كان هناك رجل يعمل في إصلاح الأصوات. ليس المغنين. ولا أجهزة التسجيل. الأصوات نفسها.
صوته متجره كان يقع في شارع ضيق لا تدخله الشمس كاملة، بين محل أحذية قديم ومغسلة أغلقت منذ سنوات وبقيت رائحة الصابون عالقة على بابها كذكرى عنيدة.
فوق الباب لافتة صغيرة مكتوب عليها: نعيد للأصوات بريقها الأصلي.”
الناس كانت تضحك حين تمر. ثم تعود إليه ليلًا.
امرأة جاءت تحمل ضحكة ابنتها داخل شريط كاسيت محترق.
قالت إن الضحكة أصبحت بعيدة، كأن طفلتها تضحك من آخر العالم.
أصلحها الرجل في ساعتين.
خرجت الأم تبكي لأن الضحكة عادت قريبة جدًا… لدرجة أنها سمعت النفس الصغير بين الضحكتين.
ورجل آخر أحضر تسجيلًا لصوت أبيه قبل الوفاة. كان يريد إزالة صوت أجهزة المستشفى من الخلفية.
لكن الرجل أعاد له التسجيل كما هو. وقال بهدوء: “الألم جزء من نقاء الصوت.” لم يفهم الزبون وقتها.
لكنه بعد أسبوع عاد يشكره. لأن صوت الأجهزة كان الشيء الوحيد الذي أثبت أن أباه حاول البقاء.
أما الرجل نفسه، فلم يكن يتكلم كثيرًا.
صوته بدا دائمًا كأنه قادم من غرفة مغلقة. وكان هناك سبب.
في آخر درج داخل متجره، احتفظ بصوت امرأة لم يعد يتذكر وجهها. ليس تسجيلًا كاملًا.
فقط جملة واحدة: ارجع بدري.”
سبع عشرة سنة وهو يصلح أصوات العالم كله، لكنه لم يستطع إصلاح الطريقة التي قالت بها تلك الجملة.
كان فيها شيء مكسور. شيء لم يفهمه إلا بعد فوات الأوان.
في البداية ظنها جملة عادية. زوجة تطلب من زوجها العودة مبكرًا.
لكن مع الوقت، بدأ يسمع داخلها أشياء أخرى. الخوف. الرجاء.
إحساس شخص يعرف أنه سيُترك قريبًا ويحاول ألا يقول ذلك بصراحة.
صار يشغل الجملة كل ليلة. ارجع بدري.”
ومع كل مرة، كان يكتشف طبقة جديدة من الحزن، كأن الصوت بئر لا قاع له.
حتى جاءت فتاة صغيرة ذات مساء. أعطته تسجيلًا لصوت أمها. وقالت: “عايزاك تشيل الصمت.”
سألها: “فين الصمت؟” قالت: “بين الكلمات.”
ارتبك لأول مرة منذ سنوات. شغّل التسجيل.
الأم كانت تقول لابنتها كلامًا عاديًا جدًا: هل أكلتِ؟ ذاكري كويس. لا تنسي المعطف.
لكن فعلًا… كان هناك صمت غريب بين الجمل.
صمت ثقيل، بارد، يشبه شخصًا يقف على حافة الرحيل.
أعاد التسجيل عشرات المرات. ثم فهم فجأة. الأم كانت تحتضر حين سجلته.
وكانت تخفي خوفها داخل الفراغات الصغيرة بين الكلمات.
لهذا شعرت البنت أن “الصمت” أعلى من الصوت نفسه.
تجمّد الرجل طويلًا. ثم فتح درجه القديم للمرة الأولى منذ سنوات. وشغّل جملة المرأة:
“ارجع بدري.” وفهم أخيرًا. هي أيضًا لم تكن تطلب منه العودة مبكرًا. كانت تودّعه.
لكن البشر لا يقولون الوداع مباشرًا غالبًا.
يخفونه داخل جمل صغيرة: “خلي بالك من نفسك.” “وصلت؟” “كُل كويس.” “ارجع بدري.”
في تلك الليلة، أغلق متجره للمرة الأخيرة.
وفي الصباح، اختفت اللافتة.
لكن أهل الشارع أقسموا أنهم ظلوا يسمعون أشياء غريبة بعد ذلك.
أصواتًا قديمة تصبح أوضح فجأة.
كأن أحدًا ما، في مكان بعيد، لا يزال يصلح الحنين.