رحل الشهر الماضي، عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي إدغار موران، عن عمر يناهز 104 أعوام ويُعد الراحل، الذي وُلد في عشرينيات القرن الماضي بالعاصمة الفرنسية باريس، أحد أبرز المفكرين والمثقفين في القرن العشرين. وقد ترك المفكر الفرنسي، المحسوب سياسيا على تيار اليسار، إرثا أكاديميا يضم حوالي أربعين مؤلفا، من أبرزها كتاب "المنهج" الذي تُرجم على نطاق واسع في العالم الغربي. واشتهر موران بتطوير ما يُعرف بـ "فكر التعقيد"، حيث سعى كمنظر للمعرفة إلى إزالة الحواجز بين العلوم لفهم الإنسان والعالم المعاصر بشكل أفضل.

وفاة عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي إدغار موران

 

توفي يوم الجمعة، 29 ماي، عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي إدغار موران، عن عمر يناهز 104 أعوام. ويُعد الراحل، الذي وُلد في 8 يوليو 1921 بالعاصمة الفرنسية باريس، أحد أبرز المفكرين والمثقفين في القرن العشرين.

وترك المفكر الفرنسي، المحسوب سياسيا على تيار اليسار، إرثا أكاديميا يضم حوالي أربعين مؤلفا، من أبرزها كتاب "المنهج" الذي تُرجم على نطاق واسع في العالم الغربي. واشتهر موران بتطوير ما يُعرف بـ "فكر التعقيد"، حيث سعى كمنظر للمعرفة إلى إزالة الحواجز بين العلوم لفهم الإنسان والعالم المعاصر بشكل أفضل. وحافظ الراحل على إنتاج أدبي مكثف، إذ واصل نشر عدة كتب سنويا حتى بعد تجاوزه سن المائة.

وبقي الفيلسوف، رغم تقدمه الكبير في السن، حاضرا على الساحة الإعلامية حيث كثف من مقالاته وتدخلاته الإعلامية . واستمر موران في إجراء مقابلات إعلامية متكررة لتحليل الأزمات المعاصرة، على غرار جائحة كورونا.

وعلى صعيد علاقاته بالمملكة المغربية والقارة الإفريقية، وشح جلالة الملك محمد السادس إدغار موران بوسام الكفاءة الفكرية في عام 2014. وفي أحدث تدخلاته بالمغرب، حيث حل كضيف شرف في المهرجان الإفريقي للكتاب بمراكش (FLAM)  لعام 2024، و أشار موران إلى وجود تقارب بين فلسفته والثقافات الإفريقية، مصرحا بالقول: "في العالم الإفريقي، نشعر بتلقائية أن الأهم هو ربط الأشياء ببعضها البعض ورؤية كيف تتداخل في الواقع، بينما يعلمنا التعليم الغربي فصل المعرفة إلى تخصصات معزولة".

وتلقى الراحل تعليما جامعيا شمل تخصصات التاريخ، وعلم الاجتماع، والاقتصاد، والقانون، والفلسفة. وفي مساره المهني، عُين موران مديرا للأبحاث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS) عام 1970، كما شارك في تأسيس مركز دولي للأنثروبولوجيا، والذي تحول لاحقا إلى "مركز رويومون لعلوم الإنسان". وقد نال الفيلسوف الفرنسي صفة دكتور فخري في العديد من الجامعات حول العالم.

وإلى جانب مسيرته الأكاديمية، انخرط إدغار موران، وهو من أصول يهودية سفاردية، في أحداث سياسية وتاريخية بارزة، حيث انضم في شبابه لحركة 'الطلاب الجبهويين' المناهضة للفاشية. وخلال الحرب العالمية الثانية، انخرط الفيلسوف الراحل في صفوف المقاومة الفرنسية السرية وتقارب مع الحزب الشيوعي، كما ناضل بفعالية في الحركة الوطنية لأسرى الحرب والمبعدين إلى جانب فرانسوا ميتران.

ويعد إدغار موران، أحد آخر المفكرين الفرنسيين العظماء، عالم الاجتماع والفيلسوف إدغار موران، أحد أبرز الشخصيات الفكرية في فرنسا، ويعد موران عملاقا فكريا، ذا ميول سياسية يسارية، وله مؤلفات متنوعة، ذاع صيتها في فرنسا وخارجها، والتي خالفت علم الاجتماع التقليدي، إذ تم تقديمها كدراسة معمقة للطبيعة البشرية استنادا إلى بيانات علمية.

قالت زوجته صباح أبو السلام موران لوكالة الصحافة الفرنسية يوم السبت، "حتى أيامه الأخيرة، بقي إدغار موران منصتا للعالم وللآخرين وللقضايا الإنسانية الكبرى التي غذت فكره. اليوم، الفراغ الذي يتركه هائل، لكن شجاعته ووفاءه للبشر وللأفكار، وصرامته الأخلاقية، وأمله، تظل ترافقنا".  ولد إدغار ناحوم في باريس يوم 8 يوليو/تموز 1921، طفلا وحيدا لعائلة يهودية سفاردية قادمة من سالونيك اليونانية.

كسرت طفولته المبكرة وفاة أمه وهو في العاشرة، وفي ذلك الجرح المبكر سيجد لاحقا جزءا من حساسيته العميقة تجاه الفقد والموت والاقتلاع. حين اجتاح النازيون فرنسا، التحق الشاب بالمقاومة وانضم إلى الحزب الشيوعي الفرنسي عام 1941، واتخذ في السرية اسما مستعارا هو "موران" الذي سيحمله إلى النهاية.

ولم يكن الاسم خيارا، بل صدفة؛ روى موران أن رفيقة قدمته إلى رفاقه باسم "موران" بدل "مانين" الذي اختاره تيمنا بشخصية من رواية لأندريه مالرو، فقبل الخطأ وصار موران بدل ناحوم. من تلك التجربة خرج بإيمان عميق بأن الفكر إذا انفصل عن محن البشر صار ترفا. نشر موران أول كتبه "السنة صفر لألمانيا" عام 1946 وهو في الخامسة والعشرين، ثم عمل في الصحافة، والتحق بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (سي إن آر إس CNRS) عام 1950، حيث صار مدير أبحاث بين عامي 1970 و1993 قبل أن يمنح صفة المدير الفخري.

لكن الحدث الذي طبع مساره كان طرده من الحزب الشيوعي عام 1951، وهي التجربة التي رواها في كتابه "النقد الذاتي" (1959)، كاشفا أوجه العمى التي وقع فيها تجاه الستالينية. من تلك الخيبة ولد حذره الدائم من العقائد المغلقة وإيمانه بضرورة النقد الذاتي المستمر. وتندرج أعمال موران كلها في خانة التنبيه الاستباقي ومحاولة إصلاح الإنسان بتعقب أخطائه التي قد تدفع به نحو نهايته.

وفي كتاباته عن أزمة الحداثة، توقف موران عند مفهوم "الهمجية" أو البربرية، متناولا كوارثها عبر التاريخ الغربي كله وليس فقط خلال النظامين الاستبداديين الكبيرين اللذين سيطرا على القرن العشرين (الهتلرية والستالينية) كما فعل غيره، ويجادل بأن "الهمجية الغربية" ليست نتاجا للعنف والدمار فقط، ولكنها أيضا نتيجة لنزع الصفة الإنسانية والاغتراب اللذين يميزان الحداثة بما في ذلك مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة والتكنولوجيا.

وتناول المفكر الراحل وجوه "الهمجية" العديدة من التعصب الديني إلى الاستعمار إلى الشمولية ويشرح كيف تشابكت هذه الأشكال المختلفة من الهمجية مع بعضها بعضا ومع الاتجاهات التاريخية الأوسع. وفي كتابه "إلى أين يسير العالم؟" اعتبر موران أن التقدم لا يعني نفع الإنسانية، مدللا باستغلال الدول الكبرى التقنية الحديثة لصالحها، وعدم قضاء الإنسان على الوحشية، وتنبأ في كتابه بأن تاريخ العالم لن يتوقف عن العنف والصدمات، معتبرا أننا لا نزال نعيش قيم العصر الحديدي.

كان موران، المؤرخ والفيلسوف والعالم في آن واحد، يحاول كسر الحدود الفاصلة بين التخصصات. هذا المسعى تبلور في مشروعه الضخم "المنهج" (La Méthode)، ستة مجلدات كتبها بين 1977 و2004، حاول فيها أن يصل ما لا يوصل عادة بين قارات المعرفة. في الجزء الخامس كتب جملته الشهيرة "كلما ازداد ما نعرفه عن الإنسان، قل ما نفهمه. إن الانقسامات بين التخصصات تفتته، وتفرغه من الحياة واللحم والتعقيد".

فكرة "الفكر المركب" (pensée complexe)، أي رفض الاختزال وربط المعارف بدل تفتيتها، جعلت منه ما سماه الفرنسيون "المفكر الكوكبي". وفي هذا تحديدا يشبه موسوعيي الحضارة العربية الإسلامية كابن سينا والغزالي، الذين جمعوا في عقل واحد الطب والفلسفة والمنطق والتصوف قبل أن يفصل العصر الحديث بين الحقول.

استقبل القارئ العربي موران مترجما عبر عقود، فالمترجم المغربي يوسف تيبس نقل موسوعة "المنهج" كاملة إلى العربية بنصيحة من موران نفسه، فبدأ بالجزأين الثالث والرابع ("معرفة المعرفة" و"الأفكار")، ثم الجزء الخامس "إنسانية الإنسانية" والسادس "الأخلاق"، عائدا إلى الأول "طبيعة الطبيعة".

كما ترجم كتابه "تربية المستقبل" الذي ألفه بطلب من اليونسكو، ونشرت ترجمته العربية دار توبقال المغربية، فيما نقل عالم الاجتماع التونسي الراحل المنصف وناس كتابه "العقل المحكم" الذي صدر عن معهد تونس للترجمة. وفي نوفمبر 2023 دعا موران لاتخاذ موقف و"عدم نسيان القضايا العادلة"، مشيرا إلى أنه يتخذ موقفا يتمثل في القلق الإنساني تجاه أولئك الذين يعانون "وفي الوقت الحالي هم في غزة"، وذلك ضمن حوار "المكتبة الكبرى" الذي يقدمه الصحفي والناقد الأدبي الفرنسي الشهير أوغسطين ترابينارد.

وأضاف الفيلسوف –مؤلف كتاب "ثقافة أوروبا وبربريتها"- أن الأمر ربما لا يكون سهلا، "ففي الواقع ليس الجميع ضد الحرب، وهناك أوقات يجرفنا فيها التيار، ويطلب منا أن نختار جانبا ونتخذ موقفا، أنا أتخذ موقفا من قلق الإنسان". وفي تقرير آخر نشرته الجزيرة نت مترجما عن نص لموران في "لوموند" (Le Monde)، حذر من عصر تبلغ فيه "القوة المطلقة والعجز البشري" ذروتهما، وكتب بنبرة شعرية "هذا الفكر البشري القادر على صنع أكثر الآلات تعقيدا غير قادر على خلق أبسط يعسوب".

كان موقف موران من القضية الفلسطينية من أكثر مواقفه إثارة للجدل، وأكثرها كلفة في الوسط الفرنسي.

باعتباره يهوديا سفارديا ومقاوما سابقا للنازية، كان يدرك عمق الجرح اليهودي في القرن العشرين، لكنه رفض أن يتحول هذا الجرح إلى ذريعة لإدامة ظلم شعب آخر. يوم 4 يونيو/حزيران 2002 وقع مع سامي ناير ودانييل سالناف مقالا في "لوموند" بعنوان "إسرائيل-فلسطين: السرطان"، جاء في نصه الفرنسي حرفيا "اليهود الذين كانوا ضحايا نظام لا يرحم يفرضون نظامهم الذي لا يرحم على الفلسطينيين. اليهود ضحايا اللاإنسانية يظهرون لاإنسانية رهيبة".

وقد أدانته محكمة استئناف فرساي يوم 27 مايو/أيار 2005 بتهمة "التشهير العنصري"، قبل أن تبطل محكمة النقض الفرنسية الإدانة وتعتبر أن المقال يندرج ضمن حرية التعبير. وخلال تلك القضية وصف بأنه "يهودي يكره نفسه"، لكنه حظي بدعم أكاديمي وفكري واسع، وكان من أنصار قضيته ممثلة فلسطين السابقة في باريس ليلى شهيد. ظل موران وفيا لهذا الموقف حتى أيامه الأخيرة. مع حرب غزة، شارك – وهو يقارب 103 أعوام – في الاحتجاج، وعبر عن استنكاره للمجازر، متسائلا كيف أمكن لمن تعرضوا لأفظع أشكال الاضطهاد أن يصبحوا هم من يمارسون القمع.

حاز جائزة ابن خلدون "لتشجيع الدراسات والبحوث في العلوم الإنسانية والاجتماعية" بتونس عام 2015.

ونال موران تكريمات لا تحصى بينها الدكتوراه الفخرية من 38 جامعة أجنبية وفق وكالة الصحافة الفرنسية، وميدالية اليونسكو الذهبية عام 2001، ثم رقي إلى "أرفع درجات" وسام جوقة الشرف (الصليب الأكبر) ضمن ترقية 14 يوليو/تموز 2021 بمناسبة عيده المئة.

وأكدت الرئاسة الفرنسية، أن "هذا التكريم الوطني يأتي احتفاءً بحياة ومسيرة فيلسوف وكاتب ومقاوم وعالم اجتماع من العصر الراهن". وأضافت الرئاسة أن إدغار موران، بصفته مفكراً فريداً عابراً للتخصصات، قد "جسّد لملايين الفرنسيين نموذج المثقف الإنساني الملتزم بالسلام، والحوار بين الشعوب، والدفاع عن القانون الدولي، والمثل الأوروبي، والقضية البيئية". كما أكّد الرئيس الفرنسي ماكرون نبأ وفاته، واصفاً إياه في منشورٍ على منصة "اكس" بأنه "جنديٌ من جنود المقاومة، ومقاتلٌ وروحٌ حرة، ومدافعٌ عن الطبيعة والإنسانية"، كما أشار إليه بكونه "تجسيداً للإنسانية".

لقد أضفى عليه انخراطه في خضم أكثر لحظات القرن الماضي اضطراباً مصداقيةً لا يُضاهيها شيء. وكتبت صحيفة "ليبراسيون" في ملفٍ صحفي نُشر بمناسبة عيد ميلاده المئة في عام 2021: "إنه الجدّ لجميع الفرنسيين، وذاكرةُ القرن الماضي". وخلال فترة احتلال القوات الألمانية والإيطالية لفرنسا إبان الحرب العالمية الثانية، اضطلع بدور فاعل في المقاومة الفرنسية؛ ففي تلك الفترة، تخلّى عن اسم عائلته اليهودي واتخذ الاسم الحركي "موران". وقد عُدَّ موران واحداً من أكثر المفكرين الفرنسيين المعاصرين تأثيراً؛ إذ شغل منصب مدير فخري في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، وفي مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية في باريس.

انتقد موران بشدة معاملة اسرائيل للفلسطينيين في مقال له نُشر عام 2002. وبناءً على ما جاء في نص هذا المقال، أُدين موران بتهمة معاداة السامية. غير أن محكمة النقض برّأته لاحقاً. وخلال إجراءات المحاكمة التي كال له فيها متطرفون يهود الشتائم واصفين إياه بـ "اليهودي الكاره لذاته" حظي بتضامن واسع النطاق من قِبَل العديد من المفكرين والعلماء.

شغف موران امتد إلى الثقافة العربية وكان له ارتباط خاص بثقافة المملكة المغربية وكذلك ارتباط عاطفي تكلل بعلاقة زواج مع الكاتبة والباحثة المغربية صباح أبو السلام والتي كانت إحدى المهتمات بفكره ومؤلفاته. فقد التقيا عام 2009 في مهرجان فاس للموسيقى الروحية. وقد  لقبت زوجته بـ "حارسة الفكر" حيث أنشأت "مؤسسة إدغار موران" عام 2020 بهدف حماية إرث المفكر ونشر أفكاره ونظرته حول الإنسانية والتعقيد والحوار الإنساني والتعايش بين الثقافات.

 

(وكالات)