جُبل المصرى على الموت، فبنى الأهرامات وظلت شاهدا على فكره ورؤيته. وتسرب الجين فى عروق المصريين، حتى جاء هذا المبدع فجمع بين الموت والقصة القصيرة فكانت روايته تعبيرا عن الذات وعن المجتمع، لتمثل الأدب فى أجل معانيه، إلا أنه لم يقل ذلك مباشرة، وإنما ترك الكثير لفطنة القارئ، كى يستنبط ما يود قوله.

سباعية العابر (رواية العدد)

حسـام المقـدم

 

                إلى "محمد صالح البحر".. إنسانًا ومُبدعًا.

***

(يخرج المسافر في سفر

فماذا يحمل معه؟

أُغنيةً يحمل..

لكن يا ضيفي العزيز،

الأغاني المدهشة عندنا

لا حصر لها في الجبال.

لكن لا بأس احمل معك أغنيتك،

فحملها ليس بالثقيل.)

"رسول حمزاتوف"

 

فهمي وأيامه
إنه ذلك الماشي هناك. عيناه لا تكفان عن متابعة ظله المرتمي أمامه في حركات بهلوانية، أو الموازي على حائط. يُركِّز عند منطقة الركبتين على الخصوص. يلاحظ  أنهما تسبقانه، وأن الجسد على الحائط ليس مستوى واحدا من الرأس إلى القدمين. هناك تقوس حاد عند صابونة الركبة. جعلته تلك الملاحظة، منذ أيام الطفولة ومناغشة الظلال، يَشد نَفْسِه ساعة المشي، حتى يستوي الكيان مستقيما قدر الإمكان. هكذا بدأتْ أولى بروفات "شَد النَّفْس"، التي سيتدرب عليها "فهمي السيد عبد البَر" بعد ذلك طويلا.

  لا ينسى أنه ارتاح من عملية الشَّد هذه، خلال أيام متفردة لا تُنسى. لم يتكلف الأمر، في البدء، أكثر من همسة وإشارة من زميله في المقعد، نحو صورة في كتاب الدين لولد كالحليب، يجلس مقرفصا أمام المقرأة الخشبية، فيما المصحف المفتوح تبين سطوره المتموجة تحت عينيه. شيء ما في هذه الصورة تحديدا كان يجذب فهمي، منذ زمن وقبل إشارة زميله، ويجعله يفتح الصفحة ويُطيل النظر، شيء يمكن ترجمته كالتالي: أتمنى أن أكون جميلا مثل هذا الولد، إنه حُلو.. حُلو جدا. كان ينتظر شيئا سيحصل في هذه الصورة، مثل أن يخرج الولد الجميل ويتكلم معه، أو يمنحه تذكارا يليق ببهائه. يمشيان معا ويلعبان. فكر فهمي: إنه نظيف، وبالتأكيد لا يعرف ألعابنا. ما اللعبة المناسبة له؟ كيف أجعله يحبني؟ سأُعرفه على العوم في الترعة. عندهم لا توجد ترع. لا.. جسمه الأبيض الجميل لا توسّخه مياه الترعة أبدا. أمشي معه في الغيطان؟ قدماه لا تتحملان تراب الغيطان. فهمي غارق تماما، حتى جاءت الهمسة من زميله: هذا هو سيدنا محمد! هزّ رأسه مرتين، وابتسم مأخوذا بظنونه التي لم تكذب بشأن تلك الصورة. كانت أيام عيد، وانتهزها فرصة ليطلب من أبيه جلبابا أبيض بياقة ناشفة محبوكة، مع طاقية شبكية بنفس اللون تُغطي ثلاثة أرباع رأسه. وصلت الجلابية الجديدة وبقيت الطاقية. حبسَ نفسه حُزنا في الحجرة الواطئة. ليلة العيد بالضبط مد أبوه يده من وراء الباب، فهبّ ليلتقط ذلك التكوين الرقيق المطوي بعناية. بقي همّ أخير استطاع أن يدبره: مِقرأة خشبية حصل عليها من الجامع بعد توسل مُلح وتَعَهُد بإعادتها بعد العيد مباشرة. تأملَ فهمي هيئته في مرآة حجرة الجلوس. خصلات شعره انسابت مصفوفة تحت الطاقية المُخرمة الصغيرة، فيما الياقة كانت محبوكة على رقبته. رآه أبوه فابتهج: الله أكبر.. "ويطوفُ عليهم وِلْدانٌ مُخلَّدون". يُفسر الأب أنهم الأولاد في الجنة. يبتسم فهمي ويتذكر الصورة. يغيب في حجرته مع مصحف أبيه فوق المقرأة، بذات الهيئة، وذات التمايل وذات الجمال. يلين طبعه. يتكلم بهدوء شديد. في الحمام يحجز عورته جيدا. يحلم كثيرا مع الصورة. لم تعد أمنيات اللعب والعوم إلى الظهور. هناك الطيران بأجنحة في السماء، المشي على راحته دون شد الظهر في استقامة. طبطبتْ يد الأب على كتفه بالدعاء والبركة. لكنّ ذلك لم يدم. يتذكر فهمي النهاية بدخول أبيه عليه وجرجرته من ياقته، بعد أن زاد الموضوع عن الحد بإهمال المدرسة والبعد عن الناس.

  لُعبة "التبديل" هي الأخرى كانت استراحة. جاءت قبل اكتشاف صورة كتاب الدين. هل كانت مصادفة أن الولد الزميل، مُفجر حكاية الصورة، هو نفسه الذي شارك فهمي في اللعبة؟ يتذكره فهمي جيدا: محمد سعد صاحب الوجه الناشف، والأستاذ في فن العوم بكل الأوضاع. على ظهره وبطنه وبالجنب، والطفو على وش الماء ساكنا كالميت. جسده الأسمر الزلق دائما بالماء، وشعره الخشن الذي لم يعرف المشط. كان فهمي يعوم على قد الحال، وفي الأغلب يكتفي بإمساك الهدوم له حتي يُنهي وصلاته الأكروباتية في ماء الترعة. يلبس محمد هدومه على مهل، ويمشيان في الغيطان. في ذلك اليوم قال فهمي له إنه يتمنى أن يكون مثله. رد الولد بتلقائية: عادي جدا، من الآن أنت محمد وأنا فهمي، خلاص يا محمد؟ وقف فهمي على السكة، وفي داخله زوبعة من السخونة المفاجئة. كانت عيناه مفتوحتين على لذة: خلاص يا فهمي. تراهنا أولا على الخطأ في الأسامي. مَن يُخطئ في الاسم لابد وأن يعود من الأول. مشى محمد وفهمي الجديدان يتناقشان في أمور المدرسة والمدرسين وأي شيء يأتي على خاطرهما، وعندما يُسلم أحدهما الكلام للآخر لابد أن يُتمم: خلاص يا فلان؟ يرد الذي عليه الدور باسمه المستعار. الغريب أنهما لم يخطئا أبدا. هل كانا ينتظران اللعبة منذ زمن وهما لا يدريان؟ بعد يومين تضاحكا معا. فهمي (محمد سابقا) يقول إنه نسى نفسه حين نادى عليه أبوه كثيرا: ولد يا محمد، أنت أطرش؟ ومحمد (فهمي القديم) يذكر أنه كان يمشي على الجسر ورأى حمارهم يقلع وتده ويشرد ناهقا نحو حمارة كانت مربوطة. راقبَ عملية الالتحام والسيلان الدافق من بوز الحمارة، ثم واصلَ السير دون اهتمام، ليحلف لصاحبه بعد ذلك: والله العظيم نسيت أنه حمارنا! كل ذلك لا يساوي الارتباك في الحصص والمناداة عليهما، فيقف أحدهما بدلا من الآخر. وفي اليوم المأساوي جاء الناظر ونادى على فهمي الحقيقي، فخرج محمد سعد لينال أربع خبطات ساخنة من خيزرانة الناظر ثمنا لجرأة فهمي على طرق أبواب الفصول المغلقة وهو يجري نازلا للحمام. دخل الولد يفرك يديه في صدره ووجهه أحمر متقلص. في نفس اليوم يدخل الأب على فهمي فيراه مغموما. يسأله: ما لك يا ولد يا فهمي؟ ينفجر الولد: أنا محمد.. محمد سعد. كرر الأب الاسم وهزّ رأسه. تركه ومضى على غير عادته، لكنه رجع بمحمد من قفاه ورماه بقوة جنب صاحبه. أعاد عليهما عبارته الخالدة: هذه ذقني! بعدها سيظلان زميلين في مقعد المدرسة، كأي زميلين، كأي معدنين نفيسيْن تجمعهما علبة من القطيفة المقفلة. ستكون هناك لمحات متناثرة وإشارات، كحكاية الصورة في كتاب الدين، لكنّ محمد سعد سينطفئ ويغيب من حياة فهمي تماما بعد أيام الإبتدائي. سيتخرج فلاحا متحمسا في أرضهم، بجلباب وصديري وطاقية طويلة، ويترك صاحبه القديم على نار وولع بتكرار اللعبة.

  مغامرة الأيام السبعة جاءت بعد أكثر من عشرين عاما على حكاية التبديل. كان فهمي قد أتقن لعبة جديدة طوال تلك السنوات، فالولد الذي تعود شد نَفْسه والمشي مثل الألف، وجد في حجرته ذات الجدران العريضة، المبنية بالطوب النيّ والمسقوفة بالغاب المُسوَد؛ فرصة ووقتا لرسم خطوط واستنتاجات مرهقة. الوقت جاء من وحدته شبه الكاملة مع أُم دامعة حزينة يركبها الغم والإرهاق الدائم. الأخت سناء تزوجت من حلوف رأت فيه أنه رجل وقادر على سترها، والأخ الوحيد هاني غابت ملامحه هناك في المستشفى البعيد. لا يريد فهمي تذكر الأيام التي غاب فيها.. هاني الأبيض الجميل الذي بانت عليه أمارات الانسحاب مبكرا كان يصحو ليلا ويأتي بفأس أو شرشرة ويذهب شاهرا إياها فوق دماغ أبيه النائم. أخذه الأب ولفّ به على الشيوخ والأولياء بلا فائدة. في النهاية، وبكمية كبيرة من روشتات وتوصيات الدكاترة، ركبوا القطار وذهبوا بهاني ورجعوا بدونه. سيزوره الأب دائما لوحده، مانعا فهمي أو الأم من مجرد التفكير بالزيارة. إنه هناك فُل الفُل وعائش، بل وتعلم أسماء الأدوية ويقف في صيدلية. كل السنوات التي مرت على غياب هاني في المكان الموصوم: العباسية، لم يتشجع فهمي خلالها ولو مرة واحدة على الذهاب لرؤيته من وراء الأب. خاف جدا من الصورة التي سيراه عليها. إنه الآن في الثالثة والثلاثين بالضبط لأنه يصغر فهمي بعامين كاملين. هل سقط شعره؟ كم سنة في فمه؟ كيف حال وجهه المدور؟ وعيناه كيف هما.. هل لا تزالان تتقلبان في الملكوت؟ الأب يقول إنه من الممكن أن يرجع قريبا لأنه صار عاديا مثلنا ولم تعد تهاجمه النوبات. لا تصدق الأم وتنسحب لغمها الأزلي، تاركة فهمي مع رسومه وتخطيطاته. أول خط رسمه كان في الليلة التالية لغياب هاني. خط متعرج بعرض الصفحة يشبه الموجات الهادئة في الترعة، ثم ينحدر في حفرة غويطة ليعود ماشيا بشبه استقامة متموجة. كانت هذه أول حفرة رأى فهمي أنه لو تخطاها فسيمشي خط حياته بعد ذلك. على الخط وضع نقاطا مدورة وقال هذه محطات. يفكر ويربط النقاط ببعضها: إذا نفذت من امتحان الرياضيات هذا العام فسأكمل طريقي. فقط هذا العام ولن أرى الرياضيات في حياتي. وينجح فهمي في الثانية الثانوية وينزاح عنه رعب قديم. في القسم الأدبي يمشي مطمئنا مرسلا إصبعه الوسطى في حركة خليعة لظله المتقوس. شد نَفْسه واستقام مع التاريخ والجغرافيا والفلسفة، وفصل قصير من قصة حُب مع البنت دعاء. يتذكرها دائما بأنها التي ارتكبت أعظم حركة جريئة في حياته. وقفت على حافة السور في حصة الألعاب، ومرت بعينيها جيدا على اللاعبين في الحوش والواقفين على جنب في صف طويل. من وسط كل هؤلاء أرسلتْ شعاعين يعرفان طريقهما نحو عينيه اللتين ضربتهما الذبذبة والرعشة. أطاحت بحاجبها لفوق، ولوت رأسها بخطفة منعشة تناديه: اطلع! أمامها في الفصل الخالي كان قلبه قد وصل لدرجة التصاق النبض والدقات في شريط راعش متصل تماما. لم يتكلم ولو كلمة يبني عليها بعد ذلك محطة من محطات خطوطه. الأكيد أنه لن ينسى هدوءها وكلماتها القليلة من وجه متورد ضاحك في قلب هذه الخلوة المخيفة: "أنت دائما لوحدك؟ يا عم خذ بالك". لا يطيق الاحتمال فيهرب آكلا السلم بوجه في لون الطماطم. بعدها سيأخذ باله جيدا، ليس منها وإنما من أمور بعيدة جدا عنها. سيراقب ويعرف أن الكل يأخذ باله إلا هو! رصد عشرات النظرات والكلمات المختلسة في دنيا المدرسة الفوارة. في الجامعة ستمر عليه كثيرات، لكنهن لسن على استعداد لمناداته بخطفة مباغتة. رآهن في خجل يليق أكثر بشغل الخطوبة ومجيء العريس وقعدة الاتفاق مع "أهلا وسهلا" وتقديم المشروب برأس مُنكس. أطاح بكل ذلك وراء ظهره وواصل لعبتة، لدرجة أنه حدد السنة التي ستغير مصيره بناء على معطيات واستنتاجات رصدها في خط حياته على النحو التالي: ش بعد أربع سنوات عجاف من الدراسة البليدة التي لم تزد عن كونها مدرسة كبيرة من الامتحانات ومواصلات مُعذِبة وأصحاب سيغادرهم ولا يريد أن يتذكر واحدا منهم. التعيين سيأتي بعد عدة شهور، والبراءة من التجنيد لابد آتية بعد غياب هاني الأبدي. هناك ثلاث سنوات ضياع ليعتاد على المهنة والتلاميذ والوظيفة وعالم عبده أفندي. عامان آخران سيجاهد فيهما، ليصل إلى 2005 ويقف! سيترك المهنة كلها ويقول لروحه عندئذ: ها أنا يا روحي العزيزة بين يديك، افعلي بي ما تشائين. إنه على يقين أن روحه لن تحتمل أكثر من خمس سنوات مضبوطة على زمنها الخاص بالساعة والدقيقة. فهمي متأكد أيضا أن روحه في عام 2013 ستكون على استعداد لمغامرة، وأنها في 2028 ستهدأ حين يكون في الخمسين. هذه التخطيطات والتكهنات مشت في رأسه منذ أن وعى تدوين خطوط سيره المستقبلي، ليخرج في النهاية بمعاناة لن يحس بها غيره. حدث هذا يوم النجاح في الثانوية.. اليوم المشهود في حياة أي واحد في هذا البلد. خرجت "ألف مبروك" من عشرات الأفواه، ووُزِعت زجاجات الحاجة الساقعة لترجع فارغة إلى أمه مع زغاريد ممطوطة تُشخلل في الشارع وفي قلب الدار. الضحكات كانت تفرقع والفرح ينط من الوجوه، وفهمي واقف يشكر الكل بابتسامات منسوخة. عرف لحظتها أن فرحة نجاحه هذه مُكررة، فقد رسم المشهد كما حدث تماما عشرات المرات في رأسه قبل ذلك، والنتيجة هي هذه الحالة من المساحة الرمادية.. لم يعد هناك الفرح الحقيقي أو الحزن العميق في اللحظة الحاضرة، فكل فرحة هي رجع صدى لفرحة عاشها مُقدما في خطوطه، توقعها وأذاب حلاوتها من التفكير فيها، غسلها ونشرها حتى جفت ونشفت، حتى إذا أتت لم تجد لها مكانا، بل سكونا راكدا بجوار فرحات صغيرة سرعان ما تنطفئ مثل رؤوس مشتعلة لعيدان كبريت. في المقابل لا وجود لغُلالة الحزن الكثيف أو الشجن الضبابي المُدغدغ. هل كانت كل هذه الخطوط والتوقعات طوال هذه السنوات تعمل ضد روحه وهو لا يأخذ باله؟ هل تحولت روحه إلى هذه الحالة من البياض المُسطح؟ يضع يده على قلبه فيحس النبض دافقا بانتظام. يمررها فوق صدره وبطنه فلا يشعر بشيء. متى فرح آخر مرة فرحا حقيقيا؟ متى خنقه حزن عميق بعيدا عن مناسبات من قبيل كراسي المآتم الحمراء وأفواج المُعزين وجنازات يمشي فيها كواجب لا أكثر؟ فلتذهب كل التوقعات إلى ألف داهية. هكذا وصل فهمي إلى هذه النتيجة بعد مرور ثلاثة وعشرين عاما على لعبة التبديل. آمنَ أنه وحده، فالرفاق القليلون الباقون من أيام شِلة الثانوي وسهرات لعب الكوتشينة؛ تَحوّلوا إلى مواطنين صالحين يسيرون في وقار رجولي برفقة الزوجات والعيال، وينتظرون الخِتام الرائع للمشوار الطويل بشهادة التقدير في حَفْل الخروج على المَعَاش. لزمته سنوات بعد عام 2005 -الذي حدده مُسبقا كعام مصيري ولم يكن كذلك بالمرة- ليعرف أن روحه في سكونها واستسلامها، إنما كانت تسحب نفسها ببطء وتتكوم انتظارا للحظة انفجار عظمى. هذه اللحظة التي كانت لعبة الخطوط قد تنبأت بها، ولكن ليس على النحو الذي سارت الأمور إليه. سيكون 2013 عام المغامرة في سبعة أيام كاملة، بعد حصاد عادي جدا يتألف من خمسة وثلاثين عاما هي عمر فهمي الآن، ووظيفة تمثل شرط البقاء في الحياة، وزوجة طيبة وولدين ماهريْن في تَعلُُّم الأبجدية.

***

مغامرة الأيام السبعة

عفاف الطيبة فعلت كل ما أراده فهمي. أخذت الولدين في يدها، وقالت وهي واقفة في قوس الباب نصف المفتوح إنها تركت له كل ما يحتاجه في أسبوع. الأكل في الفريزر، والغيارات مغسولة كلها ومطوية في الدولاب. سحبت الباب ربع دائرة، فانصك اللسان مُعشقا في الكالون. دارت بالمفتاح دورتين، لينسرب لسان آخر مستطيل نحاسي في فتحة احتوته بهدوء. راقب فهمي تلك التفاصيل، من الداخل المقفول عليه. سمع الخطوات نازلة بلا اشتباك مألوف بين الولد الأكبر هاني وأخيه محمد. بالتأكيد تتوسطهما عفاف كما تحب أن تكون. عاودته رغبة معتادة لفتح شباك البلكونة ورؤية الثلاثة ماشين في الشارع، لكنه تذكر أنه أغلق كل شيء ليبقى مع ضوء حياته المفضل. هذا الغبش الخفيف في النهار يخلق لديه جوا حميميا بدرجة لا توصف. هذه الحالة من الضبابية الصناعية المنزلية تعطيه إحساسا بشيء قريب جدا على الوصف والفهم، لكنه غير ممسوك باليد وغير منطوق باللسان. شيء يراه في أجواء شبيهة، مثل شبورة هشة تغيم معها الرؤية ولا تغيم، مثل ولوج النهار على مهل في قلب الليل ساعة ما بعد المغرب. أما اللحظة الكبرى التي أحب فيها فهمي هذا الجو؛ فهي انسلال الخيط الأبيض من الأسود بذلك التدرج الفذ. الليل المغمور بالنشوة يُسلم نفسه كليا ويذوب عن رضا كامل في لحظة توالد لوني، يبدأ بالكحلي الغامق الحاد إلى كحلي رقيق مزرق إلى لبني إلى.. لو تدوم هذه اللحظة طويلا لمكث فهمي أمامها بلا انقطاع. أمامه أسبوع كامل كاف لشرب كل شي من جذوره. ضوء حياته المفضل سيبقى على حاله في الشقة المتفردة بالدور الثالث، ليمنحه حالة النصف التي يعشقها. في البيت القديم كان كل شيء ساطعا من الحجرة بنت الأرض. لم يزد البيت يوما عن دور واحد، حتى بعد أن هدّه الأب ليبنيه بالطوب الأحمر. هنا، في شقة الزواج المستأجرة، وفي هذه المدينة، يبدو الدور الثالث في دنيا ثانية. صحيح توجد زحمة لا تطاق بالقياس إلى القرية غير البعيدة، لكن في الإمكان دائما الانسحاب فور غلق الباب، إلى رطوبة الألفة ورائحة أطعمة لم تغادر حوائط المكان. أطعمة عفاف الماهرة، التي تلقت خبر نيته على العزلة لمدة أسبوع بشيء من التسليم والرضا. لم تستعجب بشأن هذا المخلوق الذي عاشرته سبع سنوات. صحيح هي إنسانة لا تحب الكلام وراضية بحالها ولا يفوتها فرض ربها؛ لكنّ كلماتها القليلة تدخل في صميم روح فهمي الذي يحب ربه كثيرا ويناجيه كل يوم بشكل لا يتوقف. فمن يوم أن دارى عورته في الحمام، أيام هيامه بالصبي في كتاب الدين، وهو يُقلب عينيه في النور الإلهي، محافظا قدر الإمكان على عدم خدش ذلك البهاء. ولسبب ما متصل بذلك النور، وفي إحدى الصلوات بالمسجد، شرد ذات يوم بعيد مع صوت الإمام القارئ بنغمات سحبته وراءها إلى موسيقى تشبه حفيف أشجار أسطورية. شاهدَ خط الموسيقى الحلزوني الملون وهو يتلوى صاعدا من النافذة المجاورة لرأس الإمام. بقي واقفا غائبا، ليفيق على دَفعة ثقيلة في ظهره تأمره بالسجود الذي تأخر عنه، فانكفأ في الفراغ الصغير ليتمم الصف. بعد ذلك بزمن كانت عفاف تراه صامتا مُتبتلا فوق المصلية على أوقات متقطعة، فتقول لنفسها إنه طيب وابن حلال. وفي لحظات مفعمة بالنشوة تخرج كلماتها: "عيناك ليس لهما علاقة بوجهك الهادئ غير المعبر عن شيء، إنهما تسرحان وتخرجان كثيرا لوحدهما". أما ساعات المشاكسة فتكون الكلمات داخلة في صميمه المُتعالي كما تراه: "أنت تمشي دائما على ارتفاع، وليس معنا على هذه الأرض". وحين كانت تُجهز لعزلته قالت له قبل أن تمشي بالولدين إلى أمها في البلد: "عندك كل ما تحب، جو الشتاء وفي إجازة نصف العام التي هي أحلى أيامك". حقا تعرف عفاف عن زوجها فهمي عبدالبر الكثير. تعرف حاله في الشتاء وكيف يصير إنسانا ودودا دافئا. يتكلم عن الشتاء بشكل ساحر: يحب الناس بعضهم أكثر في الشتاء؛ لأنهم يتحصنون بدفء القرب ضد البرد. أما الصيف فهو عدوه الرهيب الأول. فيه تكون روحه على مسافة شعرة من الحلقوم. يعاف الكلام ويخرج للأماكن المفتوحة. ينفخ ويزهق ويستعيذ بالله ويقول إن الحَرَّ تدريب مبدئي للورود على جهنم. أدركت عفاف أنه يتفاءل لأمور صغيرة جدا، ويتشاءم لمجرد رؤية واحد شكله لا يريحه. لم تكن تهتم في البداية، لكنها كانت ترى مثلا انقلاب مزاجه حين يدخل ويرى أحد الشبابيك مفتوحا فيبادر إلى غلقه، أو حين يشكو من ضياع يومه هدرا في العمل مثل باقي الناس. صارت تتفهم كلامه أكثر من ذي قبل، عن تواريخ مجهولة في حياته يعيدها ويكررها بأرقام الأعوام. تقول إن مهنته كمدرس دراسات اجتماعية بما فيها من تاريخ وجغرافيا تؤثر عليه، وفهمي يُؤمِّن على كلامها ويضيف أنه هكذا قبل التاريخ والجغرافيا! إلى هذا الحد يسكت ولا يمضي لأبعد من ذلك. فهي لا تعرف عذابه الخاص مع تاريخ ميلاده، لأن الولد المفتون بلعبة خطوط الحياة والتواريخ سيعي مع الزمن أنه ولد في منتصف أيام البرزخ! فالسادس من ديسمبر 1978 يقع في قلب الفترة من سبتمبر في نفس العام وحتى مارس العام الذي يليه. في سبتمبر كان الإخوة مع كبير العائلة يهيمون في أكواخ "كامب ديفيد" بنزهات الدراجات ومباريات الشطرنج وسط الخضرة الممتدة. في النهايه، وقبل انتهاء المُدة المُحددة؛ تدخلَ الوسيم "كارتر" وتم كل شيء من أجل خاطره. لو علمت عفاف تلك الحكاية لما تعجبت من جُملة فهمي الشهيرة حين يحضر قعدة للصلح بين زوجين من العائلة: "يا جماعة، إذا لم يكن من أجل خاطر العِيال؛ فمن أجل خاطر كارتر!". بل ستفهم لماذا يصالحها هي نفسها بكلمات صارت مُكررة: "ليس من أجل خاطري، حبيبك النبي.. من أجل خاطر كارتر". تمنت أن تعرف مَن هو كارتر هذا، حتى يُقدره هكذا! يضحك فهمي ولا يقول لها إن كارتر صاحب فضل عليه، فقد أوقفَ التاريخ عند اتفاقية سبتمبر ومعاهدة مارس في بيته الأبيض، وهو بهذا رَحِمه من لعبة التواريخ إلى الأبد، حيث لا يوجد جديد يمكن أن يُضاف بعد ذلك. كانت ستتقبل غروره اللامتناهي حين يقول إنه منذ وُلد لا يجد تاريخا إلا تاريخه، والتاريخ الذي كان قبله. وبعد مرور عامين كاملين على ثورة يناير، رأت عفاف أن تضرب غروره في مقتل فواجهته: "وثورة يناير، بالتأكيد هي تاريخ". لكنه سيرد بالبرود المتفلسف الذي يغيظها: "تاريخنا يا عفاف كائن ضخم عملاق يمشي في غابة. في طريقه يدوس العُشب والنمل والجرذان الهاربة. لكنّ عينيه –مثل البشر- لا تستطيعان أن تريا شيئا أبعد من ضباب الأغصان العالية". لن تفتح معه سيرة التاريخ وسنينه بعد ذلك، وستتركه يعيش في  أيام لا تعرفها. إنها تدرك أن المخفي في الصندوق لن يظهر إلا بإذن صاحبه، وعلى شكل شذرات يحددها هو. ألم يقل لها مثلا إنه كان يحب الرسم جدا؟ أين رسمه؟ نعم كان يحب الرسم، ولكنّ ذلك حدث أيام محمد علي ومصطفى كامل وسعد زغلول، الثلاثة الذين رسمهم بالقلم الرصاص وهو في حالة لم يفسرها حتى الآن. كانت صورهم في كتاب التاريخ جاذبة بشكل لا يُقاوَم. محمد علي بشاربه الأبيض المسحوب باستقامة، والممتد بعرض دائرة الذقن التي هي الأخرى في بياض القطن. كان هناك الطربوش المكبوس القصير وعيون الصقر. أما مصطفى كامل فهو موال.. ليلة بطولها قضاها فهمي في رسم مفرداته الحلوة: أعظم وأجمل شارب في العالم، وجه رقيق لشاب نحيل بعيون شاعرة، طربوش طويل مائل بفخامة، كتفان تنسدلان بميل مع البدلة. مع سعد زغلول اختلف الأمر، فقد مشى القلم في رسم وجهه بسلاسة مدهشة، لتخرج الصورة في النهاية بوجه فلاح مُطربش يُذكِّر دائما بالأرض المحروثة. عاش فهمي مع صوره أياما طويلة، وعرضها على أمه التي لا تعرف مَن هؤلاء. ابتسمت ودققت بعينيها، وقالت إنهم سيخرجون من الورق! لحظتها انجذبت عيناها نحو الصورة المُعلقة دوما في حجرة الجلوس فوق الكنبة البلدي، وأسفل مرآة ضخمة اسودت حوافها الخشبية التي تأخذ شكل تفاحة. أشارت ناحيتها وقالت: رسمت كل هؤلاء ونسيت الغالي! كأنها فجّرت بكلماتها سكون العادة. فصورة جمال عبدالناصر أمامه كل يوم وليست في كتاب يُطوى ويُفتح. في كل طلة للمرآة تهبط عيناه على الوجه الأسمر المُصور من مسقط جانبي. الأنف هو البارز، هو الصخرة المصقولة، وبياض الثلج في الفودين ودائر الشعر فوق الأذنين. لم يتكلم واكتفى بإشارة موافقة من رأسه. كان يعلم أنه لن يرسمه، فالملامح محفوظة تماما في ذهنه كأي شيء موجود بالبيت. وحين رسم أحمد عُرابي على الفَرَس أمام الخديوي، ثم رسمه في صورة أخرى عجوزا بذقن بيضاء وملامح وقورة مستكينة؛ قالت الأم إنه ليس نفس الشخص. لن ينسى فهمي هذه الكلمات التي خرجت ببساطة مُلهَمة، وسيتذكرها بنَصِّها وهو يقف أمام بيت طيني قديم جدا وغائص حتى ثلثه في الأرض. كان قد رتَّبَ بإلحاح لزيارة صاحب له في الجامعة، وهو يعلم تمام العلم أنه من قرية أحمد عُرابي. مشى في شوارع البلدة العادية، مُتفحصا سائلا عن أي شيء يخص الزعيم، ليأخذه الصاحب في النهاية إلى ذلك البيت الأثري. سيذهب بعدها في رحلة قطار الشباب إلى الأقصر وأسوان، ويقف مأخوذا أمام المعابد والنقوش، لكنّ بيت عرابي القديم والكلمات المُغَبشة المحفورة على بابه شبه المدفون، مع كلمات أمه، ستشكل حالة تخص صندوقه وليس لأحد حق التدخل فيها. عفاف لمست فيه عدة حالات أخرى ولم تتدخل حتى بالتعليق. منها أنه أحضر عدة طرابيش حمراء مختلفة المقاسات بعد إحدى زياراته للقاهرة. دخلت عليه مرة فرأته وقد أدخلها في بعضها على هيئة طرطور أحمر عال. كان يُخفي حاجياته الغريبة عنها وعن أيدي الولدين: كتب مصورة، جرائد مصفرة مغبرة، مخطوطات باليد، أشياء قديمة مثل العملات والطوابع. يُبعد كل أشيائه في خزينة المكتب الصغير بحجرته المستقلة. الحجرة التي حلم دوما بعزلة طويلة فيها. فحتى لو امتلك رفاهية مكان آخر للاستجمام، وهذا غير حاصل؛ فلا بديل في العالم يمكن أن يُغني عن هنا.. حيث الأشياء والوجوه والكلمات تحيا في نصف ضوء الحياة المفضل بطول النهار. أما في الليل فهناك بديل لا يقل جودة باللمبات الصغيرة فوق كل باب. منها تنتشر موجات ومنشورات ضوئية تُسبغ على الموجودات حضورا طيفيا مغسولا بالزرقة.  

  خطا إلى حجرته وتمدد فوق السجادة فاتحا ساقيه. سريره الصغير نظيف ومُرتب، والمكتب المحندق رابض بجلال جدير بألا يُمس. كان قد أخلى كل ما عليه من كتب وشوّنها في الخزانة مع الأشياء. هناك في الركن تصطف أجزاء الكمبيوتر منزوع الهارد، والهاتف المحمول مغلق إلى أجل غير مسمى. لا مكان الآن لشيء بَطُلَ بريقُه مع الوقت. الأجدى أن يُخرج ما يحتاجه وقت اللزوم. أغمض عينيه بطريقة توحي أنه يريد لأهدابه التقاء عاشقا. أخذ نَفَسا كاشطا من العمق، ثم ترك صدره يتهادى بسلاسة ناعمة. ذراعاه كانتا ممدودتين باستقامة. قرّب ساقيه ورفع إحداهما على الأخرى. في قلب هذا الجو، وبملابس بيتية ثقيلة وجورب في القدمين، فضلا عن روح بسطت نفسها وانسابت في كل سنتيمتر بالجسد؛ حرّك فهمي رأسه حركتين ناعستين ناظرا نحو ذراعيه، وابتسم لوضعه الأفقي الصليبي. ما ينقصه الآن أن تأتي قوة شريرة وترفعه بذات الهيئة على صليب. ستفرح روحه جدا لرؤيته في هذا الوضع، فالجسد الخطأ لابد أن يتعذب طويلا ويتطهر ثمنا لسنوات في الطريق العكسي. فهمي مقتنع أنه مدين بالاعتذار لروحه، بالتحديد منذ أن غادر لعبة التبديل وصورة الصبي الحُلو وصور أخرى قالت أمه عن أصحابها إنهم سيخرجون من الورق. لكنه في نفس الوقت لديه ما يواجه به هذه الروح: لم يُكشر أبدا في وجه أحد، وكان ينام ويصحو ويذاكر ويمارس العادة السرية مثل أي شاب، يضحك على نكات أغلبها عن واحد وواحدة، يقرأ التاريخ وينزرع في الصفحات والأعوام وأنفاس الأشخاص. لماذا إذا كانت روحه دوما في حالة انسحاب بطيء يُقارب الملليمتر كل يوم؟ ماذا كانت تريد؟ ولماذا تنتفض الآن فَرِحة لتملأه بهذا الشكل المبتهج؟ هل لأنها انتصرت بسحبه إلى هذا المصير؟ لو أرضاها في كل ما تريد بامتداد السنوات الفائتة لكان الآن مع هاني! لا.. ليس هكذا ببساطة، سيسبق ذلك عدة أمور من قبيل: تطليق عفاف بالثلاثة وخنق الولدين اللذين جاءا بالخطأ، صنع قنبلة إرهابي محترف ليرميها في مكتب المدير، إلى أن ينفلت لسانه في وجوه لا يطيقها: كلكم أولاد قحبة! لن ينسى النساء اللاتي مررنَ في حياته ولو بشكل عابر، سيبادر بطعنهن في المكان المقدس الذي يعشن من أجله. وليت الأمر ينتهي عند هذا الحد: سَيُشهِر عُضوه الطويل في وجوه كثيرات وكثيرين من الزوار، قائلا لهن ولهم: خذوه واحفظوه في متحف، لينال شرف الخلود لدى أجيال، ستقف أمامه مشدوهة تُمصمص الشفاه حسرةً على صاحبه المجهول. كان سيخرج بأمه في مشوار للعاصمة ويدخل بها على وزير التعليم صارخا بغضب: لماذا لم توضع هذه المرأة حتى الآن في كتب التاريخ؟ كل ذلك لم يفعله فهمي، ليُواجَه في آخر المطاف بالعصيان الروحي الأكبر، ويُكَافَأ من الناس بلقب شهير في بلده: رجل محترم. معادلة معقدة لا يمكن فك اشتباكها: رجل محترم وروح عاصية! بلا شك أنه لو في استطاعة الأرواح مغادرة الأجساد قبل الميعاد المرصود منذ الأزل؛ لطارت روحه البريّة البربرية، وحطت في حصان جبلي. الآن يحس بها فهمي سائلة مستوية في جسده المنفرش مثل طائر. ابتسم لهذا السلام الذي حُرمَ منه طويلا. لقد وصل مع روحه إلى الحل الوسط على كل حال. سيدعها على راحتها طوال أسبوع كامل.

  هبّ مرة واحدة من وضعه الصليبي، ومشى للمطبخ. سيعود إلى مُتَعِهِ المهجورة بصنع فنجان قهوة بوِش، مع سيجارة ستكون مُدوخة بعد الانقطاع. سيُخرج كل ما أحضره على شرف الأسبوع المُبجّل. لكن قبل أي شيء؛ لابد من النوم الطويل في بحار الاسترخاء.. ففي الغد سيكون على تمام الاستعداد لاستقبال ضيوفه.

***

الشبيه

استهلَ فهمي يومه الأول بعَمل فنجانين من القهوة على شرف الشبيه. أخرجَ مِطفأتين للسجائر، واستراح على حَشيّة الكرسي في حجرة الأنتريه. فكر في "سيد" البوسطجي. كل مرة يأتي باسم جديد حين يراه: أهلا يا أستاذ فوزي، فكري.. في المرة الأخيرة جاء باسم فتحي، ولما صَحَّح له فهمي قال مؤكدا: "عارف والله، دائما أغلط في الشبه بينك وبين الأستاذ فتحي. يا سبحان الله، فولة وانقسمت نصفين". هل تختلط الأسماء على الرجل بهذا الشكل الدائم؟ وهل يفعل ذلك مع الكل؟ إن مهنته تُمكّنه من معرفة الأسماء والعناوين والملامح بمجرد النظر. بالتأكيد هناك شيء ما في ملامح فهمي تجعل الرجل يُصر بدون تعمد على الخطأ. إنها ملامح ودودة وقورة مكّنته دوما من مد الكلام العابر في المواصلات، أو سماع آيات الثناء من أناس يراهم للمرة الأولى، أو حتى الربط بينه وبين آخر يشبهه في الطبع. لكن هذه المرة جاءت بالتحديد الواثق من سيد: يوجد شبيه واسمه فتحي. الكلام كان واضحا ومؤكدا عن وجود آخر في هذا العالم له نفس الملامح، وهذه مسألة ليست بسيطة؛ إذ أن البوسطجي يُخطئ بالتأكيد أمام الآخر ويرحب به على طريقته: أهلا يا أستاذ فهمي، فتكون النتيجة هي قيام فتحي بالتفتيش عن المدعو فهمي الذي يشبهه لهذا الحد. ولكن مَن أدرى فهمي أن الآخر سيهتم أصلا؟ لقد وصل إلى قناعة بأن القضية قضيته هو. طوال عمره لم يستطع رؤية أحد يشبهه. فالوجه الذي ظهر مبكرا أكبر من سنه بكثير، ترك لرفاق العمر الاهتمام بالسوالف وقصات الشعر التي راحت وجاءت بأشكال غريبة ومتنوعة، في حين حافظَ هو على رصانة ثابتة لم تتغير بتسريحة الشعر على الجانب الأيمن مع فلق خفيف في الجانب الأيسر. وهذا الأنف الرفيع الحاد الذي تتسع فتحتاه في لحظات عدم الرضا، ليس له مثيل بين أنوف كثيرة دقق فيها. أما العينان اللتان قالت عنهما عفاف إنهما لا ينتميان لوجهه ويسرحان لوحدهما؛ فهما حكاية.. وعى ذلك منذ أيام الثانوي حين كانت دعاء تقترب منه، بحركة مجنونة تليق بها جدا، وتزرع وجهها في عينيه ثم تمضي دون كلمة. حاول أن يتعرف سر عينيه اللتين ضبط الكثيرين ينزرعون فيهما، فوجد الرموش الطويلة وعكارة خفيفة حول الدائرتين العسليتين، مع شحوب دائم يطبعهما بالذبول. بعد ذلك بزمن ستتعدد أشكال الوصف التي قيلت فيهما: نائمتان، ساهيتان، ناعستان. وحدها عفاف التي أكدت كل ذلك بمقولتها وأضافت أن وجهه غير معبر عن شيء. هذا تماما ما يوافق عليه فهمي، ويحمد ربه كثيرا أن حباه بوجه لا يُخرج على صفحته كل أشكال الحروب العالمية والدمار الشامل والاقتتال الطائفي في داخله. ظل يأسف ويمصمص شفتيه على هؤلاء الذين رُزقوا بوجوه عصبية متوترة تتشاكل مع الذباب. أو مَن لديهم وجوه "رِخمة" من أول نظرة. لكن في المقابل كان لا يصدق أسطورة أن وجهه لا يعكس أي شيء يدور بداخله. كيف ذلك؟ أهو مُسطح بلا عمق؟ سيكون الوجه هوالبوابة التي يعبر منها دائما. أحبَّ القمحي الذي يسبق الخمري في الدرجة، واعتقدَ أن هذا هو لوننا التاريخي الحقيقي. فالأبيض السمني المشوب بصفرة هو من عِرق تركي، والأسمر نِتاج تزاوج غير متكافئ في اللون. أما نظريته في الشّعر فتتلخص في أن الشعر الخشن الجاف هو ابن أصيل لهذا البلد، فآباؤنا الأولون اغتسلوا في النهر وخرجوا ليتركوا مهمة التجفيف للشمس. وبهذه الملامح كلها راجعَ فهمي مَن أحبهم وعرفهم فلم يخرجوا عن كتاب أوصافه. كيف هو إذا شكل الشبيه المزعوم؟ كان قد انتهى من شرب قهوته مع سيجارة ملأتْ دماغه وجعلته مُعمَّرا. الفنجان الآخر بقي على حاله بالوِش العائم الراكد. أشعل أخرى لنفسه، ومثلها وضعها مشتعلة في المطفأة الأخرى، فتلوى دخانها بألسنة رمادية شفيفة. تأمّلَ الأشياء والدخان فوق الترابيزة الصغيرة. لا يدري لماذا هو الآن في أمس الحاجة للرجل الذي يتدخل دائما. وحده فقط مَن سيدله على الطريق. يبتسم إذ يتذكر الرجل، وكيف أنه كان يضيق به جدا حين يظهر في وقت مفاجئ. مثلا يكون فهمي عائشا مع السنارة في لحظة تركيز صافية أمام فرع النهر الذي يُحزم مدينته؛ فترج دماغه كلمات هاتكة لحالة السكون: "شِد يا رجل، السمكة شبكت من زمان". يلتفت مبغوتا ليرى الرجل مُتكئا على حديد الكورنيش. يتجاهله فتستمر كلماته بلا انقطاع: "هات الغمّاز هنا، السمك هنا كثير". يغيب صوت الرجل قليلا فيستدير فهمي ليجده ماضيا في شرح الطريق لسائق غريب، بل إنه كان يتبع العربة بمسافة مُوجها لليمين والشِمال دون تبين أن السائق ربما لا يسمعه. على المقهى يجلس مشيرا بيديه كمَن يُحلل قضية في برنامج تليفزيوني. أحيانا يراه عند موقف العربات المزدحم وهو يساعد امرأة في حمل جوال خضار، أو يقعد مُتربعا جنب ماسح أحذية ويأخذ ويعطي في الكلام. في كل مرة يراه فهمي يضحك في نفسه، ويحبه بنفس هيئته في الجلباب البلدي الدائم.. نعم مع الوقت أحبَّه بجد وأسماه "الرجل المتطوع". إنه يحتاجه الآن. سيسأله عن واحد اسمه فتحي له نفس ملامحه، فيهز رأسه ويشير له أن يمضي في هذا الاتجاه، ثم ناحية الشِمال حيث مقهى قديم، وإذا لم يجده، فليسأل عنه في قهوة الفنانين على وِش البلد. يقف فهمي ويدير الاسم في رأسه: قهوة الفنانين. فأل حسن ذلك الاسم. صحيح لم يسمع به من قبل، لكنّ إحساسا غامضا يشده إلى هناك. مشى إلى المقهى القديم وسحب كرسيا وجلس في الشارع الصغير حيث يجاوره قليلون غامروا مثله بتحدي الجو. طلبَ القهوة المضبوطة وتطلع إلى الوجوه في جوف المقهى الضيق.. إنها غامقة مكموشة من البرد، مُستدفئة بالشاي والشاشة التي تعرض مصارعة. لا يوجد ما يميزهم عن بعضهم، كما لو أنهم جمعوا أنفسهم باتفاق في هذه العصرية الشتوية القصيرة. رمى فهمي آخر رشفة في جوفه، مُتحملا الطَّعم السُّكري الزائد للقهوة التي لم تكن مضبوطة أبدا. وضع جنيهين من المعدن على الطاولة المهتزة، ومضى داخلا في بعضه باتجاه وِش البلد. في طريق الكورنيش ترنَّمَ بكلمات يُغنيها حبيبه: "عيون عيون عيون، ورا البيبان عيون، كل الميدان عيون، للعربيات عيون، للفترينات عيون، ونروح فين يا حبيبتي.. من زحمة العيون". اجتهد أن يأتي بنبرة "محمد منير" التي تتكور في البطن ثم تخرج من الحلق تاركة نكهة التمر هندي. النهر عن يمينه، تتكرمش مياهه على السطح المتموج. آه.. "الموجة بتجري ورا الموجة عايزة تطولها، تضمها وتشتكي حالها، من بعد ما طال السفر". لابد من أم كلثوم في مثل هذا الجو، بها يتدفأ فهمي في الطريق المشدود إليه. يسأل عن القهوة فتأتيه الإشارة للأمام. يا الله! ما هذا الزحام؟ هذه سوق عامرة. الكراسي الخيزران منتشرة في دوائر منتظمة، وعواميد الشيشة مرصوصة في صف عظيم بالداخل، عدا المنتصبة على الأرض جنب الكراسي. هنا وجوه عالم رجال الحديد الخردة ووِرش الألمونيوم. أنفاس المعسل تُعبق الجو بروائح متداخلة. وقف فهمي غير بعيد حتى جاءه واحد بمريلة مزيتة، وحط الكرسي أمامه بدقة عنيفة. طلب الشاي وقعد بهدوء دون أن ينبس. كركرة الشيشة في أذنه، وصوت التليفزيون عال على مباراة للكرة. عصر صدره بذراعيه على دفء راكية القوالح المشتعلة في الوراء. جِيء له بالشاي المغموس به أعواد من النعناع الأخضر. تناول كوب الماء، وقبل أول جرعة تذكر ما جاء من أجله. هل كان الرجل المتطوع يُفتي فيما لا يعلم؟ كيف وقد سأل عن قهوة الفنانين فدلّوه على هنا؟ هذا غموض يليق بالمتطوع والشبيه معا! ابتسم في داخله، فالعالم هنا لا يشجع على الابتسام المجاني. كان قد أنِسَ قليلا لملامح رجل ستيني قريب منه، ففتح معه السيرة. نعم هذه قهوة الفنانين لكن بالاسم فقط. أمجادها كانت في الزمن الجميل. عليها جلس العوادون وكل أهل المغنى. والشعراء أيضا كانوا يأتون ويقعدون بالساعات وهات يا شعر وزجل. مَن يصدق؟ عبدالله النديم نفسه قعد هنا أيام هروبه الكبير من مائة سنة أو يزيد. ارتجَّ فهمي لذكر الاسم، ومشت عيناه تأكلان المكان. فعلا يشي بِقِدَم راسخ، لكن كيف؟ وفي هذا المكان؟ يُكمل الرجل: تحول الاسم في فترة إلى قهوة البورصة، مع رجال القطن أيام الانجليز. ثم قهوة السوق أيام المُهجّرين من بورسعيد. جاءوا واشتغلوا في كل شيء حتى مشى الحال على الجميع. البورسعيدية هم مَن أعادوا الاسم إلى أصله بأغاني السمسمية وليالي الأُنس. يا سلام! غاب الرجل في أيامه، فانتهزها فهمي فرصة ليسأله عن فتحي الذي يشبهه. دقق الرجل فيه جيدا وأشار إلى ركن منزو هناك جنب الحائط. فتحي يأتي كل يوم بعد العِشاء، ابن حلال ويقعد دائما لوحده. هل أنت أخوه التوأم؟! غامَ رأس فهمي، وتأكدَ أن هناك مَن يشبهه بالفعل. أجابَ بالنفي، فلوى الرجل شفتيه وراح في سيرة فتحي: وُلِد هنا لكنّ أباه من بورسعيد. فيه عِرق بورسعيدي أصيل رغم أنه تربى وسطنا. السمسمية عنده لحد الآن في البيت. كان يأتي بها ويضرب عليها للصبح بأصابع خفيفة مثل الملبن. هؤلاء كلهم عاشوا مع سمسمية فتحي وكل واحد يغني على مواله. الله على هذا الولد! فجأة وجدناه سكت لوحده. أين السمسميه والفرفشة يا فتحي، فلا يرد. الظاهر أنه جاءه قرف مرة واحدة وبدون سبب. انتهى الرجل من فتحي، وترك فهمي بعينين مُعلقتين بالركن الخالي. مشت سحائب شفيفة في رأسه. مد يديه بالحساب له وللرجل، ومضى خفيفا مُلتفتا بين الحين والحين للمقهى، أو راكلا حصوات الطريق. بمُصادفة اعتبرها سعيدة جدا، جاءه صوت أم كلثوم، من جوف مقهى قديم آخر؛ فدندنَ الكلمات برأس طروب: "ولما أشوف حد يحبك، يِحلالي أجيب سيرتك؛ يِحلالي أجيب سيرتك وياه".

***

الحمار.. والحمير

أخلى فهمي مكان السجادة في الصالة، فظهرت أرضية السيراميك براحا ممدودا. في ذلك المستطيل المكشوف يتربع قاعدا برأس موزون بعد نوم هنيء بالأمس. اكتشاف الشبيه كان أعظم إنجازات حياته، ويَعِد بشهية مفتوحة للأيام المقبلة. تسري الرطوبة في القدمين الخاليتين من الجورب، فتفرك الأصابع نفسها وتتقوس. في نصف الضوء يلمع طيف الماء على الأرضية المتموجة. يُشير بيده: هنا حد الماء، شاطئ الترعة المنحسر ماؤها، ينحدر بميل. وهنا في طين الشاطئ تظهر لطعات لأظلاف مشطورة، وحوافر صماء كتلة واحدة. يُميز حافر حمارهم من بين بصمات الحوافر المتشابهة. إنه حافر يترك أثرا منتظما مُنسقا في الطين، وذلك لدواعي الحفّ والتشذيب الدائم من الأب المُعتني بحماره العربي الأصيل على أكمل وجه. لا يترك شعره يتجعد بالعرق والوساخة، فمشوار قصير يوم الإثنين، وهو يوم السوق الكبير في البلدة، كاف لإعادة الحمار في تمام الأبهة، بشعر حليق في خطوط رائعة، وربما ببردعة جديدة مشدودة تتدلى زينتها وشراشيبها. أما رأسه فمزدان دائما بالخَدَمة ذات الشريط الدائر من وراء الأذنين، حتى التقائه بسلسلة لامعة تُحدث شخللة لطيفة وقت المشي. إنه الحمار الذي أحبه فهمي مع كثرة الحمير التي دخلت وخرجت من الدار. لا ينسى يوم مجيئه واحتفاء الأب به بطريقة لا تقل عن مقام أي جاموسة أو بقرة. نثرَ الدقيق على مقدمة رأسه، ورفع رجله اليمنى ليدخل الدار بالبركة. أخلى له المكان بجوار الفرن وكَنَسه جيدا، ثم دقّ له وتدا جديدا وألبسه خَدَمة غير التي جاء بها. يومها مكث الأب وفهمي يتأملانه وهو يأكل، وهو يُمشط بحافره الأرض، وهو مائل على جنبه في استرخاء. يتذكر فهمي استرخاء أبيه هو الآخر، ساندا على كوعه في الأرض وقبضة  يده على خده: هذا حمار عربي أصيل. إياك أن تظن- يحكي لفهمي- أن الخيول هي وحدها صاحبة الحق في هذا. الحمير هي الأخرى لها أصل وفصل، وعندنا منها أنواع مثل البلدي والصعيدي والحَصَاوي. حمارنا هذا يرجع أصله إلى هناك.. في ذلك البلد العربي الصغير، حين قرَّرت حكومتهم أن تكون كل الحمير، الزائدة عن الحاجة، هدية لأهل النيل وأرضه، حيث الماء والزرع والقلع. وفعلا جمعوا الحمير في سفينة كبيرة ووصلت لحد شاطئنا. العجيب أن حمارنا هو الوحيد الذي دخل أرض النيل وعاش فيها، لأن باقي الحمير سافرت في نفس اليوم، على مسئولية واحد مُهِم، إلى أفغانستان لخدمة المسلمين في حربهم ضد الرُّوس الكُفّار. وحصل أن رجُلا من أقاربنا شغّال في الميناء أخفى حمارا من هذه الحمير في السر، ونقله لبيته مُتحمّلا المسافة الطويلة وأُجرة عربة تيوتا نصف نقل. ظل الحمار مُعززا مُكرما عنده، ولم يكن ينوي التفريط فيه أبدا بأي سِعر، لولا عيني التي لم تنزل عنه من ساعة أن لمحته. ياااه.. يُمصمص الأب شفتيه: أخذته منه بطلوع الروح. بالفعل رأى فهمي شيئا يستحق في هذا الحمار. كان مختلفا بلونه البني الرائق مع تشبيحة رمادية في البطن والأوراك. رقبته كانت شهباء بصفرة عجيبة. أما الذيل فمنسق مهندم رفيع، والظهر لا هو بالمستقيم الحاد ولا بالمنحني المُقوس. على مثل تلك الظهور شافَ فهمي أياما.. لا ينسى الحمار الفحل الأبيض الذي تعلم على ظهره ركوب الحمير لأول مرة. كان حمارا بلديا عفيّا، ولا يقتنع بمَن يركبه إذا لم يُظهر له الشدة. فما الحال والولد خفيف مثل طوبة؟! في البداية فشل تماما في الطلوع إليه، فلابد من مصطبة أو حجر عال لإتمام المهمة الأولية. بعدها يمشي الحمار في أمان الله، حتى يبدأ التقلقل. مثلا يُرسل إحدى رجليه في رفسة هوائية بهلوانية، أو يقفز قفزات رياضية بلا مبرر، أو يترجرج في مشية عجيبة. حينها يتأكد الولد أن الحمار سيعملها ويرمح به، فيُكلبش في البردعة التي لن تُغني عنه شيئا. سيسف التراب بفمه، ويقوم محاولا اللحاق بالحمار البعيد. مرات كثيرة سيسبقه الحمار إلى الدار، ويدخل ليجده في مكانه مُعززا مربوطا في الزريبة يأكل العلف والتبن. لا يكلمه أبوه ويكتفي بنظرة تحرق الحجر. لكنه في يوم آخر سيلطمه لطمة تخرق الأذن.. والسبب مشوار بالحمار صغير البدن. لم يسمع النصيحة التي جاءته في اقتضاب: "خذ بالك، هذا حمار صعيدي بشعرة زرقاء". طلع عليه بسهوله، وناوله الأب نصف شيكارة الأرز الأبيض فعدلها قدامه، ونغز الحمار بكعبيه فمشى هادئا. لم يحمل هما للمشوار، فدار أخته في نفس البلد. بعد قليل أحس بالشيكارة تميل، فوازنها وحضنها شبه نائم عليها. لم يُعجب هذا المشهد أحد العيال زملاء فهمي في المدرسة، فخرج بغابة قصيرة في يده وحكَّ كِفل الحمار. تمسكَ الحمار، وللحق، بأقصى درجات ضبط النفس، إلى أن أصبح الولد اثنين فثلاثة كل مهمتهم عمل زفة لراكب الحمار ذي اليد الطرية الذي لا يعرف ركوب الحمير. وقف الحمار كأنه يتنمر، وفي لمحة طارت رفسة لبطن واحد من العيال فارتمى أرضا ضاربا بالصوت. لم يسف فهمي التراب، بل الأرز الأبيض الذي اندلق معه في السقطة  فانفك رباط الشيكارة. جرى الحمار هائجا، وبقي هو يلم الأرز مع التراب. اللطمة كانت صاعقة، ظل بعدها يُحس بطنين موجع في أذنه اليمنى. كانت دروس سفّ التراب واللطمات لازمة للوصول إلى ركوب مرتاح وهادئ وأحيانا مُختال. فمَن يراه مُثنيا رجله على البردعة، ومُرسلا الأخرى في اهتزاز بندولي؛ سيعرف أن الولد يريد وضع إصبعه في عين مَن اتهموه بالخيبة وطراوة اليد. وحين جاءت مرحلة اللابردعة تعلمَ أن يستقر في المثلث المُريح نسبيا بآخر الظهر المكشوف، ويتزن بثبات حتى مع جريان الحمار. مضى في تجريب أشكال المناغشة بحك الظهر الحاد بالعصا، ليرى الهياج والقفزات العصبية. كل هذا والأب يراقب ذلك الحمَّار الفارس الصغير، ويستأمنه على الضيف الجديد الغالي الآتي من بعيد. عادت الحكايات ولحظات الاضطجاع ساعة العصرية: كل الأنبياء تقريبا ركبوا الحمير، والنبي محمد عليه الصلاة والسلام كان عنده حمار اسمه "عُفير" أخذه هدية من حاكم مصر أيامها. يضحك ويضحك معه الولد الذي لا يعرف ماذا يقول عن هذه الحكايات. هل هذا الحمار هو عربي أصيل كما يقول أبوه فعلا؟ بالتدريج سيمحو هذا الحمار كل ما كان قبله، لدرجة أن الولد أَحَبّه منذ استقر على ظهره في الركوب الأول. وجد نفسه مطمئنا، فلا احتراس مبدئي بعفق رأس البردعة، ولا عصا أو لجام حديدي للتأديب كما حصل أيام حمار الشعرة الزرقاء. حلّ التهادي مع الخطو المُنغَم والاستمتاع بفرد الذراعين بطولهما مثل طائرة. هل تطير الحمير؟ كل الحكايات المسحورة كانت عن خيول بيضاء بأجنحة وليست عن حمير. ما السبب؟ هذا حمار جميل وقادر على كل الأدوار. سيمضي معه الولد إلى ألعاب ورؤى مُبتكَرَة. حين يكون فوقه وينحرف به ناحية الترعة طالبا الماء، ينزل ويتركه يخطو نازلا مُدليا رقبته. يقف مراقبا البلعات المتتالية في الرقبة والأذنين المنتصبتين للأمام. يرفع الحمار رأسه، وتختلج شفته السفلى المدلدلة بآخر القطرات. الولد فهمي يفكر أن الحمار يقول: الحمد لله! بعدها يستدير طالعا إليه، وبجواره يقف. يبتسم الولد: إنه عاقل ويفهم، والله العظيم عاقل ويفهم! ليس هذا فقط، بل إنه يراهن على أن هذا الحمار يُحس كبني آدم. نظرة عينيه فيهما شيء عجيب. إن رأسه تعلو وتهبط بالعينين كأنه يريد أن يرى الولد من فوق لتحت. يقترب أكثر ويدس أذنيه في صدر الولد بحركة حميمية مُناغشة تستدعي احتضان الرأس وتقبيل المفرق بين العينين. لا يركب فهمي، ويتبختر ماشيا جنبه ساحبا من الشريط المتدلي بينهما. إنه لا يقل عن منزلة البقرة البُنية المُرقطة، التي عرفها فهمي أيام عذابه الكبير مع الحمير. جاءت لتُنسيه مرارة سفّ التراب بعد كل هَبدة وأختها. كان دوره أن يذهب بها في الصباح ويربطها بوتدها في العريشة على رأس الغيط، ثم يعلفها من كوم التبن الصغير المتكوم مع قليل من العلف. قبل المغرب لابد أن يأتي بها في ساعة الطراوة الرائعة تلك. مرات كثيرة مشى جنبها، ساحبا الحبل المرتخي، ومرات أخرى كان يُرسل الحبل على ظهرها ويمشي هو في الخلف. أية طمأنينة كانت تبعثها بمشيتها المتهادية المنتظمة، بل أي جمال ذلك الذي ينتظم في الجسد والسيقان والرقبة المنسابة! مشاوير كثيرة أتاحت له تناغما وانسجاما مع ذلك التكوين الرباني، بل فتحت المجال لافتتان آخر بعيد. لقد أحبَّ الهنود لتقديسهم ذلك الكائن، والْتَمسَ لهم العذر لأبعد مدى. رأى نفسه في الهند مع بقرته التي تمشي على راحتها مثل ملكة تشق رصيف الشارع. على الجنبين بشر يتزاحمون في الانحناء، فيما هو يرد التحيات بالنيابة عنها! إنه يريد لحماره نفس المكانة بعد ضياع البقرة في ظروف غامضة على فهمه. رقدت فجأة وتمددت وسالت عيناها، فباعها الأب لتخلو الدار على الحمار الجديد. في أي بلد سيسير بحماره؟ لم يسمع عن بلد تُقدس الحمير! لا يهم اسم البلد، فهو وحماره ماشيان جنب بعضهما على السِّكَّة كأنهما في أي بلد. وها هي أعواد الذرة يلاطفها الهواء فتنحني لمرورهما. يرفع الولد يده ليرد التحية الواجبة. بعد الذرة تنكشف مساحات القطن مثل أجساد نائمة إجلالا للموكب المار، فينحني انحناءة ركوع كاملة أمام شجيرات القطن القصيرة. سيكمل المشوار ماشيا إلى الدار، مُجيبا على كل تحيات التقديس المُقدَمة من كافة أشكال الجماهير النباتية: أشجار الصفصاف ذات الشعور الهفهافة، الكافور العملاق مثل عواميد، الجميز المُلتحي بالشيخوخة، التوت بفصوصه القرمزية والبيضاء. وسط كل ذلك الإجلال يطلع أمامه، لا يدري من أين، واحد فلاح ويقول له إنه يُذكِّره بجحا وحماره! لم يضحك لهذا التشابه الماسخ مثل وجه الرجل. فهذا ليس حمار جحا، وهو ليس جحا الذي نزل هو وابنه من على الحمار. هذا حمار عربي أصيل يأتي إليه الجميع. آخرهم كان هذا الماسخ. جاء بحمارته الممروضة، الهائجة بحركات عصبية تفتح وتقفل من الخلف، فضلا عن حنكها الذي راح يجتر بشفتين منفرجتين سائلتين باللعاب. أخرج الأب حماره الذائع الصيت في هذه المسائل. قرّبوه من الحمارة ليتشممها ثم يبدأ في طقوس الاعتلاء. راقبَ فهمي الحمار وهو يقترب ببطء. تمنى ألا يفعلها هذه المرة مع تلك الجرباء. هل كانا معا على تخاطر؟ فلا رجاءات ومُحايلات الدنيا كلها كانت ستنفع في إجباره على اعتلاء تلك القبيحة التي لم تملأ عينيه! بعد هذه الحادثة، سيقول واحد للأب إن حماره يجعلهم يشعرون أن حميرهم أبراص. أصبح لازما أن يراجع كل واحد نفسه قبل أن يأتي بحمارته. كم حمارة استهوته ووقفت هائجة تحته، تتلوى من ذلك الشيء الطويل المغروز فيها! لكنّ الحمار مطلوب منه أن يحتمل وحده عبء هذه المهمة الجليلة، فقد تطورت الأمور إلى حد اصطفاف إناث الحمير بالدور على مدار اليوم، وبادر الكثيرون بالإتيان بالبرسيم والعلف والفول على شرف الحمار. كل هذا وهو ماض في مهمته كأكفأ ما يكون. لم يفتر حماسه للحظة، إلى أن دخل عامل جديد ومهم في الموضوع: بعض القرى الأخرى سمعت وجاءت بحميرها لطلب القرب! لقد كبر الموضوع فعلا، ورأى فهمي أنه لم يعد يخرج بحماره منذ انشغاله بمهمته العظيمة. عرض الأمر على أبيه، فوافقه رفقا بالحمار. خرج به في مشوار بغير هدف، وعلى امتداد السّكة كانت بعض الحمير الذكور عارية وسائبة على المصرف. أحس فهمي بشيء غريب يحدث لحماره، فقد أبطأ الخطو وأحنى رقبته للأرض، إلى أن تَكلْبشَ تماما في مكانه. نزل من فوقه وملّس على رقبته ولاطفه ونظر إلى عينيه، لكنّ عينيّ الحمار كانتا غريبتين وغائبتين في الجهة الأخرى. ركبه وحاول معه من جديد، ولا حياة لمَن تنادي. هذه أول مرة يحرن عليه الحمار بهذا الشكل. انتبه إلى الحركة غير المستقرة للظهر المتقلقل تحته، للسيقان التي تتخلخل. ثم مرة واحدة يندك ساقطا هذا الكيان مثل انفراط مسبحة، راميا بالولد على السكة، حيث يوجد دائما سفّ التراب.

***

السيِّد

هذا يوم الأشياء التي كان فهمي يجمعها بلا هدف سوى أنها قديمة، تنتمي لزمن عاش فيه بشر مشوا ودبّوا على الأرض في يوم ما. هناك إحساس يتملكه تجاه القديم، ويأخذه إلى أنفاس تسكن شقوق الطوب في البيوت العتيقة المتهالكة، أو رائحة بسبوسة في صفحات صفراء لكتاب قديم. تشده جرائد الأزمنة التاريخية، فتنزرع العينان في العناوين المكتوبة بالرقعة بيد خطاط، والصور التي تُغطيها شوارب ووجوه هزّت الدنيا وقتها. يفكر أن كل قديم خالد بشكل ما، وإلا لما بقي للآن. تسحبه شيئا فشيئا فكرة الخلود. إنها حقا فكرة جبّارة: ماذا يفعل الإنسان ليُخلّد نفسه؟ لو كان للخلود طريق، فهل سيختار كل الناس المشي فيه؟ قف الآن يا فهمي: أشياؤك في المكتب، فامشِ إليها. هذا يومها. أخرجَ الطربوش الأحمر، وصورة أكسبتها الأيام صُفرة حميمة. لبسَ الطربوش وقعد على كرسي المكتب فاردا الصورة التي تأخذ ثلث صفحة كاملة من جريدة. هنا سبعة أشخاص فوق أرضية من الرخام ذي المربعات المنتظمة. خمسة منهم في زي الحرس بالصديريات والحزام والسراويل والبنادق ذات السونكي المدبب. في الأمام شخص أجنبي بشعر باروكي، وعلى جسده ينسدل رِداء عِلمي أسود. يمشي إلى جوار الأجنبي ذلك الذي عليه العين: أحمد عُرابي! إنه الوحيد الذي رسمه فهمي في صورتين، ومن يومها وهو يتمزق بسببه. فمنذ أن أطلقت أمه مقولتها الخالدة في نفسه؛ وهو لا يكف عن تفسير السر وراء تلك الكلمات العادية التي التقطت الفارق في الملامح: إنه ليس نفس الشخص. لقد عرفت أمه كل شيء من أول نظرة، بينما لزمته أعوام طويلة في رفقة عُرابي ليعرف. في كل هذه الجولات المرهِقة، وبامتداد السنوات، ظل محافظا على النداء الذي اختاره لمخاطبة عُرابي حين يكونان معا: سيدي. في الصورة التي أمامه اثنان في المقدمة يخطوان نحو القاضي والحراس الخمسة في الخلف. أصبح هو وسيده في الأمام بعدما أزاحَ المُحامي الأجنبي لاعنا إياه: يا مُخنث، كيف يترافع واحد أجنبي عن سيدي وأنا موجود؟ حتى في هذه اللحظات الأليمة لن يترك سيده وهو يخطو إلى مصيره البائس. حين رآه آتيا برفقة الحراس وذلك الأجنبي، أخذه منظر الجسد الذي نحف في الرداء الطويل جرّاء أيام السجن. كان الطربوش القصير مائلا بزيادة للوراء وكاشفا مقدمة الصلعة والشعر الأبيض الذي انسحب على الذقن المهوشة والشارب المتهدل. قبل أن يبدأ فهمي مرافعته؛ شرب ملامح سيده ومضى هادرا: على مثل هذا الشارب وقفت الصقور أيها القاضي، ولمثل هذا الشارب انحنت الرؤوس أيها القاضي. لا تنس أنك تحاكم السيد الذي ألقت الأمة إليه الزمام طواعيةً. أكثر من خمسمائة من العلماء الأعلام والذوات الفخام ووجوه البلد وأعيان المملكة ومُعتبري الأهالي، فوضوا إليه الأمر في الوقت الذي كان فيه أفندينا توفيق باشا خارجا عن الشرع لابدا في حضن الإنجليز هناك بالإسكندرية التي بدأوا بها. أتعرف أيها القاضي ماذا قال أفندينا عندما سأله أحد الذين في معيته عن مصير الإسكندرية لو أحرقها الناس أو ضربها الانجليز؟ لقد قال: "فلتحرق المدينة جميعها ولا يبقى فيها طوبة على طوبة، حرب بحرب. كل ذلك يقع على رأس عُرابي وعلى رؤوس أولاد الكلب الفلاحين". أنت لا تعرف أيها القاضي شيئا عن خيانة العُربان في واقعة القصاصين رغم ثقة سيدي بهم، لا تعرف بريق فلوس الإنجليز التي وزعها محمد سلطان باشا حبيب سيدي القديم وأول مَن طعنه في ظهره. لا تعرف أن سيدي كان يحارب في وقت واحد ضد الخديوي والإنجليز والسلطان العثماني والخونة في الداخل وديليسبس في القنال. لم تسمع بالتأكيد شيئا مما قاله أحد الأوباش لسيدي بالأمس عندما دخل عليه في زنزانته: "يا عُرابي يا ابن الكلب، تسب مقام الخديوي وتخرج عن طاعته وأنت لا تساوي كلبا من كلاب أفندينا". وكيف تسمع وقد كنت وسط عائلتك تتسامرون بآخر الأخبار. يتوقف فهمي ليلتقط نفَسه، فيرى القاضي ذاهلا مأخوذا من شدة لهجته. (فلتنذهل أو حتى تأتيك الجلطة أيها المُربرب الغائص في النعمة. بودي لو قلتُ كل شيء، وقلبت عليكَ هذه المنضدة واستمتعتُ بِعَض مؤخرتك الطرية. لماذا كلكم تتشابهون لهذه الدرجة؟ خُلقتم لتتخذوا القرارات، ونحن خُلقنا لنفرح أو نبكي تبعا لتلك القرارات. قد نفرح نحن العيال ونمسك النجوم بأيدينا. أنا العيِّل في سنة خامسة، وكل العيال، فرحنا ورقصنا عندما ألغوا الصف السادس الابتدائي، وقلنا سنكون في أولى إعدادي السنة القادمة. أخرجنا الألسنة للعيال في السادس وانتشينا لهذه المساواة المفاجئة. في الإعدادي كانت أياما حُلوة تلك التي انقسم فيها الطلاب إلى معسكرين: الأصغر والأكبر، الذين جاءوا من خامسة والذين جاءوا من سادسة. لم يغفر لنا الذين يكبروننا بعام، وظلوا في مجموعاتهم تبين عليهم فروق الطول والملامح. استغرق الأمر سنة كاملة بطولها ليحدث الامتزاج والتداخل في المقاعد والأفكار. حتى بدخول الثانوي كان من السهل تمييز اثنين بمجرد النظر: هذا من خامسة وهذا من سادسة! وبالوصول إلى الثالثة الثانوية، سنة العمر، كانت كل الرواسب قد لفّها النسيان. هل تعرف لماذا أيها المربرب؟ ببساطة لأننا تجمّعنا كلنا في مصيبة واحدة اسمها الدفعة المزدوجة. عامان في عام واحد، عدد مُضاعَف من الطلاب لابد وأن يجدوا لهم أمكنة في الجامعات. والحل بسهولة أن يرتفع التنسيق ارتفاعا مهولا لتحديد الأعداد اللازمة لكليات القمة. أُجْبرَ الجميع على التنازل خطوتين لأسفل مستوى الحُلم. في القسم العلمي مَن كان سيدخل الطب نزل بالكاد ليلحق بالهندسة تاركا كل أنواع الطب والصيدلة، والنتيجة أن لا أحد في البلدة دخل الطب في تلك السنة. أما نحن طلاب الأدبي، أصحاب الدرجات العالية، فقد تناوشتنا الرغبات في البداية: الألسن، السياحة والفنادق، الاقتصاد والعلوم السياسية. أنا شخصيا لم أكن لأتنازل عن الألسن كي أتمكن من لغة أخرى وألفّ العالم. كلنا دخلنا التربية في النهاية، وأنا الآن مُعلم أُدرس أشياء لا يهتم بها أحد. كل ذلك أيها المربرب بجرة قلم وقرار قديم من وزير تعليم كان مثلك من رجال القانون. أتريد أن تضحك على حالي أكثر يا كُتلة الدهن التي تُحاكم السيد: لقد أعادوا الصف السادس مرة أخرى منذ سنوات بقرار من وزير آخر! وأنت، ما القرار الذي أعددتموه سلفا لسيدي؟ الإعدام؟ المؤبد؟ السيد اعترف بما فعل، وسلّم نفسه واقفا ولم يهرب. اقتنع أخيرا أنه كان يحارب الجميع، وبالتالي لابد أن تنطفئ الشمعة. حاربَ الكل وأنا لا أجد عدوي لأحاربه وأمد يدي في كرشه. عدوي الذي كافأني باختصار سنة دراسية من عمري، ثم سحب مني بقية هذا العُمر..).

  استفاق فهمي بعد شروده لدقيقة. شرب نصف كوب من الماء، فابتل ريقه وأصبح جاهزا لإكمال المرافعة. لانت ملامح القاضي وانبسطت قليلا. هل هذه مقدمة للتعاطف؟ نفض رأسه من هذا الخاطر: هؤلاء لا يتعاطفون أبدا يا فهمي، فلتكمل بنفس الحِدة. سحب نفَسا إلى العمق، فاتسعت فتحتا أنفه. نظر إلى صمت سيده الواقف بجواره مهدودا، وأرسل إصبعه في وجه القاضي: لقد كنت حاضرا مع سيدي ورأيت ما لم تره أيها القاضي. بجسدي هذا قعدت في مجلس ضم سيدي مع سلطان باشا وعدد من أعضاء مجلس النواب. هل تعلم مَن الذي أشار بقتل الخديوي؟ إنه سلطان باشا! والأدهى أنه استفاض في الكلام وقال "اقتلوا الثعبان سلالة الجناة الناهبين الذين باعونا للأجانب". رفض سيدي تماما ما قاله الباشا رئيس مجلس النواب، وهو الذي لو أراد أن يأتي برأس أفندينا لوجد مَن يأتيه به قبل أن يقوم من مقعده. الآن يريد أفندينا والإنجليز رأس سيدي بأي ثمن، ويكافئون سلطان باشا بعشرة آلاف ليرة ولقب الشرف الإنجليزي "سير". من اللحظة هذه، سيناديه الخديوي نفسه هكذا: جناب السير سلطان باشا! وبإمكانه أن يدير ظهره لكم جميعا ويذهب إلى بلاد الإنجليز ويعيش هانئا مُعززا بلقبه، تاركا الفرح للعريس والسجن للمتاعيس. السجن الذي يُبهدل النفوس ويُمرغها في التراب قبل الأجساد. أكيد لم تعلم أيها القاضي أنه بالأمس جاءوا بمحمود سامي البارودي باشا ليواجهوه بالأستاذ الإمام محمد عبده. كلاهما جاء من زنزانته ووقفا أمام المُحقق. الإمام مصمم على وجود البارودي في قُشلاق عابدين لحظة أن حلف الضباط اليمين على المصحف وتعهدوا بالحفاظ على النظام ومنع الخلل. سيدي حضر هذه الواقعة وأنا معه، وبعيني رأيت البارودي باشا وكبار الضباط وسمعتهم يرددون كلمات اليمين. كنا في حجرة علي باشا فهمي بالقُشلاق، بدعوة اقترحها البارودي باشا بعد أن نما إلى علمه اعتزام بعض الضباط عمل هياج. لبّى الأستاذ الإمام الدعوة وقام بتحليف الحاضرين اليمين الذي ما زالت كلماته تخرق أذني: ".. وأن أحافظ على النظام وعلى القانون العسكري... وإذا حنثت بيميني هذا، فأكون مستحقا لقطع الرقبة وشق الصدر وأن أكون محروما من مزايا الإنسانية والآداب". في التحقيق بالأمس، قال البارودي في وجه الإمام إن ذلك لم يحصل، وزاد على ذلك أن "الشيخ محمد عبده يكذب". هل تريد أن تعرف أيها القاضي حال الإمام بعد أن رجع إلى زنزانته؟ جلس يكتب رسالة لأحد أحبائه: "إنني اليوم أعجز من المُقعَد عن طلوع النخل، ومن المُفلس عن حرية التصرف، وقد صار سقوط الجاه كمرض يصيب الجميل الفاتن، فيُنحف الجسم، ويُغير اللون، ويُقلص الشفاه، ويُضعف القُوى..". إنها النفس الإنسانية أيها القاضي، هذا الكون الأصغر المغلق، الكون الأصغر..

  كان صوت فهمي يسرح بالكلمة الأخيرة فيما يشبه الهمس. لم ير تلك اللمعة الشاردة في عين القاضي. هل يُنهي كلامه عند هذا الحد؟ لا يبدو أن القاضي تبرمَ من دفاعه المقتحم، بالعكس كأنه يقول له: أكمل يا أستاذ، إنني أسمعك. المفاجأة أن سيده هو الذي أشار بالاكتفاء! بدا مُرهَقا وغير قادر على تحمل الوقفة أكثر من ذلك. سمح القاضي لهما بالانصراف، وعلى باب قاعة المحاكمة ودّعَ سيده بطبع قبلة على كتفه، وتركه محاطا بثلاثة حراس في الطريق إلى الزنزانة. وقف فهمي مفكرا، كان يريد أن يستفيض، يحكي كل شيء، يُخبر القاضي بكل الذي رآه حتى لو انتهى به المصير رفيقا لسيده في زنزانة واحدة. إنه لم يقل إلا القليل، لكنه عاد وتذكرَ درس الأمس من الحمار الأصيل. لقد أنهى سيده مرافعته بإشارة جاءت في الوقت المناسب. إلى أين كان سيمضي في كلامه الناري؟ إلى القمة حيث دائما تقعد النهاية فاتحة ذراعيها؟ هذا أوان التعري، أوان أن يخلع ملابسه في قاعة المحاكمة على مرأى منهم جميعا: الخديوي وقائد الأسطول الإنجليزي الأميرال سيمور وسلطان باشا وكل الحاشية المباركة، بل كل السادة المسجونين على ذمة سيده. منذ زمن وهو يحلم بمواجهة أمام كل هؤلاء، لا مجرد مرافعة من طرف واحد قُدّام قاض غير مهتم وقضية محسومة مُسبقا. إنها ليست مواجهة بقدر ما هي محاولة مستميتة للفهم. يريد أن يعرف رأي كل واحد في أمور ترج القلب وتزلزله. أولا: سؤال مُوجَه للأستاذ الإمام: كيف أيها الإمام نُحس بروحنا في داخلنا وقد انقسمت إلى أرواح متداخلة متضاربة، هل من الممكن أن يأتي يوم تثبت فيه هذه الروح على هيئة واحدة دون أن ندفع ثمنا غاليا؟ ثانيا: سؤال لحضرة أفندينا الخديوي: ما هي أحوال والد جنابكم الخديوي المخلوع إسماعيل باشا، ومتى رأيته آخر مرة؟ وما حكاية الإشاعة القائلة بأنه يعيش في ملهى ليلي بأوروبا ويقعد تحت أقدام المومسات؟ ثالثا: سؤال لمعالي سلطان باشا: جنابكم نال الرضا السامي من الخديوي والباب العالي والإنجليز، ما رأيكم في طبخ الملوخية على الطريقة الإنجليزية؟ سيسألٍ فهمي كل ما يود أن يسأله. لن يوقفه شيء. وسيختار أن يخرج من المشهد بوداع يليق بسيِّده. انتهى الأمر وصدر قرار النفي خارج البلاد. صحِبَ أمه بجلابيتها السوداء من ذراعها، وانتظر مع المنتظرين أن يصعد السيد إلى السفينة. ها هو آت يحوطه الحراس من كل جانب. لم يتمكن من مد يده بالسلام، واكتفى بتلويحات متواصلة في اتجاه سيده. كانت الأم هي الأخرى تُلوح، فقد عرفتْ السيد المغدور لأول وهلة من إحدى صورتين رسمهما فهمي له قديما. 

***

العَهْد

ثلاثة أيام كاملة، واليوم هو الرابع. يحاول فهمي أن يُجرب صوته بعد هذا الصمت. خرجت حروف الهاء والسين والصاد في تتابع لاهث وغير مفهوم. فهِمَ أنه الخَرس الذي سَيُمكّنه من الالتحام بهم، بل الصراخ مثلهم بحُرقة كظيمة. اندسَ في مُظاهرة الخُرس على الفور ورفع قبضته صائحا مع القبضات المعروقة. تعلقَ بصره بالمحمول على الأكتاف هناك في المقدمة. من هذه المسافة، يمكن رؤية عروقه الحمراء المنتفخة بالدم الحار وهو يهتف: هابا هابا. يستجمع فهمي قواه الصوتية المتبقية ويختلج حلقه المُنهنه مُرددا معهم: هابا هابا. يرتج شارع رمسيس من نحيبهم المأساوي، في ذلك الليل الخريفي المُرطَب بالنسمات: ليل الثامن والعشرين من سبتمبر 1970. تصطك ضُلف الزجاج على مداخل المحلات لوقع الهدير المكتوم، لامتداد النشيج الممطوط: هاااابا. كان عددهم حوالي المائتين، يمشون باندفاع في قلب الشارع العريض المُصطَف على جانبيه بشر دامعون للمشهد الخارق. حادت العربات وتوقف سائقوها احتراما، وإشارات المرور دامت على الأخضر كي يمروا وإلى الأبد. هذا التفرد الأخرس التاريخي أعطى فهمي ما كان يحلم به، وهو أن يَمنح إنسانا لحظة حقيقية واحدة، لحظة شرارة، رعشة، شجن. كل الواقفين الناطقين المصطفين على الجانبين؛ كانوا يعيشون هذه اللحظة: لحظة حزن عميق ومختلف على موت الزعيم. الزعيم الذي ظلت أمه تقول عنه دائما إنه الغالي؛ مات اليوم كما يموت كل ابن آدم. وحدها الأم هي التي خلّدتْ لدى ابنها لحظة الموت الرهيبة. كانت في الثانية عشرة حين هاجت القرية كلها، مثل قُرى أخرى عديدة، وخرجت وراء نعش رمزي. قالت له إن خيالها أيامها صوّر لها أن "جمال" في النعش فعلا، وأن هذه الجموع المتلاطمة ذاهبة به ناحية المقابر. بعد ذلك أحضر أبوها الفلاح صورة للزعيم وعلّقها في بيته، لتظل في مكانها أمام عينيّ البنت حتى زواجها. وحين مات الأب ذهبت بنفسها وأتت بشيء من رائحته.. أتت بصورة الغالي –كما كان يقول- وثبتتها في حجرة الجلوس أسفل المرآة. لم يعترض زوجها على الصورة ولا فتح سيرتها كأنها غير موجودة. فهمي يعرف كل ذلك وأكثر.. فقبل عامين من اندماجه في مظاهرة الخُرس، رأى بعينيه الموت الأول للزعيم. هناك في بيت الرجل الوقور حضر الجلسة بصحبة أحد أساتذته. كانوا ينتظرون وصول الزعيم على قلق، فيما الوقور يطمئنهم ويشير إليهم أن يتسلوا بالبرتقال الذهبي اللامع تحت أشعة الشمس الداخلة عبر ستائر بلون النبيذ. يأتي رجل أسمر شاحب ويميل على أذن الوقور، فينتفض واقفا: الرئيس وصل! يقفون جميعهم وقفة أشجار مزروعة، ويدخل عبدالناصر.. شجرة مهيبة بلا اسم، تنتمي لفصيلة زُرعت على جسور النيل. يشير إليهم أن يقعدوا. يتأمله فهمي في جلسته المائلة للأمام: كفاه في بعضهما، خطوط جبينه أعلى الحاجبين، سواد تحت عينيه. يمد يده ويلتقط واحدة من اليوسفي. أصابعه طويله وأظافره قصيرة. يتحرك فمه ببطء يليق بفكر مشغول. يشير ناحية الوقور: برتقال في الصيف؟ يضحك الوقور: من باريس يا ريّس! يتجمد فم عبدالناصر بعد بلعة شاقة، وبيده يُخرج آخر البذور. يهُب واقفا. كلهم وقفوا. الشجرة وقفت مرة واحدة، فأمسك فهمي نفسه كي لا تتخلخل ساقاه. استدارت الشجرة وفي ذيلها دوامة الهواء. أشار الوقور للرجل الشاحب أن يوصل الرئيس إلى منزله، وطلب منه هامسا أن يأخذ باله. لا أحد يملك الآن إلا الصمت حتى يعود السائق بالأخبار. ما الذي حدث؟ طمأنهم الوقور: لابد أن الرئيس تذكرَ موعدا هاما. مشت الثواني تكة تكة في الأعصاب. تأخر السائق. وحين رجع أكثر شحوبا، لم يزد عن كلمات معدودة: الرئيس خبط بيده المقعد من ورائي، وكزّ على أسنانه قائلا بصوت محبوس: الكلاب.. البلد مُحتلة وهم يأكلون من باريس! خرج فهمي من هذا اللقاء ليرى عجبا. مئات من الحيوانات المتباينة التي لا يمكن أن تجتمع: أرانب بيضاء ذوات أنوف مختلجة، شياه وخرفان في قطيع، خيول بديعة مسرجة، حمير، جواميس، بقر، كلاب بألسنة حمراء مدلاة وأنياب لامعة، قطط شوارع جنبا مع قطط البيوت، فئران دائمة القضم لشيء وهمي، مُسوخ متداخلة من عدة كائنات.. لقد قامت القيامة يا فهمي، وها هو البعث الحيواني كمقدمة في تلك الساحة التي وُجدت هنا فجأة. أين الفلل والسرايات الفخمة وسط هذا الخلاء؟ اختبئ يا فهمي، فأنت لا تعلم مطموس الغيب، اجرِ وأنقذ نفسك في يوم لا ينفع فيه حبيبٌ حبيبه. سيموت الزعيم حالا، والمسألة مسألة وقت. كل شيء انتهى، لكن: ألن تقول كلمتك يا فهمي؟ إذا قامت القيامة وفي فمك كلمة قُلها. ماذا أقول في هذا الخلاء؟ هذا ليس خلاء، هذه الحيوانات هي أرواح مَن سبقونا. مع مَن تريد الحديث؟ اطلب أي اسم وستجده يتقدم نحوك. يتذكر فهمي جيدا الاسم الذي نطق به: أريد مولاي الجبرتي. على الفور يتهادى من قلب هذا الجيش الحيواني حصان ملوكي أشهب. أريد العهد يا مولاي. أي عهد تريد؟ عهد التاريخ واللغة. لك اللغة، أما التاريخ فأنت حر فيما تقول. ماذا أقول يا مولاي؟ أنت تعرف. أنا لا أعرف إلا ما رأيت وقرأت.. أنت يا مولاي مع شيخنا ابن إياس وكل شيوخنا كتبتم عن العامة ككل هلامي هائج لم يتميز فيه واحد. أريد تاريخا يبدأ من تحت ويصعد إلى فوق، لا أن يبدأ من فوق دائما، وإذا نزل إلى تحت رأى كتلة من الدهماء مجهولي الكينونة والعنوان. لك ما تبغي، لك مِني عهد لغتي ولغة مَن سبقني، ستكون في يدك جارية جريان الماء في النبع، لكن عليك أن تنتظر عامين من الآن لتمحو لغتك وتأخذ لغتنا. أمر مولاي. يا الله على الذي حدث في تلك الليلة. ظل فهمي واقفا في حالة جرد مُتعِب لذاكرته. عندما يتذكر اسما يناديه فتأتي روحه سامعة مُلبية. نادى على الكبير "محمد علي" فخرج كائن هيئته عجيبة، له رأس إنسان وجسد خفيف متقافز ليس له شبيه. سعد باشا زغلول جاء زاحفا يئن تحت الصَّدَفة الصلبة. لم يتعجب فهمي، ولم يسأله عن سر سريان روحه في سلحفاة. مصطفى كامل: عصفور أخضر يرفرف على الأرض دون أن يطير. مضت لعبة النداءات بلذة مدهشة: قُطز، بيبرس، الرشيد، المعتصم.. أسماء عديدة نطق بها، وكان عليه أن يُتمَّ العامين كي يتحقق ما قاله مولاه الجبرتي. أن يفوز باللغة، ليكتب ما يريد. وها هو العهد البار يأتي في تمام التوقيت الذي أصبح فيه فهمي بلا لغة أصلا. فبعد أن مشى في مظاهرة الخُرس لوداع الزعيم، وعرف نفسه واحدا منهم؛ آمن أن لغته ذهبت عنه لتحل محلها لغة العهد الذي أخذه من مولاه. لغة تُكتب ولا تُنطق. سيكتب فهمي تاريخ رجل عَرَفه ولازَمَه في عُصور غائمة وعَصيّة على التحديد، فمن غير المفيد أن يُتعِب نفسه بالبحث والسؤال عن وجود تلك الحوادث بالأمس أو من ألف عام؛ طالما أنه عاش وقوعها وشهِدَ على معظمها في يوم كان جزءا من شهر، وشهر له موقعه من سنة. الأهم أنه إذا قُدّر لهذا التاريخ أن يُنشَر فسيعلم الجميع كم كان ذلك "الجبالي" العارف المجهول جديرا بالذكر، وكم كان هذا المؤرخ المعدوم "فهمي بن عبد البر" وفيّا لعهد مولاه، أمينا في تدوين ما رآه بعينيه أو سمعه من أهل ثقة:

***

ذِكرُ أخبار "الجِبالي" .. وما كان من أمر الناس فى زمانه من الملوك والموالي

 (بعد كتابة حوادث تلك الأيام لشيخي "الجبالي"، رحمه الله وأدامَ محبته في قلوبنا؛ ذاعَ ما كان من أمره وحصلتْ أمور عجيبة.. إذ عملَ النسّاخون ليلا ونهارا لسد حاجة الأيدي الممدودة والطالبة لما كتبناه عن الشيخ وأيامه. وزاد الأمر بأن ضربت الناس حُمّى التفتيش عن مخطوطات مُشابهة في التكايا والسراديب. حتى أنهم، في حَمِيتهم واستماتتهم في السعي، بقروا البطون الضخمة للفئران المُسترخية؛ لإخراج صفحات لم تُطْمَس بشكل كامل.)

هو "الجبالي بن سليم الراضي".

روى نسبه "أبو محمد الهامِشي"، وشهِدَ بذات النسب "أبو الهَم الأزلي" و"الغلبان" وغيرهم ممن قالوا في الرجل وأيامه. أما وأنني قد صحبتُ الشيخ، وقعدتُ منه مقعد المُريد، ناقلا عن لسانه لبضع سنين، فأقول: "الجبالي بن سليم الراضي" رجل من غِمار الناس. له وجه لحيم، عظيم الخدين كأنهما من زُبد. عيونه تلمع بماء العافية والصفاء. كان يكبس فوق رأسه غطاء مستطيلا يشابه أغطية رؤوس الطباخين فى مطاعم الكبراء، ويلبس جلبابا مهولا يحوى جرما عظيما تراه فتقول: سبحان من خلقنا وخلقه! ويزيد "أبو محمد الهامشي" في بعض ما له فيقول: وكان له صوت حُلو، إذا ترك نفسه للإنشاد والغناء أمكن سماع الجوقة من العصافير وسائر ما يصدح من الطير تجاوبه الترجيع، والكلاب والفئران والقطط تستنيم فى قطيع واحد متحد، ويُسمع للسيوف صليل هامس، ولهوام الليل صرير ناعس. والكثير الكثير قيل فى ذلك. إلا أن الرجل بما أُوتي من بسطة في جسمه، كان على خلاف ما ذكره المتكلمون حين ألصقوا النجابة والفطنة بالنحافة عنها عند نقيضتها السمنة، فقد كان -رحمه الله- فطِناً لمّاحاً، حاضر الذهن، يقظاً، بقلبه حرارة دائمة لا تبرد. قال "الورقي": ولما كان الجبالى على هذه الحال، جفل منه الناس، وصاروا إذا قابلوه فى طريق أو التقوه فى مجلس وسّعوا له وأخلوا المساحات. لكن ذلك كله بخلاف ما ورد من سيرته التى ذهب ناقلوها إلى أنه كان ذا قلب صغير وعلى صغره هذا كان- قلبه- واسع المحبة، محيط بأشكال الرحمة.

  ذكر "سعد بن سعيد" أنه فى عزلته الأولى، زمن شبابه وقت أن ضاقت نفسه بالناس والدنيا، سار فى طريق مقفر، ولما عزّ عليه أن يجد كائنا مَن كان على سبيل المؤانسة قعد يقول لنفسه: ما أبأسني من رجل! وهل خلت الدنيا حتى من الثعابين؟! وبينما هو سادر في غمه خرجت له حسناء لم ير لحسنها شبها، ولا للطفها مثلا. ولما دنت منه استبقاها ليستوضح أهي من الإنس أم من الجن، فلما عرفها إنسا من لحم ودم قال لها: ما أراك إلا بائسة مثلي، فما الذي جاء بك إلى هنا وأنت على هذه الحال من الفتنة؟! قالت: إننى أبحث عن رجل أبغيه. قال: وما اسمه ومن أى بلد؟! قالت: لا أعرف. لقد قالت لي ضاربة الودع إن رجلاً وُلد تحت الأرض هو من تبغينه زوجا، وأنا على حالي منذ خمسة أيام. حينها أدار الجبالي رأسه متفكراً. وبحلق بعينيه المهولتين فيها، ومد إصبعه الطويل فى شحمة أذنه كأنه ينفض ما سمع أو يتبينه ثانية. لقد عادت إليه فجأة الحكاية القديمة التي قالوها له كثيرا: إن أمه، عندما كانت حُبلى فيه، راحت تُعفر التراب على وجهها، وتخمش خديها، فيما الرجال ينزلون بزوجها "سليم الراضى" إلى قبره، ولما لم يقدروا عليها انفلتت منهم واستلقتْ مُتشنجة بجوار سليم وقالت: ادفنونى معه! وكانت تصرخ لا من حزنها العظيم فقط في تلك اللحظة، بل أُضيف إلى ذلك زفرات الجبالي فى رحمها. هكذا ولدته فى القبر الواطئ تحت الأرض! قيل إن الجبالي أخذ تلك الحسناء وعاد بها إلى بلده وتزوجها وأكرمها، وظل يناديها "ابنة الجن" بقية عُمره.

  يروي "الخشبي" فى منشوره أن البلد التي سكنها الجبالى كانت عظيمة الشأن، يتوالى على إمرتها رجال أشداء. وأن أباه "سليم" وقف أمام أميرها "الظاهر" وقد اعتلى كرسيه وحوله حراسه الضخام وقال له: أنت ظالم. ولم تصلنا على وجه الدقة أسباب قول سليم ذلك الكلام للأمير (الظاهر)، الذي أمر به فجُلِد مائة جلدة، قام بعدها عاجزاً عن حمل مركوبه. قال "الورقي": هو الجبالي بن سليم الراضي، وقف أبوه سليم فى وجه الأمير "الظاهر" وقال له: يا ظالم، فجلده مائتي جلدة. بعدها لزم داره سبع سنين حتى مات. وقيل إن الجبالي عرف ما كان من أخبار أبيه مع الأمير الغابر، فأنشـأ يروي ذلك بصوته المحبوب، ويزيد فيه لكل الناس حتى عرفوا سيرة أبيه وجعلوها رواية من أعاظم المرويات. بهذا أنسَ بالناس وأنِسوا له، وسكن في نفوسهم مسكن الرجل رقيق اللسان حُلو المعشر.

  قال "الهامشي": لم يكن الرجل بالمتعطل فى الحانات، أو العائش على القيل والقال من أمر أبيه، بل إنه كان مُعلماً للصبيان. يفيدهم مبادئ الحساب والقراءة وقبل كل هذا حفظ كتاب الله. وكان يحج إلى كُتَّابه الكثير من الناس ليعلموا أولادهم، وحين أوان الدفع يجودون بما يستطيعون من خارج أشغالهم وحوانيتهم. فإن كان والد الولد حداداً، ينفحه بعض الحديد المشكول لغرض قد يفيد، وإن كان نجاراً فلا عجب أن يستأجره الشيخ فى إصلاح باب أو شباك. هذا غير أصحاب الوظائف المُعتَبَرة الذين يقضون له شئونه حسبما اتفق. يقول "ابن الأرضي": جاءت امرأة إلى الجبالي تشكو سوء حفظ ولدها للقرآن، فجاء بالولد وسأله أن يقرأ عليه بعض الآيات فقرأ، ثم طلب منه أن يكتب اسمه على اللوح فكتب، وأراد أن يمتحنه فى السيرة فسأله: قل لى يا ولد، هل أسلم أبو جهل أم مات كافرا؟ قال الولد: بل أسلم! قال الشيخ: وكيف ذلك؟ قال الولد: ذهب للنبي وقال له : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. قال الجبالي: ومن قال لك هذا؟ قال الولد: لم يقل لي أحد، كلهم كانوا يذهبون للنبي ويقولون ذلك. قال الشيخ: ولكنه مات كافرا فى بدر. قال الولد: لعلَّه كان من المنافقين! عندئذ التفت الشيخ إلى المرأة وقال لها: دعيه على ما هو عليه! فما كان منها إلا أن أخذت ولدها ولم ترجع به أبداً بعد ذلك. وتلك الحكاية قصّها عليّ بنفسه، ضمن ما قَصّ من أمور كثيرة لم أشهدها معه، فقد ابتدأتُ في ملازمته منذ لزمَ هو مقام "أبوالعبد" الإمام، أيام ولايته الأخيرة حتى لقي ربّه.

  قال "أبو الهم الأزلي": كان الجبالي رجلا كثير الأحلام والقلقلة فى نومه. فيُروى أنه صحا مبهوتاً وقت الفجر يتقطر جبينه بالماء الساخن. فلكز امرأته "ابنة الجن" وجعل يحكى لها رؤياه: رأيت ديكا عظيما ميتا، وبضع دجاجات صغيرات ينتفن الريش ويثقبن بطنه بالمناقير. كان الدم الأحمر القاني مفروشاً من حوله، وبعد أن أجهزت الدجاجات عليه تجشأت كما يتجشأ بني آدم. لقد وصلني صوت التجشؤ وخرم طبلة أذني! ولما رأت المرأة زوجها وقد ألمت به الحُمى، وصار يرتعد هلعاً، شرعت تبل جبينه بالماء البارد، وتتلو ما يجيء على خاطرها من آيات الذكر الحكيم، حتى نام بين يديها. قيل إنه استمر يرى كابوسه هذا ثلاث ليال متتابعة، وفي الرابعة قضى الليل ساهراً، وراح يستعيذ بالله من الشياطين والمنافقين ورجال الدسائس وسائر ما يجلب الفتنة. بعدها استطاب له النوم ولم ير رؤياه تلك إلى أن مات.

  ومما يذكر في شأن الجبالي وحياته ما ذكره "الغلبان" أنه لم يكن، كحال أبيه، مُعرضا عن رجال الحكم، مجافيا لمجالسهم، بل قيل إن "الواثق" ابن الظاهر، سمع بالرجل وحلو لسانه وطيب معشره، فما كان من الأمير إلا أن غضّ الطرف عن لسانه ورواياته عن أبيه وما كان من أمر الجَلد، فطلب حضوره أمامه. ولا نكاد نُلم بشيء مما دار فى اللقاء بينهما، وهذا كلام "الغلبان" في كتابه، إلا أن شيخي قال هامسا في أذني بالكثير، رغم شُحّه في ذكر روايات الأمير وأيامه واعتزامه نسيان كل ساس ويسوس. أخبرني، طيَّبَ الله ثراه، أن الأمير الجديد استطاب مجلسه، وأنس لكلامه. وكان "الواثق" لا يُفلت مولد الإمام "أبو العبد" دون أن يسير إليه الليلة الأولى والأخيرة وسط رجاله وخُلصائه. وذات عام اصطحب الأمير الرجل معه فى الليله الكبيرة. أجلسه بجواره وهو يتمايل طرباً للإنشاد الشعري الدائر على ألسنة عارفة ومُجيدة. وكان أن همس الجبالي في أذن الأمير همسة جعلته ينظر إليه ويقول: هل تقدر؟ عندها قام الجبالى وأزاح راوي السيرة عن مكانه وتأهب للإنشاد، فبادره الراوي مُرتجلا: "فار دخل جنينة وردها ينشم، عمل بداية جميلة والبداية غم، الله يلعنك يا زمان إنك بديت بالهم، بتأخر السبع وتقدم قليل الذوق، والكلب لما حكم قالّو الأسد يا عم". جحظت عيون، وانفتحت أفواه، ووقف شعر الرؤوس انتظارا لما سيفعله الجبالي بعد العلقة التي أخذها من لسان الشاعر. والحاصل أنه نظر للأمير وابتسم ورفع يده لأعلى والأخرى على أذنه وراح ينشد: "تعمل أسد في قباحة وانت ما لك عَم، يتخاطفوك الأسود وانت ما لك عم، أنا عامل بداية وأصيح فى الجمع، قوم بطل المغنى يا نكبتى والدم!". بعد ذلك، كان أنّ "الواثق" جعل الجبالي هو منشده الأثير وشاعره الأمير، وكان يُجلسه في الصدارة من مجلسه وسط الكبراء. وحين السهر فهو النديم والأنيس.

  وفي مسألة الامير ومجلسه، وإحقاقا للحق، لابد من ذكر ما سجّله "الهامشي" في منشوره: على أننا لا يجب أن نقول إن الجبالي كان من ندماء الأمراء، الذين إذا أومأ الأمير لليمين صارو لليمين، وإذا طأطأ رأسه طأطأوا. لقد كان ناصحا أمينا للواثق، مُعينا له على شئون البلد. ولما استطاب مشورته ورأيه صار يُشركه فى أخص شئون الإمارة. ويُذكر أنه قال للواثق يوماً: عندي خاطرة لو قمتَ على فعلها لكنت حديث الأولين والآخرين فى محاسن الحكام وسياسة الأمراء. قال الواثق: هاتها. فقال له: تتنكر فى ثياب شحاذ وتأتي الطرقات والحوانيت وتقول: مسكين ضرير. بعد ذلك تقول لي ما حدث وأقول لك ما كان. قيل إن الأمير أُعجب بالفكرة، فقد كان ميّالا للأفعال الشاذة، التي تقلب سير الحياة من البلادة والكسل إلى الجِدة والنهم. لبس ثيابا فقيرة وعفّر وجهه وجسده وعصب رأسه بخرقة وأمسك عصا جرداء طويلة. سار خافضا رأسه وجعل يُردد: مسكين ضرير. مشى فى الشوارع الواسعة، ولما لم يجبه أحد انثنى إلى الحواري والأزقة, ثم إلى شارع الحدادين ومنه إلى النجارين فشارع الصاغة. وحين جلس ليستريح على باب أحد الجوامع جاءه زميل شحاذ وكشف وجهه، ولما لم يعرفه من طائفة شحاذي الشارع نهره وأبعده. هكذا حتى هرولَ ماضيا، ينتهره الشحاذون الكثيرون من شارع لآخر، إلى أن دخل قصره. قيل إن الواثق أرسل يطلب الجبالي وقال: الآن سأموت، وأسلم الروح لخالقه فى الحال.. فانظر واعتبر.

  قال "أبوالهم الأزلي": لما مات الواثق خلفه ابنه الساطع. وكان فتى بهيَ الطلعة، عظيم الهيبة. أول ما فعله أن أوقفَ الجبالى بين يديه وقال له: قل لي شيئا عن أمور السياسة. أراك قد صحبت أبي وكان يأنس لك. قال الجبالي: جئني بقفص به كتاكيت صغيرة. فلما جيء به قال الجبالى: أرني كيف تسوس هذه المخلوقات. أمسك الأمير الشاب القفص وراح يرجّه حتى تداخلت الكتاكيت وماجت بالصوصوات، ثم فتح لها وأطلقها فوقفت مكانها مهدودة. طلب الجبالي قفصا آخر، يشبه الأول ووضعه على أرض القصر. فتح للأفراخ فسارت متمهلة، حتى تفرقت بها سُبل ووقفتُ. قال للأمير: الأمر بين يديك، وتركه وانصرف. والمرويات، على كثرتها وتضاربها، لا تكاد تستقر على حياة الجبالي فى سنوات حكم الساطع. فالخشبي يذهب إلى أن الساطع سار في الناس مسار الأخذ والشدة، فما كان من الجبالي إلا أن خرج إلى بلد بعيدة لا يعلمها إلا الله. و"الهامشى" يذكر أن الكرب اشتد بالناس أيام الساطع، فخرجوا إلى دار الجبالي يطلبون الرأي عند ذي الرأي. ولما لم يجدوه ركبهم الغم وساروا إلى الساطع فى قصره. وكان الرهط الكبير يضم كل الفئات العاملة وغير العاملة وساكني التكايا من الدراويش المجاذيب، وقيل إن رائحتهم كانت بغيضة كريهه، فاستيقظ الساطع على هذه الرائحة التي نفذت لخيشومه فجعلته يعطس ويجد فى العطس. ونظر من شرفة القصر فأبصر الدهماء يصيحون: يا الساطع يا الفاسق.. كن كما كان الواثق! فما كان من الساطع إلا أن نثر عليهم دنانيره الذهبية. وراح المجاذيب وعامة القوم يلوكون القطع اعتقادا منهم أنها مما يُؤكل. ونادوا فى رجل واحد أنهم يريدون أكلا. فأشار الأمير لحراسه أن يُدخلوا الجميع إلى باحة القصر وأن يفتحوا المطابخ. وجيء يومئذ بصنوف المأكولات مما لذ وطاب. أكل القوم وناموا فى مطارحهم واحتملهم الأمير على حالهم الشنيعة، حتى إذا جاء الصباح أمر بهم فحُملوا إلى الخارج كالبهائم!

  قال "ابن الأرضي": غاب الجبالي والبلد يومئذ هائجة مائجة والناس تدخل في بعضها من شدة الجوع. وبعد أن أولمَ لهم الساطع وحملهم في الصباح كما تُحمل الجيف؛ سأل عن الجبالي وأمره، فلم يظفر بشيء. لكنه بعث عيونه تترصد في كل صوب. وكثرت أقوال الناس عنه، منهم مَن تكلم في السوق كلاما لا رأس له من قدم: رأيته وقد طالت لحيته وتهدل كتفه ومال ظهره. ومنهم من حلف أنه رآه يصلى الفجر فى مسجد "أبو العبد" ثم اختفى كما جاء. وثالث قال بأنه له اليوم ما له من عجيب الكرامات وغرائب النفحات، وأن الناس يأتونه للبركة والتماس الدعاء. أما كيف حدث ذلك ومتى فذلك غير مسطور، لأن الأمير الساطع أخرجه من فكره ومعيته.

من هنا ابتداء رفقتنا لمولانا. ما من ركعة صلّاها في جامع الإمام "أبو العبد"، أو دعاء قاله، أو شأن قضاه لأحد من الناس؛ إلا وكنتُ على ذلك كله من الشاهدين. كان رحمه الله دائم القول: سجّل هذه يا فهمي، دَوِّن ما قلته لك يا ابن عبدالبَر. تلك كانت حياته الأخيرة المُعتزلة، والتي ما كانوا ليتركوه فيها، لولا تأصل الولاية وتمكنها فيه. رأيته لما ذاع صيته وقد أراد أحدهم أن يكيد له، فأولمَ وليمة عظيمة ودعا الشيخ إليها. وعندما جلسوا حوله راحوا يلقون إليه الكلمات المتبركة به وبصلاحه وتقواه وأيامه العظيمة مع الأمراء. ولما جيء بالطعام لم يمدوا أيديهم، وانتظروا أن يبدأ الشيخ العارف، ولكنه دعاهم أولا. ولما أصروا على أن يبدأ هو قال لهم: ما كنت آكلا قبل مَن دعاني. وراحوا يؤخرون أنفسهم وبان عليهم الاضطراب، عندئذ قام الشيخ وكلّم الشيء المطبوخ: قُم! فانتصب قائما يدب على أربع، فإذا به جحش صغير! صار اسم هؤلاء بعد ذلك: أولاد الجحش. وكان من الناس جمع كبير سمع بهذا خارج دار الوليمة، فأقبلوا وحملوا مولانا ومشوا به إلى مقام "أبو العبد"، ليبقى واحدا متفردا يقصده الدراويش المجاذيب والرجال والنساء والأطفال وهوام الليل وجوارح الجو والبر.. وغير هذا مما رأيناه بأم أعيننا أو قال به مريدو مولانا.

أما أن ولكل شيء نهاية، وسبحان من ليس له نهاية، فقد قضى الجبالي نحبه عن ست وستين. دخلنا عليه في مجلسه بقلب المقام، فوجدناه نائما بوجهه الغافي المستريح. وقد غسّلناه بماء الورد وعطّرناه وكفنّاه من قماش كان يُقال إن "أبو العبد" الإمام أوصى به لكفن رجل سيجيء بعده ويلزم مقامه حتى الموت. ولما علم الساطع بذلك ذهب ليصلي عليه، وأمر بدفنه في مدافن آبائه خلف القصر. وحين سمعنا بذلك؛ ضرب الغَمّ قلوبنا وانسدتْ طاقات النور. لا.. قلنا في نفَس واحد بوجوب دفنه بجوار "أبو العبد" الإمام. وحصل اشتباك بين مَن رأى ما رآه الساطع، ومَن قال مثلنا بأن يُدفن في المقام، فما كان من الأمير إلا أن أمر بالنعش فحُمِل يحرسه الحراس إلى دار الحكم. إلا أننا، وعلى قلب واحد، خرجنا على الموكب المُحترس وداهمناه بما معنا من السكاكين والعصي والسيوف والبُلط والنبابيت المخبوءة. بقينا على تلك الحال كأننا في ساحة حرب: إما غالب أو مغلوب، حتى تمزقَ الكفن وتعرى الجثمان الضخم في خطف الأيادي. قيل هذا تأويل رؤيا الديك من قبل.. فانظر واعتبر.

  ما رأيناه أن الأمير جَدّ في البحث عن الجسد بلا فائدة، وكذلك فعلنا وفتشنا حتى كاد الجنون يضربنا جميعا. لك يا ربنا الأمر والحكمة: مولانا لم يطوه قبر من القبور المعروفة لبني آدم، إنما قبران مزعومان: واحد في قلب قبور الأمير، والثاني في حضن قبر الإمام يأتي إليه الناس يلتمسون الدعاء لهم وله. وهذا آخر ما وصلنا من أخبار "الجبالي". نفعنا الله وإياكم. "آمين".

***

رجاء

فتح عينيه في تمام العاشرة. لا يريد أن يُفارق الدفء، ورائحة فراش به أنفاسه. مدد ساقيه واستقام على ظهره. يُحس فهمي أنه سابح فوق ماء دافئ حنون، أنه ماشٍ في نسيم، حيث يطير سريره ومكتبه وجهاز الآي باد القديم وحجرة المكتب كلها في سماء بلون ورق الكتابة الأزرق. تتلمس عيناه التاريخ المكتوب بالنقاط الحمراء على النتيجة الإلكترونيه، والدائر بانتظام بطول الحائط: 6ديسمبر 2028م. ابتسم بوخم لذيذ، إنه يوم ميلاده. بحسبة بسيطة تأكد أن العدد 2028 يقبل القسمة على أربعة. هذه السنة التي توشك على الانتهاء ستطول يوما. لن تكون كبيسة، بل طويلة. في يوم ميلاده الخمسين تكافئه الحياة بيوم زيادة. يوم يساوي الكثير في هذه الشقة المهندمة، وفي هذه المدينة الساحلية الصغيرة. ستفرح رجاء للمعة عينيه حين تدخل بعد قليل حاملة صينية إفطاره. خمسون عاما في الدنيا، من الممكن ضغطها واستقطارها. نعم، فطوال العام الفائت، ومنذ أن خطا في اليوم الأول من الخمسين، والأحداث تتلاحق. ترك كل شيء خلفه، وأخذ إجازة من الوظيفة بدون مرتب لمدة عام قابل للتجديد. الولدان هاني ومحمد مع أمهما هناك. هاني، الخائب مثل أبيه، في ليسانس الفلسفة. ومحمد في تمهيدي هندسة. ولد عملي ولا يُلقي بالا لأحد. عفاف ما زالت على ذمته شكلا، فالانفصال حادث بالفعل حتى قبل المجيء إلى هنا. من أول يوم في هذه المدينة، وفهمي يعتقد أنه وجد أخيرا مدينة حياته. لم يصدق في أول الأمر وجود مكان هادئ مع بشر قليلين بهذا الشكل، فالذاكرة التي تعج بالزعيق والدخان في مواقف العربات، وتمتلئ بزخم الزحمة غير الإنسانية في الشوارع، وتحتفظ بمشهد الالتصاق الشاذ للبلكونات والجيران؛ هذه الذاكرة لا تحتمل مساحات ممتدة وبيوت أكثرها من دورين مع الجنائن والخضرة. إنه البراح الذي قلب كل معتقداته عن الحياة في هذا البلد. براح يطل على الصحراء من الخلف، وفي الأمام على بعد ثلاثة كيلو مترات بالأكثر يوجد البحر خالدا أزرق. لقد اختار فهمي منتصف المدينة مكانا، فمن بلكونة الشقة جهة الشَّمال يأتي هواء البحر، ومن الأخرى الجنوبية تكون الصحراء هناك في البعد، منبسطه لانهائية وتوحي بالمتاهة الجاذبة. المدينة ليست ساحلية بالمعنى المألوف، فهي ظهير، أو ضاحية بالأصح، للمدينة الساحلية الكبرى الرابضة بمحاذاة البحر. هذا الوضع أهَّلها لمكان الذيل، التابع، وأبعدَ عنها العيون وأصحاب المليارات، لتظل هادئة ومُهملَة. في الغالب يسكنها الغرباء الموظفون من المدرسين والأطباء وغيرهم من العاملين في المدينة الأم المجاورة. أسعارها متواضعة وفي متناول اليد. رآها فهمي مكانا رائعا يتوزع بين البحر والصحراء. عام كامل ولم تُفض بعد بكارة هذه الضاحية التي تمنح الجديد في كل جولة. الشارع الطويل المرصوف يصل بظهر المدينة الكبرى، وباستقامة شبه كاملة يُفضي للبحر. كل الشوارع الجانبية تُسلم إلى البيوت المسقوفة بالخشب للبدو الذين استوطنوا بقطعان الماعز والأغنام. هناك دائما رائحة الصوف والعرق مع الروث المتروك قدام البيوت وفي الشوارع الواسعة رملية التكوين. نساء البدو يدخلن ويخرجن بزيهن الأسود مع حزام أحمر يحوط الخصر، والرجال النحاف الناشفين في الجلابيب فوق الحمير أو عربات النصف نقل. بعد ذلك، ومن جميع الجهات، تأتي الصحراء واسعة وأبدية. كثيرا ما انحنى فهمي ليكبش حفنة رمال في قبضته. يقف ويتأملها مفروشة على باطن كفه. يندهش للتفاوت، فمن الحُبيبات الصفراء الغُبارية متناهية الصغر إلى البارزة البيضاء إلى ما يشبه الحصوات. يمشي ويمشي ويعود من نفس الطريق. كان ذلك قبل أن يعرف رجاء التي مشت به في دروب ورجعت من أخرى. يُصمم على أن لقاءهما الأول الممتد كان مُقدرا. ففي إحدى جولاته، ارتأى أن يُغير الوجهة نحو الغرب. لم يقلق، فالصحراء ستوقفه على كل حال. لكن الصحراء لم تظهر.. تسمّر في مكانه أمام بيت بدوي عتبته واطئة. شدّه وجود البنطلون الجينز مُتربعا في قلب سواد البدويات. طلعت عيناه للوجه المُدور المُتبسط بالضحك في القعدة شبه العائلية. ما جعله يموت من الدهشة هو النداء الرفيع: أستاذ، تفضل الشاي. تذبذبَ في وقفته، ولوّح بيده شاكرا وتهيأ لنقل قدمه. عبرت في رأسه كل المحاذير البدوية العتيقة التي تصل للرقبة. صحيح أتت الدعوة من الكبيرة الموشومة ذات الوجه السمني المتغضن، وأنه هو نفسه لا يبعث على الشبهة بوقاره وشعره الرمادي؛ لكن في النهاية هن نساء ولا يوجد رجال. بعد خطوتين عاد النداء رفيعا حازما: والله لتقعد وتشرب الشاي. استدار وطبع ابتسامة قسرية على وجهه. كلهن عجائز موشومات عدا صاحبة الجينز. أقبل عليهن فسبقته فرشة مدتها إحداهن. رمى السلام وسحب الفرشة خطوة للوراء وجلس مقرفصا. لهجتهن حلوة، والأسئلة تتوالى. اكتشف أنهن يعرفنه من جولاته في الشوارع، وأن هذه أول مرة يفوت من هنا. لم يستعجب، فالعجائز قادرات على كل شيء! إلى الآن لم تكن صاحبة الجينز قد تكلمت. وجهها قمحي مدور، به أُلفة عجيبة من أول نظرة. تعارفا: رجاء مدرسة تربية فنية بمدرسة إعدادية هنا في الضاحية، لكنها من المدينة الكبيرة. فهمي باحث دكتوراه في التاريخ المعاصر ومُوجِه دراسات اجتماعية مع إيقاف التنفيذ! أجابها عن استغرابها بشأن عمره المتقدم على مسألة باحث دكتوراه هذه: إن شاء الله سآخذها قبل المعاش! كانت جلسة رائعة عربدت فيها البساطة والعفوية. سيظل مُمتنا مدى حياته لإحدى الموشومات حين أشارت عليه بتوصيل رجاء وأخذ البال منها. في الطريق انساب الكلام، ولم ينتبها إلى أنهما طافا بالمدينة الصغيرة، وتجاوزا الأخرى الكبيرة حتى البحر. عرفت كل شيء عنه منذ أيام الصبي في كتاب الدين، وحتى مِنحة التفرغ للدكتوراه من مؤسسة عربية آمنتْ أخيرا بأهمية عقله، بعد الاطلاع على دراسته لحوادث التاريخ في رسالة الماجستير. كلّمها عن عفاف والأولاد، وأنه ترك لهم كل ما ادخره في حياته مستبقيا لنفسه مرتب المنحة فقط. شردَ في الحديث عن عهد مولاه الجبرتي، وكيف أن ذلك العهد هو الذي أبقاه حيا، بما وهبه من أسفار في أزمان وأمكنة. في المقابل، عرف هو سبب مجيئها إلى هنا. إنها تخرج في مشاوير استكشافية للعمل على مشروعها الفني في رسم حياة كاملة لهذه المنطقة: وجوه البدو، بيوتهم، حيواناتهم، طقوسهم. تُعوِّل كثيرا على لوحات لم تر النور بعد، وتقول إن ذلك سيكون مشروع حياتها الجديدة. حكت له كل شيء من أول لقاء: تعيش مع أمها بعد انفصالها عن أدهم وزواج دام إحدى عشرة سنة بلا أولاد، والسبب هي وليس هو. احترمت رغبة أدهم في الأولاد وابتعدت في هدوء. يومها تعِبا من المشي فاستراحا متجاورين على صخرة محفوفة، بدت مقعدا أمام الماء. عن يسارهما، ذاب كرنفال ألوان الشفق منعكسا في ماء البحر. عرف أنها تحب تحفة ألوان الغروب، وتراها أعظم منحة ربانية أُهديت لنا مجانا. لا يمكن لفنان أن يصل إلى هذا التمازج اللوني الفريد. كل ألوان الدنيا هي في هذه اللحظة. أحس فهمي أنها على وشك الإمساك بالفرشاة. كلامها نفسه لوحة تنقصها الألوان. لم ينتبه إلى أنها خلعت صندلها وراحت تُمسد قدميها في الرمل. أفاقَ على لوحة أخرى في غاية العظَمة.. قدمان بيضاوان مكتنزتان، حمامتان بضتان ليس بهما بروز لعِرق أو عظْمة. مصبوبتان هكذا دفعة واحدة وفي نفَس واحد. أصابع قصيرة منتظمة في الترتيب. لحظتها كبح نفسه عن دعوتها ليغسل قدميها في ماء البحر. وكأنها قرأت ما ينتويه، قامت وشمّرت بنطالها ليكشف سمانة سمنية تلتقي بالقدمين مباشرة دون أي خلل في المسار. حفّت بقدميها في الماء، حركتهما مثل سمكة تعاكس التيار. عادت إلى جواره وأخرجت من حقيبتها منديلا فردته. وضعت ساقا فوق الأخرى وتهيأت لمسح القدم ولبس الصندل. طلب فهمي منها أن تريه صندلها، وفي دهشة ناولته الفردة. أخذ منها المنديل ومشى على بطن القدم وظهرها وبين الأصابع. أدخل القدم في الصندل على مهل وبطء. أشار للقدم الأخرى فمسحتها على عجل ولبست وقامت واقفة. سارا صامتين تماما. أرته البيت بعدما ألحَّ على معرفته.

  رفع الغطاء واستوى في وضع زاوية قائمة، شادّا ساقيه وجذعه. العاشرة وخمس دقائق موعدها المضبوط. تدخل رجاء بصينية الإفطار وفي قلبها شمعة واحدة ملونة. لا يمكن بالطبع إشعال خمسين شمعة في عيد ميلاد فهمي، أو خمس وثلاثين في يوم ميلادها. اتفقا على واحدة هي ذكرى السنة الأولى لتعارفهما. أطعمته الجبن والبيض وكوب اللبن. تعرف تعجله السريع دائما في الأكل، وأنه لا يمكن أن يُركز فيما أمامه من أصناف. إنه يأكل مع نشرة الأخبار، مع حديث مستفيض عن فكرة تؤرقه في الرسالة، مع شاشة الآي باد الصغيرة وما بها من مواد وثائقية أو أفلام أجنبية أو ربما صفحة وورد خالية تنتظر نقراته الأولى. قامت وأتت بولاعته من على المكتب وأشعلت الشمعة. سرى ذهب النار على شكل ورقة شجرة فوق عمود الشمع البنفسجي. أحاطا الورقة بدائرة من الأكف المتضامة لتواصل بريقها الذائب بمعزل عن نسمات ديسمبر القارسة. ترك لها مهمة النفخ، وهو يعرف أن شفتيها ستعطيانه إغواءً بانفراجهما الهامس. تصاعد دخان بنكهة الشمع، والتمعت عيناه للوجه المبحلق فيه. لا تتحركي.. قالها وقفز فوق الفراش مرة واحدة متوجها للحمام. دقيقة واحدة وعاد ليجدها أزاحت الصينية على الكمودينو ومددت ساقيها على المخدة. تربعَ جنب قدميها وبقيا لحظات متواجهيْن بلا كلام. لابد أنهما يفكران في الشيء نفسه، فليلة الأمس لا تزال تتلاعب أطيافها الساخنة. كل الليالي في الحقيقة مع هذه المرأة تستحق الذكر. إنها التي جعلت فهمي ينسى نظريته الساذجة التي حكمت حياته قبل أن يعرفها. نظرية نسجها في خمسين عاما ولم يتخل عنها قبل عفاف وبعدها. ستتعاون كل قوى الطبيعة وما ورائها لتشكيل امرأة تم تقطيرها من خلاصة الفتنة وعجين الرغبة. تأتي أمامه، فيتحول جسده كله إلى جمرة. في حضورها تتوافد كل الوجوه والأجساد التي عرفها وعذّبته وأراقتْ ماءه العزيز على الأرض، أو في جوف لا يمتلئ أبدا. سيرتشفها قطرة قطرة، يُمزمز فيها من إصبع قدمها حتى منابت الشعر. لابد أن يتم هذا برويّة وتأن يليقان بالمرة الأخيرة. أربع وعشرون ساعة متواصلة من دك القلعة بقاذفات اللهب الثقيلة. ستأخذ المرأة معها الرغبة وإلى الأبد، وسيمشي في الشوارع طبيعيا كباقي خلق الله. تغادره حُمّى التلفت والتنقيب عن سيقان وأرداف ونهود. سيُرحَم من وشيش الرأس ساعة خُلوة، حين تأتي إحداهن وتأخذ الحيّز كله، وفي اليوم التالي تدخل أخرى لتستمر دائرة النار بلا نهاية كلعنة. عفاف لم تحتمل ناره وكانت على الدوام تُراوغ. لم تفهم أبدا   ذلك المخلوق الذي كان معها في الظهيرة؛ ثمّ بلّلَ نفسه في الليل! ترى ذلك في دوائر البُقَع على الملاءة  التي فرشتها بعد انتهائهما. تتعجب وتهز رأسها ولا تتكلم. ظل وفيا لنظرية "امرأة الدنيا" التي ستريحه يوما ما من هذا العذاب. رجاء جاءت ببساطة ومسحت النظرية التافهة بأستيكة. قالت له بعبقرية إن النار التي بداخله ليست رغبة، بل انتقاما. عاينت منه ذلك وهو ابن الخمسين في أول الزواج. بهدوء النسيم أخذته من يده وعلمته أن المسألة ليست حربا نقتل فيها كل أعدائنا على الفراش. الثمرة جميلة جدا وهي يانعة على غصنها، وجميلة الطعم أيضا في الفم لحظة القضم. بهذه البساطة أنسته تماما نظرياته الخائبة. أطعمته وألبسته وصفّفت شعره. عرفتْ الكثير عن أمه الغلبانة في كل شيء، ورأت لمعة عينيه وهو يتكلم عن أطفال، شربوا في الأرحام عصير الأغنيات والحكايات، ودقت قلوبهم الخضراء دقات منتظمة مع إيقاع القلب الأعظم للأم. فهمت رجاء أن الطفل الخمسيني الوقور يحتاجها أضعاف ما تحتاجه. قرأت تعابير وجهه ونظرات عينيه وشروده اللانهائي. كلّمته بلا كلام. طافت به المدينة الصغيرة حتى الصحراء والبدو. علمت هواجسه وحكاية ظله القديم وشد الجسد ساعة المشي، فقالت: سأريحك يا مَن تخاف من ظلك. اقترحت أن تكون جولات الصباح جهة الشرق، وفي المساء نحو الغرب. هكذا ستكون الشمس أمامهما والظل دائما في الخلف. ضحك مدهوشا للفكرة البديهية التي لم تأت على باله، واستمتع بالحكاية من شهرزاد حياته: كان ياما كان، في سالف العصر والأوان، ولد عبقري اسمه الإسكندر. أحضر أبوه الملك حصانا بريّا جميلا. هذا الحصان لم يسمح لأحد مهما كان بركوبه. فشلت كل المحايلات في ترويضه. الإسكندر وحده هو الذي عرف السر، سحب الحصان وأدار رأسه تجاه الشمس ومسّد رقبته واعتلاه وظل حصانه الأثير. السر أن الحصان، مثلك يا سيدي، كان يخاف من ظله! لحظتها حركتْ كفها أمام عينيه المفتوحتين الذاهلتين، ومضت به لجولات رائعة في اتجاه الشمس بلا أدنى اهتمام بالظلال. خلال ذلك فوضها بشكل كامل بأن تختار على ذوقها. كل ما في الشقة تقريبا من اختيارها. أشرفت على حجرة مكتبه، وبنفسها أخذت المراجع وعادت بها مُجلدة بالأسود ومنقوش عليها بالذهبي البارز. طاردت الغبار في كعوب الكتب المصفوفة في المكتبة. أحضرت فني الخدمة المُقدمة من إحدى شركات الاتصالات لتثبيت الشريط الوامض بالنقاط الحمراء، كما كان منذ سنوات في البورصة والبنوك، فتوالى تاريخ اليوم ودرجات الحرارة وأسعار العملات وآخر الأخبار. تفهمت رغبته في النوم بحجرة المكتب كما كان يعيش دائما. لم تنس أول لقاء وكيف أن عينيه أكلتا قدميها وساقيها أكلا، فراحت تُغذيه بالاكتمال المتجدد والممتع. لم تترك بدعة في قدميها إلا وعملتها، من الغسيل الدائم وكريمات الترطيب والشاوَر، إلى طلاء الأظافر بألوان الروز والأحمر والقرمزي، مع فاصل من الحِنَّة البدوية البُنية أو السوداء. حتى الخلخال المشخلل، ورسومات الوشم البارعة على ظهر القدمين. بعد عام كامل، وهو طائر بيوم ميلاده لأول مرة، مددت له قدميها ليبدأ يومه كما يحب. لا تمل من البداية بقدميها، ترفع إحداهما فوق الأخرى وتُلعّب الأصابع. تزحف ناحيته وتَدُسهما في حجره. بأنامله يتلمس حُمرة الورد الناعم في الكعبين، نازلا للمنحنى الصغير في البطن اللينة، وحتى أصابع تتطلب رفق اللمس الهامس. يُنيم يده على ظهر الحمامة. ينحني بشفتيه ويمس الأصابع بتذوق مُتبتل. تعرف أنه الآن في أحسن حالاته، فقدماها، كما قال ذات مرة، لهما الفضل الأعظم في نسيانه لهمجية القرون الوسطى التي كان يعيش فيها. تُذكِّره: ماذا عند الدكتور اليوم؟ الدكتور يا سيدتي سيذهب إلى البنك ليطمئن على تحويل مرتب المنحة، وسيتصل بالأولاد للاطمئنان عليهم، ثم يعود إليك لتقرأي له فصلا سيعينه في إنجاز خاتمة الرسالة. والفنانة ماذا ستفعل؟ إلى أن يعود الدكتور سأبقى مع لوحة "باب الصحراء"، إنني على وشك الانتهاء ووضع اللمسات الأخيرة.

***

الأب

أخيرا يموت أبوك يا فهمي. في اليوم السادس جاءت موتته هادئة، وبلا مفاجآت. استلقى على الكنبة البلدي في الصالة مادا لرِجل ومُثنيا الأخرى. نادته أمك للغداء الجاهز فلم يرد. الباقي تعرفه: صُوات حاد و"يا لَهوِي" ونسوة لبسن السواد على عَجَل، فضلا عن حضور ثلاثة من الأعمام لم ترهم منذ دهر، فبهتت ملامحهم أمام عينيك. أقبلت الأخت الكبرى سناء متوردة مُحمرة من الدموع مع زوجها الذي قاطع العائلة تماما بلا سبب. هنا لابد أن يعود هاني؛ إذ لا مكان له هناك بعد موت أبيه. هيئته أدهشتك في بادئ الأمر، فالولد ابن ثالثة إعدادي الذي اختفى من البيت، رجع رجلا كاملا بصلعة خفيفة في رأسه وشارب يدور حول سكسوكة ذقن صغيرة. وجهه كما هو في قُرب الشبه بأبيه. جسده نما بنفس المقاييس القديمة. الأمر عندك كان هكذا: غاب صبيا ورجع صبيا بشارب وصلعة. لو سألوك كم مكث هناك؛ لقُلتَ يوما أو بعض يوم. عيناه هما الشيء الذي تغير فيه. أصبحتا ثابتتين في نظرة مركزة مستديمة لشيء واحد، بعد أن كانتا لا تستقران في وجه أو سقف أو سماء. في الجنازة سيتأبط ذراعك سائرا خلف النعش، بشفتين مرخيتين ورأس لا يكف عن الصعود والهبوط كأنه يرد بالموافقة على نداءات خفية. تُفاجأ به وقد سلت ذراعه منك وانحنى على الأرض لاهفا عُقب سيجارة من تحت الأقدام المتعجلة. ينظر نحوك ويُتكتك بيده، فتعطيه الولاعة. يُشعل العُقب المعفر وأنت تعرف أن في جيبه علبة سجائر. قبل الجنازة أشعل واحدة وصبر عليها حتى منتصفها، ثم أطفأها ووضعها في جيبه. ظل مُتنمرا على سيجارة مشتعلة، وحين رماها صاحبها راح يلف ويدور ولم يهدأ إلا بعد التقاط العقب وسحقه ثم دسه في جيب الجلابية مع الأعقاب الأخرى. عند المقابر انحرف وحده ناحية الطلمبة. تراه يُطقطق اليد فيخرج الماء مستقرا في كفه المضمومة. يُقربه من فمه ولا يشرب، مكتفيا بحالة الجمود هذه حتى يتسرب ما بالكف. يعاود من جديد بلا جديد. في المرة الرابعة أو الخامسة يتشجع ويرمي بسرعة بعض الماء لفمه. يخترق الأجساد حتى النعش المستقر أمام القبر المفتوح. يُطأطئ رأسه متفحصا القبر المفروش بالرمل. يتراجع قليلا مع التكبير ولحظة إدخال الجسد المسطح الملفوف بالأبيض للداخل. لا تطرف عيناه عن الأصابع المدربة التي تُسوي باب القبر بالأسمنت الطري. تلتصق به يا فهمي، وعيونكما مزروعة في التاريخ الذي خطته إصبع متعجلة على الباب: الخميس 2/5/2013. كلِّمه يا فهمي: قل له مات مَن كُنتَ أكثر الناس شبها به يا هاني. لابد أن تسمعني، أعطني أذنك وروحك الآن فقط يا هاني. مات قبل أن يراك بيننا وهو الذي داوم على زيارتك هناك. مات الأستاذ السيد عبدالبَر، عم السيد عبدالبر. نصف الموظف نصف الفلاح. حين ذهب بك كان بالقميص والبنطلون، بعدها بالجلابية والصديري. وماذا يهم موظف الوحدة المحلية من القميص والبنطلون؟ الأمر لا يتعدى التوقيع بالحضور مرة كل شهر، ثم الطيران على الغيط والقعدة على ناصية اثني عشر قيراطا. ربما رأيتَه وسط الفلاحين في الغيط مع الجوزة الصغيرة الدائرة من فم لفم. بعد أن خلت الدار منك كانوا يأتون إليه بعد العشاء ويسهرون في حجرة الجلوس قدام التليفزيون. أمك تتولى تجهيز الجوزة، تدعكها بالسلك فيبرق النحاس بلمعة ذهبية، تُغير الماء باستمرار على مدار القعدة. يناديها فتقبل في صمتها وتخرج دون كلمة. تقعد ملمومة على نفسها في الحجرة الجوانية، وأنا في محيط نظرها نائم على بطني فوق السرير أعمل واجباتي أو أفر صفحات كتاب بلا هدف. يتملكني الزهَق، فأعتدل وأفرد كتبي على الترابيزة الصغيرة. ربما تفوت ليلة بطولها ولا تنطق كلمة واحدة. كل ما تفعله، قيامها من وقت لآخر لتلقي نظرة على البهائم والحمار في الزريبة، أو مرورها على شوالي اللبن المرصوصة جنب جدار الحجرة. أسمعها تعطس مرة واثنتين، وأراها تلم طرف طرحتها لتمسح أنفها. تأتيني العدوى فأعطس على وقع الرائحة المعتادة في معظم الليالي. رائحة نفاذة مناغشة للأنف والرأس، تصل من الحجرة المجاورة مع وقع القرقرة المنتظمة لأنفاس الدخان المشفوط. في النهار يشرب أبوك لوحده. يُخرج القطعة البنية، وبعد أن يرص الدخان، يفركها فوقه ثم يسحب قطع الفحم بالماشة ويضعها على الحجر. هل أذيع أمرا لك يا هاني؟ في مرة، وقت الظهيرة، نمتُ على سرير أبيك. شممتُ الرائحة في قماش المخدة. إنها رائحة حلوة فعلا، تصل للأنف كخليط من العطارة المخزونة. تقلبتُ على المخدة من شرقها لغربها شافطا بأنفي آثار الرائحة. تتبعتُها في جلابيب أبيك، في بقايا الحجر النائم على جنبه جنب الجوزة بعد انفضاض سهرة الليل. رغم مرور السنوات، وتجريبي للحشيش في مرات قليلة، بقيت الرائحة هي الأصل. كثيرا ما ضبطت نفسي مُصرا على استحضارها بشهيق جواني عميق. في المقابل عصفت الرائحة بدماغ أمك، فلم تكن لتجاوب نداء أبيك بعد انصراف رفاقه. لا يتركها إلا وهي معه في حجرتهما. لماذا كانت تجلس معي وتترك حجرتها وهي تعرف أنه سينادي عليها كل يوم؟ على الأقل كانت ستُجنِب نفسها أمورا شائعة في تلك الأيام مثل سبِّ الدين والحلف بالطلاق! أبوك يكون ليِّنا في هذه القعدات. يضحك ويسامر ويحكي حكايات من كل نوع. في ليلة عَلا مزاجهم أكثر من اللازم، ورأيتهم خارجين من مكاني على قش السطح الذي لبدت فيه هربا من صوتهم العالي. تربسَ أبوك الباب خلفهم ودخل الدار. كان الشارع في تمام العتمة، وهم يتساندون على بعضهم. شمّر أحدهم جلبابه وقال: الماء، خذوا بالكم. قال آخر: إنها غويطة. تحسَّسوا الأرض وظلوا واقفين، إلى أن اقترح أحدهم اللف من الشارع الثاني! بعدها بأيام حدثت حكاية الفاتحة. خرجوا بعد السهرة التي طالت، ومعهم أبوك، إلى الجامع. كان قرآن الفجر قد بدأ، وتطوع أحدهم ناصحا بضرورة تلبية فرض الله. أنهوا الوضوء وصلّوا السُّنة وبقوا منتظرين الإقامة. همس واحد في أذن أبيك: الإمام لم يحضر، صلِّ بنا يا أستاذ سيد. تقدم أبوك: استقيموا. طالت الثواني قليلا، وخرجت باسم الله الرحمن الرحيم و"سبح اسم ربك الأعلى"! توالت التنبيهات من الخلف: الفاتحة، الفاتحة يا عم سيد! سيتذكرون الحكاية ما شاءوا من المرات في سهراتهم المتوالية، وسيتوب أبوك عن الإمامة قصيرة العمر، ويتفرغ لقراريطه وبهائمه القليلة في الزريبة. ظل مشوار الغيط بالحمار أمتع ما يمكن بالنسبة له. أبعدنا- أنا وأختك- عن الفلاحة، لاقتناعه الأكيد أنه لم يُخلِّف. صحيح شاركناه في مشاوير الغيط مع الحصاد والتشوين؛ لكن ظللنا في نظره معلولين بأيد طرية، ولن ننفع. فسناء غير ماشية في المدرسة وسيأتي مَن يأخذها لينتهي منها، وأنا "ابن كلب أهبل" ومع نفسي وإن شاء الله سينتهي مصيري بأن ألحقك يا هاني! لماذا أَحبَّ دائما فرش مصيرنا التعيس أمامه؟ أنتَ الذي خيّبتَ أمله الكبير فيك. أتذكر؟ الله وحده يعلم حال ذاكرتك الآن. كان يأخذك بجواره على الحصيرة ويُطبطب عليك قائلا إنك الوحيد الذي تشبهه. عوّدك سماع نشرة تسعة قبل النوم حتى تعرف ما الذي يجري في البلد. اختبرك في أسماء الوزراء والفنانين والمذيعين. قرّبك منه في المشاوير وأجلسك مع الفلاحين وعلّمك كيف تدير ماكينة المياه على رأس الغيط. ما من أحد لاحظ عينيك المتقلبتين فيما حولك، أو السكوت الذي حط عليك مرة واحدة. صرتَ تتملص من صحبته ومشاويره. زهدتَ في المدرسة. أمسك الجنون بأبيك. أخرج كلمات ساخطة عن سبب أن تكون أنت بالذات. هل لو كنتُ أنا مكانك، كان الأمر سيختلف؟ كان يعود من سخطه بالاستغفار وشكر الله على كل حال، وفي النهاية هناك قعدات الليل ومناداة الأم للحجرة. ماذا كان يقول لك في زياراته؟ هذا سر بينكما بلا ثالث. رجع من عندك ذات مرة ومعه قفل كبير للقاعة التي فيها الخزين والفؤوس والشراشر. أخرج كل ذلك وركّب القفل على الباب. أصبح غيابه في القاعة الجوانية أمرا عاديا. يدخل ويُغلق على نفسه بالترباس ويمكث وحده بالساعات، وحين يخرج يشبك القفل، لتظل عفاريته في أمان كما قالت أمك! هل رأيت عينيّ أمك حين شافتك بعد هذه الغيبة؟ كأنك قميص يوسف يا ولد. التمعت عيناها بنظرة عجيبة، ملّستْ على كل سنتيمتر بوجهك، أمسكتْ شعر ذقنك، مشت على رأسك. سحبتك من يدك للحجرة، ونسيتْ النسوة بسوادهن، وأباك النائم وراء الباب على خشبة الغُسل. فتحتُ الباب عليكما فوجدتها تناولك صحن العدس الذي صنعَته في الصباح قبل موت أبيك، وتقول لك اذهب ورشُّه على حيطان البيت! مشيتُ بيدي على كتفها وناديتك لأن النعش خرج لصلاة الجنازة. أمك لم تعمل عدس الخميس منذ غيابك يا هاني. دلّها هاتف على رجوعك فقامت في الصباح لعمله. بالتأكيد أنتَ نسيت خوص الأحد وأربعاء الغُبيرة وعدس الخميس وكُحل السبت وشم النسيم يوم الإثنين. كانت أمك في تلك الأيام، مثلها مثل أي واحدة في البلد، تُكحل عينيها وعين سناء أختك بكحل الحجر الحامي يوم سبت النور. قبل ذلك تخرج مع كل نساء البلد صباح الأربعاء إلى النهر لدعك الأجسام بعُشب الغُبيرة، ويرجعن متوردات مثل رغيف الفرن. تطبخ العدس كما يفعل الجميع يوم الخميس وتطلب منك أن تدلق بعضه على حيطان حجرة المنافع وراء البيت. هكذا سيذهب الذباب كله إلى العدس ويتركنا في حالنا. أنا وأنت والعيال سنقضي اليوم في تلطيخ بعضنا بالعدس وممارسة طمس الذباب على الجدار. أنت نسيت وأمك لم تنس. صامت عن كل طقوسها بامتداد هذه السنوات. ومثلما غِبتَ يوما أو بعض يوم، صحتْ هي في الصباح على رائحتك وطبخت العدس من أجلك. اطلب لها لطف ربها، فرجوعك مع موت أبيك يشبه انقداح شرارتين في وقت واحد أمام عينيها. هيا يا هاني. أمامنا مهمة أخرى. هاني..

  رفقا به يا فهمي، فدقائق أمام القبر تمثل له الكثير. خذه الآن باللين وارجعا لتقفا في أول الصف مع أبناء العائلة. سيُسلم عليكما كثيرون في العزاء، وسينفض كل ذلك في الليل. أنت وهاني وسناء وأُمكم يتوحد شملكم، ربما لأول مرة منذ زمن بعيد. تطلب من أمك أن تصحبكم لقاعة العفاريت السريّة. لم تتحمس وأشاحت بيدها: اذهبوا أنتم. تأخذ منها مفتاح القفل الذي جاءت به من جيب الجلباب المعلق على شمّاعة الأب الراحل. تفتح القفل وتدفع الباب فيعوي بصرير حاد. لا أحد يمكن أن يمسك نفسه عن التفكير في كنز أو نقود مصفوفة في ربطات؛ إذا تعلق الأمر بمكان غارق في الغموض مثل هذا.  تتلمس يدك زر النور في الجدار لتفض العتمة والخنقة الثقيلة. تتلفتون لبعضكم. يا للخيبة! لا شيء سوى كرسي خشب ولطعات أقدام المرحوم على الأرضية المتربة المسفلتة. على الجدار ترتكن ثلاثة ألواح سوداء مكتوب عليها بالطباشير الأبيض. إنها سبورات صغيرة طالت ركنتها، فتوحشت فوقها خيوط العنكبوت مُدلاة من السقف المُغَبب. تقتربون بخطوات واجفة. هذا إرثكم! هكذا أشرتَ ساخرا لأخويك يا فهمي، باتجاه السبورات. تقفون مثل تلاميذ يتهجون ويُتَعتعون في الأبجدية. الخط هو نفسه خط الأب بطريقة الموظفين السريعة. اسمك في الأعلى على سبورتك، وفي الأسفل محطات من حياتك أنت تذكرها، أحكام على شخصيتك لطالما قذفَ بها من قبل في وجهك، تنبؤات عن القادم في شكل كلمات من قبيل: وحيد، غريب. يتدفق دمك ساخنا مُدوما. تلتفت لهاني فتجده مع سبورته بعين لا تطرف. سناء هي التي أشعلت فيكم النار. استدارت للكرسي، وبعزم جهدها انهالت على سبورتها. ولأول مرة ترى هاني بهذا الوجه المتقد المتشنج. تتابعت كلماته بلغة غريبة ملضومة في بعضها. غبتم جميعا في هستيريا التكسير والدغدغة  بقلوب حامية مسعورة الدقات. لفَّت خيوط العنكبوت وجوهكم الشبحية. قعدتم لاهثين متوحدين، تجحظ عيونكم في بقايا الكلمات البيضاء على القطع الخشبية المُهشَّمة.

***

المُعلِّم

هذا يوم الخاتمة. يقف فهمي في مدخل بوابة سوداء عملاقة، إحدى قدميه بالخارج والأخرى بالداخل. ينظر خلفه فيجد الأيام الستة بكل بذخها وعنفوانها. يتحول بالنظر للأمام، للغد على الأقل، فيرى عفاف والولدين والمدرسة والزملاء وأبيه وأمه. هذا اليوم السابع يمثل نقطة عبور، حد السكين الذي سيقعد فوقه. في الصباح صحا على هِزة من روحه. أحس برجرجة تُقلقله فارتعب. تجوّلَ في كل ركن بالشقة. أتكون روحه قد عادت إلى الزلزلة بعد هدنة السلام على مدار الأيام الستة؟ إنه يعرفها في مواقف النهايات. تشف وتشحُب وتُرسل رسائل غامضة لعينيه اللتين تتلونان على الفور بمسحة مائية دافئة. يتحمل قليلا غَبش الرؤية، ولا يطيق أكثر فيُطبق جفنيه على غشاوة دمعية تترك الأهداب في ابتلال حار. لا.. قام واقفا منتصبا في قلب حجرته. ليس هذا وقت الوداع لكل الذي رآه في أيامه الستة. أمامه اليوم السابع ما زال واعدا بالكثير. الوداع سيأتي في النهاية لائقا بالأيام السبعة كلها. سكنَ لهذا الخاطر الحبيب، واستشعرَ رضاء داخليا جلبَ معه انشراح الصدر. لم يلتفت خلفه، ودخل مباشرة من البوابة السوداء إلى قلب المدرسة. بعد البوابة، توجد بوابات أخرى بأسماء مدارس، وأبواب فصول عليها أرقام الصفوف: 6/1، 6/2، 5/1، 4/2.. اثنا عشر عاما دراسيا كاملا، والثالث عشر فات نصفه. البداية لا تُدرك، غائمة بأسماء تلاميذ أحباب من المؤكد نبتت شواربهم واخضرت الآن. حين يقابله أحد هؤلاء ويُذكِّره بأيام وحوادث؛ تجري عيناه على وجه الولد الذي كبر: نسيتني يا أستاذ؟ أنا أحمد... كُنتُ أحسن واحد يغني أغنية نابليون والحملة الفرنسية. فهمي يتذكره جيدا. يراه على السبورة واقفا مع ثلاثة أو أربعة من الفصل، يرددون بحناجر ملسوعة كلمات مُنغّمة تحكي الدرس. يتدخل هو بالتصحيح والضبط وإضافة كلمات جديدة، ولا يهدأ إلا بانتظام الأصوات الغضة في سيمفونية متآلفة جاهزة لعرض جماهيري. هذا الولد نفسه، مع بنتين من نفس الفصل، كان بطل المسرحية المبسطة التي أعدّها فهمي في الحَفْل السنوي لعيد الأم. وقف جامدا مُوليا ظهره لمنصة المدير والوكيل، ثم رفع يده عاليا وخرج صوته مُفخّما عبر السمّاعة: أنا التاريخ. لن تروا ملامح وجهي. ليس لي عينان أو شفتان مثلكم. أراكم ولا ترونني. أعرفكم ولا تعرفونني. مَن يرغب في رؤيتي، فليأتِ أمامي الآن. حجب الولد وجهه بكفيه، في حين تقدم منه تلميذ من الدائرة الكبيرة في الحوش. أصبحا في المواجهة. حاول التلميذ فك اشتباك الكفين ليرى الوجه الغائب، فانفتحت الكفان عن صرخة: بِخ! وقع التلميذ في الأرض، وضحكت المدرسة كلها وصفّقت الأيدي في نفَس واحد. جاء دور البنت بصوتها المسرحي الرقيق: مَن أنا؟ هذه يدي، وهذا رأسي. ترونني في كل مكان. يمرُّ عليّ الزمان والقصور والأكواخ. حتى هذا الواقف بظهره ( أشارت للولد الذي يُمثل التاريخ) لابد أن يقف أمامي لأمنحه شرط الخلود. مَن أنا؟ ألم تعرفوني؟ خرج تلميذ وتناول السماعة: أنتِ الأرض. ردت البنت: لا.. الأرض هي أنا! جاء ولد ثان: أنتِ الجغرافيا. كانت الإجابة صحيحة، ودوى التصفيق مرة أخرى. ينتهي المشهد السريع بتشابك يديّ البنت والولد مع ثالثة توسطتهما: وأنا أمهما. أرعاهما كي يكبرا مع المحبة الدائمة. أنا الدراسات الاجتماعية. رفعوا أيديهم وانحنوا أمام المنصة حيث الابتسام والتصفيق والتصفير. يتذكر فهمي كل هذا، ولا يُعلق بشيء. يمضي تاركا الولد الشاب وسط صف مرصوص من التلاميذ الذين عرفهم وعرفوه. يُقبل ولد في يده سيجارة ليسلم عليه. إنه بِيتر الخجول أكثر من بنت، البريء في كلماته لأبعد حد. في امتحان الدين للصف الثاني وزّع فهمي أوراق الأسئلة من نسختين مختلفتين للتلاميذ المسلمين والمسيحيين. أخذ بيتر ورقته، ونظر إلى ورقة زميله في المقعد الأمامي. نادى على الأستاذ: أستاذ، ورقتي ليست هي نفس الورقة مع زميلي. هزّت الكلمات روح فهمي لأول وهله وجمّدت لسانه. خرج ردُّه تائها: طبعا، هذا امتحان دين يا بيتر. سكت الولد، وندم الأستاذ على كلماته التي وخزت دهشة البراءة. لو رجع الموقف، لترك الولد مُعلقا بعينين لامعتين إلى الأبد، لأخذه من يده وأخفاه وأحاطه بالمتاريس قائلا له: ابقَ هنا يا بيتر. لا تسمح لأحد مهما كان أن يُغير روحك الحلوة. سيبقى بيتر، على مدار سنواته الابتدائية، حبيبا لأستاذه، حتى وهو يكبر كل عام أمام عينيه ويعرف أكثر لماذا كانت ورقته مختلفة عن ورقة زميله. اليوم يأتي بوجهه المراهق وفي يده سيجارة، ناسيا كلماته التي سكنت في مكان سري من نفس أستاذه، مثل تميمة غامضة تخرج في أوقات الأزمات دون استدعائها. وما أكثر أوقات الأزمات! يؤمن فهمي أنه استمر طوال هذه الأعوام الثلاثة عشر بفضل كلمات ووجوه بيتر وأحمد وآية وخلود.. وكل مَن أحبهم. خلود مثلا حَمَته من مصيبة مؤكدة. كان على وشك أن يقول للمدير: أنت حمار! حبسَ الكلمتين في لسانه لأن وجه خلود ظهر له جميلا مُعاتبا: أُحس أنك دائما مثل أبي يا أستاذ، إلا في ساعات غضبك. حينها أرخى نفسه وترك لسانه يتكلم بطريقة نجيب الريحاني في "غَزَل البنات": يا سعادة الباشا هذا تحضير دراسات اجتماعية، وأنا أعرفها كما تعرف سيادتك في الحضور والغياب والصادر والوارد! أما آية، فمن أجلها تحمّل وجه الولد التبّاع في السرفيس حين يزمجر بصوت كاره للعالم: اركب يا أستاذ يا الله. ينحشر بسرعة آخذا هاني ابنه على رجله. في الطريق يسحبه وجهها المنتظِر على باب الفصل. يحاول أن يتناسى الهدف الخرافي المتجدد كل صباح: أن يحبس اسمه في مستطيل صغير بدفتر الحضور، لينسى هذا الأمر تماما حتى تكراره في اليوم التالي بنفس الانتباه. بمجرد أن تلمحه آية تجري على حجرة المدرسين لتأتي بدفتر التحضير والطباشير واستمارة الغياب. يُمهد لدرسه بأشياء يحبها الأولاد. يسألهم عن حال المدرسة والمدرسين. يُكلمونه عن الأبلة سعاد مدرسة العربي والدين. يخبرونه عن انفتاح عيونهم على حكايات وقصص سردتها الأبلة فجعلتهم ساهمين. هناك أيضا مستر محمد وأناشيده الإنجليزية. هؤلاء الثلاثة سيحضرون الحصص لبعضهم، وسيتبادلون المواقع كل بطريقته. ستأخذ سعاد طريقة الأغاني من فهمي، والمستر سيقتبس حكايات سعاد ويحكيها بالعربية والإنجليزية. مع الوقت سيصبح تجمعهم مُريبا بالنسبة للمدير وبعض الزملاء. جرى خيالهم الجامح أن الثلاثة يُجهزون لمجموعات تقوية في المدرسة. سيقترح أحدهم اقتراحا عبقريا بتغيير جدول الحصص، بحيث لا يجتمع الثلاثة خارج الفصول في وقت واحد. هكذا وجد فهمي نفسه يتذكر من جديد كلمات الولد بيتر. ومرة أخرى يحميه وجه بيتر من الانفجار في هؤلاء الذين ناضلوا وكافحوا باطمئنان تام في ميادين القيل والقال وأخبار العِلاوات وقراءة الجرائد الحكومية. يجلس معهم على قلق إذا اضطرته الظروف، فيبادر إلى الانصراف في أقرب فرصة لأن روحه تضغط عليه ضغطا يوشك أن يرفعه. يعرف أنها تشم رائحة بول حامض في كلامهم الروتيني، وأنها -روحه- تتلوى وتتأذى من ضحكاتهم الصفراء ووجوههم المكرمشة بخيوط العنكبوت. ينسحب أكثر، ويكتفي في أول اليوم بصباحات الخير المُجعدة بآثار نوم لم يكتمل. في الفسحة القصيرة ينزل إلى الدور الأول ليأتي بهاني من الحضانة. يجري الولد نحوه بحقيبته الكبيرة، فيرفعه من الأرض ويتركه مُعلَّقا ضاحكا بين يديه، كاشفا عن أسنان نصفها غير موجود. يرى وجه معلمته المُنقّبة. تتلاقى العينان للحظة، ويبين الوجه الأبيض في إطار السواد. تُعطيه ظهرها وتسحب النقاب على وجهها وتهتم بإخراج آخر الأولاد وغلق الفصل الصغير. تفوت من جنبه ولا تتكلم. يمشي بالولد صاعدا حتى حجرة مستر محمد بالدور الأخير. هذا هو المكان الوحيد الذي فاز به فهمي مع المستر. ظلا يبحثان عن مكان، حتى وجدا هذه الحجرة المنسية التي كانت في الأصل مخزنا لعُهدة المجال الصناعي. يجلسان فيها على راحتهما أيام الإجازة الصيفية أو نصف العام، وفي أيام الدراسة يكتفيان بدقائق الفسحة بسبب ضغط الجدول. يُخرج هاني سندوتش المربى ويقضم على مهل. لا يرتاح فهمي للشبه الكبير الذي ينمو ويقترب بشكل مذهل مع الأيام. يقول للمستر إن أقسى شيء في هذا الزمن أن تُخلّف ابنا يشبهك. سيكون على الدوام ذكرى حيّة لأيامك، باعثا متجددا للاسترجاع. يرتعب أكثر لمجرد تخيل أن الولد سيسير في نفس الطريق. عمُّه هاني كان يشبه أباه، والنتيجة معروفة جيدا. أيكون قد أخطأ بإصراره على تسمية الولد باسم عمّه؟ عفاف وقفت بالمرصاد ضده في هذا الأمر بالذات، وقالت إنه فأل سيّئ لابنها. مضى في إثبات الاسم كما أراد. اعتقد أنه مَصْل مُقاوم لمصير العم. وأين المصل المقاوم لمصيره هو؟ الولد يسهو ويسرح ويرسم ويحب القصص. حاول كثيرا إبعاده وأخذه في طريق اللعب والفرفشة والفسح، لكنه بالتدريج أيقن أن خامته لن تتغير. مهنته علّمته ذلك، فحتى لو اجتمعت كل قوى العالم، الظاهرة منها والباطنة، على تغيير طفل واحد فلن تقدر. إنها الدماء التي في العروق ولا مفر. نفس الدماء تجري في اتجاه آخر مع الولد محمد. يتعلق بأمه ويشبه خاله محمد المهاجر دائما. أرضى عفاف هذه المرة بالتسمية على اسم أخيها، لكنّ المسألة ليست كذلك بالمرة! لقد أسماه، وفاءً لذكرى قديمة وعزيزة، باسم ولد لعب معه في زمن بعيد لعبة التبديل. الاثنان، هاني ومحمد، أظهرا تفوقا مبدئيا بمساعدة أمهما التي تداوم بشكل يومي على الجلوس معهما. محمد بالذات.. لم يدخل الحضانة بعد وتمكن من نصف الحروف وحفظَ الأرقام لغاية العشرين. حين يرجع فهمي من يومه الطويل في المدرسة والدروس الخاصة في البيوت؛ يرى الثلاثة في جلسة دائرية وأمامهم الكراسات وكتب الحضانة وكتاب المطالعة الأولية. تعاتبه عفاف لأنه لا يجلس كثيرا مع الولدين. لا تعرف أن في دماغه مدرسة كاملة من الهيصة والصداع الرهيب، وأنه محتاج إلى نصف ساعة فقط على المكتب الصغير في حجرته. هذه النصف ساعة، بعد العَشاء وقبل النوم، هي من أجله هو. ارتضى بها وترك للعالم جُملة الساعات الطويلة الأخرى. خلالها لا تأتي إلا الوجوه الحبيبة في كتب التاريخ، وفي دقائقها تجري التخطيطات وتنبثق شرارات الأفكار عن حصص الغد. قد يكتب كلمة يقولها تلميذ في إذاعة الصباح، أو تهبط عليه فكرة مجنونة فينوي تنفيذها داخل الفصل. حتى الآن لم ينفذ فكرة تُلح عليه منذ زمن: تقسيم الفصل إلى صفين من الصبيان والبنات، وعمل استعراض تاريخي. كيف سيكون شكل هذا الاستعراض؟ وبأية طريقة سيُنفّذ؟ لا يعرف، لكن الفكرة تظل مُلّحة بشكل شبحي. يدخل إلى فراشه ساحبا معه أشباحه المُؤرِّقة، فالنصف ساعة انتهت ولابد من النوم.

***

ثلاثون دقيقة

الحادية عشرة هي التوقيت الذي حدده فهمي بصرامة موعدا للنوم طوال أيامه الحميمة. وقف في الصالة أمام ساعة الحائط المربعة، وشرب بعينيه عقاربها السوداء الثلاثة على أرضية بيضاء تلونت باللون اللبني المنعكس في نصف الضوء الأزرق. عقربان ساكنان على وضع العاشرة والنصف، والثالث المُذبذَب بالثواني.. لابد أن يدور دورة كاملة كي يتحرك الكبير دقيقة واحدة. عقرب الساعات الصغير يتحرك حركة بطيئة غير منظورة كأنه القمر في دورته الخالدة حول الأرض. فهمي يفكر أن الثُقلاء من البشر هم مَن يشبهون عقرب الساعات، وأن المائعين الروتينيين، أصحاب الكلام المماثل لطعام المرضى؛ هم عقرب الدقائق. أحسَّ بنبضه يدق في رأسه، وباختلاج ذراعه الأيسر وأصابعه. نبضة كبيرة منقبضة، تتبعها أخرى صغيرة منبسطة. يمكن الآن تَبيُّن أن عقرب الثواني الملسوع بالحركة الدائمة؛ هو النبض الحي لبشر يتقلبون على سرير القلق، وتتلبسهم على الدوام حُمّى التساؤل المستحيل: ماذا لو أن الثواني كلها، ومع كل نقلة للعقرب وكل نبضة في القلب، تحولتْ إلى شرارات ونِقاط ضوء؟ يمر فهمي على أيامه السبعة ويُعدد الشرارات التي لا حصر لها، النقاط التي انفجرت برؤوس ضوئية، الأرانب الصغيرة المتخبطة في دمه، نِمال الرعشة على جلده. هزّ رأسه بالموافقة، وتجمدت شفتاه على ابتسامة ممتلئة بالفخر في وقفته أمام الساعة. عيناه كانتا حزينتين لامعتين. هذه إحدى اللحظات الكبرى التي يقف أمامها، ولا ينسى أنه أحبَّ كل الذين رآهم فيها: فرح دامع في لحظة وداع، وجه قادر على تشكيل حالة فارقة من الحزن والسعادة في وقت واحد، عينان يخرج منهما شعاعان يحملان معنى يقع بين اللهفة والرضا. انتهت الأيام السبعة، وغدا..

  انتبه أن العقرب الكبير تحرك خمس دقائق. تَبقّت أروع خمس وعشرين دقيقة يمكن لفهمي أن يتعلق بأذيالها. غامت عيناه المغسولتان بماء دافئ، وغابتا في زجاج الساعة المُغبّش. اختفت العقارب، وفي عمق اللمعة الضبابية أطلّتْ وجوه لا يعرفها. كانوا يقفون في دائرة تحيط به، وفي مكان يشبه قاعة صغيرة للندوات. يبدو أن تجربة الخُلوة الاختيارية ذاعت أخبارها وانتشرت بطريقة لم تكن في حسبانه. يقول شاب يلبس "التي شيرت" والجينز إنه يعرف "فتحي" الشبيه الذي يجلس فعلا على مقهى قديم في الإسكندرية، لكنه يضرب على العود وليس السمسمية. مشت حالة استرخاء في جسد فهمي، وقال إن ذلك الكلام يجعله في أشد الندم لأنه تأخرَ كثيرا في البحث عن "فتحي". تقدمت امرأة أنيقة وجميلة جدا، وقالت إنها تتمنى أن تكون "رجاء". فتح عينيه على اتساعهما وضحك ضحكة حُلوة، وطلب منها أن تنتظره حتى يصل للخمسين! السؤال الذي فاجأه كان عن التاريخ، ومن شخص يبدو أكاديميا: يظهر من تجربتك حبك للتاريخ، هل تعتقد أن التجربة جديرة بدخول التاريخ؟ ردَّ بهدوء: إن ذلك تكبير للموضوع، لكنني أعتقد أن باب التاريخ مفتوح لتجارب الجميع في أي زمان ومكان. سيتوقف فهمي عند ولد صغير تعلّقَ به، وهمس في أذنه: عندنا في الصالة برواز كبير، فيه صورة تشبه تماما صورة الصبي في كتاب الدين. احتضنَ الولد مُتنهدا، وبعينين مُغمضتين طبطبَ على ظهره.

  سيمتد تعلقه بوجه الولد، وسيغيب في تفاصيل ملامحه. لن يُخرجه إلا رجل أربعيني يتكلم بجدية، عن ابنه الذي أخبره عن أستاذ في المدرسة، قال لهم إن عفاريت القتلى في "مذبحة القلعة"؛ عادتْ للظهور بعد أكثر من مائتي سنة، بل وتتجول ليلا في كل أنحاء البلاد! ازدادت تقطيبة الرجل، وهو يطلب الإجابة في الحال عن ذلك الكلام الغريب الذي أخافَ ابنه وجعل الكوابيس تزوره باستمرار. ابتسم فهمي حين تذكّرَ الولد الطيب. اقتربَ من الأب ذي اللهجة الصدامية وطمأنه: لا تقلق أبدا، أعرف ابنك جيدا، فهو الوحيد الذي أخبرني أنه رأى عفريتا منهم يحوم حول المدرسة! لم ينتظر الرجل سماع المزيد.. استدارَ وغادر المكان. بعد قليل تَبِعَه اثنان آخران، دون أن ينطقا بكلمة واحدة. توَتّرَ الجو كثيرا. تداخلت نظرات وتقلقلتْ رؤوس. العيون الراصدة في تلك اللحظة تنتظر منه أن يتكلم، أن يقول ويقول.. لكنّه ساكت، مقبوض القلب، يتفحص كل وجه على التوالي. لم يُصدق ما يراه. أغمض عينيه قليلا ثم فتحهما. يحاول أن يستوعب. هذه وجوه أخرى غير التي كانت منذ قليل تحوطه وتتعلق به. كيف تبدّلَ العالم بهذه السرعة؟! ولماذا ينظر هؤلاء هذه النظرة المُترَبِّصة؟ طال الصمت الحذِر. يُفكر أن يُشير لهم في اتجاه الساعة، ويُخبرهم أن الحادية عشرة على وشك، ولابد له أن ينام. لا يتحرك لسانه، رغم احتشاد الكلمات واقتتالها. في داخله أَخْذ ورَدّ لن يُحسَم. هاجس قوي يخبره أن هؤلاء ليسوا منه، وأنهم جاءوا لإزاحة الوجوه المُحَبَّبة.

زَمَّ شفتيه، ونفضَ رأسه بقوة. أحسّ بأشياء تتساقط من شَعره، من أُذنيه. سحب عينيه من زجاج الساعة، فعادت العقارب الثلاثة واضحة: اثنان يلتقيان بزاوية حادة، والثالث ما زال يدور في مداره. اختفت الوجوه الغامقة، لكنّه يُحس بأنفاسهم من وراء الجدران. مشى خطوة، خطوتين في اتجاه حجرته. فردَ ذراعيه، فبان ظلهما الشاحب على الجدار. وقفَ ودقّقَ النظر بعينين مُثقلتين. ظهر له مَمرّ سري به حجرات مُرقّمة، وعلى أبوابها حروف وكلمات ورسوم. ينحني ليرى ويقرأ، مُحاولا فهم تلك الرموز العجيبة. يبتسم ويضرب كفيه ببعضهما، إذ يصل لمعنى غائب.. أو حقيقة مختبئة خلف الحروف والرسوم. يتراجع ويُمسكه شلل مفاجئ؛ حين يدرك أنه لن يحتمل معرفة هذه الحقائق وحده. هذا أمر لا يطيقه بشر. تستبد به عواطف متضاربة، مع ظهور وجوه لم يكن يتخيل لقاءها: يُشفق ويقسو ويصفح. يشده الممر السحري.. تنفتح له سراديب ومتاهات.

  أين حجرته؟ يكاد لا يميز بابها وسط هذه الأبواب اللانهائية. عيناه تطلبان النوم العزيز، والدماغ في واد آخر. فات أوان النوم. لابد أن الساعة تجاوزت..  لكن، أين الساعة؟ يبحث عنها على الحائط ولا يجد لها أثرا. يتعجب. ربما بلغت الحادية عشرة والنصف، أو الثانية عشرة. يمضي رغم كل شيء.

  يُوغِل في الممر أكثر..

***