أننا نغرق، كل غريق يمسك بمنقذه ويأخذه إلى القاع، لا نجاة! بفمهم يقولون السلام، وفي قلوبهم يصنعون الكمائن، باسمه يصلّون صباحا، ويشحذون السكاكين وباسمه يقطعون الرقاب مساء... لم يعد في القوم امرأة حرة، ولا غلام نجيب.

نوح    : جاءكم الطوفان، عام بأكمله، بأيامه ولياليه، وأنتم تعومون فوق الموت، عيونكم إلى السماء تتضرعون... انتهى الطوفان وعادت الأرض إلى جفافها والقلوب إلى قسوتها... كل ذاك الماء لم يطهر مسامة واحدة فيكم... لقد وضع الله الدم في العروق وثيقة اخوة، ومعيار سلام... ارقتموه كما تريقون فضلاتكم... باطل الاباطيل عذابكم تحت الشمس، باطل الأباطيل وقبض ريح... (يوجه سؤاله للمشاهدين) ما الذي يحكم الانسان إزاء أخيه الانسان؟

المجذوم       : الروح الحر، يا أخي. (يحاول النهوض، يتخاذل ويسقط ميتًا)

       ** (يخلع نوح شاله الكبير من على كتفيه ويفرشه على الأرض، يضع المجذوم عليه يحاول سام مساعدته فيطرده، يخرج مترددا وهو يتلفت إلى ابيه)

نوح    : ابتعد، عد إلى قومك وأبلغهم وصيتي، ان يكتبوا على شاهدة قبورهم، على طاق ابوابهم، ينقشونه على كل حجر يبنوه في بيوتهم: من شاء منكم أن ينقذ حياته فعليه أن يخسرها... (يجلس امام المجذوم ويكلمه) ... كنت على المسرح أكثر من ممثل، كنت القلب والعقل والحواس الخمس، قمت بأدوار الكوميديا الدامية كلها، نجحت وفشلت، لكنك حاولت... انت الآن ممثل واحد لا يمثل غير ذاته، لكنك ناجح كل النجاح، بلغت ما كنت تعرفه، والذي نسعى لنكرانه.

       ** (ينهض ويأخذ قارورة الزيت ويرش الجثة وارجاء السفينة ويصعد السلالم ويرشها وهو يكرر):

نوح    : من شاء منكم ان ينقذ حياته فعليه ان يخسرها...

       ** (خلالها يتصاعد لهب من ارجاء السفينة وينتهي بحريق عظيم)

تسدل الستارة