يفتح صدره على أولى نسمات الحياة، هو يشعر أن الهواء لا يكفي.لا يتذكر أنه تنفّس يومًا شهيقا كاملًا.
دائمًا هناك ما يزاحم أنفاسه: أجساد، أصوات، أشياء تتكاثر بعشوائية، وجوه تتداخل حتى تفقد ملامحها. الحجرة التي ينام فيها عبارة عن كتلة من أنفاسٍ متلاصقة، يتقاسمها مع خمسة إخوة، يتقلّبون فيها كجسد واحد مثقل، بينما الرضيع السادس يملك نصيبه من الزحام في غرفة والديه، تلك التي تتكدّس فيها الملابس والأواني والأغطية، ويتكئ في ركنها القبلي فأس صامتة، تحيط بها مقاطف جلدية، وتزاحمه أجولة القمح والأرز، ويتناثر الدقيق كغبارٍ أبيض يعلَق بكل شيء… حتى صدره.
يشعر أن الرئة خُلقت أوسع من هذا، وأن ما يعيشه ضيقٌ لا يُحتمل، لكنه لا يملك له تفسيرا.
يضيق بالعشم…
بتلك الكلمة التي تفتح الأبواب بلا استئذان، وتُبيح كل شيء. يدخل الجيران، يخرجون، يلمسون، يأخذون، يتركون آثارهم في كل زاوية، حتى لم يعد يعرف ما الذي يخصه حقًا. كبر قليلًا، فاكتشف أن الأمر يتجاوز الأشياء، حتى الأب لم يعد واحدًا، ينادي أكثر من رجل “أبي”، دون أن يتوقف ليتساءل، العالم كله قد تواطأ على خلط حدوده منذ البداية.
في الخارج، تتمدد المسطبة كامتدادٍ لهذا الازدحام، تمتلئ كل ليلة بالوجوه والضحكات، تُلقى عليها قطع اللحم، وتدور عليها أكواب الشاي. كانت أمه توقد الكانون، ويغلي الماء، ويتصاعد البخار، وتوكل إليه مهمة لا يحبها: أن يحمل القلل، يملأها، ويقدّم الشاي. يمرّ صوت أم كلثوم من الراديو في ليالي الخميس كأنه قادم من مسافةٍ لا اميال، يظل واقفًا بين الأكواب والطلبات، حتى إذا انفضّ السمر، بقي هو وإخوته يغسلون بقايا “العزوة” التي كان أبوه يراها سندًا، بينما كان يشعر أنها ثِقلٌ آخر يُضاف إلى صدره.
في وسط هذا كله… كانت تمر.
إبنة عمه.
يمشي خلفها قلبه، يختبئ في ظلّها، يحاول أن يسرق لحظة لا يشاركه فيها أحد، لكن الزحام كان دائمًا يقف بينه وبينها، كأن له عينًا تراقبه. لم يجمعهما مكان، لم يمنحهما البيت فرصة، حتى حين كبر بما يكفي ليحلم، استيقظ على زغاريد، ورأى موكب عرسها يمرّ. سار بينهم، يبتسم، يصفّق، بلا وعي يشعر أنه يُدفن واقفًا.
بعدها، بدأ ينسحب.
لم يجد ملاذًا سوى الورق. صار يشتري الكتب القديمة من المدينة، يخبئها كنافذة سرية، يفتحها في صمت، ويتنفس من بين سطورها. لكن حتى هذه النافذة لم تصمد، عاد يومًا ليجد كتبه ممزقة، صفحاتها مبعثرة، وأثر الأقدام فوقها. وقف بينها، لا يعرف ماذا ينقذ، شعر أن الفوضى لم تعد خارجًا فقط، بل استقرت فيه، تمدّ جذورها في صدره.
عندها… يهرب.
يبني خُصًّا من البوص عند أطراف البركة المردومة، بعيدًا بما يكفي ليختبر فكرة أن يكون وحده. ينقل إليه بعض ملابسه، بقايا كتبه، قلمه، ونايه.
هناك… يتّسع صدره قليلًا.
يستيقظ مع الفجر، ينفخ في الناي، فتجيبه الريح، يضحك دون أن يخشى أن يسمعه أحد. الشمس تمرّ عليه برفق، لا تزاحمه، لا تطالبه بشيء. يمشي إلى عمله خفيفًا، ويعود أخف، الهواء صار صديقه.
لكن البراح لا يصمد طويلا.
يعود يومًا، فيجد الأعمدة الخرسانية قد نبتت فجأة، ترتفع كقضبانٍ صلبة، تحاصر المكان، تضيق المساحة، وتعلن أن الزحام قادم لا محالة. يشعر بالاختناق يعود دفعة واحدة، كأن صدره يُعاد إلى حجمه القديم.
ينتقل. ثم ينتقل. ثم يركض.
وفي كل مرة، يكتشف أن البراح يتراجع، وأن الضجيج لا يحتاج إلى مسافة ليصل إليه.
يسدّ أذنيه بقطع القطن الصغيرة، يتسرب الصوت من داخله. يكتب، لعل الكتابة تفتح ثقبًا في الجدار، كأنها قد تصنع له رئة إضافية، لكن الكلمات نفسها تبدأ في التضييق عليه، تتكدّس، تتزاحم، تختنق.
وفجأة… يجري. يرتدي الخُصّ فوق جلده، يجري بلا اتجاه، فقط بعيدًا، أبعد ما يمكن، نحو فكرة واحدة لا تتغير: البراح… هواء لا يشاركه فيه أحد.
ثم… يفيق.
شهقةٌ حادة تمزّق صدره، أنفاس متلاحقة، صوت أجهزة يفرض إيقاعًا باردًا. يفتح عينيه، يرى السقف الأبيض، الضوء القاسي، وجوهًا غريبة تراقبه.
— أين أوراقي… والقلم؟
تناوله الممرضة إياهما، بهدوءٍ اعتادت عليه، تراقب الأرقام التي تنتظم على الشاشة. يهدأ جسده تدريجيًا، ينخفض صعود صدره، وتستقيم أنفاسه… كما ينبغي.
ينظر حوله. لا زحام. لا أصوات. لا أحد يقترب. فراغ… كامل.
يرفع يده ببطء، يتحسّس صدره، يتأكد أنه ما زال هناك.
يصمت قليلًا… ثم يهمس، بصوتٍ خافتٍ يكاد لا يُسمع:
— ضيّق…
تقترب الممرضة، تظن أنه يتألم، تسأله عمّا يشعر به، لا يجيب.
يحدّق في الفراغ أمامه، وفي عينيه شيءٌ ينكسر ببطء. الأجهزة تعلن أنه نجا. الأرقام مستقرة.
الأنفاس محسوبة… ومنتظمة. لكن صدره… يظلّ يعلو ويهبط، بإيقاعٍ لا ترصده الأجهزة، كأن رئةً أخرى
تحتضر داخله… ببطءٍ شديد.