غلطة لسان:
دخل الكاتب العجوز إلى حجرته معتمدًا على ذراع ممرضة ورقد على السرير، أثناء نومه تعرض لأزمة قلبية أدت إلى وفاته، لكنه كان قبل أن يموت بساعتين يجلس فى صالة بيته متحدثا الى أحد الصحفيين باستفاضة عن الوضع الثقافى.
سأله الصحفى: «مَن فى اعتقادك أهم أدباء جيلك؟»، نوه الكاتب وهو يتنفس بصعوبة بعدة أسماء، ثم أطبق جفنيه نصف إطباقة، وقال: «ولا ننسى عبدالعال شعبان»، ضيّق الصحفى عينيه، واستفسر مدهوشًا: «شعبان؟!»، أكد الكاتب: «نعم.. لعله أفضل أدباء ذلك الجيل وأبقاهم أثرًا».
لم يكن الكاتب واثقًا من الاسم الذى لفظه لكن حرف العين كان يخايله كلما حاول تذكر ذلك الكاتب. أخيرًا نهض وأنهى اللقاء معزيًا نفسه بأن الصحفى سيكتشف الاسم المقصود، فقد كان الأدباء فى جيله قلة. اتجه إلى حجرته، ورقد على سريره، وعندما استراح طفا الاسم الحقيقى على ذاكرته. «عبدالعاطى وهدان»!، وعاهد نفسه أن يتصل بالصحفى ليصحح الاسم ما إن يفيق من النوم، لكنه لا أفاق ولا صحح.
موت الكاتب كان مفاجأة وبشكل خاص للصحفى الذى أدرك أن القدر أسعده بخبر الوفاة المحزن، فقد كان آخر من سجل حوارا مع الأديب سيصبح بلا شك ضربة صحفية.
صباح اليوم التالى خرجت الجريدة على قرائها بعنوان عريض: «وحدنا ننفرد بحوار اللحظات الأخيرة»، أثار الحوار اهتمامًا واسعًا، لكن الكثيرين نسوا- لسبب ما- وفاة الكاتب، واسترعى انتباههم اسم «عبدالعال شعبان»، تساءلوا مَنْ يكون هذا الذى أشاد به الأديب قبل رحيله بساعات؟
بعد يومين امتلأ سرادق عزاء الأديب بالمفكرين وبعض الشباب ممن تصادف وجودهم بجوار السرادق، وراح عدد من الحضور يميل بأكتافه على مَن بجواره مستفسرًا: «هل سمعت بعبدالعال شعبان؟»، الغالبية كانت ترفع حواجبها بدهشة إشارة إلى أنها لم تسمع بالاسم من قبل. البعض استكبر أن يبدو جاهلًا، وهكذا حين سأل روائى عريض الكتفين ناقدًا قوى البنية عن «شعبان» أجابه على الفور: «عبدالعال شعبان؟! يا رجل! أيعقل أنك لا تعرفه؟!»، أجاب الروائى بنبرة المذنب: «الحق.. لا أعرفه»، فقرعه الناقد على الفور: «اقرأه! اقرأه إذن!» واعتدل ينظر أمامه ويضرب ركبته بقبضته: «عبدالعال شعبان! يا رجل! عبدالعال!».
انتقل رد فعل الناقد همسًا من أذن إلى أذن، ومن صف جالسين إلى صف، وعندما بلغ المقاعد الأخيرة فى مدخل السرادق، علق أحدهم متأسفًا: «لطالما قلت إن تاريخنا بحاجة إلى إعادة كتابة»! من ناحيته أكد الصحفى لمن كانوا يتجمعون وينفضون من حوله أن الكاتب أوصى بتراث عبدالعال ورجاه بعينين دامعتين: «اهتموا بعبدالعال.. حرام أن يضيع تراثه».
لم ينقضِ يومان إلا وكان الناقد الذى لام جاره بقوله: «عبدالعال يا رجل!»، قد بادر إلى نشر مقال ألقى فيه الضوء على ظروف الأدباء الرواد، ونوه بعبدالعال، قائلا إنه: «يحتاج مقالًا مستقلًا ليس هذا أوانه»، واتسعت دوائر الاهتمام بعبدالعال وبحياته وسر اختفائه طوال تلك السنين، وفى تلك الأثناء اكتشف أحد هواة حفظ المجلات القديمة، مراسل بريد قراء، مجموعة من المقالات والقصص ورواية لم يكتمل نشرها، بتوقيع من حرفين «ع. ش»، وأكد لإحدى الصحف أن تلك الأعمال كلها بقلم عبدالعال، ولم يفته فى تلك الأثناء أن يُعرف بنفسه بصفته شاعرًا له سبعة عشر ديوانًا ستصدر كلها قريبًا. ناقد من العيار الثقيل كتب مقالًا بعنوان «راهب الفكر وجدلية الثقافة» تناول فيه أثر العزلة والوحدة فى إبداع شعبان، وكاتب آخر طرح سؤالًا مهمًا فى مقاله الأسبوعى: «هل أحرق شعبان أفضل أعماله فى نوبة يأس؟»، وكان مقالًا مؤثرًا بالفعل.
خلال ذلك عثر الأرشيفجى على صورة قديمة تضم الأديب الراحل وبعض أصدقائه، تعرف فيها على وجوه الجميع ما عدا شخص واحد أطل بوجه حزين، فأكد أن الحزين المغموم هو عبدالعال، الذى حالت عزة نفسه بينه وبين الشهرة، وما لبث البعض أن قام بتكبير الصورة وعلقها بين صور كبار الأدباء فى قاعات الثقافة. فى نهاية المطاف كان لا بد من الاحتفاء بعبدالعال وأعماله، فأقيم احتفال كبير تحت شعار «أمسية فى محبة شعبان»، ثم استجابت الدولة لنداء ملح بتكريم عبدالعال بجائزة تقديرية، وعلى الفور اكتشف شاعر من إحدى قرى الجنوب أن عبدالعال خاله- بلا جدال- ودلل على ذلك بخطابات وبصورة طفل يلهو مع ماعز قرب ساقية، وحصل الشاعر الجنوبى على درع الجائزة فى حفل مهيب نيابة عن المرحوم خاله، وشكر الحضور بنبرة تأثر و«شيك» الجائزة المالية يرتعش فى يده.
فى خضم الأضواء نسى الجميع صاحب الفضل فى اكتشاف «شعبان»، أى الكاتب العجوز الذى أدلى بآخر حوار صحفى قبل موته بساعتين، ولم يكن ليتصور أن خبر وفاته المحزن قد يغدو مفرحًا، ولا أن زلة لسان قد تخلق كاتبًا كبيرًا، ولا أن الجميع سيوليه ظهره ويمشى وراء «شعبان».
خنقة
وقف عوض مستندا بنصف ظهره إلى درفة باب المحل المرمية على الخارج. سرح بصره إلى الرصيف هناك حيث تظهر عادة كل مساء سيارة الدكتور عفيفي منذ أسبوعين. تمتم متنهدا بضجر: " الدكتور ده خنقني على الآخر، مفيش في بقه كل ما أحط له طبق الكشري غير " تسلم "، و " في غاية الامتنان"، و" ألف ألف شكر"، أسبوعين على دي الحال. يارب". الدكتور زبون مهذب زيادة عن اللزوم وبداهة كان على عوض أن يرد الكلمة بأحسن منها وأن يفشخ فمه بابتسامة واسعة والدكتور يغمزه بالإكرامية اقرارا منه بالفضل، وحين يفرغ الدكتور من الأكل يمشي عوض وراءه إلى السيارة ملوحا مودعا متممتا شاكرا. بالأمس وقف عوض عند باب المحل يترقب وصول الدكتور، ويجري في خياله خلال ذلك تمارين على الأدب والاحتشام، ويرى نفسه فيها وهو يتقدم إلى منضدة الدكتور بكتفين محنيتين ورأس مطأطئ. لكن د. عفيفي لم يظهر بالأمس ! لم يحضر بعد التمارين المنهكة التي كاد عوض أن يسمع في نهايتها طقطقة رقبته. وصفع عوض نفسه بالحقيقة: " الأدب حلو مع الناس، والإكرامية طبعا، بس أنا اختنقت، وزهقت قوي". هنا اتقد رأسه بالسخط والغيظ وخطر له أن يصيح في وجه د. عفيفي ما إن يراه: " كفاية بقى شكرا وغاية الامتنان وسلمت ودمت. كل وأنت ساكت. ارحمني . خنقتني بالأدب"، ثم برطم بهيجان من لم يكن مؤدبا لحظة في حياته على امتدادها في قرية المطاعنة. الآن يتعين عليه في القاهرة أن ينتقي كل كلمة وأن يمشي برشاقة ويتكلم بصوت خافت. أف . رحمتك يا رب. أنا زهقت ".
في قريته داخل الصعيد عاش عوض بحريته مثل عود أخضر في حقل، يسرح في البلدة طوال اليوم. يبرم النبوت بيده، يشرب الشاي عند عتبات البيوت، ولا شكرا ولا غاية الامتنان، فإن نشبت خناقة هرول إليها فلا يترك حاجبا إلا ويشقه، فتجزيه عائلة الغالب المنصور بأطباق اللحم ورزمة فلوس. الآن، في محل الكشري هذا ينبغي له من الباب إلى الطاق أن يكون مؤدب وابن ناس.
ظل عوض واقفا إلى أن لاحت سيارة د. عفيفي بمقدمتها البراقة. غمغم لنفسه : " وصل إذن أبو شكرا وكثر ألف خيرك". خرج د. عفيفي من سيارته ومشى بهدوء نحو منضدة شاغرة تلفه هالة ناعمة من الطمأنينة. حدج به عوض بنظرة قاسية واتجه إليه يضرب الهواء بذراعيه الطويلتين. توقف أمام المنضدة صامتا للمرة الأولى، وأخيرا فتح حلقه عن فرقعة غليظة: " يا نعمين"، طلب الدكتور كعادته طبق كشري كبير مع صلصلة حراقة ثم انفتح الدكتور سيلا من كلمات الشكر. استدار عوض ومشى وقبل أن يبلغ باب المحل بقليل أحس بسهم ناري في عموده الفقري فغمغم: " الظاهر ظهري انكسر من تمارين الأمس"، وعاد عوض بعد قليل على يده صينية الطعام. وعلى الفور شكره الدكتور:" تعبت معي. ربنا يعطيك الصحة. ألف شكر. حقيقي شكرا". انحنى عوض ليضع الطبق على المنضدة وفي هذه اللحظة صاحت امرأة من منضدة مجاورة تنادي شخصا، فالتفت إليها د. عفيفي بنظره وخبط بكوعه الصينية من دون قصد، فتأرجحت في يد عوض وانزلق الطبق من عليها. انحنى عوض يلم بيديه الاثنتين ما تناثر من الطبق وقد غاصت أصابعه في شظايا الزجاج وفي الصلصلة الحمراء. دهش د. عفيفي وهم بالوقوف وهو يعتذر لعوض: " أنا آسف جدا. حقيقي. أعتذر لك بشدة، وأكرر أسفي. تسلم". حدق عوض بأصابعه وقد آلمته شظايا الزجاج الدقيقة، ثم رفع ظهره ورأسه ببطء إلى أعلى، ولبث يحدج إلى الدكتور صامتا، وفجأة انفجر وراح بعينين جاحظتين يعتصر قبضتيه ويهزهما في وجه الدكتور زاعقا : " ارحمني بقى. ابقى كل وأنت ساكت، من غير لا شكر ولا امتنان. كل وأنت ساكت. ساكت خالص". نهض الدكتور لا يصدق ما يسمعه، وواصل عوض فورته ملوحا بيده بعلامة الاستفهام: " أنت جاي تآكل ولا جاي تشكر؟ خنقتني. زهقتني منك لله"، ثم أطلق من صدره " أف " طويلة وسار إلى المحل. ووقف د. عفيفي يردد بصوت مرتجف يستنكر ما حدث: " ده عيب قوي على فكرة. عيب. عيب جدا". طوق العمال عوض داخل المحل وأجلسوه بالقوة وجاءه واحد منهم بكوب من الشاي، بينما كان الحاج أشرف صاحب المحل يستفسر منه بقلق: " حصل إيه بس يا عوض؟". أجابه وهو يكظم السخط والغيظ : " زهقني يا حاج. كل شوية كثر ألف خيرك، وسلمت، ودمت، وطبعا أنا كمان لازم أبقى ذوق معاه.. إيه القرف ده؟ ". وأطلق عوض " أف" مرة أخرى، ثم وضع كوب الشاي على الأرض وصاح فيمن حوله:" أنا مش فاهم الجدع ده.. أنا أعرف واحد يقل أدبه أشده من قفاه وأرميه بره المحل .. لكن إيه ده مش فاهم؟"، ورمى نظرة إلى الرصيف بعيدا: " كان ح يجرى إيه يعني يا سي عفيفي لما تأكل وأنت ساكت؟ لازم الخناق والزعيق يعني؟".