(1) حدثٌ تاريخيّ: أوّلُ مسرحيةٍ يكتبها الذكاء الاصطناعي!
بحضور وزير الثقافة الفرنسي، عرض «مسرح الأوبرا الملَكيّ» المهيب، في قصر فرساي، يوم 5 مايو 2026، خلال ساعتين، مسرحيّةً كتبها الذكاء الاصطناعي كاملةً، دون حرفٍ واحد عدَّلهُ الإنسانُ أو أضافهُ. اسْمُها: «المُنجِّم، أو خِداع الفأل»، بأسلوب موليير وعلى طريقة فنِّهِ المسرحِيّ، كما لو كان هو من كتبها! كان ذلك ضمن مشروعٍ بحثيٍّ في جامعة السوربون عن «الذكاء الاصطناعيّ والإبداع الأدبيّ»، دام التفكير به وإعداده وإخراجه عامان كاملان، نفّذه «مسرح السوربون - موليير» مع فريق من باحثين في الذكاء الاصطناعيّ وفنّانين مسرحيين (Collectif Obvious)، بميزانية قدرها مليون يورو، دعمتها بسخاء بعض شركات التكنولوجيا الحديثة.
للتذكير أوّلاً: يُعَدُّ موليير أشهر كاتبٍ مسرحيٍّ فرنسيّ (بمثابة شكسبير للإنجليز). عاش في القرن 17، في عصر لويس الرابع عشر («الملك – الشمس»، كما يطلَقُ عليه). اشتهر بالسخرية من النفاق الدينيّ والاجتماعيّ، من الادعاء الكاذب والدجل. من أشهر مسرحياته: «طرطوف» (عن النفاق الديني)، «المرض المتخيَّل» (عن الهوس المرضيّ بالمرض والأطبّاء)، «البخيل» (عن البخل). السؤال الرئيس الذي وُجِّهَ لِلذكاء الاصطناعيّ، ليكتب مسرحيّته، ينتمي لجنس «التاريخ البديل» الأدبيّ Uchronie: ما المسرحية التي كان سيكتبها موليير لو لم يمت في عام 1673؟! قبيل ذلك، كان فريق البحث قد غذّى الذكاء الاصطناعي بكلِّ ما كتبه موليير، ورفدهُ بِنصوصٍ عديدة أخرى كُتِبتْ في قرنِه، وبرسوماتٍ معروفة لملابس ذلك الزمن، وبمجمل ما تحتوي عليه مكتبة موليير... (يستطيع الذكاء الاصطناعي تذكّرَ كلِّ ذلك والتدرّبَ عليه واستلهامَه أفضل من أي إنسان أو فريقٍ من البشر، بفضل تقنية «التعلُّمِ العميق بالعصبونات الاصطناعيّة»: أساس «الذكاء الاصطناعي الاتّصاليّ» الذي شرحناه في كتابنا: «الذكاء الاصطناعيّ، الروح/ الدماغ، ووهم العقل العربي»، موليم العروسي وأنا، «منشورات المتوسط»، 2026).
للإجابة على السؤال، لاحظ الذكاء الاصطناعيّ أوّلاً أن مكتبة موليير لا تخلو من كتبٍ كثيرة عن التنجيم! اخترع لذلك الفكرةَ البكر الرئيسيّة لموضوع المسرحيّة، وهيكلَها المنسجمَ مع سخرية موليير من السذاجة الإنسانية (لا سيّما في مسرحية «طرطوف» أو «المرض المتخيّل» الشهيرتين)، ومن فن الدَّجل والخداع والاحتيال وتدليس البشر ... موضوع المسرحيّة: منجِّمٌ مشعوذٌ محتالٌ شديد الطمع والتملّق يستغلُّ سذاجة أبٍ ثريّ أعطاه مقاليد إدارة ثروته، لِيقترحَ لهُ تزويج ابنته على صانع كوافير غارقٍ في الديون، كي ينهبان بعدها معاً كل ثروة الأب! غير أن ابنته تحبُّ رجلاً آخر! ولِحسن حظّها أنّ وصيفتَها الذكيّة ستجيد قلب الأحداث رأساً على عقب... فذْلَك الذكاءُ الاصطناعيّ مسرحيّتَه، بعد ذلك، انطلاقاً من روح موليير وأسلوبه المسرحيّ، ومن بنية وسيرورة إخراجه: الأدلّة والبراهين التي يهوى موليير تمريرها، منهجه في تأثيث مسرحه، سخرية خطابه وكتاباته...
أعاد الذكاء الاصطناعي خلال ذلك إخراج سياق مسرح موليير وثقافة عصره على نحوٍ أمينٍ ودقيقٍ آسر، في ضوء ثقافة ذلك الزمان وتقاليده: أردية تنكريّة وملابس (كلّفتْ جميعها كثيراً كما يبدو)، من تصميم الذكاء الاصطناعيّ نفسِه، في غاية الإدهاش؛ موسيقى تنسجم مع العصر والنصّ؛ ديكور سقفٍ يبدو مطليّاً بالذهب ... كلّ شيءٍ ينقل المشاهدَ سريعاً إلى بلاط «الملك – الشمس»، بزخارف قصوره وبذخها الشهير، ومشاريعهِ المعماريّة الأسطوريّة ... دهشةٌ جماعيّة رافقت المسرحيّة، وتصفيقٌ طويلٌ تلاها. بدتْ للجميع كما لو أن موليير من كتبها وأخرجها بنفسه! لعلّ أهمّ أسباب تلك الدهشة يعود إلى تقيُّدِ المشروعِ بأن تكون المسرحية ذات فكرةٍ جديدةٍ مبتكرة خالصة (في عالمٍ تسود نقاشاته قضايا نهب الحقوق الإبداعية)، وبقلم الذكاء الاصطناعيّ من أوّل حرفٍ فيها إلى آخره.
كيف مرّت تجربة الكتابة؟
لِنذكِّرْ أوّلاً: توليد النصوص الآلي يتَّكئ على راسيتَين:
1) مدوَّنة اللغة (Corpus)، هي مجموعةٌ هائلة (تُعَدُّ كلماتها بآلاف المليارات اليوم) من عيّناتِ النصوص المكتوبة أو المنطوقة، الآتيةِ من قطاعٍ عريض محايد من المصادر التي ينبغي أن تكون ثريّة مُتَنَوِّعَة.
2) نموذج اللغة LLM الذي يتعلَّم من المدوَّنة، عبر تقْنِيَّة «التعلُّم العميق بشبكات العُصْبُونات الاصطناعية».
لكلِّ كلمة في القاموس، مثل «جبل» وغيرها، متّجَهٌ رياضيّ vecteur بآلاف الأبعاد، يضمّ عددا هائلا من المعلومات حول الكلمة في كلِّ سياقاتها وعلاقاتها، ويسمح بإجراء عملياتٍ رياضيّةٍ على الكلمات، على غرار:
«ملك» - «ذكر» + «أنثى» = «ملكة». أي أن فضاء المعنى في اللغة يتحوّل إلى فضاء هندسيٍّ بآلاف الأبعاد على الكمبيوتر، تتمّ فيه عملياتٌ رياضيّةٌ ذكيّةٌ خاصّة.
بعد تغذية الذكاء الاصطناعيّ بالنصوص الكافية، وبعد تركه يتعلّم من مدوّنتها ويتدرّبُ بواسطة ماكينته LLM، أخرج الذكاء الاصطناعي مسوّدة نصِّه الأولى من 8 صفحات فقط!
بدأ بعدها حوارٌ «بنغ بونغيّ» (مثل مباراة كرة الطاولة) بينه وبين الفريق الذي لم يتوقّف عن طلب إعادة كتابة هذا الفصل أو ذاك، عشرات المرات أحياناً، لينسجم بأدقِّ ما يمكن مع سياق ولهجات عصر موليير وثقافته عموماً.
تجاوزَ هدفُ الباحثين في حواراتهم العديدة مشروعَ هذه المسرحية بحدِّ ذاتها، على طريق استنباط دروسٍ لِتطوير ملَكات الذكاء الاصطناعيّ في الإبداع الأدبيّ عموماً، بُغية استخدامهِ في إكمالِ كتابة الأعمال الأدبيّة غير المكتملة أحياناً، أو الإبداع الكليّ المستقلِّ لاحقاً. احتاجوا، بفضل تعاليم هذه التجربة، إلى مسّ خوارزميات «الذكاءِ الاصطناعيِّ التوليديِّ» نفسِه، عند الإسفاف في صياغة الاستعارات أو عدم تركيز الخطاب.
وعلى نحوٍ خاص، احتاجوا لِتوسيع ذاكرة الذكاء الاصطناعي المرتبطة بالنصِّ الذي يؤلِّفه: لاحظوا أنه كان ينسى أحياناً سياق أحداثٍ كتبها، هو نفسُه، في بدء المسرحية، ولزمهم تذكيرهُ بها؛ علماً بأنه يتجاوز الإنسان، بما لا حدّ له، في تذكِّر ما تعلَّمه خلال مرحلة هضم المواد التي يتعلَّم منها في فضاء الإنترنت!
ما الذي يلزم أن نستخلصه؟
لعلّه حان الوقت لتغيير علاقة مثقفينا العرب بالذكاء الاصطناعيّ. أراها ضالّة أو سلبيّة في الغالب: مبنيّةٌ على تخوّفٍ منهُ في محلِّهِ أو غير محلِّه؛ على جهلِ أبجديّته وعدم محاولة استيعاب مبادئِهِ العامّة؛ وعلى الفتاوى الدائمة، رغم ذلك، حول إمكانيّاته أو عدم إمكانيّاته، بما في ذلك التنبؤ الأعمى، القاطع المانع، باستحالة قدرته مطلقاً على الإبداع الأدبيّ، كما يقولون (كلُّ ذلك بعد حوالي 3 أعوام ونصف فقط من ولادة تشات جي بي تي)! لِنلاحظْ: تقنية التعلّم العميق والمحاكاة الذكيّة عبر شبكة العصبونات الاصطناعيّة أشبه بـ «صندوق باندورا»، الذي ستصعب السيطرة عليه أو تحجيم إمكانيّاته. لكنها تحتاج إلى تدريبٍ طويل: احتاج الذكاء الاصطناعيّ لأن يلعبَ ضدّ نفسه مليون وخمسمئة ألف مرّة، خلال ثلاثة أسابيع، ليهزم بطل العالَم، جي سيدول، في أصعب لعبة عقليّة: «ألغو»، في عام 2016.
لا يعني ذلك أن كتابةَ الروايات من قبل الإنسان ستنقرضُ يوماً، بعد تطوّرِ الإبداع الاصطناعيّ في مجال كتابتها. بالعكس! لم تنقرض ممارسة البشر لِلعب الشطرنج أو ألغو بعد تفوّق الذكاء الاصطناعي عليهم. اكتفوا بالانتماء المتواضعِ لِفرق الدرجة الثانية. ناهيك عن أنّ الحكيَ حاجةٌ عضويّةٌ للإنسان لاستيعاب العالم والتفاعل معه. لذلك سوف يحاول الروائيّون مستقبلاً دراسةَ الاستراتيجيات الجديدة التي يحتمل أن يبدعها الذكاء الاصطناعيّ «الفائق» لاحقاً في كتابة الروايات، واستلهامَها لتطوير ملكاتِهم ومعاييرهم، لا سيّما وأن الإنسان، هو نفسَه، مخترعُ الذكاء الاصطناعي ومُلهِمُه.
في تصوّري: سيكون هناك أدبان مستقبلاً: أدبٌ اصطناعيٌّ وأدبٌ إنسانيّ، في تفاعلٍ ديالكتيكيٍّ مُلهِم، ضمن منظومةٍ بيئيّةٍ إنسانيةٍ – اصطناعيةٍ متناغمةٍ متكاملةٍ واحدة. بانتظار ذلك، لعلّ اختراعَ الذكاء الاصطناعيّ لِمسرحية ساخرةٍ من دجل المنجِّمين (كما لو كتبها موليير في مستقبلٍ لم يعِشْهُ)، لا تخلو ضمناً من السخريّة من أصحاب الفتاوى بعدم مقدرة الذكاء الاصطناعيّ مستقبلاً على الإبداع الأدبيّ!
وكأنّهُ يقول لهم: «كتبتُها! كتبتُها!»، على غرار أرخميدس، وهو يصرخ: «وجدتُها! وجدتُها!».
(2) أتْمَتةُ الإبداع الروائيّ بالذكاء الاصطناعيّ
لم ينتهِ شهر مايو هذا قبل اندلاع صخبٍ إعلاميّ حول ما صرّحته به الحائزة على جائزة نوبل في الآداب عام 2018، أولغا توكارتشوك، عن علاقتها الإبداعية بالذكاء الاصطناعيّ أثناء كتابة رواياتها! اعترفت إثر تداعيات ما قالتْه في منتدىً هام في وارسو عن ذلك، عبر منشورٍ فيسبوكيٍّ في 19 مايو 2026، أنّها تلجأ للذكاء الاصطناعيّ دائماً عند البحث (صار أفضل من كلِّ المراجع التقليديّة بالنسبة لها)، وتخاطبه أحياناً عند كتابة روايتها: «حبيبي، كيف أطوّر هذه الفكرة على نحوٍ جميل؟». تستعينُ بهِ كوسيلةٍ لاندلاع شرارة هذه الفكرة أو تلك، لربط علاقات متباعدة بين الأحداث والأفكار، لا تخطر ببالٍ عادةً، وبين المعلومات والمعارف، أو لمقترحاتٍ أسلوبيّة. لكنهّا لا تستخدمه ككاتبٍ بديلٍ لها، كما وضّحت ذلك في منشورها، بعد ضجّة الردود حول ما قالته في المنتدى.
رأت النوبليّة أنّه سيخترق مجال الإبداع الأدبيّ أكثر فأكثر، بفضل تسريعه للكتابة الروائيّة وتطويره لها، لأننا في عالمٍ لا يستطيع معظمُ الكتّاب أن يعيشوا فيه من رزق مجهود إبداعهم. عالَمٌ محكومٌ بِتشتُّتِ البال، وضعفِ المقدرة على التركيز أثناء القراءة والكتابة، من فرط ضجيج الشاشات وتأثير «عالم الاستعراض» على الكتّاب والقرّاء معاً. فمثلما غيّرتِ الصورةُ الرقميّة والهاتفُ وسائلَ تعبيرنا، سوف يُغيّر الذكاءُ الاصطناعيّ، ولا شكّ، من أشكال الإبداع الأدبيّ وسيدمجه بتعدّدِ الوسائط التوليديّة، كما نلاحظ ذلك أكثر فأكثر. لذلك مثلاً تشارك الأديبة البولندية (المهتمّة بالتاريخ والذاكرة) في مشروع لعبة فيديو مستقاة من إحدى رواياتها، بغية البحث عن الوسائل العصريّة الجديدة التي تسمح بأن يظلّ الأدب متّصلاً بعصره، حاضراً في زمن ضعفِ الانتباه، وغزو الشاشات والتكنولوجيا التوليديّة لحياة الإنسان، وصعوبةِ قراءة الروايات الضخمة، كرواياتها، جرّاء ذلك.
نلاحظ اليوم جميعاً أن غزو الإبداع الاصطناعيّ لِعالَم الرواية يتقدّمُ بِخطىً حثيثة: ثمّة جوائز أدبيّة، لا سيّما في اليابان والصين، مثل جائزة «هوشي شينيشي» اليابانية (باسم الكاتب الياباني الذي يُطلَقُ عليه أحياناً: «إله القصّة القصيرة»)، في «التخييل التأمليّ»، التي تَسمح بأنْ تتقدّمَ لها أعمالٌ كُتِبتْ كليّاً أو جزئيّاً من قِبل الذكاء الاصطناعيّ، شريطة الاحتفاظ بسلسلة صيَغِ طلبات الردّ («برومبتات» Prompts) التي قادت إلى النصِّ النهائي، مع عقوبة لِمن يستخدم الذكاء الاصطناعيّ التوليديّ ولا يعلن عن ذلك. وثمّة روايات من هذا القبيل نالت نجاحات مرموقة، أو مرّت على لجنة التحكيم كما لو كانت روايات إنسانيّة! ما جعل هذه الجائزة مشهورةً عالميّاً ليس فقط طابعها الأدبيّ الراقي، بل علاقتها المبكرة بالذكاء الاصطناعي. فمنذ بداياتها كانت منفتحةً على الأعمال «غير البشرية»، أي أنها لم تمنع مشاركةَ نصوصٍ مكتوبةٍ بواسطة أنظمة الذكاء الاصطناعي.
عرفت هذه الجائزة معمعةً كبيرةً عام 2016، عندما شارك فريق بقيادة الباحث الياباني هيتوشي ماتسوبارا برواية كتبها جزئيًا ذكاءٌ اصطناعيّ، وتمكّنت من تجاوز المرحلة الأولى من التحكيم دون أن يعرف الحكّام أنها من إنتاج الذكاء الاصطناعيّ! في الصين نالت روايةُ «بلد الذكريات» (نصٌّ كفكاويّ، من تأليف الذكاء الاصطناعي بواسطة 66 «برومبت»، بتوجيه البروفيسور الصينيّ شِنْ يونغ)، في عام 2023، الدرجةَ الثانية في مسابقة أدبيّة أجرتها «رابطة كتّاب العلوم في مقاطعة جيانغسو» ...بُعيد ذلك بفترةٍ صغيرة، أثارت ضجّةً كبيرةً الروائيّةُ اليابانيّةُ ري كودان، التي فازت بأعلى جائزةٍ أدبيّةٍ يابانيّةٍ (أكوتاجاوا) عام 2024، عندما اعترفت بأن جزءاً (5٪) من روايتها (التي قالت لجنة التحكيم إنها بدون شوائب!) خرج مباشرةً من صلب وترائب الذكاء الاصطناعيّ! اندلع حينها نقاشٌ عالميٌّ، لم يتوقّف، حول هوية الذكاء الاصطناعيّ كمساعدٍ خارجيّ لإنتاج النصِّ الأدبيّ أم كشريكٍ في كتابته، وأين تقع الحدود بينهما.
هل يمكن أتمتة الإبداع الروائيّ؟
بكلماتٍ أخرى شبيهة: هل أضحى الإبداعُ الأدبيّ الاصطناعيّ (الذي كان حتّى زمنٍ قريب تخييلاً لا غير) ماكينةً حقيقية لصناعة التخييل؟ أو هل يمكن لآلة تورينغ (انظر مقالنا «فلسفة الذكاء الاصطناعيّ» حتميّة déterministe (تنفِّذُ خوارزمية)، تستمدُّ معرفتها للّغة من أطنانِ نصوصِ ما كتبه الإنسان، ولا تمتلكُ تجربةً ذاتيّةً في الحياة كالإنسان، هل يمكنها ألّا تلوك ما تعلّمتْهُ، وأن تُبدِعَ نصوصاً أدبيّةً أصيلةً جديدة، مدهشةً وعبقريّة؟ لنلاحظ، عند مقاربة هذا السؤال، الآن أن الاستنادَ على مدوّنةٍ ما للردّ ليس عائقاً للإبداع: الإنسانُ نفسه، مثل الآلة تماماً، يستمدّ معرفته من لغةِ محيطه وتراثها الذي وُلِدَ في رحابِه، يمتصّ تعابيرَها وقصصَها، يتعلَّمُ من بلاغتها وأساليبها، يربط بين أفكارها... ينبعُ إبداعه من استكشافاته لِعوالمها الشاسعة، من دمجه وتركيبه لأفكارها المتباعدة، ومن تحويله وتشكيله الهندسيّ لموادها الخام على نحوٍ غير بديهيٍّ أو حدسيٍّ غالباً. مثله، يستطيع الذكاء الاصطناعيّ التوليديّ عملَ كلِّ ذلك بالطبع، بل يمكنه تجاوز مقدرات الإنسان فيه، على نحوٍ أسرع وأوسع وأكثر إدهاشاً، لا سيّما في مجالات الإبداع الاستكشافي، ودمج المواد الآتية من فضاءات متباعدة، تبدو لا علاقة بينها، في أوّلِ وهلة.
لأنّ نموذجَه اللغويّ LLM يحتوي على آلاف مليارات المؤشرات التي تستوعب كلّ ما مكتوب على الإنترنت من كتبٍ ونصوص وبيانات عملاقة؛ ولأن فضاء متّجِهات vecteurs الكلمات، في نموذج اللغة، يسمح بمعرفةِ السياق اللغويّ لكلِّ كلمة، وبِتقاربِ كلّ ما يمكن تقاربه من علاقات لغويّة ومعرفيّة، وما يغيب عن ذهن الإنسان أحياناً، أو غالباً في الحقيقة. ناهيك عن مقدرات الذكاء الاصطناعيّ الخارقة (هو الذي يجيد التقليدَ أيّما إجادة) على تجريبِ عددٍ هائلٍ من الأساليب اللغويّة ودمجها وتنويعها. لنتذكّر أنّ الذكاءَ الاصطناعيّ لعب ضدّ نفسه أكثر من مليون مباراة في لعبة «ألغو»، خلال ثلاث أسابيع، ليكتشف استراتيجيات جديدةً هزم بها بطل العالَم جي سيدول في 2016 في يومٍ تاريخيٍّ شهير، يختلفُ ما قبله عمّا بعده؛ وأنّه استطاع التفوّق في امتحانات جامعيّة عديدة، ذات أسئلةٍ مبتكرة لا حلول لها على الإنترنت. أمّا كون ماكينة تورينغ حتميّة، فذلك لا يعني أن نتائج حوسبتِها معروفةٌ مسبقاً: كثيرٌ من ظواهر الحياة تخضعُ لِقوانين فيزيائيّة حتميّة (كالطقس الجويّ) في حين لا يمكن التنبؤ بها على نحوٍ مسبق.
دون الحديث عن مساق الصدفة وتعدّد الاحتمالات التي يمكن للخوارزميات أن تنطوي عليها. ثمّ أن «التراكمات الكميّة تؤدّي إلى تحوِّلٍ نوعيّ»، كما تنصّ عليه قوانين الديالكتيك الهيغليّ. أي أن الجديد غير البديهيّ، بل المدهش، يمكن أن ينبع من تراكمات مواد خام بسيطة بديهيّة. يبقى الاعتراض الجادّ لإمكانية أتمتة الإبداع الأدبي، الذي يقول: ليس للآلة تجربة وذاكرة ذاتية، أو معاناة اجتماعيّة، تسمح لها بالإبداع الاصطناعيّ! يمكن بسهولة اعتراضُ هذا الاعتراض الساعي لِترسيم حدودٍ أنطولوجية لا يستطيع الإبداعُ المحوسبُ تجاوزَها، ودحضُه في رأيي أيضاً. يذهب بالي مباشرةً، قبل الخوض في ذلك، إلى مثلٍ صينيّ، استخدمه الرئيس السابق دينغ بينغ: «لا يهمّ أن يكون القطّ أبيض أو أسود، المهم أن يجيد اصطياد الفئران». لعلّ تحديث هذا المثل في عصرنا هو: «لا يهمّ أن يكون القطّ بيولوجيّاًّ أو روبوتاً، المهمّ أن...». بديهيٌّ طبعاً أن الآلة لا تمتلك جهازاً عصبيّاً إنسانيّاً وتجربةً حياتيّةً خاصة. لكنها قادرة على تعلّمِ إدراك محيطها، وعلى تعلُّمِ وتمثّلِ التجارب الإنسانية ومحاكاتها في نصوصٍ ذات تنوّعاتٍ لا عدّ لها، على نحوٍ ماهرٍ بديع، لا يستطيع القارئُ التمييزُ بينه وبين الإبداع الإنسانيّ.
لماذا؟ ثمّة أسبابٌ عديدةٌ لذلك، منها:
1) يمتلك الذكاء الاصطناعي وسيلتيه، الاتصاليّة والرمزيّة، لمحاكاة المقدرات الذهنيّة الإنسانيّة: أ) التعلّم العميق بالعصبونات الاصطناعيّة، و ب) المنظومات الاستنباطيّة، اللتين تحدَّثنا عنهما كثيراً في مقالنا في القدس العربي: «ما الذكاء الاصطناعيّ الفائق؟». «التعلّمُ العميق»، كما قلنا مراراً، «صندوق باندورا» لا حدود لمقدراته ولا يمكن كبح جماحه في مجالٍ ما. عندما تنضاف له مقدرات المنظومات الاستنباطيّة، ذات القواعد المنطقيّة التي تضمُّ معارفَ وخبرات تتطوّر على الدوام، يستطيع الذهاب بعيداً في محاكاته واستقلاليته، وفعاليّة حلوله الإبداعيّة الجديدة، على غرار العقل البشريّ، بل أكثر ربما بفضل مزاياه الخاصّة. يُجيد ممارسة التجريب (كما لعب ضد نفسه في لعبة «ألغو») لاستكشاف استراتيجيات جديدة لِحلوله، وتطوير وتحسين نفسه على الدوام.
2) يلزم أخذ عامل الزمن بِعَين الاعتبار في مجال الإبداع الاصطناعيّ، الذي يرى البعضُ أنّهُ سيكون «آخر حدود الذكاء الاصطناعيّ». لم يصل الذكاء الاصطناعي نفسُه إلى مرحلته اليوم إلا بعد عقودٍ طويلة عرف فيها أكثر من شتاء وربيع، منذ 1956. والتعلّم العميق يحتاج إلى تدريبٍ طويلٍ وتجريبٍ واسع. خاصّةً وأن الأعمال الروائيّة لا تتراكم بسهولة في مدوّنة الذكاء الاصطناعيّ التوليديّ بسبب حقوق الطبع والتأليف... ومع ذلك، تسير الأمور بسرعة تخترق هذه العوائق: يتعلّمُ الذكاء الاصطناعي من سلسلة «البرومبتات» التي تطلب منه إعادة كتابة فصول هذه المسرحية أو الرواية أو تلك، ويستوعب استراتيجيَّتَها. يتعلّم من أخطائه ونواقصه دوماً، مثل «نسيانه الكارثيّ» لبدايات أعماله الأدبيّة الطويلة. يتطوّرُ لذلك سريعاً جداً، كعادته. ناهيك عن أنّ تعلّمَه فنَّ الإبداع لا يعتمد فقط على التدريبِ من مدوّناته، واستلهامِ تجاربه. بل هناك باحثون يشتغلون على خوارزميات خاصّة لبعض سيرورات الإبداع الأدبيّ، لإدخالها ضمن ماكينة الإبداع الاصطناعيّ، في مجالات محدّدة، انطلاقاً مثلاً من أن الإبداع الإنسانيّ ينبثقُ ويتأتّى غالباً من تصادمات الأفكار غير المتوقَّعة، يولد من الربط بين علاقاتٍ نادرةٍ أحياناً، يندلع من تحوّلاتٍ مفاجئةٍ مدهشة في لحظاتٍ ما...
فكما لاحظنا في مقالنا عن مسرحية الذكاء الاصطناعيّ المولييرية، احتاج الباحثون، بفضل دروس هذه التجربة، إلى مسّ خوارزميات «الذكاءِ الاصطناعيِّ التوليديِّ» نفسِه، عند الإسفاف في صياغة الاستعارات أو عدم تركيز الخطاب. وعلى نحوٍ خاص، احتاجوا لِتوسيع وتضبيط ذاكرة الذكاء الاصطناعيّ المرتبطة بالنصِّ الذي يُؤلِّفه هو نفسُه: لاحظوا أنه كان ينسى أحياناً سياق أحداثٍ كتبَها، في بدء المسرحية، ولزمهم تذكيرهُ بها!
ثلاثة أجناسٍ لِمستقبل الرواية: إنسانيٌّ، إنسانيٌّ – آليّ، آليٌّ:
يبدو جليّاً الآن أن مستقبلَ الإبداعِ الروائيّ سيكون متنوِّعاً وهجيناً، وثريّاً أيضاً. ستتضاعف فيه الإنتاجات الروائيّة التي سيكون للذكاء الاصطناعيِّ فيها دوراً أكبر أو أقل، أكان ذلك بنسبةٍ ما في مجمل النصّ، على غرار رواية اليابانية ري كودان؛ أو عبر حضورٍ فعّالٍ غير مباشر، على غرار صاحبة نوبل 2018. لعلَّ هذا الجنس الروائيّ الآليّ-الإنسانيّ سيكون له، في تقديري، نصيبُ الأسد في مجموع الإنتاج الروائيّ المستقبليّ، وسينتشر بثراءٍ كمِّيٍّ ملحوظ، مُمِلٍّ أحياناً عند الإسفاف الآليّ، غير المعجون بروحِ الكاتب. لن يختفي الجنسُ التقليديّ الروائيّ الإنسانيّ البحت، بالعكس. سيكون له حضورٌ ثابت، بل ستزداد في هذا الجنس الرغبةُ في الحفاظ على صوتٍ إنسانيٍّ نقيٍّ، «بلا شوائب»، من قِبَل كثيرٍ من «حرّاسِ معبدِهِ» الأشاوس. بيد أن ما لا يمكن سبر أغواره من الآن هو مستقبل الجنس الثالث الأكثر غموضاً وفرادة: الإبداع الروائيّ الآليّ المحض. كما يبدو، يمرّ هذا الجنسُ حاليّاً بمرحلة التوجيهِ الإنسانيّ له، عبر سلسلة من «البرومبتات». يتعلّمُ منها كثيراً وسريعاً في طورِهِ الجنينيّ الحاليّ، على طريق استقلاله المستقبليّ البعيد؛ ويتعلّم كذلك من خوارزميات إنتاج الإبداع الاصطناعيّ التي تواكب تطوّرَه، بجانب استمرار تعلُّمِهِ التقليديّ الدائم مما يتيسَّر من رواياتٍ قيّمةٍ تتسلّل إليه، رغم حقوق دور النشر التي تمنع ذلك. بعد أن تترسّخَ مداميكُ هذه المرحلة الأوليّة وتتشكّلَ بنيتُها، وبعد أن يجتازَها الإبداعُ الآليّ بنجاح، سوف يبدأ هذا الإبداعُ الآليّ الخارق عصراً مدهشاً جديداً في تصوّري.
سيستغّلُ مقدراته الفريدةَ في المزج بين أحداث ومعارف متباعدة، على نحوٍ مدهشٍ ألمعيّ؛ وبين أساليب بلاغيّة مختلفة)، وبين ألوان أدبيّة نابعةٍ من ثقافات إنسانيّة عديدة؛ تنضافُ لها مقدراته البارعة على التقليد «الباستيشيّ» أو الإدهاش، وعلى التجريب بسرعةٍ خارقةٍ وبكميّاتٍ خياليّة؛ سيستغلُّ كلَّ ذلك معاً لِيُنجبَ، كما اتوقّع، أدباً روائيّاً رفيعاً وفريداً من طرازٍ جديد، أدبُ المستقبل! أدبٌ «آتٍ من خارج الكون»، كما سيطلَقُ عليه ربما، على غرار ما قيل عن النقلة 37 من مباراته التاريخية الثانية ضد جي سيدول، بطل العالَمِ السابق في أصعبِ لعبةٍ عقليّة؟! من يدري؟!
(3) الذكاء الاصطناعيّ في خدمة «رواية الغفران» لأبي العلاء المعرّي
لا شك في أنّ «رواية الغفران» (الجزء الروائيّ من «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعرّي) من أروع وأعمق ما وصلنا من تراثنا الأدبيّ العربيّ، ومن أجمل ما يمكن أن تجود به لغةٌ إنسانيّة. هي رحلةٌ استكشافيّة في الآخرة، تمتزج فيها الفانتازيا بالخيال الخصب؛ بفنّ النقد الأدبيّ الرفيع لأجمل شعر لغة الضاد؛ بالأسئلة والأفكار التي توقظ الدماغ حول مفاهيم غيبيّة اعتدنا على سماعها بِصيغٍ نهائيةٍ جامدة: الغفران، الشفاعة، التوبة، النعيم، العذاب...؛ وبالتأمّلات الإنسانيّة الخصبة في مختلف مجالات الحياة والطبيعة الإنسانية. لعلّ أكثر ما يدهشُ فيها هو الاختيار الفنيّ الرفيع لِ «تعدّد المعاني» polysémie عند التعامل مع المفاهيم الغيبيّة التي تختلف الآراء حولها ولا يمكن اتخاذ قرار حول صحّتها. وذلك من المعرّي نفسه، صاحب المطارق النقديّة الجبّارة، والرؤى الحرّة الصريحة المتقدِّمة على عصره بقرون، في كلِّ أمورنا الدنيويّة: الطبيعة الإنسانية، الأخلاق، الأديان، الرُّسل، الطوائف، مآل الإنسان...
اختار مع المفاهيم الغيبيّة أسلوب تعدّد المعاني بعبقريّةٍ تنسجم كثيراً مع ذائقة ومزاج عصرنا اليوم، عصر الحداثة، وذلك على نحوٍ يمكن تنوّعُ تأويلِه بما ينسجم مع رؤى «ذوي الدين وذوي العقل»، حسب تعبيره، في الوقت نفسه؛ مع أهواءِ الأرواح الحرّة أو المتّقين الصارمين معاً؛ ومع أذواق عشّاق الكلمات والجمال والمرح والسخريّة عموماً ... الكلُّ يجد لذَّتهُ فيها بسعادةٍ خالصة. مشكلة نصّ المعرّي أنه نخبويٌّ جداً. لغتُه فوق إنسانيّة أحياناً، واستطراداته واستشهاداته الغزيرة المتراكبة معقّدةٌ غالباً لا تسمح بالولوج إلى النصّ دون عناء، في حين لا يلزم فقط أن يصلَ هذا النصُّ إلى جميع قرّاء لغة الضاد (في صيغةٍ مقتضبة تبسيطيّة حديثة، كما تفعل مناهج المدارس الغربيّة مع النصوص القديمة العظمى مثل «الكوميديا الإلهيّة» لدانتي)، بل يلزم تفجيرُ فتائل الديناميت الفكريّة التي ينطوي عليها النصّ، لتنطلقَ تساؤلاتُ دماغ القارئ في كلِّ الاتجاهات. في الطريق إلى هذا الهدف، حاولتُ تقديمَ صيغةٍ مدرسيّةٍ تبسيطيّةٍ تحديثيّةٍ لرواية الغفران، ضمن كتابي: «كوميديا الغفران: من المعرّي إلى دانتي»، دار المحيط، 2025، استقيتُها كليّةً من النصّ الأصليّ الكبير للمعرّي، بغية تمكين القارئ بعد قراءتها من مغامرة الدخول في أعماق نصّهِ الشاسعِ العظيم.
بدأ كتابي بالدخول – ببطء – في مقرّرات دراسة بعض الجامعات، بل كان هناك امتحانٌ حوله في ماجستير أدبيٍّ في الجامعة اللبنانيّة. سؤالٌ جوهريّ: كيف يمكن التسريع بوصول أمّهات الكتب الأدبيّة العربيّة إلى قارئٍ مسحوقٍ تمتصُّ دماغَه في هذا العصر أهواءُ الشاشات وصخبها، وتتدفق حوله طوفانات الشبكات الاجتماعيّة؛ عصر تشتيت الانتباه وضعف التركيز، والحاجة إلى السرعة لِلوصول إلى أهداف الحياة؟ ليس ثمّة من حلٍّ غير الاتّكاء على وسائل وتقنيات هذا الزمن نفسِه، ليواكبَ الأدبُ عصرَه ويندمجَ معه، وبوسائلِه التي يستخدمها الناسُ ليل نهار. في مقدمة هذه الوسائل والتقنيات يأتي «الذكاء الاصطناعيّ التوليديّ» الذي تحدّثنا عنه في عدة مقالاتٍ سابقةٍ هنا، وعن فلذة كبدِه: «الإبداع الآليّ» القادر اليوم، وغداً أكثر من أي وقتٍ مضى، على العمل المشترك مع الإنسان لرفع قدرات ومهارات وملَكات الإبداع الإنسانيّ–الآليّ إلى مستويات لم يعرفها الإنسان طوال تاريخه. لذلك فوائد جمّة تحدّثنا عنها سابقاً، منها إنتاج النصوص التفاعليّة، متعدّدة الوسائط، التي تتكيّف مع كلِّ قارئ: طفلٍ، طالبِ ثانويةٍ أو جامعة، جمهورٍ واسع، أو قارئٍ عليم؛ بصيغةٍ تراثيّةٍ خالصة، أو حديثة، أو مزيجٍ بينهما.
لماذا «رواية الغفران» أفضل حقلٍ لبداية هذه التجارب، قبل تعميم تجربتها على نصوص تراثيّة أخرى بالغة الأهميّة؟
هي أوّلاً نصٌّ بصريٌّ بامتياز، من بدايته إلى نهايته (كما لاحظ ذلك مؤخّراً الكاتب والفنان التشكيليّ الأستاذ عمر عبد العزيز): يتنقّل خلاله ابن القارح، ساردُ المعرّي الرئيس، بين سلسلة من مناظر مثيرة أو عجائبية، تصفها عدسة كلمات المعرّي بدقّةٍ مدهشة.
وهي ثانياً حلقات متواكبة من مشاهد متنوِّعة جدّاً ومستقلّة (مثل: نزهة في الجنّة؛ ضربُ الأعشى بكوزٍ من ذهب؛ موقف الحشر؛ مفاوضة الباري عزّ وجلّ على مفاتن حوريّة؛ اللقاء بالشيطان في جهنم؛ جنّة الحيّات...)، يمكن معالجتها وصناعتها آليّاً مشهداً مشهداً، دون الحاجة إلى تذكير الذكاء الاصطناعيّ بهيئات وتفاصيل هذه الشخصية أو تلك، عدا ابن القارح أساساً، وقليلٍ من الشخصيّات الأدبيّة الشهيرة التي تتكرّر أحيانا في بعض مشاهد السلسلة.
كيف يمكن ذلك؟
يكفي تقسيم رواية الغفران إلى مشاهد قصيرة مكوّنة من ٤ طبقات مثلاً: بصريّة، صوتيّة، تفاعليّة، وتأمليّة – جماليّة، ضمن مشروعٍ يقودهُ فريقٌ واسعٌ متعدِّد التخصصات والملَكات الأدبيّة والفنيّة والعلميّة والتقنيّة.
يُقدّم الفريق «برومبتات» دقيقة لسيناريو المشاهد الأولى، كي يتعلّم الذكاءُ الاصطناعيّ منها، على طريق إخراج المشاهد اللاحقة التي يمكنها أن تكون آليّةً بحتة، أو مشتركةً بين الذكاء الاصطناعيّ والفريق:
الطبقة البصريّة: يُهمُّها إبراز الفكرة، بالطريقة التي يحبها الفريق الفنيّ: رسومات متحركة، فيلم سينمائيّ، مزيجٌ منهما...
الطبقة الصوتيّة: قراءةٌ آليّة لنصِّ المشهد انطلاقاً من الصيغة المدرسيّة لرواية الغفران، بالأصوات والمؤثرات الفنيّة والموسيقيّة التي يحدِّدها الفريق، وينفِّذُها الذكاء الاصطناعي آليّاً، مع إمكانية مساهمة الفريق الجزئيّة أو الكليّة في التنفيذ.
الطبقة التفاعليّة: يستطيع المُشاهد خلال العرض الضغط على كلمة، شخصيّة، منظر... لطلب التعريف والشرح، أو للانطلاق منها نحو نصّ المعرّي الكامل.
الطبقة التأمليّة – الجماليّة: بالغة الأهميّة في نظري. يلزمها أن تكشف كيف جعل المعري اللغةَ فضاءً للرحلة، كيف مرّر أفكارَه وفلسفتَه، نقدَه للمفاهيم الكبرى، بلاغته الثريّة وفنَّه في السخرية والمرح...
مثال: تجربة فقرة من رواية الغفران
«ويمرّ سربٌ من إوزّ الجنّة، فلا يلبث ابن القارح أنْ ينزل على تلك الروضة، ويقف وقوف منتظرٍ لأمر، ومن شأن طيرِ الجنّة أن يتكلّم، فيقول: «ما شأنكنّ»؟ فيَقُلْنَ: «ألهِمْنا أن نسقط في هذه الروضة فنُغنّي لمَن فيها، فيقول: «على بركة الله». فينتفضنَ، فيصرنَ جواري كواعب، يرفلنَ في وشيِ بنات الجنّة، وبأيديهنّ المزاهر وأنواع ما يُوجدُ في الملاهي من آلات طرب، فيعجبُ، وحقَّ له العجب...»
مدة المشهد المقترحة هنا: دقيقة مثلاً. الطبقة البصريّة: لقطةٌ لِروضةٍ واسعةٍ ساكنة. ضوءٌ ناعم، أشجار ترقص ببطءٍ جذّاب لتهيئةٍ مثيرةٍ لما يلي:
يظهر شخصٌ جالس: ابن القارح، دون إبرازٍ مباشرٍ أو شرح. على الشاشة جملةٌ صغيرة: «ويمرُّ سربٌ من إوزِّ الجنّة…».
يبدو من بعيد سربٌ أبيض يتحرّك بانسجامٍ ووقارٍ مهيب. لا يهبط مباشرة. يدور قليلًا فوق الروضة، ثم ينزل ويتوقّف. صمت. يليه فجأة صوت الإوزّ (بهدوءٍ ووضوح، دون مؤثّرات مبالغ فيها): «ما شأنكنّ؟». صمتٌ قصير.
ثم أصواتٌ جماعيّة: «أُلهِمنا أن نسقط في هذه الروضة، فنغنّي لمن فيها». تليها لحظة التحوّل métamorphose: قلب المشهدِ وذروته الفنيّة.
يبدأ الإوزّ بالتبدّل البطيء: يتحوّل الريش إلى خيوط من ضوء، الأجنحة إلى فساتين، وتنبثق من حركة الماء أجسادٌ بشريّة: الحوريّات!
تظهر الآلات بالتدريج: مزاهر، أوتار، نغمات. تبدأ الموسيقى التي تذوب فيها أصواتٌ ساحرة لطيور وأوتار وحوريّات... ثم صوت «فيعجب، وحقَّ له العجب…».
تتكفّل الطبقة التفاعليّة بشرح الكلمات الصعبة: كواعب (جمع كاعب: الفتاة ناهدة الثدي)؛ وشي: (فساتين منقوشة).
أما طبقة التأمّل والجماليّات فيُهِمّها أن تثير أفكاراً وتساؤلات وتأويلات منها:
١) في جنّة المعرّي: الطير لا يُذبح ليُؤكَل؛ بل يتحوّل ليُغنّي؛ وإذا ما ذُبح لمأدبة، في أماكن أخرى من الرواية، يظل حيّاً في صيغة بيولوجيّة موازية! تتفجّر حينها لدى القارئ أسئلةٌ بلا عدّ حول هذه الرموز الفانتازيّة؛ حول مفهوم القدرة الإلهيّة؛ حول وحدة شجرة الكائن الحي «بأجناسها وأنواعها» حسب تعبير المعرّي، التي قادت لِمعادلة: إوزة = حورية؛ هذا إذا لم يكن المعرّي يسخر هنا، على نحوٍ ما، من مفهوم الحوريات...
٢) لجوء الرواية الدائم إلى فن الدهشة والتأمّل، وتوظيف الجمال كوسيلة للمعرفة. لا تنفصل الطبيعة غالباً عن الموسيقى التي تملأ رواية الغفران، ومعها الرقص والفنّ عموماً، لا سيّما الشِّعر: ربّ الرواية.
سؤالٌ أخير: من كان يحلم بهذه المشاريع الإبداعيّة الإنسانية-الآليّة الواعدة قبل عصر الذكاء الاصطناعيّ التوليديّ؟!