ينطلق فعل الكتابة القصصية لدى "كرم الصباغ" في مجموعته "ممرات بيضاء لغزالة وحيدة"[1]، بداية من عنوان دال ورامز لهذه المسحة الصوفية كعتبة أولى ورئيسة تشي بتوغل روحاني وتوحد مع أشياء ورموز يتكون منها عالم المجموعة القصصي/ السردي، من حالات عصية على الإدراك العادي والمستهلك لعديد من الأمور التي ربما تمر مر الكرام، ويحسبها البعض من الشوارد أو الأمور التي تحدث عارضة بلا تفسير. فنجد هذا التعانق بالغ التعقيد والتركيب مع مكونات البيئة المحيطة بالشخوص المنتقاة بعناية من داخل حالات ملتبسة بالشك واليقين والتحول والعلاقات المتبادلة بين الإنسان وما حوله التي ربما حكمتها العلاقة الميتافيزيقية أو السيريالية على حد السواء.
مما لا شك فيه أن عتبة العنوان، كعلامة سيميائية تمثل قيمة مضافة، تمهد لزخم علاقات مضمرة ومعلنة على حد السواء، تحصر الحالة الإنسانية في ممرات تمر منها "غزالة الروح" الوحيدة والمتوحدة، كرمز صوفي عتيد مستلهم من التراث الصوفي (السهروردي، وابن عربي، والحلاج، والشبلي)، لتنفذ الحالات القصصية من ممرات يمهد لها أيضًا بعتبة أخرى من عتبات النص السردي الممتد كتسلسل بنائي للمجموعة من خلال استهلال يستدعي فيه "جلال الدين الرومي" في اقتباسه الشهير المرتبط برمز آخر من رموز الصوفية وهو رمز "الناي"، وهو مفتاح مهم من مفاتيح تشخيص العالم السردي لتلك الأضمومة القصصية كما هو مفتاح مهم أيضًا لولوج عالم القاص السردي الخاص الذي يحمل معجمه اللغوي الكثير من تلك الإلماحات الأساسية التي تربط بين الكتابة والتصوف، لتعضيد تلك الشبكة من الرموز والعلاقات التي يتكون منها عالمه القصصي.
"تُراك استمعت إلى حكايات الناي وأنين اغترابه، منذ اقتطعت من الغاب لم ينطفئ هذا النواح، فلعل كل من أبعد عن محبوبه، وأحرق الشوق له روحًا، يستمع إلى قولي"[2]
بتلك العتبة البنائية/ الاستعارية "المقتبسة" بمفهومها المطلق، والمؤسس هنا، لتأمل نصوصها التي تكرس لها في غمار حالة صوفية بشكل رئيس ومباشر، من خلال مفردات صوفية والإحالات عليها.. يمثل فيها الناي معادلًا موضوعيًا وحسيًّا للحزن/ الشجن الذي يتماشى مع حالة المريد/ العاشق/ الصوفي في توحده بحالته الخارجة عن الإطار المعتاد.
- لغة الصراع والمشهدية، والمجاز
"بهدوء تام تسللوا إلى الداخل، بعينين مصعوقتين تطلعت إلى وجوههم الجامدة وملامحهم الصارمة، وأعينهم التي انبعث منها ضوء أصفر شاحب بالكاد أنار الغرفة، عادت الأسئلة الحائرة تنهش رأسي من جديد، لكنني سرعان ما اقتنصت الفرصة"[3]
في نص البداية "شجرة"، تتأسس حالة صوفية غارقة في تفاصيل عتمة يبرع القاص في جعلها سبيكة من مشاعر داخلية تتحرك فيها الحالة القصصية، وتعرج على أنات الروح بسمة الشجن التي ربما أحدثها صوت الناي في التصدير، واصطلائها بالتوحد مع العزلة. تلك النتيجة التي يسوقها النص، كتجربة مع التوحد وإعادة صياغة النفس بما ترتأيه الروح المتعطشة إلى فردوسها المتوحد المقيم، بالرغم من عذابات الوحدة والعزلة التي لا ترتضي شريكًا أو سميرًا، وهي الفلسفة التي تلح دائمًا في طرح أسئلة وجود الذات في أي محيط تتواجد فيه:
"بمرور الوقت تدرب قلبي جيدًا على تلقي طعنات العزلة. لم أعد أصرخ حنينا إلى الخروج، بل تعايشت مع العتمة فصارت أناملي عينين أرى بهما بذوري التي نبتت بعد أيام من غرسها في مسام جلدي التي تفنحت كنوافذ صغيرة منذ غزو عيونهم"[4].
ذلك الذي يبين مدى العلاقة المنبتة بين الظلام وبين تلك العيون التي اخترقت العتمة، وبين حالة المعايشة والإجبار وترويض الروح للنفس على تلك المعاناة التي تصطلي فيها بالوحدة والعزلة، والتأويل المعنوي لمدى زراعة هذه الخصال في النفس، كغرس جديد تؤتى ثماره، وكنتيجة عكسية لدخول تلك الكائنات الغرفة/ المحيط الخاص بالشخصية ككائنات خارجة عن السيطرة ولها هاجس الظهور، أو محاولتها ذلك في وعي شخصية بدأت في إعادة إنتاج ذاتها بدءًا من الاستسلام للعزلة والظلمة كعالم آخر ترتحل إليه وتسكن وتعالج الحنين إلى الخروج لملامسة العالم الخارجي التي أصبحت بمنأى عنه..
"كان من الطبيعي بعد تحولي إلى شجرة أن تتسلل فروعي الحيطان وأن تخترق جذوري تربة الغرفة الرخوة، وأن تمتد تحت القواعد الخرسانية كي ترتوي من ذكرياتي القديمة المطمورة هناك"[5]
تبدو هذه التطورات الخارقة للحالة التي يختتم بها النص، من خلال فلسفة وجودية مرتبطة بحس صوفي عفوي متغلغل في الروح والذي يدفع النفس/ الجسد للعيش في مدارات وهيئات مختلفة تتردد فيها الأرواح وترتدي مسوحها، انتقالا إلى مرحلة تلعب فيها الفانتازيا دورًا ظاهريًا مهمًا في تجسيد التحول، والدخول في حالة تشيوء الشخصية في حالة برزخية ملهمة بالقوة الميتافيزيقية في صورة الشجرة التي تأتي في ختام النص لتبرهن على مدى قوة الروح في تجسيد أثرها ووجودها واستمرارها في الوجود حتى بعد انتهاء الوجود المادي نفسه، لتتحقق لها معادلة الوجود بقوة الروح في صورة أخرى من صور البقاء، وهي صورة الشجرة المثمرة القادرة على استمرار العطاء والإنتاج من جديد في سرمدية لا تدخل في حيز المعتاد ظاهريًا.
في نص "خد السحاب" تبدو المشهدية التي تجمع بين الوصف وتجسيد المشاعر والظواهر الطبيعية من خلال التخييل/ الفانتازيا/ حالة سحر الواقع التي يسوقها النص/ يعتمد عليها لإبراز مشاعر جوانية متأججة تأتي في صور ومشاهدات ومعاينات روحانية شفيفة، حيث تأتي الصورة السحرية لتبرز ماهية الصراع بين الخير والشر المتمثلين في: (صورة الملاك، وصورة الشيطان) اللذين يتصارعان على وعي طفل رهيف مسترد من واقع كان يعيشه، ربما تخفت أسبابه وعلاته وعلائقه بالواقع:
"الملاك يغادر كراسة الرسم، يخرق أغلال الورق والخيال، الملاك يتحول إلى حقيقة.. الملاك يرخي جناحيه في قعر البئر، والطفل متعلق بريشه المنير، والشيطان يجذبه، والطفل يتشبث بحبل النجاة.."[6]
تأتي الحركة بالفعل المضارع من خلال لغة المجاز والإشارة التي يغلف الكاتب بها تلك رحلة سردية/ معراج يقطعها الملاك (كعنصر فاعل رئيس ومؤثر وله غلبة الحق على الباطل) في حالة فانتازية ماورائية متخيلة يقوم عليها النص في مجمله لتثبيت فكرة واقعية من خلال فكرة تخييلية تقوم على بث الروح في الكائنات لاستعادتها أو محاولة خلقها من جديد، وبقوة روح تتحكم في المسارات والاتجاهات والتكوين وإعادة إنتاج الصورة في سياقها الروحاني/ القدري الموازي/ المفسر لما يحدث في الواقع، أو المراد تحقيق معادلته، أو المجسد لما يشابهه في ما وراء الأشياء عبر أنسنة تجعل للورق روحا يخرج بها الملاك ويصبح فاعلا من سكون الورق إلى حركة الخلق أو استعادة الحياة من جديد ليقوم بمهمته الموكول بها لإعادة نسق الوجود إلى مظانه، وهو التحكم في مسيرة الولد الذي يقع داخل البئر، وكأنه على اتصال وثيق بقصة سيدنا يوسف عليه السلام كأثر وتناص تراثي له تأثيره في وعي السارد/ المجسد للنص، وصراعه الأزلى مع الشيطان (رمز الغواية والسقوط، والعدو الأول لبني البشر) بهذه الحالة الروحانية التي لا تؤمن إلا بقوة الروح لا الجسد، ومن ثم الانتصار للخير والحق والكمال الروحاني.
"الملاك يحمل الطفل، ويعرج به إلى السماء، الأرض الدميمة تصرخ، وترسل الريح من جوف الكهوف، وتثير رمال الصحارى، والملاك يقاوم العواصف والرمال السوداء المتناثرة، الملاك يصل أخيرا إلى النجوم، ويعيد الطفل إلى نجم كان في الأصل صاحب نطفته الطاهرة"[7]
لا يتوقف الصراع على الورق/ الكتابة/ أسئلة السرد الملحة في رؤية إبداعية للنص القصصي، كما لا يتوقف على التوازي من ذلك الصراع الأزلي حتى ينجح الملاك في معادلته التي ربما نجح فيها شخص النص السابق، حيث يتناص (النجم) هنا مع (الشجرة) من حيث كونهما مستقرًا دائمًا وأخيرًا لحياة شخصية تولد من جديد من بعد حالة من حالات الصراع المرير مع النفس مرة، ومع الشيطان مرة أخرى؛ تأكيدًا عقيديًا على قوة الروح وقداسة النطفة الطاهرة التي هي من فطرة الخالق. وهو ربما ما جعل شخصية نص آخر مثل "فراشات بالية" تجنح لأن تكون فراشة، بل وتتحول في معادلة جديدة من معادلات عناد الروح ومقاومتها للواقع من حولها كمد صوفي مخفي بداخل الشخصية، تثير الدهشة والعجب وتقف فوق حدود المعقول من المدركات البصرية والحسية للمحيطين محدودى قدرة الامتثال لخوارق الأمور ومعجزات صغيرة متكررة، لا يدركها إلا العالمون:
"لم تستوعب عقولهم أبدًا كيف يتحول ذلك الكهل أثناء عزفه إلى فراشة تسبح في سديم صاف، فراشة تهزم برقتها ثورة الثور، وجوع الذئب"[8]
حيث تبدو العلاقة المنبتة بين الشخصية وما حولها من مفردات وشخوص وأحوال، لتتماهى مع حالة سديمية في ظل شعور بالعراء والانكشاف والتحول الثوري بين ثلاث حالات تتنقل بينها الشخصية (الرقة، والثورة، والجوع)، فتكشف النهاية عن الوصول إلى حالة التوحد مع اللا معنى التي تصل إليها، وهو ربما ما يأتي على النقيض من النماذج السابقة التي تعرضنا لها على سبيل المثال، اتساقًا مع آلية للكتابة تسعى للتنوع الفني الذي يتسع للتعبير عن التنوع القيمي الذي تقدمه هذه النماذج البشرية المتحولة إلى كائنات أخرى لمعاودة ممارسة حياتها بشكل مغاير وسرمدي، وربما كان على عكس حالة السديمية التي كانت تغلف وجودهم في الواقع المعيش، مع خلفية حالمة ربما مثلها الإيقاع اللحني الذي يظاهر تلك الأشياء حتى ينقضي دوره الفلعل وتصبح الحياة بلا إيقاع:
"فخفتت أصداء اللحن شيئا فشيئا، وقفز من صدره ذئب جائع خائر القوى، سرعان ما تمدد أسفل قدميه، بجوار فراشات صغيرة بالية انفصلت عن روجه للتو، وراحت تتساقط بكثافة فتناثر رماد أجنحتها المحترقة فوق بلاط شقته المحطم"[9]
يلعب الإيقاع هنا بتأثيره في النص/ الواقع دورا مهما في حالة التوحد بين الكتابة والشعور التي يلعب عليها الكاتب في معادلة صعبة تلتبس فيها الحقائق والخيالات كما يلتبس الشعور المتأجج بقيمة الحالة إبداعيا وروحانيا، حيث يأتي صراع الكتابة ذاتها مخفزا على المضي في تلك اللعبة، ليتوازى بالفعل مع الصراع مع النفس/ الذات عنيفا، والمقابلة/ التناقض بين خفة الفراشة/ الروح، وثقل الذئب/ الثور، الجسد، لا يحتمل رقة التعامل مع الروح المتمثلة في الفراشات التي ظلت تقاوم بخفتها وعدمية وجودها حتى تحولت إلى حطام وانتهت صلاحية ما تمده من قوة روح كانت عفية بقوة ذلك الذئب/ الرمز النقيض، ثم تلاشى كل ذلك دلالة على ذهاب الروح في معارج أخرى غير معلومة على عكس ما سبق.. وهو ما يجعل الرابط بين النصوص رابطا قيميا يعمل على تضفير قوة الكتلة السردية التي تتجاور بها النصوص في المجموعة.
- الغيبي والموروث في نصوص "النجع"
ثمة كتلة سردية أخرى، ربما مثلت قطاعا عريضًا من نصوص المجموعة بحس الحلقات السردية المنفصلة المتصلة التي تتشبع فيها الصور وتتداخل وتعطي بانوراما مغايرة ومتنوعة، ولكنها ليست ببعيدة عن الأجواء الأولى التي اخترقتها نصوص المجموعة، تطرحها نصوص متعددة وربما متجاورة في بنيان سردي لا يعدم تنوع طرائق التعبير عن مضمونه/ رسالته، من خلال رؤى تتميز بها وتصور عالمًا مرتبطًا بالمكان تحديدًا، وهو "النجع" المقتطع من بيئة صحراوية تكثر فيها المجازات المعبرة عن قسوتها ومدى صعوبة احتمال الحياة بها وما بها من أحوال ورموز وطقوس وعلاىمات دلالية (سيميائية) ترشد نحو تأصيل بيئي مهم ربما كان بعيدًا عن منظار الحالة الإنسانية المعتادة، لكنه يحمل هم الروح الهائمة التي تحتاج مرشدا ودليلا في صور جديدة من صور التعلق بالغيبي والصوفي والملحمي للمكان ذاته، ومفازات مادية وتهاويم نفسية وذهنية..
في نص "يدها الخضراء" يبدو النموذج الأنثوى المتمثل بأسطرة الواقع له وبوضعه في خانة الغيبيات والموروث البيئي والعقيدي لهذا المكان، ولحاجات المعوزين إلى مدد في حالة تعلق بالغيب وما يخبئه وما تراه العين الرائية المحدقة المتمثلة في السيدة صاحبة الكرامات، كرمز من رموز المعتقد الشعبي والموروث، ودلالاته وطقوسه ببعديها الأنثروبولوجي والميثولوجي معا:
"دقُّوا رسومًا على جلد يديها الناعم، لقد بدت رغم صباها بوشم امرأة وعقل عجوز، فهجرت عرائس القش، وأضحت فوق الكثبان تقرأ كتاب الرمل نهارًا، وباتت فوق سطح الدار تشارك الزهرة والقمر والنجمات صلاة الليل"[10].
هنا يتعانق الغيبي المتمثل في قراءة الطالع (الودع) الذي يعبر عنه بكتاب الرمل وقراءة النجوم، مع الروحاني في الخلوة والتبتل والدعاء، وتمثلات الشوق، والكرامات في عدم نفاد زيت القنديل/ السراج، مع التحولات من التاريخ إلى الحاضر، وربط حركة الليل بالنهار بتلك المراوحة/ المداومة على الذكر والتماس سمات تلك الكرامات من خلالها ربما كوحي أو مدد من نوع خاص تعترف به هذه البيئة وهذا المعتقد الموروث، بكل ما فيه من مفارقات.
"مر الوقت يتلكأ، والجدة في خلوتها صائمة تربت على ظهور الخيل كي تجر العربة إلى مربطها.. الخيل تعاند، وفتيل الشوق يضاء، لم ينقص زيته بمرور الأيام، جلد الوجه تغضن، لكن "حني مباركة" ما زال قلبها قلبا أخضر، وروحها روح فتاة أسكرها التحليق في البراح مع يمام مزج سجعه بحلاوة ذكر الحي القيوم"[11]
- اللغة التراثية
تلك الضفيرة الممتدة في وعي الشخصية تبثها في الوعي العام لبيئة متمسكة بنفحات أو هبات أو تدخلات علاجية ناجعة يأتي بها القدر في هذه الصورة كي تقيل عثرة الواقع بما فيه من صور شائهة وأحوال شائكة تمزج بين العقل والجنون وتقارب بين المعقول واللا معقول في ذلك الوعي الذي لا يتوقف عن استلهام صورا تعبيرية خاصة بتلك البيئة/ الصحراء ودلالاتها وماديتها على حد السواء/ وحيث تبدو اللغة التراثية المرتبطة بهذا الوعي وهذا المكان وهذا المقام من السرد المضفر بلغة الشعر والمجاز على الرغم من قسوة الطبيعة والمكان: "كانت أيام الشتاء تنقضي، والسماء على حالها تتدثر بصفاء كاذب من زرقة لا نهائية لم يخدشها المزن، ولما تعبت العيون من التطلع إلى السماء لوى الناس أعناقهم إلى الأرض، فأبصروا العقارب والهوام التي غادرت شقوق الرمل قاطعة بياتها الشتوي، فراحت تزحف تباعا إلى مستقرها الجديد داخل الأحواض المعدة لاستقبال مطر لا يجيء"[12]
تفرض الطبيعة الصحراوية بمفارقتها للنموذج، قسوتها مع هذه التركيبة اللغوية التي يسوقها النص من خلال مشهديته الواسعة والتي تتحرك بداخلها الصور الدالة/ الأيقونات/ العلامات السيميائية التي تقتفي أثر الجفاف، ومخاوف مرعبة من التهام الطبيعة لهم جميعا، وما وصلت إليه الحالة الإنسانية نتيجة لذلك من بؤس، بطريقة سردية غير مباشرة وجمالية بلغتعا المقتنصة من الطبيعة ومن موروث البيئة الخاصة التي ربما تتضاد مع الحالة المدجينية المتحضرة لتعكس أيضا جانبا ديستوبيا وملمحا مائزا يخصها وتتعلق به الأهداب خوفا وطمعا ورهبة من تفاقم الحال، هذا ما ينطق به النص! وما تأتي به نتائج التحولات التي يحدثها الأثر الوجودي الأسطوري الذي يأتي من خلال رمزه ورمز النص في صاحبة اليد الخضراء، حينما أتت بشائر الخير والمطر بعد الظهور المهيب لتلك الشخصية وهي تتأهب للانسلاخ من هذا الواقع بعدما تركت أثرها فيه: "هم كل منهم بخلع قميصه، لكنهم توقفوا فجأة بعد سماع ضجة وزغاريد، أعقبها عويل ونحيب، ولما ركضوا تحت الأمطار المنهمرة فوجئ الجميع بحنى مباركة التي كسرت عزلتها، كانت الجدة ساجدة تحت السعف المبتل دون حركة، وكانت عيدان الشعير التي نبتت منذ لحظات تجاوز جبهتها الملتصقة بالرمل، فراحت عيونهم التي أكلتها الدهشة تحدق إلى العربة المزدانة بورد لم يزرع في النجع فقط، كما راحت أعينهم تحدق مليا إلى الخيول التي تأهبت لاستقبال عروس الليلة"[13]
حيث تبدو المعجزات من خلال تحققها في اللحظة ذاتها التي تنسحب اليد الخضراء من مشهد الحياة حاملة وملتصقة بآثارها من الرمل والورد والتطلعات السماوية التي ازدانت بها الحركة على الأرض التي أنقذها المطر، لتبدو تلك الضفيرة/ السبيكة التي صنعها النص ليعظم من أمر الأسطورة الشخصية المرتبطة بعوامل نشأتها وتحولاتها وذهابها في نهاية المطاف إلى عالم أو مآل آخر، كنهاية لكل موجود، وهي فلسفة التصوف التي تبدو من خلال اكتمال الشيء بنقصانه.
كما يرتبط نص "أمطار الناي" بتلك الوحدة السردية/ الموضوعية التي يصبو إليها النص السابق لتواصل تلك الكتلة السردية حركتها بمعايير وعزف متنوع على وتر المطر مرتبطا برمز من رموز السحر والتبتل والشوق والشجن، والصوفية، والانسلاخ من هذا العالم التماسا للسلوى أو العوض، حيث تأتي فكرة الخلاص التي تأتي من خلال التمسك بالروح المتمثلة في الناي وكمعادل موضوعي لها، مع التأكيد على فكرة التحولات المسيطرة على أجواء البيئة/ النصوص الموازية، ما يلقي بتلك الأجواء السحرية التي يتمخض عنها الواقع المرئي/ المعيش بالبيئة الصحراوية الجافة، من خلال التوغل كرمز وتعيين على حد السواء، بمعنى الدخول في عمق الحالة أو الفكرة المستبطنة من خلال ما يدور في هذا الواقع الغرائبي أو غير المرئي لمن هم خارج تلك البيئة كمتلقين للنص: "توغلت العربة في الصحراء، وعند سفح جبل رمادي توقفت فجأة فصرخ الحوذي بصرامته المعتادة في وجه الكهل، ودعاه إلى النزول، وسرعان ما انطلقت الخيول، فراح الكهل يقتص الأثر، وشرع يقتفي ما خطته السنابك والعجلات على سطح الرمل، ولكن الأرض باغتته، وأخرجت من رحمها سدا وصخورا حجبت الخيول والعربة عن ناظريه، وأغلقت أمامه طريق العودة"[14]
حيث تبدو مفردات البيئة من جبال وصخور ورمال وخيول، ونماذج بشرية، والدوال عليها في مستويي المعالجة الخارجي والداخلي على حد السواء وما يحدث بينهما من مفارقات ومعاينات ومشاهدات قد تقلب مفاهيمية الحالة أو مدى استيعابها، فيبدو الأثر الباقي هو العلامة على الوجود في ظلال تلك المتاهة التي لا يهتدي فيها أحد ولا يبلغ غاية، حيث الغاية الفردية هنا لتلك الشخوص تصب في الغاية الجمعية التي يتلاقى عندها بشر هذه البيئة وهذا المكان، مع النزوع دائما إلى معالجة الروح لهذا الواقع، والنزوع إلى المحاولة والمغامرة التي غالبا لا تؤتي ثمارها ويأتي التكيف على الحالة المعيشة من خلال تلك المفارقة، وفي سبيل هذا الوصول الذي تتحقق فيه الغايات على مضض، وسط هذا الكرنفال المكاني ودواله وعلاماته التي تضع الحد الفاصل بين المعقول واللامعقول أو بين المادي المتجسد والروحاني المتعلق بغيبيات غير مرئية لكنها قد تظهر في صورة غرائبية، تفرز استنساخاتها من خلال ما يتعرض له العابر على جسد المكان:
"على يمينه كان النهر في مكانه يموج بمائه العذب، وعلى يساره كانت الحيات في مكانها تفغر أفواها، وكان الكهل جائعا يحلب أثداء الصخور، وكانت الشمس ملتهبةتطلق أشعتها الحارقة، لدرجة أذاب معها الحر رأسه، فاشتهى الماء والظل والخلاص"[15]
هكذا يبدو الخلاص في هذا الحيز الذي يحصر فيه النص شخصيته الساعية إلى اختراق هذا المجال الصعب الذي تنمو فيها تطلعاتها إلى الخروج وإلى ما يهبدط من صهد المعاناة الروحية قبل أن تكون بدنية، وهو ما تؤكده تلك المشاهدات التي يرسمها المشهد بكامله وهو يسلط الضوء على بقعة جديدة يبو التماس الظل والماء فيها خلاصا، في ظل الخطر الداهم الذي تمثله الحيات برمزيتها وبمادية وجودها على حد السواء، فيبدو النزوع إلى الكمال الروحي مخرجا وخلاصا من تلك الوهدة والحفرة العميقة التي تبدو من خلالها الكرامات الصوفية والروحانية، من خلال رمز الناي الذي يلعب دورا عميقا في تنمية الحس بالوجود في مقابل/ ضد تلك الحالة من الاستيحاش والشعور بدنو الهلاك، مفارقا للمادة نحو ذراتها السابحة في الغيب: "ولما شارف على الهلاك، راودته فكرة ظن أنها لن تؤتي أكلها أبدا، ولكنه قاوم هذا الشعور والتقط نايه وقرر أن يعزف لحنه الأخير، فخرج النغم خافتا ضعيفا كأنين ناسك مبتهل، وبعد لحظات من العزف كون الناي الصاعد ظلة وسحابة، هطلت أمطارها فجأة على وقع أنفاس الناي المتلاحقة، فشرب الكهل إلى حد الارتواء"[16]
تلك الصورة الغرائبية/ اللامعقولة التي تأتي كنتيجة الالتحام بالحس الوجودي من خلال الروح التي تفتقت عن تلك الأمطار الرمزية التي أعتقت الشخصية من هذا الوجود المخاتل والمقبض إلى براح إدرار المطر ونواتجه/ آثاره كمدد من قوة أعظم لا يعظم عليها تحقيق معجزة للناي/ الرمز/ الروح تعيد للكون اتزانه، وللشخصية الصادقة في عزمها هذه القوة والقدرة على الصبر والتحمل حتى يتحقق انتصارها على الطبيعة، وعلى هواجسها، وعلى تلك الحالة المصيرية التي تؤول إليها الجماعة كبشارة لها. وهو ما يعكس قدرة النصوص على التنوع القيمي الذي تستدرج به شخوصها وأفكارها التي تتحلق حول تلك الحالة الصوفية بمختلف مواضع قوتها وضعفها وانتصارها أو خذلانها، ومن خلال الجنوح إلى الخيال المترع بالمجاز اللفظي والمعنوي، وهو ما يجعل معادلة الكتابة هنا على قدر كبير من شمولية المعنى والمبنى وبراعة التعبير النفسي والصوفي، ومعادلة الواقع الوجودي لتلك النماذج المطروحة، من خلال واقع سحري داخلي يتوجب استقصاؤه.
Mohammadattia68@gmail.com
[1] ممرات بيضاء لغزالة وحيدة – قصص – كرم الصباغ – الهيئة المصرية العامة للكتاب 2024
[2] جلال الدين الرومي
[3] المجموعة ص8
[4] المجموعة ص9
[5] المجموعة ص9
[6] المجموعة ص11
[7] المجموعة ص12
[8] المجموعة ص14
[9] المجموعة ص16
[10] المجموعة ص35
[11] السابق نفسه
[12] المجموعة ص36
[13] المجموعة ص 37/38
[14] المجموعة ص43
[15] المجموعة ص45/46
[16] المجموعة ص46