هي مجموعة مختارة من قصائد الشاعر التونسي، الذي يمثل ملمحا قويا للتجربة الشعرية الجديدة اليوم. قصائد مسكونة بهواجس الشعر والمكان والتيه، تخطط نداء الكتابة بصياغاتها الخاصة. ومن خلالها ننصت لنص شعري يركّب الاختلاف.

قصائد من بيت الماء

منذر العيني

قسمُ اليوم
قريبا من الزّقزقاتِ مِنَ الصّوتِ إذ يكرعُ الآنَ آذانَ ديكٍ على عرفِ هذا الصّباحِ. أُرتّبُ خلطةَ الوقعِ والهمهماتِ. لأُحضِرَ نيرانَ أيقونتي مِثلَ أيّةِ آمرَأةٍ حُرّةٍ لا تبيتُ على جيفةٍ.

ولا تتنفسُ غيرَ الرّحيل وقرقعةِ الجوعِ. الصّوتُ والزّقزقاتُ شفاءُ المُتاخمِ للبحرِ. إذْ كُلّما آستيقظَ الجنُّ أسلمهُ قسمَ اليومِ.

ـ ماذا ستفعلُ يا وجهِيَ الحيّ؟
ـ سأجرعُ تِرياقَ عُزلتنا أقتلُ الموتَ في داخلي أتمشّى قليلاً معَ آمرأتي. وأُلاعبُ نيرانَ أيقونتي بعيداً عن القيظِ والزّمهرير.
.....................
ـ ماذا ستفعلُ أيضاً؟
ـ سأحضِرُ قهوتنا لِأقولَ لكم سأسكنُ خطوي ولا أتكلّمُ سمعاً وطاعهْ. قريباً سأهتمُّ بالموتِ. لوحةُ وردتنا الدّمويّةَ في ركنِ صالتنا ستُفسّرُ ذالكَ للغيبِ:

"زوروني كلِّ سنهْ مرّهْ حرامْ
تِنسوني بالمرّهْ حرامْ..... تِنسوني بالمرّهْ".
... اِقطِفوا الآنَ رائحةَ المسكِ وآتّبعوا خطواتي
قريبا من الزقزقاتِ بعيداً عن القيظِ والزّمهريرْ..

يعبرون الجسر
قبلَ أن يندلعَ الدّمعُ مِنَ المقلةِ شاءَ الصّمتُ أن يرتقي الصّوتَ من الأصداءِ من نظرةِ فانوسهِ في الزّاوية من أُغنية الجسرِ لِمَارْسالْ من وحامِ الرّقعةِ البيضاءِ في غرفتةِ من شعاعِ الحبِّ في صورةِ أُمّي.

قبلَ أن يحترقَ الشّمعُ في الصّفحةِ. الأزرقُ نارٌ تتدلّى من سمائي. دونَ أن تلمسَنا تنضِجُهُ.
قبلَ أن أخترقَ الماءَ بأنشودتنا الحرّى. سأسْتسمحُكم للرّقصِ  بالظلِّ في الجوقةِ.
.....................
فوقَ الماءِ كنّا نشحنُ العزلةَ بالماءِ. مارْسالْ يعبرُ الجسرَ.
لماذا آنتبذنا شجرَ النسيانَ بالصّمتِ؟ أَفي الصّمتِ حلولُ الرّوحِ في صورتنا؟
.....................
شبَّ فينا الدّمعُ. في المقلةِ بانت شمسنا طالعةً تسردُ عامها الآتي.
سيسمعنا الغرباءْ.
ها إنّنا نعبر الجسر....

خيط الماء
خيط ماءٍ يسيلُ من العينِ يغسلُ كفَّ المولّدِ متّبعاً خطّهُ سيرةَ الرّيقِ من سفر العنكبوتِ. الهبوطُ صعودٌ إلى قمّةِ الماءِ. خربشةُ الضّالِ بينَ الأناملِ في الملكوتِ. سأرسمُ وجهكِ المرمريِّ على الدّربِ يا آمرأتي الهاملهْ.

فقولي سجاياكِ للجنِّ. الغُرفةُ الآنَ تنزفُ عزلتها والمَنيُّ السّماويُّ ولّدَ روحَ السّليلةِ من رحمِ الطّرقِ فوقَ منابتنا.

رويداً رويداً تكوّرُ في حرمِ النّبعِ أمشاجها جيئةً وذهابا على وتر الأغنيهْ.

.....................
ضاجعيني بِيتمكِ بالإشتهاءِ الحميميِّ للموتِ ربّانكِ الآنَ من ضلعكِ السّرمدي يعانقُ سلّمكِ المتدلّي مِنَ الماءِ:

ناديتْ بالصُّوتْ ناديتْ    ياوِلْدْ خِيرْ الكريمهْ
إذا عَطفتْ عَليّا وحنّيتْ    نعملْ كرامهْ دايْمهْ


أتِمّي مخاضكِ سعيكِ شوطَكِ بينَ النّسيجِ وحشرجةَ الصّمتِ.

ياآمرأتي بياضُكِ شعلةُ دربي ودربُكِ عُزلةُ بيسُوا من العينِ تطرقُ الكفَّ على الآكُرْدِيُونْ لتحضنَ عُشبةَ العنكبوت ورقرقةَ الماءِ.

نداءُ القاع
يرمونَ باقاتِ وردتنا على مياهٍ كانت القبرَ الأخيرَ لنا
متنا هنا في صدفةٍ غجريّةٍ في عمقِ هذا الأزرقِ الأبدي.
.....................
كانَ الوداعُ كَرميةِ النردِ العجيبةِ
اِشتماماً آخراً للوردةِ السّوداءِ
آخِرَ نظرةٍ من دوحِ نوحٍ
آخِرَ ندبةٍ في وجهِ زرقاءِ اليمامةِ.
.....................
موتُنا قدرُ الولادةِ من رميةِ الباقاتِ في الأعماقِ
أوّلُهُ بُكاءٌ آسِرٌ للّحظةِ البيضاءِ
آخِرُهُ نداءٌ ماثلٌ في القاعِ للغُرباءِ.
.....................
لا تقنطوا من رحمةِ الرّائحهْ....

همسُ القيروان
تُعربدُ الرّمضاءُ في صدرِ المسافةِ نحوَ همسِ القيروانِ
تُنضّدُ الأرواحُ سُمرتها وظلَّ مقامها الموتورِ في شمسٍ تُحنّطُ الـ Gp 12 ثمَّ تحييهِ إلى بعدِ الغروبِ.
هنا بريدي شدوتي الملساءِ من ريقِ الأحاجي
مثلَ أغنيةٍ على وقعِ النّهاوندْ
مثلَ نغمةِ يا لََلنّي
مثلَ أيّةِ قفلةٍ بالدفِّ تنبئُ ختمَ نظرتنا
المرأةُ آتقدت على بلّورِ قافلتي
ملابسةً وجهيَ المنذورِ للرّيحِ والألواحِ
تُلبسُ عروةَ المعنى:
ـ لماذا تنتحي سِترَ العبارةِ؟
ـ كيفَ قمتَ بِنحتكَ الجسدي؟
ـ وكيفَ آخترتَ طريقَ قافيتي؟
ـ وهل أحضرتَ عطري من بقايا البيتِ؟

ـ لا تخجل منَ الأبِ
ـ قلْ لهُ مسرى الغوايةِ
ـ قل لهُ أنَّ الوجهَ وجهكَ في المرآةِ
ـ أنّكَ أنتَ في السرّاءِ والذّرّاءِ
.....................
ـ في الدّركِ الأخيرِ من العُلى
الدّ ربُ بيتٌ من سؤالٍ عابرٍ ونقاطِ ماءْ
ـ من نفقةِ المرأةِ المعطاءِ نعرفُ وجهكَ الثّاني. 

بقيّةَ آهةٍ
ضوءً شفيفا يشرخُ الأصداءَ
شيئا من كلامِ جُحَا
رقصاتِ فينيقيّةٍ حسناءَ أغوتْ رمادَ النّارِ
خربشةََ اليدِ العليا لطفلٍ ناتئٍ من ضحكةٍ قدسيّةٍ
ليستْ لها معنى
بريقَ حمارِ "سانشو" وهوَ يسردُ عارهُ للظلِّ
ثمّ هتافَ سيّدةٍ إلى الشّعراءِ: اِتّحدوا مع العمّالِ يا غُرباءْ.
.....................
فهلْ يكفي إذنْ؟
.....................
الحمدُ للّهِ وصلنا القيروان ولم نصلْ...
البيتُ دربٌ من سؤالٍ عابرٍ ونقاطِ ماءْ...

زرقة عميقة
مثلَ زرقةٍ تحتلُّ طيفَ الفراشةِ ترتسمُ الضحكاتُ على لحظةٍ هيَ مدعوكةٌ من ضياءِ الصّغارِ وهم يكتبونَ حيرةَ العربيّةِ.

الأبجديّةُ تثملُ في قعرها. ضوؤُها بينَ زرقةِ بحرٍ وخضرةِ أكتافهم تنشرُ الفرحَ المتبقّي على شفةِ الشّيخِ وهوَ يُلاعبهم.

حائطٌ بحروفٍ ألفْ باءْ......
عصاً تخطُّ الطّريقَ بدقّةِ شيخوخةٍ كافرهْ
وميضٌ هو النّورُ على أغلفةِ الرّيحِ يستبقُ النّردَ...
الفنُّ يلمعُ بينَ المفاصلِ "هيغلْ" فقل أوّل الآونهْ....
زرقةٌ تُطعمُ الخبزَ للفقراءِ لتوصلهم آخرَ الدّربِ.
قبرٌ بهِ زُرقةُ الحبرِ.
أطفالُ قريتنا يكتبونَ نشارةَ أفكارهم وما كتبَ اللّه
شيخنا بعصاهُ يلاعبهم ناشداً "ودّعْ هريرةَ"....
فيما صدى الضحكاتِ على جدرانِ الطّريقِ يؤمُّ الحضورَ الغيابَ بسُخريّةِ المتقاربِ وزرقةِ فنّهمْ...... 

شرفة منسيّة
مُستندا إلى ظلالهِ يطلُّ سابحاً خلفَ زجاجِ اللّحظةِ البيضاءِ
.... هذا وجهِي المنحوتُ من قامةِ ضوءٍ خافتٍ
أخضَرُ نبتةٍ تُسمّى شجرُ الدّفلى ولامعنى لها إلاَ الحضورُ
أسودُ الدّخانِ من سيجارتي الهبلى يُلوّنُ السّماءَ بالبهاءِ
أحمرُ الثورةِ في عروقِ يُسرايَ التّي ما لقفتْ غيرَ دعاءِ الغرباءِ.
أبيضُ الوعدِ من النّردِ الشّغوفِ في بياضِ الرّقعةِ الزّرقاءِ حينَ ننتهي شطحا كإيماءَةِ طيرٍ شريدةٍ أوْ صلاةٍ قبلةَ الأصداءِ
أزرقُ الموتِ على جبينِ آمرأةٍ ناشدةٍ تعويذةٍ الحبِّ الذّي ماتَ وئيداً.... لائقاً مثلَ هبائي
.... أيّها المنسيُّ في زاويةِ المرآةِ
وجهي وجهكَ المرميُّ في التّيهِ.
توضّأْ ضوءَهُ ومتْ حفيدً للسّؤالِ.

شاعر من تونس