يعدُّ النقد الماركسي النمط الأشدَّ إيغالاً في القدم بين أنواع النقد المطروحة في هذا الكتاب؛[1] وليسَ أدلّ على هذا مما أدلى به (كارل ماركس) نفسه مِن تصريحات مهمّة—على عموميتها—حول الثقافة والمجتمع في خمسينيات القرن التاسع عشر. ومع ذلك فمن المنطقيّ أن ننظر إلى النقد الماركسيّ بوصفه ظاهرةً من ظواهر القرن العشرين.
ومن المُؤكّد أنِّ تلخيص المبادئ الأساسيّة للماركسيّة ليس أسهل من تلخيص المذاهب الأساسيّة للمسيحية، فإنَّ هناك عبارتين مشهورتين لـــ ماركس توفّران نقطةً كافيةً للانطلاق: أولاهما أنّ وعيّ الناس ليس هو الذي يحدّد وجودهم، في حين أنّ كيانهم الاجتماعيّ هو الذي يحدّدُ وعيهم. وثانيتهما أنّ الفلاسفة قد فسّروا العالم بطرائق مُختلفةٍ فحسْب، في حِين أنَّ النقطة المهمّة تتمثلُ في تغييرهِ.
وواضح من هذين التصريحين مقدار الاستفزاز المُتعمّد في خطاب ماركس. فمن خلال مخالفته المذاهب المقبولة على نطاق واسع، كان ماركس يحاول وضع فكر الناس في اتجاه عكسيّ. وذلك أنّه في البدء كانت الفلسفة مجرّد تأمل عفوي، وقد حان الوقت للتفاعل مع العالم الحقيقيّ. وفي المقام الثاني، فقد أقنعنا هيجل وأتباعه في الفلسفة الألمانية بأنّ العالم محكوم بالفكر، وأنّ سَيرورة التاريخ تتمثّلُ في الكشف الجدليّ التدريجيّ لقوانين العقل، وأنّ الوجود الماديّ ما هو إلا تعبيرٌ عن جوهر روحيٍّ غير ماديٍّ، وهذا بدورهِ قد دفع الناس إلى الاعتقاد بأنّ أفكارهم وحياتهم الثقافيّة، وأنظمتهم القانونيّة وأديانهم كانت من إبداعات العقلِ البشريّ، وفوق البشريّ السوبر الذي ينبغي أنْ يُعَدَّ المرشد والمُلْهم الذي لا جدال فيه للحياة البشريّة. ويعكسُ ماركس هذه الصيغة، ويرى أنَّ جميع الأنظمة العقلية الأيديولوجية هي نتاج الوجود الاجتماعيّ والاقتصاديّ الحقيقيّ. الأمرُ الذي جعل المصالح الماديّة للطبقة الاجتماعيّة المُهيْمنة، هي التي تحددُ كيفية رؤية الناسِ للوجود الإنسانيّ، سواء الفرديّ أو الجماعيّ. فالأنظمةُ القانونيّة، على سبيلِ المثال، ليستْ المظاهر الخالصة للعقل البشريّ، أو الإلهيّ، لكنّها تعكسُ في نهاية المطاف مصالح الطبقة المُهيمنة في حقب تاريخية مُعيَّنة.
فــ ماركسُ في أحد تحليلاته، يصف وجهة النظر هذه مستعيرًا أحد مصطلحات فن العمارة؛ فسمّاها: الِبنيةَ الفَوقية أو الأيديولوجيا والسياسة، التي تعتمد على القاعدة القائمة على العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، أو ما يُسمى البِنيةِ التحتية؛ وذلك أنَّ القول تعتمد على كذا ليسَ مثلَ القولِ تُسبّبه. فقد كان ماركس يرى أنَّ ما نسمّيه الثقافة ليس حقيقة مُستقلة، ومع ذلك لا يمكن فصله عن الظروف التاريخيّة التي يخلق فيها البشر حياتهم الماديّة. إنَّ علاقات الاستغلال والسَّيطرة التي تحكم النِّظامَ الاجتماعيَّ، والاقتصاديَّ لمرحلة مُعيّنة من التاريخ البشريِّ "تُحَدِّدُ" إلى حَدٍّ ما الحياةَ الثقافية للمجتمعِ بأكملِهِ.
ومن الواضح أنَّ النظريّة في صيغها الأكثر فظاظةً، تبدو ميكانيكية للغاية، فعلى سبيلِ المثال نجد ماركس وإنجلز يتّحدثان في كتاب الأيديولوجية الألمانية (1846) عن الأخلاق والدين والفلسفة بوصفها أشباحًا تتشكّلُ في أدمغة الرجال، وهي انعكاساتٌ وأصداءٌ لـ عمليات الحياة الحقيقيّة. ومن ناحية أخرى، فإن إنجلز في سلسلة شهيرة مِن الرسائل المكتوبة في تسعينيات القرن التاسع عشر، يصرُّ على أنَّه عندما كان هو وماركس يَعُدَّان دائمًا الجانب الاقتصاديَّ للمجتمع هو المُحدِّدَ النهائيَّ للجوانب الأخرى، قد أدركا أيضًا أنَّ الفنَّ والفلسفة، وأشكال الوَعي الأخرى مستقلةٌ نسبيًّا، وتمتلكُ قدرةً مُستقلةً على تغيير وجود البشر. وفي نهاية المَطاف يبرزُ سؤالٌ مَفادُهُ: كيف يتوقع الماركسيون تغيير وعْي الناس إذا تجاوزنا، أو نّحَّينا الخطاب السياسيَّ؟ فلو قُمنا بدراسة روايات القرن الثامن عشر، أو فلسفة القرن السابع عشر في أوروبا، فسندرك—إذا كنَّا ماركسيين—أنَّ هذه الكتاباتُ نشأتْ في مراحلَ مُعيّنةٍ منْ تطوّر المجتمع الرأسماليِّ المُبكِّرِ، وأنَّ صراع الطبقات الاجتماعية يشكّل الأرضيّة التي تنشأ عليها الصراعات الأيديولوجيّة. فُالأدب والفن ينتميان كلاهما إلى المجالِ الأيديولوجيّ، ولكنّهُما يَمتلكان علاقةً بالأيديولوجيّة التي غالبًا ما تكون أقلَّ مباشرة؛ حتّى مما هو موجودٌ في حالة الأنظمة الدِّينيّة والقانونيةّ والفلسفيّة.
وقد اعترف ماركس بالمكانة الخاصة للأدب في فقرة ذائعة في كتابه الأسس/غروندريس، حيث تمت مناقشة مشكلة التناقض الواضح بين التطور الاقتصادي والفني. وتعد المأساة اليونانية ذروة التطور الأدبي، لكنها تتزامن مع نظام اجتماعي وشكل من الأيديولوجية (الأسطورة اليونانية) لم تعد صالحة للمجتمع الحديث. وقد كانت المشكلة بالنسبة لـــ ماركس هي تفسير كيف يمكن للفن والأدب الذي يتم إنتاجه في منظمة اجتماعية عفا عليها الزمن منذ زمن طويل أن يمنحنا متعة جمالية وأن يُنظر إليهما على أنهما مثال قياسي بعيد المنال. ويبدو أنه يقبل على مضض بعض الخلود والعالمية في الأدب والفن. على مضض لأن هذا سيكون بمثابة تنازل كبير لواحدة من مقدمات الأيديولوجية البرجوازية. ومع ذلك فمن الممكن الآن أن نرى أن ماركس كان ببساطة يتراجع عن طرق التفكير الهيغلية التقليدية حول الأدب والفن. لقد أثبتت مناقشتنا لـــ مكاروفسكي في الفصل الثاني ما يمكن اعتباره الآن وجهة نظر ماركسية: أن قوانين الأدب العظيم يتم إنشاؤها اجتماعيًّا، وأن عظمة المأساة اليونانية ليست حقيقة وجود عالمية وغير قابلة للتغيير، لكنها قيمة يجب إعادة إنتاجها من جيل إلى جيل.
حتى لو رفضنا المكانة المميزة للأدب يبقى هناك سؤال حول مدى استقلال التطور التاريخي للأدب عن التطور التاريخي بشكل عام. ففي هجومه على الشكليين الروس في الأدب والثورة، أقر تروتسكي بأن الأدب له مبادئه وقواعده الخاصة، ويعترف بأن الإبداع الفني هو تغيير وتحويل للواقع وفقًا لقوانين الفن الخاصة، ولا يزال يصر على أن الواقع يظل العامل الحاسم وليس الألعاب الشكلية التي يمارسها الكتاب. ومع ذلك تشير ملاحظاته إلى استمرار الجدل في النقد الماركسي حول الأهمية النسبية للشكل الأدبي والمحتوى الأيديولوجي في النصوص الأدبية.
الواقعية الاشتراكية السوفييتية
غالبًا ما كان النقد الماركسي المكتوب في الغرب يتسم بالمغامرة والبهجة، لكن الواقعية الاشتراكية باعتبارها الأسلوب الفني الشيوعي الرسمي بدت باهتة وضيقة الأفق بالنسبة للقراء الغربيين. إن المبادئ التي طرحها اتحاد الكتاب السوفيت (1932-1934) استجابت لبعض تصريحات لينين في مرحلة ما قبل الثورة؛ حيث تم تفسيرها خلال عشرينيات القرن العشرين. تناولت النظرية بعض الأسئلة الرئيسة حول تطور الأدب وانعكاسه للعلاقات الطبقية ووظيفته في المجتمع.
وكما رأينا عندما شجعت ثورة عام 1917 الشكلانيين على مواصلة تطوير نظرية ثورية للفن ظهرت في الوقت نفسه وجهة نظر شيوعية أرثوذكسية استهجنت الشكلانية واعتبرت تقليد الواقعية الروسية في القرن التاسع عشر هو النهج الوحيد والأساس المناسب لجماليات المجتمع الشيوعي الجديد. فالثورات الحداثية—في الفن والموسيقى والأدب الأوروبي التي حدثت حوالي عام 1910 (بيكاسو، سترافينسكي، شوينبيرج، جويس، وولف، ت. س. إليوت)—أعدها النقاد السوفيت منتجات منحلة للمجتمع الرأسمالي المتأخر. ومن المفارقة أن الرفض الحداثي للواقعية التقليدية فسح المجال للواقعية الاشتراكية باعتبارها الوصي الرئيس على الجماليات البرجوازية. ففي مسرحية المسخرة للكاتب توم ستوبارد (1975)، أجبر الشاعر الدادائي تسارا على الشكوى من أن الشيء الغريب في الثورة هو أنه كلما اتجهت نحو اليسار سياسيًّا زاد إعجابهم بفنهم البرجوازي. وظل الجمع بين جماليات القرن التاسع عشر والسياسة الثورية هو السمة الأساسية للنظرية السوفيتية.
إن مبدأ الولاء بقضية الطبقة العاملة للحزب مستمد بشكل شبه حصري من مقال لينين "تنظيم الحزب وأدب الحزب" (1905)، ولا يزال هناك بعض الشك حول نوايا لينين في القول بأنه عندما كان جميع الكتاب أحرارًا في كتابة ما يحلو لهم، لم يكن بإمكانهم أن يتوقعوا نشر أعمالهم في مجلات الحزب إلا إذا كانوا ملتزمين بالخط السياسي للحزب. وبينما كان هذا مطلبًا معقولًا في ظل الظروف غير المستقرة لعام 1905 فقد اكتسب أهمية أكثر استبدادية بعد الثورة عندما سيطر الحزب وهيمن على آليات النشر.
تعد خاصية الشعبية أمرًا أساسيًّا لكل من الجماليات والسياسة، ويحقق العمل الفني في أي فترة هذه الخاصية من خلال التعبير عن مستوى عالٍ من الوعي الاجتماعي، والكشف عن الإحساس بالظروف والمشاعر الاجتماعية الحقيقية لعصر معين، كما أنها ستمتلك نظرة تقدمية تلقي نظرة خاطفة على تطورات المستقبل في خطوط الحاضر، وتعطي إحساسًا بالإمكانيات المثالية للتنمية الاجتماعية من وجهة نظر جماهير العمال الغفيرة. وفي مخطوطات باريس عام 1844 يرى ماركس أن التقسيم الرأسمالي للعمل دمر مرحلة مبكرة من تاريخ البشرية؛ حيث كانت الحياة الفنية والروحية لا يمكن فصلها عن عمليات الوجود المادي، وظل الحرفيون يعملون بإحساس يتسم بالشعور بالجمال. لقد أدى الفصل بين العمل العقلي والعمل اليدوي إلى إذابة الوحدة العضوية للأنشطة الروحية والمادية، مما أدى إلى اضطرار الجماهير إلى إنتاج السلع دون متعة المشاركة الإبداعية فيها. إن الفن الشعبي (فقط) هو الذي نجا باعتباره فنًا شعبيًا، وكان تقدير الفن الرفيع ذا طابع احترافي حيث سيطر عليه اقتصاد السوق مقتصرا على شريحة متميزة من الطبقة الحاكمة. ويقول النقاد السوفيت إن الفن الشعبي الحقيقي للمجتمعات الاشتراكية سيكون في متناول الجماهير وسيستعيد كيانهم المفقود.
إن نظرية الطبيعة الطبقية للفن هي نظرية معقدة. ففي كتابات ماركس وإنجلز والتراث السوفيتي هناك تركيز مزدوج على التزام الكاتب أو مصالحه الطبقية من ناحية، والواقعية الاجتماعية لعمل الكاتب من ناحية أخرى. الأشكال الأكثر فظاظة من الواقعية الاشتراكية تتعامل فقط مع الطبيعة الطبقية للفن باعتبارها مسألة بسيطة تتعلق بالولاء الطبقي الصريح للكاتب. وفي رسالته (1888) إلى مارغريت هاركنيس حول روايتها فتاة المدينة، امتدحها إنجلز لعدم كتابتها رواية اشتراكية صريحة، ويرى بأن بلزاك، وهو مؤيد رجعي لسلالة البوربون، يقدم وصفًا أكثر اختراقًا للمجتمع الفرنسي بكل تفاصيله الاقتصادية من "جميع المؤرخين والاقتصاديين والإحصائيين المشهورين في تلك الفترة معًا." وإن رؤى بلزاك حول سقوط النبلاء وصعود البرجوازية أجبرته على الوقوف ضد تعاطفه الطبقي وتحيزاته السياسية؛ فالواقعية تتجاوز التعاطف الطبقي، وكان لهذه الحجة تأثير قوي—ليس فقط—على نظرية الواقعية الاشتراكية؛ بل على النقد الماركسي اللاحق.
تعد الواقعية الاشتراكية استمرارًا وتطويرًا للواقعية البرجوازية على مستوى أعلى، ولا يتم الحكم على الكتاب البرجوازيين وفقًا لأصولهم الطبقية أو التزامهم السياسي الصريح، لكن من خلال المدى الذي تكشف فيه كتاباتهم عن رؤى ثاقبة للتطورات الاجتماعية في عصرهم، ومن الأفضل أن نفهم العداء السوفيتي للروايات الحداثية في هذا السياق. فقد طرحت مساهمة كارل راديك في مؤتمر الكتاب السوفيت عام 1934 حول " آراء جيمس جويس أم الواقعية الاشتراكية؟" وخلال إحدى المناقشات وجه راديك هجومًا لاذعًا ضد مندوب شيوعي آخر هرتسفيلد الذي دافع عن جويس باعتباره كاتبًا عظيمًا. يعد راديك تقنية جويس التجريبية ومحتواه البرجوازي الصغير بمثابة قطعة واحدة، حيث يشير انشغال جويس بالحياة الداخلية الدنيئة لفرد تافه، إلى عدم وعيه العميق بالقوى التاريخية الأكبر الفاعلة في العصر الحديث. فبالنسبة لجويس العالم كله يقع بين خزانة كتب العصور الوسطى، وبيت للدعارة، وبيت الكأس، ويختتم قائلاً: "إذا كنت سأكتب روايات فسوف أتعلم كيفية كتابتها من تولستوي وبلزاك وليس من جويس".
كان هذا الإعجاب بواقعية القرن التاسع عشر مفهوما؛ حيث طور بلزاك وديكنز وجورج إليوت وستندال وآخرون شكلاً أدبيًا متطورًا يستكشف مشاركة الفرد في حلقة العلاقات الاجتماعية المعقدة. لقد تخلى الكتاب الحداثيون عن هذا المشروع، وبدأوا يرسمون صورة أكثر تجزؤًا للعالم والتي غالبًا ما كانت متشائمة ومنطوية، وتستكشف الوعي الفردي المغترب في المجتمع الحديث الكئيب والكابوسي. لا شيء يمكن أن يكون أبعد عن الرومانسية الثورية للمدرسة السوفيتية، التي أرادت إبراز صورة بطولية[2]. وقد ذكّر أندريه جدانوف، الذي ألقى الكلمة الرئيسة في مؤتمر عام 1934، الكتابَ بأن ستالين دعاهم إلى أن يكونوا مهندسي الروح الإنسانية، وفي هذه المرحلة أصبحت المطالب السياسية للكتاب ملحة بشكل وحشي، ومن الواضح أن إنجلز كان متشككًا في قيمة الكتابة المفرطة في الالتزام، لكن جدانوف نفى كل هذه الشكوك قائلا: "نعم، الأدب السوفيتي متحيز، لأنه في عصور الصراع الطبقي لا يوجد ولا يمكن أن يكون هناك أدب ليس أدبًا طبقيًّا وليس أدبًا متحيزًا" أو كما يُزعم غير سياسي".
من المناسب أن نتناول بعد ذلك الناقد الماركسي الرئيس الأول، جورج لوكاش، حيث أن عمله لا ينفصل عن الواقعية الاشتراكية الأرثوذكسية، ثم آراء خصمه—الكاتب المسرحي/المنظر برتولت برخت—في نقاشهم حول الواقعية. يمكن القول إن لوكاش استبق بعض المذاهب السوفيتية لكنه على أية حال طور النهج الواقعي ببراعة كبيرة، حيث يعد أول من استخدم أسلوبًا هيجليًّا مميزًا للفكر الماركسي، حيث تعامل مع الأعمال الأدبية باعتبارها انعكاسات لنظام بدا مفضوحا، وعلى العمل الواقعي أن يسلط الضوء على النمط الأساسي للتناقضات الموجودة في النظام الاجتماعي. إن وجهة نظره ماركسية في إصرارها على الطبيعة المادية والتاريخية لبنية المجتمع.
إن لوكاش قادر على الإصرار على مبدأ النظام والبنية الأساسيين؛ لأن التقليد الماركسي استعار من هيجل وجهة النظر الجدلية للتاريخ. فالتطور في التاريخ ليس عشوائيا أو فوضويا، كما أنه ليس تقدما خطيا مباشرا، بل هو تطور جدلي. ففي كل مؤسسة اجتماعية يؤدي نمط الإنتاج السائد إلى ظهور تناقضات وصراعات داخلية يتم التعبير عنها في الصراع الطبقي. لقد تطورت الرأسمالية من خلال تدمير نمط الإنتاج الإقطاعي واستبداله بأسلوب يعتمد على الملكية الخاصة المطلقة والسوق مما أتاح مستويات أعلى بكثير من الإنتاجية (إنتاج السلع). ومع ذلك في حين أصبحت عملية الإنتاج جماعية بشكل متزايد، أصبحت ملكية وسائل الإنتاج مركزة في أيدي القطاع الخاص، وفي نهاية المطاف لم يكن لدى العمال الذين امتلكوا أنوالهم أو أدواتهم ما يبيعونه سوى جهدهم، فالتناقض المتأصل في تضارب المصالح بين الرأسماليين والعمال يتم الكشف عنه. كان التراكم الخاص لرأس المال أساس العمل في المصانع، وبالتالي فإن التناقض (الخصخصة/جماعية نمط الانتاج) هو وحدة ضرورية، وهي مركزية لطبيعة نمط الإنتاج الرأسمالي. والحل الجدلي للتناقض يكون دائمًا ضمنيًّا في التناقض نفسه: إذا أراد الناس إعادة السيطرة على قوتهم، فيجب أيضًا إضفاء الطابع الجماعي على ملكية وسائل الإنتاج. تهدف هذه المناقشة الموجزة إلى إظهار كيف تشكلت رؤية لوكاش الكاملة للواقعية من خلال تراث الماركسية في القرن التاسع عشر.
في سلسلة من الأعمال الرائعة خاصة الرواية التاريخية (1937) ودراسات في الواقعية الأوروبية (1950)، قام (لوكاش) بتنقيح نظريته وتطويرها، وفي معنى الواقعية المعاصرة (1957) ارتفعت نبرة الهجوم الشيوعي على الحداثة. إنه يرفض إنكار مكانة جويس كفنان حقيقي، لكنه يطلب منا أن نرفض رؤيته للتاريخ خاصة الطريقة التي تنعكس بها رؤية جويس الثابتة للأحداث في بنية ملحمية هي بحد ذاتها ثابتة. وبالنسبة لــــ لوكاتش فإن هذا الفشل في إدراك الوجود الإنساني كجزء من بيئة تاريخية ديناميكية يصيب الحداثة المعاصرة بأكملها كما ينعكس في أعمال كتاب مثل كافكا وبيكيت وفولكنر، ويرى بأن هؤلاء الكتاب منشغلون بالتجربة الشكلية—بالمونتاج والمونولوجات الداخلية وتقنية تيار الوعي واستخدام التقارير والمذكرات وما إلى ذلك. فكل هذه البراعة الشكلية هي نتيجة الاهتمام الضيق بالانطباعات الذاتية، وهو القلق الذي ينبع في حد ذاته من الفردية المتقدمة للرأسمالية المتأخرة. فبدلاً من الواقعية الموضوعية أصبح لدينا رؤية للعالم مليئة بالقلق، حيث يقتصر التاريخ وعملياته الاجتماعية على التاريخ الداخلي الكئيب للوجود السخيف، ويتناقض هذا النمط من الواقعية مع النظرة الديناميكية والتنموية للمجتمع التي يمكن العثور عليها لدى الروائيين العظماء في القرن التاسع عشر وفي ورثتهم المعاصرين مثل توماس مان، الذي، على الرغم من أنه ليس اشتراكيًا، ينجح في الوصول إلى الواقعية النقدية.
فمن خلال فصل الفرد عن العالم الخارجي للواقع الموضوعي يضطر الكاتب الحداثي، من وجهة نظر لوكاش، إلى رؤية الحياة الداخلية للشخصيات باعتبارها تدفقًا شريرًا لا يمكن تفسيره، والذي يأخذ في النهاية أيضًا صفة ثابتة خالدة. ويبدو أن لوكاش غير قادر على إدراك أنه من خلال تصوير الوجود المجدب والمغترب للموضوعات الحديثة يحقق بعض الكتاب المعاصرين نوعًا من الواقعية أو على أي حال يطورون أشكالًا وتقنيات أدبية جديدة تعبر عن الواقع الحديث، فبإصراره على الطبيعة الرجعية للأيديولوجية الحداثية يرفض الاعتراف بالإمكانيات الأدبية للكتابات الحداثية، ولأنه اعتقد أن محتوى الحداثة كان رجعيًّا فقد تعامل مع الشكل الحداثي على أنه غير مقبول بنفس القدر. وخلال إقامته القصيرة في برلين في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين وجد نفسه يهاجم استخدام التقنيات الحداثية للمونتاج والتقارير الصحفية في أعمال زملائه المتطرفين بما في ذلك الكاتب المسرحي المتميز برتولت برخت.
كانت مسرحيات برخت الأولى متطرفة وفوضوية ومعادية للبرجوازية، لكنها لم تكن مناهضة للرأسمالية، فبعد قراءة ماركس في عام 1926 أصبح تحطيم وتفكيك المعتقدات التقليدية في شبابه—تقريبا—التزاما سياسيا واعٍيا على الرغم من أنه ظل دائمًا متمردًا ولم يكن أبدًا رجل حزب. حوالي عام 1930 كان يكتب ما يسمى الأدب التعليمي وهي مسرحيات تعليمية موجهة لجماهير الطبقة العاملة، لكنه اضطر لمغادرة ألمانيا عندما استولى النازيون على السلطة في عام 1933. كتب مسرحياته الرئيسة في المنفى خاصة في الدول الاسكندنافية، وفي وقت لاحق تم التحقيق معه أمام لجنة السيناتور جوزيف مكارثي للأنشطة المعادية للولايات المتحدة، واستقر أخيرًا في ألمانيا الشرقية في عام 1949، كما واجه مشاكل أيضًا مع السلطات الستالينية في جمهورية ألمانيا الديمقراطية التي اعتبرته مصدر قوة وعائقًا في الوقت نفسه.
من المؤكد أن معارضته للواقعية الاشتراكية أساءت إلى سلطات ألمانيا الشرقية. فأسلوبه المسرحي الأكثر شهرة تأثير الاغتراب يستذكر مفهوم الشكلانيين الروس عن التغريب. لقد فضلت الواقعية الاشتراكية الوهم الواقعي والوحدة الشكلية والأبطال الإيجابيين، وأطلق على نظريته عن الواقعية اسم معاداة أرسطو، وهي طريقة سرية لمهاجمة نظرية خصومه. وقد أكد أرسطو على عالمية ووحدة الفعل التراجيدي وتماثل الجمهور والبطل في التعاطف الذي ينتج التنفيس للعواطف. وقد رفض برخت تقليد المسرح الأرسطي برمته، حيث يجب على الكاتب المسرحي أن يتجنب الحبكة المترابطة بسلاسة وأي شعور بالحتمية أو العالمية، ويجب تقديم حقائق الظلم الاجتماعي كما لو كانت غير طبيعية بشكل صادم ومفاجئ تمامًا. فمن السهل للغاية اعتبار سعر الخبز، وقلة العمل، وإعلان الحرب، كما لو كانت ظواهر طبيعية مثل الزلازل أو الفيضانات، وليس بوصفها نتائج طبيعية للممارسات البشرية الاستغلالية.
يجب تحطيم الوهم بالواقع من خلال استخدام تأثير الاغتراب لتجنب تهدئة وسلبية الجمهور، ويجب ألا يندمج الممثلون في أدوارهم أو يسعوا إلى تعزيز تقمص الجمهور المتعاطف معهم تمامًا؛ بل يجب أن يقدموا أدوارًا للجمهور حيث يمكن التعرف عليها ولكن بطريقة غير مألوفة، حتى تبدأ عملية التقييم النقدي للجمهور/المشاهدين. وينبغي فهم موقف الشخصيات وعواطفها ومعضلاتها من الخارج وتقديمها على أنها غريبة إشكالية، وهذا لا يعني أن الممثلين يجب أن يتجنبوا استخدام العاطفة، لكنه فقط عليهم اللجوء إلى التعاطف، ويتم تحقيق ذلك عن طريق حجب الأداة[3]. يعد استخدام الإيماءات وسيلة مهمة للتعبير عن مشاعر الشخصية، وتتم دراسة الإيماءة أو الفعل والتدرب عليه كأداة لنقل المعنى الاجتماعي المحدد للدور بشكل لافت للنظر. يمكن للمرء أن يقارن هذا مع طريقة التمثيل لـــ ستانيسلافسكي التي تشجع التوحد[4] الكامل للممثل والدور الذي يؤديه. ويتم تشجيع الارتجال بدلاً من التخطيط البارد لتعزيز الشعور بالعفوية والفردية. إن الاقتراب من، والتركيز على، وإعطاء أهمية خاصة للحياة الداخلية للشخصية تبخر وظيفتها الاجتماعية. تعد إيماءات مارلون براندو أو جيمس دين ذاتية وخاصة وفردية، في حين أن الممثل البرختي (على سبيل المثال بيتر لور أو جاك نيكلسون) يؤدي أداءً أشبه بالمهرج أو المقلد باستخدام الإيماءات البلاغية وغير المباشرة التي تلمح بدلاً من أن تصرح. على أية حال فإن مسرحيات برخت التي يكون فيها الأبطال عاديين في كثير من الأحيان وقاسية وعديمة الضمير لا تشجع عبادة الشخصي، وقد تم تصوير بعض الشخصيات مثل مازر كاردج وأزديك وشفيك بجرأة على لوحة ملحمية: إنهم كائنات اجتماعية ديناميكية بشكل ملحوظ، لكن ليس لديهم حياة داخلية يجب التركيز عليها.
رفض برخت ذلك النوع من الوحدة الشكلية الذي أعجب به لوكاش، لما يأتي: أولاً، يتكون مسرح برخت الملحمي على عكس مسرح أرسطو التراجيدي، من حلقات مترابطة بشكل فضفاض من ذلك النوع الذي يمكن العثور عليه في مسرحيات شكسبير التاريخية وروايات البيكاريسك/الشطار في القرن الثامن عشر، ولا توجد قيود مصطنعة للزمان والمكان، ولا توجد حبكات جيدة الصنع، وقد جاءه هذا الإلهام من السينما (تشارلي شابلن، وباستر كيتون، وآيزنشتاين) والرواية الحداثية (جويس ودوس باسوس). ثانيًا، اعتقد برخت أنه لا يمكن لأي نموذج ذي شكل جيد أن يظل ساريًا إلى أجل غير مسمى، حيث لا توجد قوانين جمالية أبدية. للتأثير على الواقع بطريقة حيوية يجب على الكاتب أن يكون على استعداد للاستفادة من كل وسيلة شكلية يمكن تصورها، قديمة كانت أو جديدة: يجب أن نحرص على عدم نسب الواقعية في الرواية إلى شكل تاريخي معين، ينتمي إلى فترة معينة مثل بلزاك أو تولستوي على سبيل المثال وذلك لوضع معايير شكلية وأدبية بحتة للواقعية. ولقد اعدت رغبة لوكاش في تكريس شكل أدبي معين باعتباره النموذج الحقيقي الوحيد للواقعية نوعًا خطيرًا من الشكلانية. وكان برخت أول من يعترف بأنه إذا أصبح تأثير الاغتراب الخاص به صورة نمطية للواقعية فإنه لن يكون فعالا، فإذا قمنا بنسخ أساليب الواقعيين الآخرين فإننا نتوقف عن كوننا واقعيين: فالطرق تبلى، والمحفزات تفشل، وتظهر مشاكل جديدة تتطلب تقنيات جديدة، والواقع يتغير، ولتمثيلها يجب أن تتغير وسائل التمثيل أيضًا. تعبر هذه الملاحظات بوضوح عن وجهة نظر برخت غير الدوغمائية والتجريبية للجماليات. ومع ذلك لا يوجد شيء على الأقل ليبرالي في رفضه للأرثوذكسية/ الجمود. وكان بحثه المضطرب عن طرق جديدة لإخراج الجماهير من سلبيتهم الراضية عن أنفسهم إلى المشاركة النشطة مدفوعًا بالتزام سياسي مخلص لكشف كل تمويه وحيلة جديدة يستخدمه النظام الرأسمالي المخادع.
بينما كان لـــ برخت ولوكاش وجهات نظر متضاربة حول الواقعية رفضت مدرسة فرانكفورت الجماليات الماركسية الواقعية تمامًا، مارس معهد البحوث الاجتماعية في فرانكفورت ما أسماه النظرية النقدية، وهي شكل واسع النطاق من التحليل الاجتماعي المرتكز على الماركسية الهيغلية ويتضمن عناصر فرويدية، وكان من الشخصيات الرائدة في الفلسفة وعلم الجمال (ماكس هوركهايمر، وتيودور أدورنو، وهربرت ماركوز). تم نفي المعهد في عام 1933، وتم نقله إلى نيويورك، لكنه عاد أخيرًا إلى فرانكفورت في عام 1950 تحت قيادة أدورنو وهوركهايمر ولقد نظروا إلى النظام الاجتماعي على الطريقة الهيغلية باعتباره كليًّا تعكس فيه جميع الجوانب نفس الجوهر. وقد تأثر تحليلهم للثقافة الحديثة بتجربة الفاشية التي حققت الهيمنة على كل مستوى من مستويات الوجود الاجتماعي في ألمانيا. وفي أمريكا رأوا صفة أحادية البعد متغلغلة في الثقافة الجماهيرية وتسلل النزعة التجارية في كل جانب من جوانب الحياة.
يحتل الفن والأدب مكانة متميزة في فكر فرانكفورت واقترح ماركيوز، في مبادرة مبكرة في النظرية النقدية، فكرة الثقافة الإيجابية، والتي سعى من خلالها إلى تسجيل الطبيعة الجدلية للثقافة باعتبارها متوافقة في محاولتها الهادئة للإشباع الداخلي ولكنها أيضًا انتقادية بقدر ما تحمل في شكلها ذاته صورة الوجود غير المتضرر. قام ماركوز—في حين يصر دائمًا على القوة السلبية المتعالية لـ البعد الجمالي—بتكييف الالتزام الثوري لشبابه مع الظروف الاجتماعية والثقافية المتغيرة، وبالنسبة للمدافع البارز عن النظرية النقدية، أدورنو، كان الفن—مع الفلسفة—هو المسرح الوحيد لمقاومة الكون المُوجه في القرن العشرين. انتقد أدورنو وجهة نظر لوكاش للواقعية، ويرى بأن الأدب العظيم لا يحتاج إلى معالجة الواقع الاجتماعي بشكل مباشر. من وجهة نظر أدورنو فإن انفصال الفن عن الواقع المهيمن يمنحه أهميته وقوته الخاصة وإن الكتابات الحداثية الطليعية بعيدة بشكل خاص عن الواقع الذي تلمح إليه، وهذا يتيح لها المجال لنقد الاتجاهات المطابقة في عالمها، وفي حين تضطر أشكال الفن الشعبي إلى التواطؤ مع النظام الاقتصادي الذي يشكلها فإن الأعمال المستقلة لديها القدرة على نفي الواقع الذي ترتبط به؛ ولأن النصوص الحداثية تعكس الحياة الداخلية المغتربة للأفراد فقد هاجمها لوكاش باعتبارها تجسيدات منحلة للمجتمع الرأسمالي المتأخر ودليلًا على عجز الكتاب عن تجاوز العوالم الذرية والمجزأة التي تم تجميعهم للعيش فيها. يرى أدورنو أن الفن لا يمكن أن يعكس ببساطة النظام الاجتماعي، لكنه يعمل ضمن هذا الواقع كمهيج ومثير ينتج نوعًا غير مباشر من المعرفة: الفن هو المعرفة السلبية للعالم الفعلي، ويمكن تحقيق ذلك—كما يعتقد—عن طريق كتابة نصوص تجريبية صعبة وليس الأعمال الجدلية أو النقدية المباشرة—وهو الموقف الذي لم يفصله ويبعده عن لوكاش فحسب—بل حكم وجهة نظره حول حدود فن برخت وأفكاره.
ترى مدرسة فرانكفورت أن الأعمال الأدبية لم تطمح إلى التماسك الشكلي والمحتوى التقدمي الذي يقدره لوكاش، لكنها سعت بدلاً من ذلك، من خلال إبعاد الواقع وتغريبه، إلى منع الاستغراق السهل للرؤى الجديدة أو اختيار العمل الفني من قبل مجتمع المستهلكين. يحاول الحداثيون تعطيل وتفتيت صورة الحياة الحديثة بدلاً من السيطرة على آلياتها غير الإنسانية. لم يتمكن لوكاش من رؤية سوى أعراض الانحطاط في هذا النوع من الفن، ولم يتمكن من التعرف على قدرته على الكشف والتغريب عن موقفه العدائي وغير الملتزم. وإن استخدام بروست للمونولوج الداخلي لا يعكس فقط الفردانية المغتربة، بل يدرك حقيقة المجتمع الحديث؛ حيث أصبح الاغتراب جزءًا من الواقع الاجتماعي المباشر. في مقال معقد عن مسرحية نهاية اللعبة لــ صامويل بيكت، يتأمل أدورنو في الطرق التي يستخدم بها بيكت الشكل لاستحضار فراغ الثقافة الحديثة. وعلى الرغم من الكوارث والانحطاطات التي شهدها تاريخ القرن العشرين تشير المسرحية إلى أننا نستمر في التصرف وكأن شيئا لم يتغير. فنحن مستمرون في إيماننا الأحمق بالحقائق القديمة المتعلقة بوحدة الفرد وجوهره أو بمغزى اللغة. تقدم المسرحية شخصيات تمتلك فقط البنى المجوفة للفردية والكليشيهات المجزأة للغة. وإن الانقطاعات السخيفة للخطاب، والتوصيف المختصر، وانعدام الحبكة، كلها تساهم في التأثير الجمالي لإبعاد الواقع الذي تلمح إليه المسرحية، وبالتالي تعطينا معرفة سلبية عن المجتمع الحديث.
اعتقد ماركس أنه استخرج الجوهر العقلاني من الهيكل الغامض لديالكتيك هيغل، وما بقي هو المنهج الجدلي لفهم العمليات الحقيقية للتاريخ البشري، وحيث يتمتع عمل مدرسة فرانكفورت بالكثير من الدقة الهيغلية الأصيلة في الفكر الجدلي، يمكن تلخيص معنى الديالكتيك في تقليد هيغل بأنه التطور الذي ينشأ من حل التناقضات المتأصلة في جانب معين من الواقع، فعلى سبيل المثال تطور فلسفة أدورنو للموسيقى الحديثة تفسيرًا جدليًّا للملحن شوينبيرج. لقد نشأت ثورة الملحن غير المتناغمة في سياق تاريخي يؤدي فيه الاستغلال التجاري المفرط للثقافة إلى تدمير قدرة المستمع على تقدير الوحدة الشكلية للعمل الكلاسيكي. إن الاستغلال التجاري للتقنيات الفنية في السينما والإعلان والموسيقى الشعبية وما إلى ذلك يجبر الملحن على الاستجابة من خلال إنتاج موسيقى ممزقة ومجزأة، يتم فيها إنكار قواعد اللغة الموسيقية النغمية، ويتم قطع كل ملاحظة فردية؛ حيث لا يمكن فهمها من خلال السياق المحيط. ويصف أدورنو محتوى هذه الموسيقى التونالية بلغة التحليل النفسي: النغمات المعزولة بشكل مؤلم تعبر عن نبضات جسدية من اللاوعي، ويرتبط الشكل الجديد بفقد الفرد السيطرة الواعية في المجتمع الحديث. تهرب موسيقى شوينبيرج من الرقابة (العقل) من خلال السماح بالتعبير عن الدوافع العنيفة اللاواعية. ويكتمل الجدل عندما يرتبط هذا النظام الجديد بالمنظمة الشمولية الجديدة للإمبريالية الرأسمالية المتأخرة، والتي تُفقد فيها استقلالية الفرد في نظام السوق الضخم والأحادي. وهذا يعني أن الموسيقى هي في الوقت نفسه تمرد ضد مجتمع أحادي الابعاد، وهي أيضًا أحد أعراض فقدان الحرية الذي لا مفر منه. إن رؤية أدورنو الجدلية لوضع الفنون في ظل الرأسمالية المتأخرة جعلت من عمله تأثيرًا مقنعًا في المناقشات اللاحقة حول فنون ما بعد الحداثة والمجتمع (جيمسون 1991) وكذلك على حركة مثل الجمالية الجديدة، والتي ترى نفسها تتقدم إلى ما هو أبعد من المألوف فيما بعد الحداثة. ويستمر أدورنو في هذه السياقات في خلق الإيمان بـــــ أدب وثقافة يتميزان بـــ التصلب والحسم وشبه الاستقلالية.
كان والتر بنيامين—صديق أدورنو ولكن أيضًا صديق برخت (الذي كان أدورنو يكرهه بسبب مزاجه ووجهة نظره) وزميل لــــ غيرشوم شولم (ذلك التلميذ العظيم للتصوف اليهودي الذي نظر بارتياب إلى تحول رفيقه القديم إلى الفكر المادي)—المفكر الماركسي الأكثر خصوصية في جيله، وكان ارتباطه بمدرسة فرانكفورت عابرًا واعتمد على مجلته للحصول على دخل بسيط؛ لكن كان عليه أيضًا أن يتعامل مع القيود التحريرية التي فرضها أدورنو على أفكاره وكتاباته، مع إن انتقاداته الأكاديمية المبكرة، المخصصة لـــ جوته والدراما الباروكية الألمانية غامضة على نطاق واسع، ومعظم أعماله الصحفية الثقافية غامضة إلى حد مثير. وكان عمل حياته وإنجازه الرئيس هو مشروع الاركيدز/ الأروقة وهو استكشاف رائع للثقافة التجارية الناشئة في باريس، عاصمة القرن التاسع عشر، والذي ظل غير مكتمل عند وفاته (ولكن تم نشره مترجمًا في أواخر التسعينيات). لقد كان من بين أوائل وأفضل المفسرين لـــ مسرح برخت ومنظر مادي جريء عنيد لوسائل الإنتاج الفني الجديدة، ومع ذلك فإن مقالته الأخيرة، "أطروحات حول فلسفة التاريخ"، جمعت بين ماديته الجدلية الماركسية ومصطلح التاريخ مع مصطلح اللاهوت المسيحي. يرى مقال بنيامين الأكثر شهرة، "العمل الفني في عصر إعادة الإخراج الميكانيكي"، بأن الابتكارات التقنية الحديثة (قبل كل شيء التصوير الفوتوغرافي والسينما) قد غيرت بشكل عميق وضع العمل الفني. وكانت للأعمال الفنية هالة مستمدة من تفردها ذات يوم، وكان هذا ينطبق بشكل خاص على الفنون البصرية، ولكنه ينطبق أيضًا على الأدب، وتحطم وسائل الإعلام الجديدة الروح شبه الدينية للعمل الفني الفريد الأصلي (كما لو كان مقدسًا). ويعني استنساخ الأعمال الفنية إلى حد كبير (عن طريق التصوير الفوتوغرافي أو البث الإذاعي) أنها مصممة بالفعل بحيث تكون قابلة للتكرار؛ وفي ظهور السينما نكتشف نسخًا دون أصل هنا—كما يرى بنيامين—كان الأساس الفني لروح جديدة للإنتاج والاستهلاك الفني، روح تفسح فيها الرهبة والاحترام المجال لموقف التحليل والخبرة المريحة؛ حيث الفن الذي لم يعد غارقًا في الطقوس، سوف يصبح منفتحا على السياسة. لقد تم تناول حجج مثل هذه حول الاستدعاءات/القابلية للنسخ وفقدان الأصالة في المناقشات حول ما بعد الحداثة وتوفر تفسيرا ماديًّا لموضوعات التقليد والمحاكاة[5]. أشار أدورنو إلى وجود تفكير بالتمني في مقالة بنيامين، لكن عمل بنيامين لا يزال يتميز بتركيزه الدقيق على التأثير التاريخي والثقافي المتميز للتكنولوجيات الناشئة.
يدور مقال بنيامين وعنوانه "المؤلف بوصفه مُخرجًا" حول سياسات الممارسة الفنية، وقد كُتب بشكل أساسي مع وضع مسرح برخت في الاعتبار، وقد قدم مساهمته المميزة في حينه. هنا يرى بنيامين أنه على الرغم من أن التكنولوجيا الجديدة قد يكون لها إمكانات ثورية إلا أنه لا يوجد ضمان لتأثيرها الثوري. كان الكتاب والفنانون الاشتراكيون بحاجة إلى إدراك هذه الإمكانية في عملهم. يرفض بنيامين هنا أيضًا فكرة أن الفن الثوري يتحقق من خلال الاهتمام بالفكرة المطروحة للنقاش أو الفكر أو الدراسة. (في هذا الصدد، تتعارض وجهات نظره مع الفلسفة الواقعية الصلبة السائدة في ذلك الوقت)، وبدلاً من الاهتمام بمكانة العمل الفني ضمن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في عصره فإنه يطرح السؤال التالي: ما وظيفة العمل/النص ضمن علاقات الإنتاج الأدبي في عصره؟ يحتاج الفنان إلى إحداث ثورة في قوى الإنتاج الفنية في عصره. وهذه مسألة تقنية على الرغم من أن التقنية الصحيحة ستظهر استجابة لمزيج تاريخي معقد من التغييرات الاجتماعية والتقنية.
هناك مفهوم آخر مهم ومؤثر للغاية—وهو مفهوم المتسكع الحضري (عربة الأطفال أو متسوق النوافذ)—مستمد من دراسات بنيامين لشاعر القرن التاسع عشر تشارلز بودلير، والتي شكلت جزءًا من مشروع الممرات[6]. وقد أدخلت التعليقات اللاحقة، التي كتبها جانيت وولف، وإليزابيث ويلسون، وآخرون، الجانب الحيوي للجنس في صورة الأنثى المتسكعة في اعتبارات الحياة الحضرية والهوية في ظل الحداثة. في الدراسات الأدبية كانت فيرجينيا وولف مثالا واضحا. وقد جمعت التعليقات اللاحقة أيضًا هذا الأمر مع الاهتمام بالتقنيات الجديدة مرة أخرى (السينما والإنترنت، انظر فريدبيرج 1994، ودونالد 2005) ومع رؤى حول الجغرافيا النفسية الحضرية المستمدة من الحركة الموقفي
الفرنسية في الستينيات يعتمد كاتب مثل الروائي والصحفي المقيم في لندن إيان سنكلير بشكل انتقائي على هذه المصادر، كما تناولت الاتجاهات النقدية في الجغرافيا الثقافية أو الأدبية (سوجا، 1996؛ دونالد، 1999؛ ثاكر، 2003) وطورت رؤى بنيامين السابقة حول المدينة الحديثة، غالبًا جنبًا إلى جنب مع رؤى ميشيل فوكو على الفضاء والمكان، وفي أماكن أخرى يشهد نشر مراسلات بنيامين وكتاباته الأخرى خلال التسعينيات على الاهتمام المستمر بعمله عبر مجال واسع في العلوم الإنسانية والاجتماعية[7].
جولدمان، ألتوسير، ماشيري
هيمنت البنيوية على الحياة الفكرية في أوروبا خلال الستينيات ولم يكن النقد الماركسي بمنأى عن هذه البيئة الفكرية. يعتقد كل التقليدين[8] أنه لا يمكن فهم الأفراد بمعزل عن وجودهم الاجتماعي، والماركسيون يعتقدون أن الأفراد يؤدون مهاما في النظام الاجتماعي وليسوا وكلاء أو ممثلين أحرارا[9]. كما يرى البنيويون أن الأفعال والأقوال الفردية ليس لها معنى بمعزل عن أنظمة الدلالة التي ولدها، ومع ذلك يميلون إلى اعتبار هذه البنى الأساسية بمثابة أنظمة خالدة ذاتية التنظيم على عكس الماركسيين الذين يرونها تاريخية ومتغيرة ومليئة بالتناقضات.
يرفض لوسيان جولدمان، المنظّر الروماني المقيم في فرنسا، فكرة أن النصوص تنبع من إبداعات فردية عبقرية. وبدلاً من ذلك، يزعم أن هذه النصوص تعتمد على بنى ذهنية جماعية تنتمي إلى مجموعات اجتماعية أو طبقات معينة. ويوضح أن هذه الرؤى العالمية تُبنى وتُفكك باستمرار من قبل المجموعات الاجتماعية، التي تعدّل تصوراتها الذهنية للعالم استجابة للتغيرات في الواقع. وغالباً ما تكون هذه التصورات غير مكتملة أو مشوشة في وعي الأفراد داخل المجتمع، إلا أن الكتاب العظماء يمتلكون القدرة على صياغة هذه الرؤى العالمية بطريقة واضحة ومتناسقة.
يقيم كتاب جولدمان الشهير الإله الخفي الروابط بين مآسي راسين وفلسفة باسكال والحركة الدينية الفرنسية اليانسينية ومجموعة اجتماعية يطلق عليها نبلاء الرداء[10]. فالنظرة الجانسنية[11] للعالم مأساويةٌ؛ حيث ترى الفرد منقسمًا بين عالم خاطئ ميؤوس منه وإله غائب، وتزعم ان الله تخلي عن العالم، لكنه لا يزال يفرض سلطة مطلقة على المؤمنين والموحدين ويتم دفع الفرد إلى العزلة الشديدة والمأساوية. ويعبر النسق الأساسي للعلاقات في مآسي راسين عن المأزق اليانسيني الذي يمكن أن يرتبط بدوره بتراجع دور طبقة النبلاء وهي فئة من موظفي البلاط الذين أصبحوا معزولين وعاجزين بشكل متزايد مع سحب الملك الحاكم بأمره دعمه المالي لهم، ويبدو أن المحتوى الظاهري للمآسي ليس له أي صلة باليانسينية، لكن على المستوى البنيوي الأعمق يشتركان في نفس الشكل: البطل التراجيدي، على مسافة متساوية من الله ومن العالم، وحيد تماما، وبعبارة أخرى فإن العلاقة التعبيرية بين الطبقة الاجتماعية والنص الأدبي لم يتم تسجيلها في المحتوى المنعكس لكن في التوازي في الشكل أو التماثل، ومن خلال مفهوم التماثل كان جولدمان قادرًا على التفكير خارج حدود التقليد الواقعي الدوغمائي (على الرغم من احتفاظه بإعجابه بأعمال لوكاش السابقة) وتطوير مجموعة متنوعة مميزة من التحليل الأدبي والثقافي الماركسي الذي أعطى له أهمية كبيرة اسم البنيوية التوليدية[12].
ويبدو أن عمله الأخير، خاصة نحو علم اجتماع روائي (1964)، يشبه عمل مدرسة فرانكفورت من خلال التركيز على التماثل[13] بين بنية الرواية الحديثة وبنية اقتصاد السوق، ويرى بأنه بحلول عام 1910 تقريبًا كان الانتقال من العصر البطولي للرأسمالية الليبرالية إلى مرحلتها الإمبريالية قد بدأ على قدم وساق، ونتيجة لذلك تراجعت أهمية الفرد في الحياة الاقتصادية بشكل كبير، وأخيرًا في فترة ما بعد عام 1945 أدى تنظيم وإدارة الأنظمة الاقتصادية من قبل الدولة والشركات إلى أقصى تطور لذلك الاتجاه الذي أطلق عليه لوكاش اسم التشيؤ (reification) (ويشير هذا إلى اختزال القيمة مقابل القيمة التبادلية وسيطرة السلع على العالم البشري)، وفي الرواية الكلاسيكية كان للأشياء أهمية فقط فيما يتعلق بالأفراد، لكن في روايات سارتر وكافكا وروب جرييه يبدأ عالم الأشياء في إزاحة الفرد. اعتمدت هذه المرحلة الأخيرة من كتابات جولدمان على نموذج بسيط إلى حد ما من البنية الفوقية والقاعدة، والذي بموجبه تتوافق البنى الأدبية ببساطة مع البنى الاقتصادية. إنه يتجنب تشاؤم مدرسة فرانكفورت لكنه يفتقر إلى رؤاهم الجدلية ذات المغزى.
كان للويس ألتوسير، الفيلسوف الماركسي الفرنسي، تأثير كبير على النظرية الأدبية الماركسية خاصة في فرنسا وبريطانيا، وقد ارتبط عمله بالبنيوية ونظرية ما بعد البنيوية. وقد رفض ألتوسير النهضة الهيغلية داخل الفلسفة الماركسية، ورأى بأن مساهمة ماركس الحقيقية في المعرفة تنبع من انفصاله عن هيجل، وانتقد تفسير هيغل لـ الكلية (totality)، والذي بموجبه يتم التعبير عن جوهر الكل في جميع أجزائه[14]. وقد تجنب ألتوسير مصطلحات مثل النظام الاجتماعي وكلمة النظام، لأنها تشير إلى بنية ذات مركز يحدد شكل جميع انبثاقاته[15]. وبدلا من ذلك يتحدث عن التكوين الاجتماعي الذي يعتبره بنية لامركزية؛ وخلافًا للكائن الحي فإن هذا النسق ليس له مبدأ حاكم ولا بذور منشئة ولا وحدة شاملة. فالآثار المترتبة على هذا الرأي لافتة للنظر. لا يتم التعامل مع العناصر المختلفة (أو المستويات) داخل التكوين الاجتماعي باعتبارها انعكاسات لمستوى أساسي واحد (المستوى الاقتصادي عند الماركسيين): تتمتع المستويات باستقلال نسبي، ولا يتم تحديدها في نهاية المطاف من خلال المستوى الاقتصادي إلا في المثال الأخير (هذه الصيغة المعقدة مستمدة من إنجلز). إن التكوين الاجتماعي هو بناء توجد فيه المستويات المختلفة في علاقات معقدة من التناقض الداخلي والصراع المتبادل؛ فتناقضاتها ليست بسيطة أبدًا، بل مفرطة التحديد بطبيعتها. وبنية التناقضات هذه يمكن أن يهيمن عليها في أي مرحلة معينة مستوى أو آخر، لكن المستوى الذي يجب أن تصل إليه هو في حد ذاته يحدده، في نهاية المطاف، المستوى الاقتصادي، على سبيل المثال، كما لاحظ ماركس نفسه في التشكيلات الاجتماعية الإقطاعية يكون الدين مهيمنًا بنيويًّا لكن هذا لا يعني أن الدين هو جوهر البنية أو مركزها، ويتحدد دوره القيادي في حد ذاته على المستوى الاقتصادي وإن لم يكن (بشكل مباشر).
يرفض ألتوسير التعامل مع الفن باعتباره مجرد شكل من أشكال الأيديولوجية، ففي رسالة في الفن يضع الفن في مكان ما بين الأيديولوجية والمعرفة العلمية. لا يمنحنا العمل الأدبي العظيم فهمًا مفاهيميًّا صحيحًا للواقع، لكنه أيضًا لا يعبر فقط عن أيديولوجية طبقة معينة، وهو يستند إلى حجج إنجلز حول بلزاك، ويعلن أن الفن يجعلنا نرى من بعيد الأيديولوجية التي ولد منها والتي ينغمس فيها والتي ينفصل عنها كفن والتي يلمح إليها. ويعرّف ألتوسير الأيديولوجيا بأنها تمثيل للعلاقة الخيالية بين الأفراد وظروف وجودهم الحقيقية ويساعدنا الوعي الخيالي على فهم العالم لكنه أيضًا يخفي أو يكبت علاقتنا الحقيقية به، فعلى سبيل المثال تعزز أيديولوجية الحرية الإيمان بحرية الجميع، بما في ذلك العمال لكنها تخفي العلاقات الحقيقية للاقتصاد الرأسمالي الليبرالي. وقبول النظام الأيديولوجي المهيمن يتم باعتباره وجهة نظر منطقية للأشياء من قبل الطبقات المهيمنة وبالتالي يتم تأمين مصالح الطبقة المهيمن، ومع ذلك يحقق الفن تراجعًا (مسافة خيالية مستمدة من تكوينه الشكلي) من الأيديولوجية ذاتها التي تغذيه، وبهذه الطريقة يمكن لأي عمل أدبي كبير أن يتجاوز وينتقد الأيديولوجية التي ينغمس فيها رغم ذلك.
كان كتاب نظرية الإنتاج الأدبي (1966) للكاتب بيير ماشيري أول مناقشة ألتوسيرية موسعة للفن والأيديولوجية. فبدلاً من التعامل مع النص باعتباره إبداعًا أو قطعة أثرية قائمة بذاتها فهو يعده إنتاجًا يتم فيه العمل على مواد متباينة ويتم تغييرها في أثناء عملية الكتابة، هذه المواد ليست أدوات مجانية يمكن استخدامها بوعي لتقديم عمل فني محكم موحد، فبغض النظر عن المعايير الجمالية السائدة ونوايا المؤلف فإن النص في توظيفه للمواد المحددة مسبقًا لا يكون أبدًا واعيًا تمامًا لما يفعله. إنه، إذا جاز التعبير، لاوعي—وهي فكرة تم استكشافها في ضوء السرد التاريخي المكبوت للنص في كتاب اللاوعي السياسي (1981) لــ فريدريك جيمسون. في الواقع هذا وصف للطريقة التي تدخل بها الأيديولوجيا إلى النص وتشوهه، حيث تُعاش الإيديولوجية عادة كما لو كانت طبيعية تمامًا وكأن خطابها الخيالي والسائل يعطي تفسيرًا مثاليًّا وموحدًا للواقع وبمجرد دمجها في النص تنكشف جميع تناقضاته وثغراته. وينوي الكاتب الواقعي توحيد جميع عناصر النص لكن العمل ينتج حتمًا بعض الهفوات والإغفالات التي تتوافق مع عدم تماسك الخطاب الأيديولوجي الذي يستخدمه: "لأنه من أجل قول أي شيء هناك وغيرها من الأشياء التي لا يجب أن تقال". فالناقد الأدبي لا يهتم بإظهار كيفية تناسب جميع أجزاء العمل معًا أو الانسجام والتجانس مع أي تناقضات ظاهرة. ومثله مثل المحلل النفسي ينتبه الناقد إلى لاوعي النص، إلى ما هو غير منطوق ومقموع حتما.
كيف يعمل هذا النهج؟ خذ على سبيل المثال رواية مول فلاندرز للروائي دانيل ديفو. ففي أوائل القرن الثامن عشر عملت الإيديولوجية البرجوازية على اذابة وتخفيف التناقضات بين المتطلبات الأخلاقية والاقتصادية؛ أي بين النظرة الإلهية للحياة الإنسانية التي تتطلب تأجيل الإشباع الفوري؛ لتحقيق مكاسب طويلة الأجل وبين الفردية الاقتصادية التي تستنزف كل قيمة من العلاقات الإنسانية وتثبتها في السلع فقط. وقد تم إعداد هذا الخطاب الأيديولوجي للعمل في مول فلاندرز بحيث يتم كشف تناقضاته، فتأثير الشكل الأدبي على الأيديولوجية ينتج عنه التنافر، والاستخدام الأدبي لـــشخصية مول فلاندرز كَرَاْوِّية يتضمن في حد ذاته منظورًا مزدوجًا، فهي تروي قصتها—مستمتعة بما ترويه—بأثر رجعي ومستقبلي: بإنها خاضت تجارب كثيرة كعاهرة ولص ومعلمة أخلاق، وهي تروي تجاربها الخاطئة هذه تحذيرا للآخرين. وقد تم دمج المنظورين بشكل رمزي في حلقة التصورات التجارية الناجحة لمول في فرجينيا؛ حيث أسست مشروعها على المكاسب غير المشروعة التي تم الحفاظ عليها أثناء سجنها في نيوجيت. وهذا النجاح الاقتصادي كان مكافأة لها على التوبة عن حياتها السيئة، بهذه الطريقة يجمّد الشكل الأدبي الخطاب المرن للإيديولوجيا: فمن خلال إعطائه مادة شكلية يُظهر النص العيوب والتناقضات في الأيديولوجيا التي يستخدمها. ولا يقصد الكاتب هذا التأثير؛ لأنه يتم إنتاجه إذا جاز التعبير، بشكل غير واع من خلال النص، ولذلك يسعى الناقد إلى الكشف عن الصدوع والصمت—ما لم يُقال في النص—فيما وصفه ألتوسير بالقراءة المميزة التي تكشف قصور وحدود أيديولوجيته المحددة سلفا.
وفي دراسة لاحقة قصيرة—لكنها كانت مؤثرة للغاية في تلك الفترة—بعنوان في الأدب بوصفه شكلا أيديولوجيا (1978)، كتبها بالاشتراك مع إتيان باليبار ابتعد ماشيري بشكل أكثر جذرية عن المفهوم التقليدي للأدب الذي دافعت عنه مدرسة فرانكفورت ولا يزال ألتوسير مبهورا به جزئيًا. وقد تمت إعادة النظر في ثقافة الأدب باعتبارها ممارسة أساسية داخل نظام التعليم؛ حيث عملت على إعادة إنتاج الهيمنة الطبقية في اللغة، وقد أعطى هذا فكرة مادية موسعة وأكثر اكتمالًا عن الإيديولوجيا للدراسات الأدبية التي تُفهم على أنها تقع في حد ذاتها ضمن نظام التعليم الذي أطلق عليه ألتوسير (1971) اسمًا واحدًا مما يسمى بـ أجهزة الدولة الأيديولوجية.
ويليامز، إيجلتون، جيمسون
هيمنت النظرية الماركسية في الولايات المتحدة على الميراث الهيجلي لمدرسة فرانكفورت، وحملت لواء هذا التقليد مجلة تيلوس وقد تراجع النقد الماركسي في بريطانيا منذ ثلاثينيات القرن العشرين، لكن تم إحياؤه مدفوعًا بـ اضطرابات عام 1968، وما تلاها من تدفق الأفكار القارية، وكانت مجلة اليسار الجديد قناة مهمة لنقل كل ما هو جديد. وشهدت كل دولة ظهور مُنظِّر مهم استجابة لظروفها الفريدة في العمل. أظهر كتاب فريدريك جيمسون الماركسية والشكل (1971) وسجن اللغة (1972) مهارات جدلية جديرة بفيلسوف ماركسي هيغلي، ولقد بني كتاب تيري إيجلتون النقد والأيديولوجية (1976) على الماركسية المناهضة للهيغلية لـــ ألتوسير وماشيري، وقدم نقدًا مثيرًا للإعجاب للتقاليد النقدية البريطانية، وقد أعاد تقييم تطور الرواية الإنجليزية بطريقة جذرية وفي وقت لاحق كان على جيمسون وإيجلتون أن يستجيبا بشكل مبتكر لتحدي ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة.
كان هناك بالطبع حضور متميز بالفعل في العمل الميداني: ريموند ويليامز. بدءًا من إعادة التقييم النقدي للتقليد الإنجليزي الرئيسي للفكر الثقافي النقدي (الثقافة والمجتمع 1780-1950، 1958)، شرع ويليامز في بناء نظري جذري لمجال المعنى الاجتماعي بأكمله—الثقافة باعتبارها طريقة كاملة للحياة. وتم تطوير هذا المنظور العام في دراسات معينة للدراما والرواية والتلفزيون والدلالات التاريخية بالإضافة إلى المزيد من العمل النظري. وقد كان مشروع ويليامز العام—دراسة جميع أشكال الدلالة في ظروف إنتاجها الفعلية—دائمًا تاريخيًّا وماديًّا بشكل مؤكد. وذلك—فقط في عام 1977—مع نشر بيان متطور لموقفه النظري، بدأ يصف عمله بأنه ماركسي (الماركسية والأدب، 1977)، وأهم ما حدد هذا الموقف هو استخدام مفهوم الهيمنة الذي طوره الفيلسوف والناشط السياسي الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891-1937). أوضح ويليامز أن الهيمنة تربط العملية الاجتماعية برمتها ببنى وأنساق السلطة والنفوذ، وبالتالي بأنماط الهيمنة والتبعية والمعارضة. لقد تجاوزت العمليةَ الرسمية للأيديولوجية وتجاوزت فكرة السيطرة الاجتماعية باعتبارها تلاعبًا أو تلقينًا لرؤية علاقات السلطة على أنها في الواقع تشبع لعائدات الحياة بأكملها، وأنها تعمل عن طريق الموافقة وعلى هذا العمق الذي يجعل إن النظام المهيمن للمجتمع الطبقي يمر على أنه الفطرة السليمة والطريقة التي تسير بها الأمور. وكما يقول ويليامز فإن الهيمنة تشكل إحساسًا بالواقع بالنسبة لمعظم الناس في المجتمع. . .. "ثقافة"، ولكنها ثقافة يجب أن يُنظر إليها على أنها الهيمنة المباشرة والتبعية لطبقات معينة. وضع هذا التفكير ويليامز بشكل حاسم في التقليد الماركسي، وإن كان في تقليد يرفض المفاهيم المجردة والمحددة للأيديولوجية والمادية. وفي الواقع كان قد رفض منذ فترة طويلة العقيدة الشيوعية التي كانت سائدة في أيام دراسته، إن الصياغات القوية والمميزة التي طورها لاحقًا، كانت على مسافة بعيدة من المبادئ الماركسية المتاحة في كتاباته السابقة، وكانت تفسر أحيانًا من قبل جيل أصغر من الماركسيين على أنها علامة على الضعف النظري والسياسي، وهذا يفسر جزئيًّا حقيقة أن تيري إيجلتون أطلق تعليقه الخاص؛ فالتدخل النظري ليس مجرد رفض للتقليد الليفيسي السائد (Leavisian)، بل هو نقد ثوري لمعلمه السابق ويليامز. وكان على إيجلتون أن يراجع هذا الرأي لاحقًا، وبشكل أكثر وضوحًا في وقت وفاة ويليامز عام 1988 (إيجلتون، 1989). في هذه المرحلة كانت مكانة ويليامز الفريدة كمثقف يساري في الثقافة البريطانية وتأثيره على الدراسات الأدبية والثقافية واضحة—وقد تم تلخيصها بشكل فعال في مجموعة مقالات نشرت بعد وفاته بعنوان موارد الأمل (1989)، ربما كانت مساهمته الأكاديمية الرئيسة هي المساعدة في العثور على نمط التحليل التاريخي المسيس والمسمى المادية الثقافية والتي تظهر في الأشكال المعتمدة في الدراسات الثقافية البريطانية بشكل خاص وبشكل بارز في العمل. وقام ستيوارت هول في دراساته للثقافة الشعبية بتطوير فكرة غرامشي عن الهيمنة، الموضحة أعلاه، وتمييز ويليامز بين الأوجه المهيمنة والمتبقية والناشئة من الثقافة (وليامز، 1977).
في كتابه النقد والأيديولوجية، يرى إيجلتون، مثل ألتوسير بأنه يجب على النقد أن ينفصل عن العصور الأيديولوجية لما قبل التاريخ ويصبح علمًا، فالمشكلة المركزية هي تحديد العلاقة بين الأدب والأيديولوجية؛ لأنه يرى أن النصوص لا تعكس الواقع التاريخي، بل تعمل على الأيديولوجية لإنتاج تأثير "واقعي" وقد يبدو النص حرا في علاقته بالواقع—يستطيع أن يخترع الشخصيات والمواقف حسب رغبته—لكنه ليس حرا في استخدامه للإيديولوجيا. ولا تشير الأيديولوجية هنا إلى المذاهب المصاغة، بل إلى جميع أنظمة التمثيل الجمالية والدينية والقضائية وغيرها التي تشكل الصورة الذهنية للفرد عن التجربة المعيشية، فالمعاني والتصورات المنتجة في النص هي إعادة صياغة عمل الأيديولوجية للواقع، وهذا يعني أن النص يعمل على الواقع بطريقة مزدوجة، ويواصل إيجلتون تعميق النظرية من خلال فحص الطبقات المعقدة للأيديولوجية بدءًا من أشكالها المشكوك فيها عامة وحتى أيديولوجية النص نفسه، وهو يرفض وجهة نظر ألتوسير بأن الأدب يمكن أن ينأى بنفسه عن الأيديولوجيا؛ إنه إعادة صياغة معقدة للخطابات الأيديولوجية الموجودة بالفعل. ومع ذلك وفقًا لـــ ماشيري، فإن النتيجة الأدبية ليست مجرد انعكاس للخطابات الأيديولوجية الأخرى، بل هي إنتاج خاص للأيديولوجية؛ ولهذا السبب لا يهتم النقد بقوانين الشكل الأدبي أو نظرية الأيديولوجيا فحسب، بل بــــ قوانين إنتاج الخطابات الأيديولوجية بوصفها أدبا.
يقوم إيجلتون بدراسة سلسلة من الروايات بداية من جورج إليوت إلى دي. إتش. لورانس من أجل إظهار العلاقات المتبادلة بين الأيديولوجية والشكل الأدبي. ويرى بأن الأيديولوجية البرجوازية في القرن التاسع عشر مزجت النفعية العقيمة مع سلسلة من المفاهيم العضوية[16] للمجتمع—المستمدة بشكل رئيس من التقليد الإنساني الرومانسي—عندما أصبحت الرأسمالية الفيكتورية أكثر مؤسسية فقد احتاجت إلى الدعم من خلال العضوية الاجتماعية[17] والجمالية المتعاطفة للتقليد الرومانسي. ويدرس إيجلتون الوضع الأيديولوجي لكل كاتب، ويحلل التناقضات التي تتطور في تفكيرهم، ويقدم محاولات لحل التناقضات في كتاباتهم. فعلى سبيل المثال يرى أن لورانس تأثر بالنزعة الإنسانية الرومانسية في اعتقاده بأن الرواية تعكس سيولة الحياة بشكل غير عقائدي، وأن المجتمع أيضًا هو نظام عضوي مثالي مقابل المجتمع الرأسمالي الغريب في إنجلترا الحديثة، فبعد تدمير النزعة الإنسانية الليبرالية في الحرب العالمية الأولى طور لورنس نمطًا ثنائيًّا من المبادئ الأنثوية والذكورية. وتم تطوير هذا التناقض وإعادة خلطه في المراحل المختلفة من عمله، وتم حله أخيرًا في توصيف ميلورز عشيق الليدي تشاتيرلي، الذي يجمع بين القوة الذكورية غير الشخصية والحنان الأنثوي. هذا المزيج المتناقض الذي يتخذ أشكالا مختلفة في الروايات يمكن ربطه بــ أزمة أيديولوجية عميقة داخل المجتمع المعاصر.
أدى تأثير الفكر—ما بعد البنيوية—إلى إحداث تغيير جذري في أعمال إيجلتون في أواخر السبعينيات؛ حيث تحول اهتمامه من الموقف العلمي لألتوسير إلى الفكر الثوري لـــ برخت وبنيامين، وكان لهذا التحول أثر في إعادة إيجلتون نحو النظرية الثورية الماركسية الكلاسيكية في أطروحات فيورباخ (1845): إن مسألة ما إذا كان من الممكن أن تعزى الحقيقة الموضوعية إلى التفكير البشري ليست مسألة نظرية ولكنها مسألة عملية. . . . لقد فسر الفلاسفة العالم بطرق مختلفة فقط، والنقطة المهمة هنا هي تغييره. ويعتقد إيجلتون أن النظريات التفكيكية، كما طورها (جان جاك دريدا وبول دي مان وآخرون)، يمكن استخدامها لتقويض كل اليقينيات وجميع أشكال المعرفة الثابتة والمطلقة. ومن ناحية أخرى فهو ينتقد التفكيكية بسبب إنكارها الموضوعية والمصالح المادية الخاصة بالطبقة المتوسطة الدنيا بما في ذلك أصحاب المتاجر الصغيرة والحرفيين بشكل خاص، ويمكن فهم وجهة النظر المتناقضة ظاهريًّا إذا لاحظنا أن إيجلتون كان يتبنى الآن وجهة نظر (لينين) وليس وجهة نظر ألتوسير: فالنظرية الصحيحة تتخذ شكلًا نهائيًّا فقط في ارتباط وثيق بالنشاط العملي لحركة جماهيرية وثورية حقًا. فمهام النقد الماركسي تحددها الآن السياسة وليس الفلسفة: يجب على الناقد أن يفكك المفاهيم الموروثة عن الأدب ويكشف عن دورها الأيديولوجي في تشكيل ذاتية القراء. وباعتباره اشتراكيًّا يجب على الناقد فضح البنى والأنساق البلاغية التي تنتج من خلالها الأعمال غير الاشتراكية تأثيرات غير مرغوب فيها سياسيًّا وأيضًا "تفسير مثل هذه الأعمال حيثما أمكن ذلك ضد التيار؛ بحيث تعمل من أجل الاشتراكية.
كان كتاب إيجلتون الرئيس في هذه المرحلة هو والتر بنيامين أو نحو نقد ثوري (1981). لقد تمت قراءة التزمت المادي الغريب والمضاد لتيار بنيامين من أجل إنتاج نقد يتسم بالثورية، وتتضمن رؤيته للتاريخ استيعابًا راديكاليا للآثار الخاصة أو الخفية المترتبة على دراسة التاريخ الذي يكون دائمًا مهددًا ومحجبًا بالذاكرة الرجعية والقمعية. وعندما تأتي اللحظة السياسية المناسبة يمكن استدعاء صوتا من الماضي وتخصيصه لغرضه الحقيقي، فمسرحيات برخت التي أعجب بها بنيامين، غالبًا ما تعيد قراءة التاريخ بطريقة مختلفة، محطمة طريقة السرد الصلبة للتاريخ نهائيًّا وفاتحة الماضي لإعادة كتابته. فعلى سبيل المثال تمت إعادة كتابة مسرحية كوريولانوس لشكسبير وأوبرا جاي المتسول من أجل الكشف عن معانيها الاشتراكية المحتملة، (أصر برخت بشكل مميز على أننا يجب أن نذهب إلى ما هو أبعد من مجرد التعاطف مع بطل شكسبير الذي يحترم ذاته، ويجب ألا نكون قادرين على تقدير مأساة كوريولانوس فحسب، بل أيضًا على وجه التحديد تقدير العوام). يشيد إيجلتون بمقاربة برخت الجذرية والانتهازية للمعنى: قد يكون العمل واقعيًّا في يونيو وغير واقعي في ديسمبر[18]. يلمح إيجلتون بشكل متكرر إلى كتاب بيري أندرسون اعتبارات حول الماركسية الغربية (1976)؛ حيث يوضح كيف أن تطور النظرية الماركسية يعكس دائمًا حالة نضال الطبقة العاملة. ويعتقد إيجلتون، على سبيل المثال، أن النقد السلبي للغاية الذي وجهته مدرسة فرانكفورت للثقافة الحديثة كان رد فعل أولًا على الهيمنة الفاشية في أوروبا، ثم على الرأسمالية المنتشرة في الولايات المتحدة، لكنه كان أيضًا نتيجة لسياسة المدرسة[19] التي تكمن في الانفصال النظري والعملي عن الحركة العمالية، ومع ذلك فإن ما يجعل نقد إيجلتون الثوري حديثًا بشكل مميز هو استخدامه الجيد لنظريات لاكان الفرويدية والفلسفة التفكيكية القوية لــ جاك دريدا. فكتابه اغتصاب كلاريسا (1982)، وهو إعادة قراءة لرواية ريتشاردسون المستوحاة سياسيًّا من كل من الاشتراكية والنسوية يجسد قوة هذه الاستراتيجية النقدية المنقحة. ويستمر عمل إيجلتون في التطور والتغيير؛ حيث يشير كتاب إيديولوجية الأستطيقا (1990) إلى الأحداث الماضية الفرانكفورتية وليس الباريسية، وتتم مراجعة ثقافة علم الجمال في أوروبا في مرحلة ما بعد التنوير بشكل جدلي، ويُنظر إليها على أنها عامل ملزم في تشكيل الذاتية البرجوازية الطبيعية، وكناقل للرغبة التخريبية التي لا يمكن كبتها، وأحد الأعمال الرئيسة في السنوات الأخيرة، والذي افتتح ثلاثية من الأعمال حول الأدب والثقافة الفكرية والسياسية المرتبطة به في أيرلندا، كان هيثكليف والجوع العظيم (1995)، ومن بين موضوعات أخرى يعود إيجلتون هنا إلى مرتفعات وذرنج لـــ إميلي برونتي والتي يضعها في سياق المجاعة الأيرلندية، ويعيد التركيز مرة أخرى على اهتمام سابق، وينظر في وضع المنفيين الأيرلنديين ولا سيما أوسكار وايلد وجورج برنارد شو. أعقب هيثكليف والجوع العظيم كتاب جون المجنون والأسقف ومقالات أخرى عن الثقافة الأيرلندية (1998) وعلماء ومتمردون: الفكر الثقافي الأيرلندي من بيرك إلى ييتس (1999)، وكلاهما يجمع بين اكتساح ثقافي وتاريخي واسع مع إعادة اكتشاف الكتاب والمفكرين المهملين ومن بينهم العلماء والمتمردون، مجتمع الرجال المحترفين (بما في ذلك ويليام وايلد وتشارلز ليفر وشيريدان لو فانو) المتمركز في مجلة جامعة دبلن والمرتبط بحركة أيرلندا الشابة. ويمكن وصف الثلاثية بأنها مثال مستدام على المادية الثقافية. وعلى هذا النحو إلى جانب أعمال أخرى—على سبيل المثال فكرة الثقافة (2000) والعنف الجميل: فكرة المأساوية (2002)—فإنه يعبر عن دين إيجلتون المعلن منذ أواخر الثمانينيات لــ ريموند ويليامز ولتقاليد الماركسية الغربية بينما يؤكد انتماءه السياسي الجديد لقضية المعارضة الأيرلندية المناهضة للاستعمار. لقد تضافر كلا الاتجاهين في العودة إلى الوطن إلى الحياة التي عاشها بين ديري ودبلن ومانشستر؛ حيث كان إيجلتون منذ عام 2001 أستاذًا للنظرية الثقافية. ظهرت سلسلة أخرى من الكتابات ذات الصلة في رواية القديسون والعلماء (1987) وفي سيناريو فيلم ديريك جارمان فيتجنشتاين (1993) وفي المسرحيات التليفزيونية والإذاعية القديس أوسكار والأبيض، والذهب والغرغرينا (1997)، جلبت هذه الأعمال الفنية في حد ذاتها اتساعًا جديدا وبراعة بالإضافة إلى روح الدعابة اللاذعة لمشروع إيجلتون الثقافي في عصر ينفصل فيه العمل الأكاديمي عن الفن، والسخرية قد وصلت إلى نهايتها. وإذا كانت الكتابة بهذا الوضع معلقة مؤقتًا—على الرغم من أن السيرة الذاتية غير المتوقعة حارس البوابة (2003) تحافظ بالتأكيد على الكوميديا—فإن أحد الأهداف المشتركة التي تتماسك حولها الأعمال بشكل متزايد هو الاهتمام المباشر بالدور السياسي للمثقف والقيمة الدائمة للمثقف في التقاليد المخالفة في التقاليد الفلسفية والأدبية الغربية. وقد دفع هذا إيجلتون إلى التحدث علنًا وبشكل منتظم ضد ادعاءات ما بعد الحداثة التافهة، وفي إحدى الحالات البارزة ضد الظلامية المخترقة لنظرية ما بعد الاستعمار لـــ غاياتري سبيفاك في استعراض عام 1999 لـــمقالة "سوبر ماركت غاودي" الصادرة في كتابها نقد العقل ما بعد الاستعماري. يستمر كتابه ما بعد النظرية (2003) في نفس السياق الاستفزازي والأصيل والملتزم بشدة.
وفي أميركا؛ حيث تعرضت الحركة العمالية للفساد جزئيًّا وتم استبعادها كليًّا من السلطة السياسية، فإن ظهور أحد المنظرين الماركسيين الرئيسيين يشكل حدثا مهًّا. من ناحية أخرى إذا أخذنا في الاعتبار وجهة نظر إيجلتون حول مدرسة فرانكفورت والمجتمع الأمريكي فليس من دون أهمية أن أعمال فريدريك جيمسون تأثرت بشدة بتلك المدرسة. وفي كتابه الماركسية والشكل (1971) يستكشف الجانب الجدلي للنظريات الماركسية في الأدب، وبعد سلسلة جيدة من الدراسات (أدورنو، وبنيامين، وماركوز، وبلوخ، ولوكاش، وسارتر) يقدم الخطوط العريضة لــــ النقد الجدلي. يعتقد جيمسون أنه في عالم ما بعد الصناعة للرأسمالية الاحتكارية فإن النوع الوحيد من الماركسية الذي له أي تأثير على الوضع هو الماركسية التي تستكشف الموضوعات العظيمة لفلسفة هيغل—علاقة الجزء بالكل، والتعارض بين الملموس والمجرد، ومفهوم الكلية، وجدلية المظهر والجوهر، والتفاعل بين الذات والموضوع، فبالنسبة للفكر الجدلي لا توجد أشياء ثابتة وغير متغيرة؛ فالشيء/الموضوع يرتبط ارتباطًا وثيقًا بشيء أكبر منه، ويرتبط أيضًا بعقل مفكر هو في حد ذاته جزء من موقف تاريخي محدد، فالنقد الجدلي لا يعزل الأعمال الأدبية الفردية من أجل التحليل؛ لأن الفرد دائمًا ما يكون جزءًا من نسق أكبر (تقليد أو حركة) أو جزء من موقف تاريخي معين. ليس لدى الناقد الجدلي فئات محددة مسبقًا لتطبيقها على الأدب، ويكون دائمًا على دراية بأن الفئات التي اختارها (الأسلوب، الشخصية، الصورة، وما إلى ذلك) يجب أن تُفهم في نهاية المطاف باعتبارها جانبًا من جوانب الوضع التاريخي للناقد. يوضح جيمسون أن كتاب واين بوث بلاغة الخيال (1961) يفتقر إلى الوعي الذاتي الجدلي المناسب؛ حيث يتبنى بوث مفهوم وجهة النظر في الرواية وهو مفهوم حديث للغاية في نسبيته الضمنية ورفضه لأي وجهة نظر ثابتة أو مطلقة أو معيار للحكم. ومع ذلك ومن خلال الدفاع عن وجهة النظر المحددة التي يمثلها المؤلف الضمني يحاول بوث استعادة ثوابت رواية القرن التاسع عشر وهي خطوة تعكس الحنين إلى فترة من الاستقرار الأكبر للطبقة الوسطى في نظام طبقي منظم. إن النقد الديالكتيكي الماركسي يعترف دائما بالأصول التاريخية لمفاهيمه ولن يسمح أبدا للمفاهيم بأن تتحجر وتصبح غير متوافقة وحساسة لضغوط الواقع. فإنه لا يمكننا أبدًا الخروج من وجودنا الذاتي في الوقت المناسب، ولكن يمكننا أن نحاول اختراق القشرة المتصلبة لأفكارنا إلى فهم أكثر وضوحًا للواقع نفسه.
يسعى النقد الجدلي إلى تعرية الشكل الداخلي للنوع الأدبي أو مجموعة النصوص والانتقال من سطح العمل إلى الداخل وصولا إلى المستوى الذي يرتبط فيه الشكل الأدبي ارتباطًا وثيقًا بالملموس، وبأخذ (همنغواي) كمثال له، يؤكد جيمسون أن التقسيم والتصنيف المهيمن للخبرات في الروايات هي عملية الكتابة نفسها. واكتشف ان همنغواي يستطيع إنتاج نوع معين من الجملة المجردة/العارية التي يمكن أن تفعل شيئين بشكل جيد: الإشارة إلى البيئة المادية والإشارة إلى توتر الاستياء بين الناس (على سبيل المثال: "جلسوا إلى طاولة ونظرت الفتاة عبر التلال". على الجانب الجاف من الوادي نظر الرجل إليها وإلى الطاولة"، من "تلال مثل الفيلة البيضاء"، في رجال بلا نساء، 1928). وترتبط مهارة الكتابة المتحققة من الناحية المفاهيمية بالمهارات الإنسانية الأخرى التي يتم التعبير عنها فيما يتعلق بالعالم الطبيعي (وخاصة الرياضة الدموية). وتعكس عبادةُ الفحولة التي يعشقها همنغواي المثالَ الأمريكي للمهارة الفنية، لكنها ترفض الظروف المنعزلة للمجتمع الصناعي من خلال نقل المهارة البشرية إلى مجال الترفيه. لا يمكن لجمل همنغواي البسيطة أن تصل إلى النسيج المعقد للمجتمع الأمريكي؛ يرى جيمسون بأن جمل همنغواي المبسطة تفتقر إلى العمق اللازم لالتقاط تعقيدات المجتمع الأمريكي. ولذلك فإن تركز رواياته على الثقافات الأجنبية حيث يتم تصوير الأفراد بوضوح يشبه الأشياء النظيفة[20]، مما يسمح لهم بالتناسب مع أسلوب همنغواي المختصر. وبهذه الطريقة يوضح جيمسون كيف يرتبط الشكل الأدبي بعمق بالواقع الملموس.
يحتفظ كتابه اللاوعي السياسي (1981) بالمفهوم الديالكتيكي السابق للنظرية ولكنه يستوعب أيضًا العديد من التقاليد الفكرية المتضاربة (البنيوية، ما بعد البنيوية، فرويد، ألتوسير، أدورنو) في بنية ماركسية مثيرة للإعجاب ويسهل التعرف عليها. ويرى جيمسون أن حالة المجتمع البشري المجزأة والمغتربة تنطوي على حالة أصلية من المشاعية البدائية؛ حيث كانت الحياة والإدراك جماعيين. عندما عانت البشرية من نوع ما من سقوط بلاكين، أنشأت الغريزة البشرية نفسها مجالات أكثر تخصصية. فالرسام يعامل البصر باعتباره حاسة متخصصة، ومن ثم فلوحاته تعد أحد أعراض الاغتراب، ومع ذلك فهي أيضًا تعويض عن فقدان عالم الكمال التام: فهي توفر اللون في عالم عديم اللون.
جميع الأيديولوجيات هي استراتيجيات الاحتواء التي تسمح للمجتمع بتقديم تفسير لنفسه؛ حيث يقمع التناقضات الكامنة في التاريخ. فالتاريخ نفسه (الحقيقة الغاشمة للضرورة الاقتصادية) هو الذي يفرض استراتيجية القمع هذه. تعمل النصوص الأدبية بنفس الطريقة: الحلول التي تقدمها هي مجرد أعراض لقمع التاريخ. يستخدم جيمسون بذكاء النظرية البنيوية لـ ايه. جي. جريماس مستطيل السيميائية بوصفه أداة تحليلية لأغراضه الخاصة. وتقدم استراتيجيات الاحتواء النصية نفسها كنماذج رسمية، ويوفر نظام جريماس البنيوي جردًا كاملاً للعلاقات الإنسانية المحتملة (الجنسية والقانونية وما إلى ذلك) مما يسمح للناقد بالكشف عن المسكوت عنه في النص—في إشارة لـــ بيير ماشيري (1978؛ 99). فهذا الذي لم يُقال/المسكوت عنه هو، بالنسبة لـــ جيمسون، التاريخ المكبوت.
طور جيمسون أيضًا حوارا قويا حول السرد والتفسير، ويعتقد أن السرد ليس مجرد شكل أو أسلوب أدبي؛ بل تصنيف معرفي أساسي. فالواقع لا يقدم نفسه للعقل البشري إلا على شكل قصص، وحتى النظرية العلمية هي شكل من أشكال القصة، وعلاوة على ذلك فإن جميع الروايات تحتاج إلى تفسير. هنا يجيب جيمسون على زعم ما بعد البنيوية الشائع ضد التفسير المتعالي. ويهاجم دولوز وغواتاري (في "ضد أوديب") كل التفسيرات المتعالية، ويسمحان فقط بالتفسير المحايث—تجنب فرض معنى متطرف على النص. ثم يحاول التأويل المتعالي السيطرةَ على النص، وبذلك يُفقر تعقيده الحقيقي. ويأخذ جيمسون بمهارة مثال النقد الجديد (وهو نهج جوهري معلن) ويظهر أنه في الواقع متعالي ورمزه الرئيس هو الإنسانية. ويخلص إلى أن جميع التفسيرات هي بالضرورة متعالية وأيديولوجية، وفي النهاية كل ما يمكننا فعله هو استخدام المفاهيم الأيديولوجية كوسيلة لتجاوز الأيديولوجية.
يأخذ اللاوعي السياسي عند جيمسون من فرويد المفهوم الأساسي للقمع لكنه يرفعه من المستوى الفردي إلى المستوى الجماعي. وظيفة الأيديولوجيا هي قمع الثورة. لا يحتاج الظالمون إلى هذا اللاوعي السياسي فحسب؛ بل يحتاجه أيضًا المضطهدون الذين سيجدون وجودهم لا يطاق إذا لم يتم قمع الثورة. لتحليل رواية نحتاج إلى إثبات وجود علة غائبة اللاثورة. يقترح جيمسون منهجًا نقديًا يشتمل على ثلاثة آفاق (مستوى التحليل المحايث/الذاتي باستخدام غريماس على سبيل المثال ومستوى تحليل الخطاب الاجتماعي ومستوى بالغ الأهمية من القراءة التاريخية). يعتمد الأفق الثالث للقراءة على إعادة تفكير جيمسون المعقدة في النماذج الماركسية للمجتمع. بشكل عام فهو يقبل وجهة نظر (ألتوسير) حول الكلية الاجتماعية باعتبارها بنية لا مركزية تتطور فيها مستويات مختلفة في استقلال نسبي وتعمل على نطاقات زمنية مختلفة (التعايش بين النطاقات الزمنية الإقطاعية والرأسمالية على سبيل المثال). إن هذه البنية المعقدة لأنماط الإنتاج المتعارضة والبعيدة عن المألوف هي التاريخ غير المتجانس الذي ينعكس في عدم تجانس النصوص. جيمسون هنا يرد على ما بعد البنيويين الذين يريدون إلغاء التمييز بين النص والواقع من خلال التعامل مع الواقع نفسه على أنه مجرد نص. ويبين أن التباين النصي لا يمكن فهمه إلا من حيث صلته بالتباين الاجتماعي والثقافي خارج النص، وفي هذا فإنه يوفر مساحة للتحليل الماركسي.
إن قراءته لرواية لورد جيم لـــ جوزيف كونراد تظهر أن كل نوع من أنواع التفسير المختلفة (الانطباعية، والفرويدية، والوجودية، وما إلى ذلك) التي تم تطبيقها على النص تعبر عن شيء ما في النص، ويعكس كل نمط من أنماط التفسير بدوره تطورًا داخل المجتمع الحديث يخدم احتياجات رأس المال، فعلى سبيل المثال تتجسد الانطباعية في شخصية ستاين الرأسمالي المحب للجمال، خاصة الفنون والذي يعد شغفه بجمع الفراشات—كما يرى جيمسون—رمزًا لاختيار كونراد العاطفي للانطباعية—الدعوة إلى التقاط جوهر الوجود الحي وإخراجه من سياقه التاريخي للحفاظ عليه إلى الأبد في عالم السرد. ويتشكل هذا النهج السردي للتاريخ من خلال الأيديولوجية والطبيعة الفاضلة، إنه يقمع الماضي بينما يتخيل مستقبلًا مثاليًّا.
يسلط فهم جيمسون الإبستمولوجي القوي للسرد الضوءَ على الدافع السياسي لما يظل أهم أعماله حتى الآن، وهو ما بعد الحداثة أو المنطق الثقافي للرأسمالية المتأخرة (1991)، ويؤكد أن ما بعد الحداثة ليست مجرد خيار أسلوبي، بل هي الثقافة السائدة في عصرنا. ويرى بأن ما بعد الحداثة التي تعمل جنبًا إلى جنب مع آليات السوق العالمية في عصر الرأسمالية المتأخرة تتغلغل بالكامل في كل جانب من جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. ويحدد هذا التأثير المنتشر على المستوى الأساسي فهمنا للعالم الحديث. ويبدو وبالأخص فيما يتعلق بالاستراتيجية التي يسميها رسم الخرائط المعرفية (المشتقة جزئيًّا من الجغرافيا الحضرية الحرجة[21] والتي تم تقديمها في مناقشة مشهورة في فندق بونافنتورا في لوس أنجلوس) من أجل الفهم والنقد والتجاوز الضروريين للنظام الرأسمالي العالمي. وهكذا فإن الثقافة السياسية التربوية التي من شأنها أن تمنح الفرد بعض الإحساس المتزايد بمكانته في النظام العالمي وتجدد قدرتنا على العمل والنضال سوف تعتمد على فن سياسي جديد ملتزم بـ رسم الخرائط المعرفية العالمية. ولكن في الوقت نفسه وفي ظل التوتر الذي أصبح سمة مميزة تفكيره، فيفكر جيمسون بكآبة بعد حوالي عشر صفحات في المسألة المستحيلة المتمثلة في طبيعة الفن السياسي. لا يوجد أي تقدم أو تحرك للأمام، فقط العزاء هو أن التفكير في هذه الاستحالة قد لا يكون أسوأ طريقة لتحديد الوقت، والمعنى الضمني هو أن الفضاء العالمي لرأس المال المتعدد الجنسيات لا يمكن تحجيمه في الحقيقة.
يظل الاكتساح الشجاع لأعمال جيمسون في هذا المجلد وغيره من الدراسات عبر مجالات النظرية والأدب والفن والسينما والهندسة المعمارية ووسائل الإعلام مصدر إلهام، لكن النتيجة من الناحية السياسية هي الماركسية المتأخرة المرنة ولكن المتشائمة والمدينة لهيجل وإلى ثيودور أدورنو (جيمسون، 1991) الذي يفتقر إلى قوة اجتماعية مقنعة للتغيير. وهكذا فإن الطوباوية السياسية والإيمان بالتفكير الجدلي الواضح في الكتابات السابقة قد تضاءلت إلى وجهة النظر القائلة بأننا في الوقت الحاضر نستطيع في أفضل الأحوال معرفة ما هو مستحيل؛ لأننا نشعر بالهدوء والاستقرار داخل الرأسمالية العالمية. وكما قال مؤخرًا في رده على النهضة المعاصرة لمفهوم الحداثة والحداثات البديلة التي تهدف إلى الاعتراف بالاختلافات الثقافية فإن المعنى الأساسي للحداثة هو معنى الرأسمالية العالمية نفسها. إن التوحيد الذي تنادي به العولمة الرأسمالية في هذه المرحلة الثالثة أو المتأخرة من النظام يلقي بظلال من الشك على كل هذه الآمال الورعة للتنوع الثقافي في عالم مستقبلي يستعمره نظام السوق العالمي.
في سياق هذا الفصل أشرنا إلى الماركسية البنيوية، وتم اعتبار الكتابات الاقتصادية لـــ كارل ماركس نفسها كتابات بنيوية في الأساس، ومع ذلك تجدر الإشارة إلى أن الاختلافات بين النظريات الماركسية والبنيوية أكبر بكثير من أوجه التشابه. وبالنسبة للماركسية فإن الأساس النهائي لنظرياتها هو الوجود المادي والتاريخي للمجتمعات البشرية؛ في حين أن الأساس الأخير بالنسبة للبنيويين هو طبيعة اللغة، والنظريات الماركسية تدور حول التغيرات التاريخية والصراعات التي تنشأ في المجتمع وتظهر بشكل غير مباشر في الشكل الأدبي، فإن البنيوية تدرس الأنساق الداخلية للأنظمة في التركيز النصي الذي يعلق سياقها وظروفها التاريخية.
أستاذ بجامعة بور سعيد
الهوامش
[1] قد صدرت ترجمة الأستاذ الدكتور جابر عصفور لهذا الفصل عام 1998، وقد اعتمد على طبعة 1985، من تأليف رامان سيلدن، الطبعة الثانية، والصادرة عن (Harvester Wheatsheaf) (ص 24-50)، وقد اختزل العنوان إلى النظرية الأدبية المعاصرة. والترجمة التي بين أيديكم تعتمد على الطبعة الخامسة الصادرة عن دار لونجمان عام 2005، ومن تأليف كل من: رامان سلدن، وبيتر ويدوسون، وبيتر بروكر، ص: 82-113).
[2] تشير عبارة "الرومانسية الثورية" للمدرسة السوفيتية إلى الحركة الفنية والثقافية التي ظهرت في السنوات الأولى للاتحاد السوفيتي، خاصة خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين. تميزت هذه الحركة بالتركيز على الموضوعات البطولية والثورية، وتمجيد الدولة السوفيتية وقادتها ونضال البروليتاريا في كثير من الأحيان. كان الهدف من الفن والأدب والسينما التي تم إنتاجها خلال هذا الوقت هو إلهام وتعزيز مُثُل الاشتراكية والشيوعية. ومع ذلك، فإن العبارة "لا شيء يمكن أن يكون أبعد عن" الرومانسية الثورية "للمدرسة السوفيتية، التي أرادت إبراز صورة بطولية" تشير إلى الابتعاد عن هذا النهج الفني والثقافي المحدد. أحد التفسيرات المحتملة لهذا البيان هو أنه كان هناك تحول في التعبير الفني بعيدًا عن الصور البطولية المثالية للمدرسة السوفيتية. قد يعكس هذا التحول منظورًا أكثر انتقادًا أو دقة للتاريخ والأيديولوجية السوفييتية. في السنوات اللاحقة، خاصة بعد وفاة ستالين وخلال فترة ذوبان خروتشوف في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، كانت هناك حركة نحو تصوير أكثر واقعية وأحيانًا انتقادية للحياة السوفيتية. بدأ الفنانون والكتاب في استكشاف موضوعات مثل الصراعات اليومية والعلاقات الشخصية وتعقيدات المجتمع السوفيتي. هذا الابتعاد عن "الرومانسية الثورية" يمكن أن يشير أيضًا إلى ظهور أشكال فنية أكثر طليعية وتجريبية لا تتوافق مع الأسلوب البطولي والدعائي التقليدي. على سبيل المثال، أنشأ فنانون مثل إيليا كاباكوف آليات وتقنيات تنتقد المجتمع السوفييتي بدلاً من تمجيده. بالإضافة إلى ذلك، قد يشير البيان إلى خيبة الأمل التي شعر بها العديد من المواطنين السوفييت لأن حقائق الحياة السوفييتية انحرفت عن الصور المثالية التي تروج لها الدولة. يمكن أن تنعكس خيبة الأمل هذه في الفن الذي انحرف عن التصوير البطولي للمدرسة السوفييتية. باختصار، تشير العبارة إلى الابتعاد عن الفن المثالي والبطولي والدعائي للمدرسة السوفيتية نحو تعبيرات أكثر انتقادية وواقعية، وأحيانًا طليعية تعكس المشهد الاجتماعي والسياسي المتغير للاتحاد السوفيتي (المترجم).
[3] في نظريات الشكلانية الروسية والمسرح البرختي، تشير عبارة حجب الأداة إلى الطريقة التي تكشف بها بعض الأعمال أو تسلط الضوء على الوسائل (اللغوية أو المسرحية) التي تؤثر من خلالها علينا بدلا من إخفائها. وبهذه الطريقة، يمكن أن يعلم الجمهور كيفية عمل العرض السحري، وبالتالي فإن النظرة الخاطفة خلف الستار ليست أقل روعة من السحر على المسرح؛ ويمكن أن يؤدي هذا الوصول إلى زيادة إثارة القارئ ومشاركته (المترجم).
[4] (identification) التوجه النفسي للذات فيما يتعلق بشيء ما (مثل شخص أو مجموعة) مع الشعور الناتج عن الارتباط العاطفي الوثيق . . . عملية غير واعية إلى حد كبير حيث يقوم الفرد بنمذجة أفكاره ومشاعره وأفعاله بعد تلك المنسوبة إلى كائن تم دمجه كصورة ذهنية (المترجم).
[5] يميل البعض إلى استخدام التقليد (imitation) عندما نعني أن الشخص (أو المخلوق) يتظاهر بأنه يشبه الآخر في الشكل أو الكلام. وهناك من يميل إلى استخدام المحاكاة (simulation) عندما نقوم بإنشاء نموذج يمثل شيئًا ما، وعادة ما يكون شيئًا أكثر تجريدًا. هذا النموذج عادة ما يكون شيئا آخر(المترجم).
[6] مشروع الممرات هو عمل غير مكتمل للفيلسوف الألماني اليهودي (والتر بنيامين)، كتبه بين عامي 1927 و1940. كان من المفترض أن يكون استكشافًا طموحًا ومترامي الأطراف للحياة الباريسية في القرن التاسع عشر من خلال عدسة أروقة التسوق، التي كانت رائدة مراكز التسوق الحديثة. فيما يلي ملخص للأفكار والمواضيع الرئيسية في هذا الكتاب: المادية التاريخية: تأثر (بنيامين) بشدة بالفكر الماركسي وخاصة المادية التاريخية. لقد أراد تحليل الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لباريس خلال القرن التاسع عشر حيث رأى أروقة المدينة كنموذج مصغر لهذا السياق الأكبر. عربة الأطفال أو متسوق النوافذ: يقدم (بنيامين) مفهوم عربة الأطفال الحضرية الخاملة التي تتجول في شوارع المدينة وتراقب الحياة الحديثة. المتسكع هو شخصية عصرية، شخص منعزل، ولكنه ملتزم، ويقدم منظورًا فريدًا للمدينة وسكانها. باريس والأروقة: ركز (بنيامين) على باريس لأنها كانت عاصمة الحداثة في القرن التاسع عشر، حيث شهدت التصنيع والتحضر السريع. تمثل الأروقة، ببنيتها المتاهة ومزيجها من المحلات التجارية والمقاهي والمساحات الأخرى، هذه التجربة الحضرية الحديثة. التجزئة والكولاج: بدلاً من تقديم سردت خطيا، فإن عمل بنيامين عبارة عن مجموعة من الأجزاء والملاحظات والاقتباسات من مصادر مختلفة. كان ينوي خلق صورة جدلية للماضي، من خلال تجميع هذه الأجزاء معًا للكشف عن الروابط والتناقضات الخفية. عالم السلع الأحلام: اكتشف (بنيامين) كيف كانت الأروقة مليئة بالسلع، مما خلق جوًا يشبه الحلم من الاستهلاك. وقد بحث في الآثار النفسية والاجتماعية لهذه الثقافة الاستهلاكية، ودرس كيفية تشكيلها للأفراد والمجتمع. التكنولوجيا والحداثة: ناقش (بنيامين) أيضًا دور التكنولوجيا في الحياة الحديثة، ولا سيما تأثير الأشكال الجديدة من وسائل النقل والاتصالات. وكانت الأروقة هي الأماكن التي تم فيها عرض هذه التطورات التكنولوجية، مما أثر على كيفية تجربة الناس للزمان والمكان. الذاكرة التاريخية: طوال العمل، اهتم (بنيامين) بالعلاقة بين التاريخ والذاكرة. لقد رأى بأن التاريخ ليس تقدمًا خطيًا، بل سلسلة من التمزقات والانقطاعات. جسدت الأروقة، بمزيجها من الماضي والحاضر، فكرة التاريخ كظاهرة معقدة ومتعددة الطبقات. العمل غير المكتمل: لسوء الحظ، لم يكمل (بنيامين) "مشروع الممرات" مطلقًا خلال حياته بسبب انتحاره على الحدود الفرنسية الإسبانية عام 1940. ومع ذلك، كان للأجزاء والملاحظات التي تركها وراءه تأثير في مجالات مثل الدراسات الثقافية وعلم الاجتماع الحضري والنظرية الأدبية، حيث قدمت منظورًا فريدًا للحداثة وتعقيداتها (المترجم).
[7][7] (Situational) الاعتقاد بأن الناس يتأثرون بالعوامل الخارجية والظرفية أكثر من العوامل الداخلية (المترجم).
[8] البنيوية التوليدية لـــ (لوسيان جولدمان) والماركسية (المترجم).
[9] رياضي محترف (مثل لاعب البيسبول) وله الحرية في التفاوض على عقد مع أي فريق (المترجم).
[10] نوبليس دي روب (بالفرنسية: نبلاء الرداء)، في فرنسا في القرنين السابع عشر والثامن عشر، فئة من النبلاء (بالوراثة) الذين اكتسبوا رتبهم من خلال شغل مناصب حكومية رفيعة. اسمهم مشتق من الجلباب الذي يرتديه المسؤولون. كانت هذه الطبقة موجودة بالفعل بحلول نهاية القرن السادس عشر، ولكن في القرن السابع عشر فقط اكتسب أعضاؤها الحق في نقل المكانة النبيلة إلى ورثتهم. كانت فترة الأربعينيات والخمسينيات من القرن السابع عشر محورية في تطور رداء النبلاء. في محاولة للمساومة على الدعم السياسي خلال فترة لويس الرابع عشر المضطربة، منح التاج مواثيق النبالة التفصيلية للمسؤولين القضائيين. وكان على رأس هذه الطبقة المتميزة المنشأة حديثاً موظفو المحاكم السيادية مثل برلمان باريس. بسبب خلفيتهم البرجوازية، كانت عائلات نوبلس دي روب في البداية موضع ازدراء من قبل النبلاء الذين استمدوا رتبهم من الخدمة العسكرية ومن الحيازة الطويلة الأمد. أصبح التمييز بين الأرستقراطيات القديمة والجديدة، بين السيف والرداء، غير واضح تدريجيًا خلال القرن الثامن عشر حيث عملت المجموعتان على الدفاع عن الامتيازات ضد محاولات الإصلاح من قبل الملك. والواقع أن طبقة النبلاء هي التي أخذت زمام المبادرة في معارضة الإصلاح، بسبب ثروتها، ومكانتها الاجتماعية الصاعدة، وسيطرتها على المناصب الرسمية (المترجم).
[11] اليانسينية (Jansenism)، في تاريخ الروم الكاثوليك، هي حركة دينية مثيرة للجدل في القرنين السابع عشر والثامن عشر نشأت من المشكلة اللاهوتية المتمثلة في التوفيق بين النعمة الإلهية وحرية الإنسان. ظهرت اليانسينية بشكل رئيسي في فرنسا، حيث أصبحت مرتبطة بالنضال ضد البابوية من قبل أنصار الغاليكانية (Gallicanism)—وهي نظرية سياسية تدعو إلى تقييد السلطة البابوية—ومع معارضة الحكم المطلق الملكي. كان المبادر الرئيسي للحركة هو (كورنيليوس أوتو يانسن)، وهو عالم لاهوت في جامعة لوفان (لوفان) ثم أسقف إيبرس لاحقًا. نُشرت آراء (يانسن) بعد وفاته عام 1640 في كتابه "أوغسطينوس"، وهو عبارة عن أطروحة تدافع عن لاهوت القديس أوغسطينوس هيبو (354-430) وتهاجم بعض التعاليم والممارسات المرتبطة بشكل خاص بالنظام اليسوعي. ادعى يانسن وأتباعه أنه في معارضتهم لمذاهب النعمة التي حددها مارتن لوثر (1483-1546) وجون كالفين (1509-1564)، أخطأ دعاة الإصلاح الديني المضاد في الاتجاه الآخر، مؤكدين على مسؤولية الإنسان على حساب المبادرة الإلهية وبالتالي العودة إلى هرطقة البيلاجيانية (Pelagianism) في القرن الخامس—التعليم القائل بأن الإنسانية جيدة بشكل أساسي ويمكنها تحقيق الخلاص دون مساعدة إلهية. في مواجهة هذه الميول البيلاجية المزعومة، شدد يانسن على الضرر الذي لحق بالطبيعة البشرية بسبب الخطيئة الأصلية—الفساد الفطري للبشرية بسبب السقوط البدائي واقتضاء نعمة الله للخلاص—وقوة الشهوة؛ وعظموا قوة النعمة التي أتاحها المسيح الفادي والتي هي الوسيلة الوحيدة لإعادة البشرية إلى الحرية الحقيقية؛ ودعم حجج أوغسطينوس فيما يتعلق بضرورة النعمة لأي عمل صالح، وفعالية النعمة المعصومة من الخطأ، والطابع التعسفي المطلق للأقدار. تماشيًا مع هذه النظرة المتشائمة للطبيعة البشرية والحرية كانت هناك وجهات نظر متشددة حول أسرار التوبة والتناول المقدس والقضايا الأخلاقية التي اتخذتها الجانسينية. باختصار، نظام عقائدي قائم على الحتمية الأخلاقية، دافعت عنه مختلف الفصائل الإصلاحية بين رجال الدين والمتدينين والعلماء الكاثوليك في أوروبا الغربية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وأدانته السلطة البابوية باعتباره هرطقة (المترجم).
[12] Genetic structuralism (المترجم).
[13] (homology) حالة وجود نفس العلاقة أو الموقف النسبي أو البنية (المترجم).
[14] غالبًا ما يدور انتقاد تفسير هيجل لـ الكلية حول مفهوم الجوهرية وكيف يتجلى في فلسفة هيجل. إن فلسفة هيجل متجذرة بعمق في فكرة المطلق أو الكل. من وجهة نظره، كل ما هو موجود هو جزء من هذا المطلق، وكل جزء يعكس جوهر الكل. وهذا يعني أن كل شيء أو فكرة تحتوي في داخلها على جوهر الواقع بأكمله. يرتبط هذا المفهوم ارتباطًا وثيقًا بأسلوبه الجدلي، حيث يتم حل التناقضات داخل الأفكار في وحدة أعلى. يرى النقاد بأن وجهة نظر هيغل يمكن أن تؤدي إلى شكل من أشكال الاختزال، حيث يتضاءل تعقيد وتفرد الكيانات أو المفاهيم الفردية. من خلال التأكيد على أن كل شيء يعكس جوهر الكل، هناك خطر التغاضي عن الخصائص والصفات المحددة التي تجعل كل شيء مميزًا. ويمكن النظر إلى هذا على أنه تبسيط مبالغ فيه لثراء الواقع. فيما يتعلق بالاختزالية، يشير النقاد إلى أن وجهة نظر هيجل تهمل فردية الأشياء أو الأشخاص أو المفاهيم. إذا كان كل شيء مجرد مظهر للمطلق، فما الذي يجعل شيئًا مختلفًا عن الآخر؟ ويمكن النظر إلى هذا على أنه فقدان للخصوصية والتفرد الذي يعتبره العديد من الفلاسفة ضروريين لفهم الواقع. يمكن أيضًا انتقاد نظام هيجل بسبب طبيعته الساكنة والجامدة. ومن خلال الادعاء بأن جوهر الكل يتم التعبير عنه في جميع أجزائه، فليس هناك مجال كبير للتطور أو التغيير أو التطور. إنه يقدم وجهة نظر شمولية حيث يتم حساب كل شيء بالفعل ضمن المطلق، مما قد يؤدي إلى خنق الطبيعة الديناميكية للواقع. يرى النقاد أنه من خلال استهداف هيغل لحل التناقضات في وحدة أعلى، قد يتجاهل هيغل الدور المؤثر الذي تلعبه التناقضات. غالبًا ما يُنظر إلى التناقضات على أنها مصادر للإبداع والتغيير، وتدفع عجلة التنمية والتقدم. يمكن النظر إلى تركيز هيجل على حل التناقضات في بنية متماسكة، على أنه يحد من إمكانية ظهور أفكار وتطورات جديدة. باختصار، غالبًا ما يدور انتقاد تفسير هيغل لـ الكلية حول المخاوف بشأن الإفراط في التبسيط، وفقدان الفردية، والنظرة الجامدة للواقع، واحتمال التغاضي عن الدور المؤثر للتناقضات. يرى النقاد بأنه في حين أن نظام هيجل يقدم رؤية موحدة وكبيرة للعالم، إلا أنه قد يأتي على حساب الفروق الدقيقة والتعقيد والتنوع النابض بالحياة للكيانات والمفاهيم الفردية (المترجم).
[15] انتشار العالم من خلال سلسلة من الترتيبات/التعليمات السماوية الهرمية من خلال مراحل متوسطة إلى الأحداث/الظروف (المترجم).
[16] أي من النظريات المختلفة التي تنسب إلى المجتمع أو الكون ككل وجود أو خصائص مماثلة لتلك الموجودة في الكائن الحيوي (المترجم).
[17] شرح الحياة والمعيشة من حيث مستويات تنظيم النظم الحية وليس من حيث خصائص أصغر مكوناتها (المترجم).
[18] إن مدح إيجلتون لنهج برخت للمعنى يسلط الضوء على الطبيعة الديناميكية والمعتمدة على السياق للتفسير الفني. من خلال القول بأن العمل قد يكون واقعيًا في يونيو وغير واقعي في ديسمبر، يؤكد إيجلتون على موقف برخت الثوري بشأن سيولة المعنى داخل الإبداعات الفنية. في هذا البيان، الواقعي مشروط بظروف ووجهات نظر الجمهور أو السياق الاجتماعي والسياسي الأوسع. عندما يشير إيجلتون إلى أن العمل واقعي في يونيو، فربما يشير إلى أنه خلال فترات معينة أو في ظل ظروف معينة، قد يفسر الجمهور العمل على أنه يعكس تمثيلًا صادقًا للواقع. قد يكون هذا بسبب توافق موضوعات العمل أو شخصياته أو إعداداته مع الأعراف الاجتماعية أو القيم أو تجارب الجمهور في ذلك الوقت. على العكس من ذلك، فإن ذكر إيجلتون للعمل بأنه غير واقعي في ديسمبر يشير إلى أن نفس القطعة الفنية يمكن أن يُنظر إليها بشكل مختلف في سياق أو إطار زمني آخر. ربما تغير المناخ الاجتماعي والسياسي في ديسمبر/كانون الأول، مما دفع الجمهور إلى النظر إلى العمل باعتباره خروجًا عن الواقعية التقليدية أو تقديم نقد للأيديولوجيات السائدة أو بنى السلطة. إن منهج برخت للمعنى، كما أشاد به إيجلتون، يحتضن هذه السيولة ويعترف بإمكانية تطور التفسير مع مرور الوقت. كان برخت نفسه معروفًا باستخدامه لتقنيات مثل "الاغتراب"، والتي تهدف إلى تعطيل الأشكال التقليدية للتمثيل وحث الجماهير على الانخراط النقدي في القضايا الاجتماعية والسياسية الأساسية التي يصورها في أعماله (المترجم).
[19] مجموعة من الأشخاص الذين لديهم عقيدة مشتركة أو يتبعون نفس المعلم (كما في الفلسفة أو اللاهوت أو الطب) (المترجم).
[20] أن جيمسون يعني أن موضوعات الثقافات الأجنبية، مثل مصارعة الثيران أو الصيد، نظيفة بمعنى أنها ليست مغمورة أو ملونة بالواقع الرأسمالي للمصفوفة الاجتماعية الصناعية الأمريكية، التي تناسب أسلوب هيمنجواي التلغرافي المجرد (د. هاني حلمي- جامعة طنطا).
[21] كونها حالة أو قياسًا أو نقطة تعاني فيها بعض الجودة أو الخاصية أو الظاهرة من تغيير محدد (المترجم).