رسالة السودان: تجارب جديدة في المسرح السوداني

تجارب جديدة في المسرح السوداني

عصام أبوالقاسم

يمكن القول أنه ومنذ نهايات عقد الثمانينيات من القرن الماضي دخل المسرح السوداني في حالة من الركود التام، غابت العروض والنصوص وكل ما له صلة بالمسرح، غاب الممثلون حتى عن مقابلات القنوات المقروءة والمسموعة والمرئية، وتحولت بعض دور المسرح إلي صالات للافلام الهندية أو إلي خرابة، مفعمة بالغبار والعناكب وسائر كائنات السكون! قبل هذه التاريخ كانت ثمة مواسم مسرحيّة، بدأت في 1969 حينما كان يدير المسرح القومي الراحل الفكي عبد الرحمن، وقد استمرت الي 1985، وسرعان ما بدأت في التدهور مع ظهور ما سمىّ المسرح الفكاهي أو الكوميدي أو التجاري في بعض الأحوال، وقد مثّل هذا التيار الراحل الفاضل سعيد، وفرقة الاصدقاء، التي غابت مؤخراً عن المشهد، وغلب هذا النوع من المسرح لوقتٍ ليس بالقصير وما كان متاحاً للمسرح الجاد أن يقدم نفسه، فهذه الفرق الكوميدية كانت قادرة علي إيجار خشبة المسرح الوحيدة في امدرمان لشهورٍ من دخلها العالي! أدى ذلك، مع مرور الوقت، إلي أن تنقطع العديد من الأسماء المسرحيّة التي حضرت بتجارب نوعيّة علي أيام المواسم المسرحية، تنقطع عن الممارسة بعد أن تعذر عليها أن تقدم ما لديها مع أحتكار فرق الكوميديا لحظوظ العرض في خشبة المسرح القومي، علي أن ما زاد الأمر تعقيداً أكثر من غيره كان في شدة القبضة السياسية لحكومة الأنقاذ التي تسلمت الحكم عن طريق إنقلاب في يونيو 1989، وهي ام تحجل فقط الدعم الحكومي من الساحة الفنية، إنما فرضت عدة قيود جعلت النشاط القليل الذي بقى مع آواخر الثمانيات يخمد. كما جعلت الكثير من الأسماء المسرحية تهاجر إلي بلدان الخليج وأروبا ليدخل المسرح، في السنوات الاولي للتسعينات، إلي أسوء مراحله.

ولعل أشدّ تعبير عن ذلك تمثل في إغلاق المعهد العالي للموسيقي والمسرح لسنواتٍ عدة، لا شك إنها أثرت، وبمستويات مختلفة، لاحقاً، في الجهود التي سعت منذ العام 1969(عام افتتاح المعهد) إلي ترسيخ المعرفة العلميّة بالمسرح في السودان! منذ مطلع الألفية جرت العديد من التغييرات في الفضاء السياسي، بينها إنقاسامات حادة وسط عناصر الحزب الحاكم، وبالتوازى كان ثمة دفع ملحوظ من مؤسسات المجتمع المدني إلي أسترداد الديمقراطية، عشرات الأتفاقات تم توقيعها، ومواجهات عدة بين الاطراف المختلفة بوسائل شتى، لكن لعل أهم ما حصل هو توقيع أتفاق السلام 2005 الذي أنهى الحرب الطويلة بين جنوب وشمال البلاد، وتكونت بموجبه حكومة الوحدة الوطنية من شريكي الأتفاقية الحركة الشعبية لتحرير السودان والمؤتمر الوطني الحزب الحاكم!

هذا الحراك السياسي بما أتاحه من هوامش لحرية التعبير أنعكس منذ بداياته علي الساحة المسرحية، الواقع.. منذ منتصف التسعينيات بدأت الحركة المسرحية تتململ وتحاول ان تطرح بعض الفعاليات إلا ان هذه الفترة غلبت عليها تلك المهرجانات الثقافية، المعبأة بايديولوجيا النظام الحاكم، ومن ذلك مهرجان مسرحي اسمه بـ "مهرجان الفرق والجماعات الاول" ولم يتقدم كثيراً كما ان مهرجان المسرح التجريبي الذي اقامه المسرح القومي هو الاخر لم يزد عن دورة يتيمة! وفي العام 2000 م اشهر المسرحي علي مهدى نوري مهرجان ايام البقعة المسرحية السنوي من مؤسسته الخاصة "المسرح الوطني/ مسرح البقعة" وقد استمر لتسع دورات وبالرغم من ان اكثرية من المسرحيين قاطعته منذ بداياته، ظناً واشتباهاً في علاقته بالنظام، إلا انه استطاع بفضل استمراريته ان يخلق العديد من الاسماء المسرحية، من الهواة، في مجالات الاخراج والتمثيل والنقد ايضا، وقد استفاد هذه المهرجان من غياب الفعاليات المسرحية الاخرى، سواء كانت من جهات رسمية أو أهلية، فصار الممثل الوحيد علي خشبة المسرح السوداني طيلة العقد الماضي، وهذه الوضعية مكنته من الحصول علي أشكال مختلفة من الدعم خاصّة من بعض مؤسسات الدولة ذات الصلة بالثقافة ومؤسسات مسرحية عربية ودولية بينها الهيئة الدولية للمسرح التي يشغل صاحب مهرجان البقعة حالياً منصب نائب الرئيس في جهازها التنفيذي وكان في ما سبق مديرا لمركزها في السودان!

ولئن استطاع هذا المهرجان ان يتابع دوراته بصفة سنوية، ولئن كان له دوره في التعريف ببعض الاسماء الشابة كذلك إلا انه بدا مفاقماً للاوضاع المتردية أكثر من أي شيء اخر، ولعل السبب في ذلك ان إدارته ظلت ملحة علي صيغته "الاحتفالية" و "الموسمية" أكثر من انشغالها بتقعيد وتكريس الممارسة المسرحية ـ بالعمل طيلة الوقت ـ في علاقاتها المتعددة بالمؤسسات والكوادر والمجتمع بتكويناته المختلفة، أكثر من انشغالها بإرساء التقاليد المؤسسية التي تدفع بالفعل المسرحي إلي ان يكون ملمحاً أصيلا في حياتنا اليومية، ويمكن ملاحظة ان الفعاليات المسرحية المختلفة لم تُلهم ـ بفضل مهرجان البقعة ـ إلا بانتظار نهايات شهر مارس للعمل، وادارة المهرجان ذاته لم تفكر في إقامة خشبة مسرح واحدة لعروضها وبقيت تستغل تلك "اليتيمة" الخاصة بالمسرح القومي مع ضعفها التقني الملحوظ في الاضاءة وامكانيات اجهزة الصوت وسواه، هذا بالرغم من ان إدارة هذا المهرجان تحظى بدعم سخى من وزارة الثقافة واجهزتها المختلفة إضافة الي شركات القطاع الخاص والحكومي والهيئة الدولية للمسرح!

إلي ذلك، لم تزد إدارة هذا المهرجان علي ايامها الكرنفالية تلك لا مجلة أو دورية كما لم تحدث أية ورش عملية إلا في بعض الاحوال، وبصورة تكشف عن توجه "اناني" إن جاز القول، في تصوراتها حيث تقصر الورش والمختبرات المسرحية التي تتيسر من بعض المؤسسات الدولية علي بعض المنتسبين للفرقة المسرحية الخاصة بصاحب المهرجان "علي مهدى"! هذا، ونسبة لعلاقاته الواسعة بمؤسسات مسرحية عربية ودولية ولعلاقاته الشخصية هنا وهناك استطاع صاحب مهرجان البقعة ان يضمن لفرقته الخاصة العديد من الدعوات للمشاركة في مهرجانات عربية ودولية وبالرغم من انه لا يخلف أي أثر نقدى أو اعلامي بتقديم ما يسميه تجارب في الاحتفالية السودانية وبالرغم من ان مشاركاته الخارجية دائما ما تكون مسبوقة بسخط شديد من المسرحيين السودانيين إلا ان مؤسسات دولية عدة تحرص علي ان تظل مفتوحة علي المسرح السوداني عبره، فهو العنوان المتوفر الوحيد!

بعد، كان لابد من هذه المقدمة الطويلة لاعطاء فكرة عامة عن المشهد المسرحي السوداني قبل الحديث عن هذه "التجارب الجديدة" التي بدأت تتعين بصفة أعمق في المشهد المسرحي السوداني مؤخراً، ويمكن القول ان هذه المقدمة كانت ضرورية لسبب يتصل ايضا بهذه التجارب فهي بما تطرحه سواء علي خشبة المسرح أو علي المنابر الأخرى تقاوم هذا الواقع المزرى وتسعى إلي ترسيخ ممارسة مسرحية خلاّقة لا تعوزها الجدة في أساليبها الإخراجية وفي رؤاها الفكرية ويمكن القول، قياساً، ان هذه الخلفية القاتمة ربما كانت السبب في ظهور هذه التجارب الشابة وهو ما يمكن لنا ان نلاحظه في حقيقة ان هذه التجارب وجدت ذاتها مضطرة في أحوال عديدة إلي بذل كل طاقتها لإثبات شرعية وجودها، بالتالي أحقيتها في التوفر علي مكان لعرض ما لديها، وفي المشاركات الخارجية وسواه، وذلك من خلال المواجهات والسجالات في الصحف والندوات، لا عبر الممارسة الابداعية، لا عبر خشبة المسرح التي أفتقرت إليها في الغالب!

هذه التجارب الجديدة بدأت اذن بما يشبه تشذيب وتنظيف الساحة المسرحية مما طالها من أفكار ومفاهيم فاقمت الحالة المتردية للمسرح السوداني، ولم تكن بدايتها هذه ممكنة وسهلة بالطبع بل كلّفتها الكثير، بما في ذلك الوصول الي ساحات المحاكم الجنائية! لكن بات واضحا في الآونة الاخيرة أن ثمة استقرار في تغليب هذه الفرق المسرحية الشابة "الجديدة" الاهتمام بالعرض المسرحي، ولعلها مناسبة للتعريف بها وبما احدثته من تحولات في الساحة المسرحية السودانية بالرغم من انها تعمل في ظروف أقل ما يمكن ان توصف به انها معادية! 

الورشة المستمرة لتطوير فنون العرض
بدايةً سنتحدث عن جماعة "الورشة المستمرة لتطوير فنون العرض" فهي الأقدم من جهة التأسيس وهي الأكبر في عضويتها قياساً علي الفرق والجماعات الأخرى، وقد تأسست في العام 2002 بقيادة سيد عبد الله صوصل، والذي عرف سابقاً بتجربة لافتة في مسرح الرجل الواحد، وقدم العديد من العروض في هذا النوع المسرحي بالخرطوم والقاهرة وباريس وعدة بلدان أخرى. سيد صوصل يتميز بحيوية إبداعية عالية، ويجمع في إشتغاله الإبداعي بين مواهب عدة، بينها الشعر إضافة إلي التمثيل والإخراج والتأليف، وقد صقلها بقراءاته وخبراته الحياتيّة، المطبوعة بالتجوال! وبتأسيسه هذه الجماعة أنتقل صوصل بتجربته إلي طور أكثر مؤسسيّةً وفعاليّةً، فالطبيعة الفردية لعمله من قبل، كانت أقلّ أثراً من تجربته الحاضرة، كما أن الوضعية المتردية للمشهد المسرحي حينها لم تسعفه في التقدم ـ لوحده ـ بمشروعه الهادف إلي تنشيط الذاكرة المسرحية وتركيز إنتباهها نحو تأسيس أدوات وأساليب جديدة في الأداء المسرحي، بالنهاية اذن أستقر صوصل منذ العام 2002 مع جماعته "الورشة المستمرة لتطوير فنون العرض" والاسم يتضمن مقاطعة لحال الانقطاع وضعف الاستمرارية الذي طبع الممارسة المسرحية السودانية منذ نهايات الثمانينات من القرن الماضي، ومنذ تأسيسها سعت هذه الجماعة الي مغالبة الواقع البائس، المفتقر لأبسط المعينات كصالات البروفات، النثريات، بل حتى الاعتبار المعنوى، سعت الجماعة الي تجاوز ذلك بالتنازل عن الكثير من المطلوبات الحيوية، و...بالكثير من الامل في الغد الاتى!


سيد عبدالله صوصل
ودشنت اسمها وبإمكانياتها الضئيلة، وبالتعاون مع بعض المؤسسات المدنية، قدمت عدة مشروعات ابتدرتها بورشة عمل عنوانها "بناء الثقافة المسرحية المفقودة" في ذات العام، ثم قدمت مجموعة من العروض في مناسبات مختلفة وبشراكات مع مؤسسات اهلية مثل مسرحية «الهمبول» و "سوباجو" و «المقعد»، «ياغو والاخر»، «فويسك» وعروض اخرى عديدة، شارك في تأليفها واخراجها عبد الحكيم عامر وربيع يوسف وسيد عبد الله صوصل وغيرهم من اعضاء الجماعة! الي ذلك اقامت الجماعة ورشة مسرحية متخصصة في مجال منهج (IEC) وهو منهج يعني بالتعليم عن طريق التواصل المعلوماتي ويعني بالكيفية التي يمكن بها توظيف وسائل الاتصال لخدمة اهداف محددة، وتمخض عن هذه التجربة انتجت الجماعة:

ولئن بدا متسقاً انشغال الجماعة المسرحية بهذه القضايا الصحية والاجتماعية مع حراكها في مجتمع يعاني اشكاليات لا حصر لها في هذه الجوانب إلا ان الأرجح بالنسبة لنا انها أهتمت بذلك لتغطية حاجتها من بعض المعينات المادية والتقنية، فهذه المشاريع المبذولة من بعض المؤسسات المدنية سواء وطنية كانت أواجنبية تعود لهذه الفرق ببعض الحوافز المادية وبالرغم من ضآلتها إلا انها أفضل، وبكثير،من عدمها! وبهذه الحيلة وسواها استطاعت جماعة الورشة المستمرة ان تقاوم وتصمد وتحافظ علي مواعيد بروفاتها وعروضها ولعل أبرز ما يلفت في سيرتها في هذا الجانب قدرتها علي كسر حاجز المشاركات الدولية التي كانت اما غائبة أو محصورة في شخص بعينه، وخلقت الجماعة صلات فنية جديدة مع فرق ومؤسسات مسرحية عربية وغربية، مستعينة في ذلك بالامكانيات التي اتاحتها الشبكة الدولية للمعلومات "الانترنت"، بين هذه الجهات "سفارة المسرح" الهولندية وفرقة "طقوس العشيات الاردنية" كما شاركت الجماعة في دورات عدة بمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي!

ولهذه المشاركات أهميتها من واقع ان المسرح السوداني ظل لوقت ليس بالقصير في غياب تام عن الحضور الدولي، ما أفقده الكثير من ثمار التفاعل والتعرف علي تجارب أخرى، وذلك في الغالب نتج عن تجاهل أو ضعف حماس وزارة الثقافة السودانية لبرتكولات التعاون الفني الموقعة بينها ووزارات الثقافة بالدول العربية والافريقية!  

المسرح والاماكن المهملة
اذن هذه المشاركات الدولية اتاحت للجماعة ان تكتشف طرائق واساليب جديدة في الاخراج والتأليف ومن الامور اللافتة ان جماعة الورشة المستمرة لتطوير فنون العرض ظلت في اغلب عروضها تلح علي خلق علاقة مختلفة مع الجمهور، ولئن كانت بعض الاتجاهات المسرحية حاولت اشراك الجمهور في عروضها بمخاطبته والاستماع اليه وما إلي ذلك فان سيد عبد الله صوصل الذي أخرج معظم اعمال الورشة اعتمد علي صيغة "مزعجة" إن جاز القول، في علاقته بالجمهور، فهو يميل إلي تقديم عروضه خارج العلبة، يقدمها في فضاء دائرى ولكنه يضيف إلي ذلك: بتدخله في طريقة توزيع مقاعد الجمهور، بتوزيعها في تشكيلات هندسية مختلفة، قد تبدو اعتباطيّة لكن ما يلفت انه يظل ملحاً علي إجلاس الجمهور هو بنفسه وفريق التمثيل، المرّة الاولى التي نّفذ فيها صوصل هذه التجربة كانت في عرض "أغنية الدم" الذي شاركه اخراجه ربيع يوسف وقدم هذا العرض بمهرجان طقوس العشيات 2008 ومن قبل في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي 2007، وفي عرض "اللصوص يسرقون المنزل مرتين" الذي قُدم بمهرجان أيام البقعة المسرحية، أختار المخرج سيد صوصل جزء مهمل وأشبه بالقمامة "زبالة" من مبنى المسرح القومي وقام، هو وفريقه، بتنظيفه لعرض العمل، والمكان لا يسع لأكثر من خمسين شخصاً مع ذلك تزاحم جمهور المهرجان بالمناكب لحضوره، والشيء نفسه حدث في عرض مسرحية "موت مواطن عادى" الذي قُدم في مهرجان البقعة المحلي في دورة 2009، قد يبدو للوهلة الأولي وكأنه يسعى إلي أكتشاف أو إحياء أماكن مهملة. لكن هذا النزوع يبدو أقرب إلي فكرة ان صوصل يريد بطريقته الخاصة ان يجعل الجمهور يشقى قليلاً من أجل مشاهدة المسرح، أن يتحمل ضيق المكان، وان يتحمل سيطرة المخرج علي مقعده!

عدا ذلك انشغلت الورشة في غالبية عروضها بمقاربة الواقع المتردى الذي خلفته الحروب في نفوس الناس وفي الأماكن، الفقر والجوع، التشرد، وما إلي ذلك! ويشارك أعضاء الورشة في تطعيم النصوص بالإضافات هنا وهناك، عادة، كما في رسم الحركة والقيم الإخراجية الأخرى خلال البروفات، إضافة إلي اشتراكهم في إعداد الازياء والموسيقى والتوثيق وسواه، ما يطبع العمل في النهاية بحس جماعي، وليس من باب المصادفة ان معظم أعمال الورشة ركزّت علي البطولة الجماعيّة، إنحازت إلي الجماعية ضد الفردية!  


فرقة ملتقى المشيش

وهذا الحس الجماعي نجده أيضا في التجربة الثانية التي سنتوقف عندها وهي تجربة فرقة "المشيش" التي أسسها المخرج الشاب وليد عمر الألفي في العام 2001 بمدينة نيالا حاضرة ولاية جنوب دارفور، بمشاركة مجموعة من الهواة، وكان المخرج وليد الألفي قد أسس، عقب تخرجه في قصر الشباب والاطفال، فرقة مسرحية للأطفال بمنطقة "أمبدة" في امدرمان، كما عمل لوقت ليس بالقصير بقسم الدراما بالاذاعة، لكنه ما لبث ان تخلى عن ذلك وأنخرط في العمل مع بعض المنظمات التطوعية العاملة في دار فور وهناك التقى بجماعة ملتقي المشيش لللإبداع حيث استدعى خزينه المعرفي من تجاربه السابقة مشرفاً علي فرقة مسرحية اقترحها علي الجماعة، وقد اخرج لها مجموعة من الاعمال التي قام بتأليفها ايضا، وجاء بها إلي الخرطوم وشارك في مهرجان ايام البقعة المسرحي بالخرطوم ولفت النظر إلي تجربته بما قدمه، مضمونياً وفنياً.

لعل أبرز ما يلفت في تجربة وليد الألفي إشتغالها علي ألإرث المحلي لمنطقة دار فور، بغرب السودان، إذ لطالما أعتمدت علي قاموسها اللغوى، علي ألوانها وأصواتها، مآسيها، حكاياتها واساطيرها، وهو ما أضفى إختلافاً ملحوظاً علي حضورها في الخرطوم، فقد ظلّ فلكور هذه المنطقة مهملاً طيلة الوقت، وغير معتاد بالنسبة لمتلقى المسرح، وذلك حتى بالنسبة لأبناء المنطقة أنفسهم، فالمسرح يوشك أن يكون غير موجود في تلك المنطقة أو موجود لكن بصفة غير مستقرة! لكن جدة فرقة "المشيش" وإختلافها نابعة من صلتها بالحرب في منطقة دار فور، هذه الحرب التي وصل خبرها الداني والقاصي شغلت هؤلاء الشباب بمستويات مختلفة، وعندما قدموا للمرة الأولى مسرحيّة "كايليك" وهي من تأليف وإخراج وليد الألفي أتضح أكثر موقفهم مما يدور هناك!

"كايليك" أسم قرية بدار فور، لم تسلم من الحرب الدائرة هناك، وقد تعرضت في مارس 2003 إلي إعتداء وحُرقت تماماً ومعها عشرة قرى أخرى في ليلة مرعبة، وصل المؤلف وليد الألفي إلي هذه المنطقة في إطار عمله مع واحدة من المنظمات التطوعية المعنية بالاطفال المتأثرين بالحرب وتعرّف علي تفاصيل المأساة فكتب مسرحيته "كايليك.. آلفها وآخرجها عشة أبكر أدم" وهذا هو عنوانها الكامل ويعني ان "كايليك" هي مسرحية من تأليف وإخراج الكاتبة عشة أبكر، وعشة أبكر يقدمها العرض كمؤلفة مسرحية مجهولة، تختلف مجموعة الممثلين التي تعتزم عرض مسرحيتها في جنسيتها، أحدهم ينسبها الي قبيلة معينة، يختلف الثاني معه وينسبها الي قبيلة أخرى، ويتعقد الأمر بينهم وتستغرقهم الاسئلة وتشغلهم عن العمل الاساس، أي تقديم العمل المسرحى.. كل واحد منهم يريد إثبات ان المؤلفة من بنات قبيلة معينة.. هكذا يمضى العرض إلي نهايته!

وربما قصد العرض بهذه المؤلفة/ دار فور أو أرض السودان أو أي شيء من هذا القبيل، لكن ما لا شك فيه ان تقديم هذا العرض عنى ان ثمة مؤلف ومخرج شاب كسبته الذاكرة المسرحية السودانية، وقد تأكد ذلك مع التجارب التالية خاصّة في مسرحية "أهل الكهف" وهى الاخرى من تأليفه واخراجه، وقد استند في تأليفها علي الحكاية القرآنية المعروفة مضفياً عليها ابعاداً جديدة بتطعيمها بحكاية شعبية راجت عن "سلطان" شديد البأس من سلاطين المنطقة القدماء!

وما يبدو واضحاً أكثر من غيره في هذه التجربة انشغالها بالاثار التي خلّفتها الحرب، كما هو الحال مع الورشة المستمرة لتطوير فنون العرض، ما خلفته الحرب في النفوس والاماكن، الفقر، والجوع، التشرد، التسلط، المصادرة، هذه هي أسئلة المسرح هنا. 

جماعة المسرح التنموى
ولئن برز في تجربة فرقة ملتقى المشيش الانشغال ببيئة منطقة غرب السودان، فإن التجربة الثالثة التي نتوقف عندها وهي تجربة جماعة المسرح التنموى انشغلت بمنطقة شرق السودان، تحديدا منطقة البحر الأحمر، فقد تأسست هذه الجماعة من حراك اتحاد الفنانين بمدينة بورسودان، هذا الاتحاد الذي بدأ مهتماً بالموسيقى والغناء أسس في منتصف التسعينيات شعبة المسرح وقد نشط فيها مجموعة من الهواة، خاصة المخرج والمؤلف عطا شمس الدين الذى قدم عدة تجارب مسرحية للمجموعة في المناطق الريفية المهمشة، حيث تتفشى الامية والامراض والجوع وقصدت المجموعة منذ البداية الي احداث تنمية اجتماعية عبر المسرح وكانت تتلقى دعماً من بعض المنظمات الصحية والمعنية بالطفولة، خاصة الغربية منها ما يعينها علي مواصلة انشطتها! وقدمت المجموعة اعمال مسرحية عدة تحضّ علي أكتساب العلم، ومعرفة اسباب الوقاية من الامراض المتفشية، كما انها كانت تحذر من الفتنة القبلية من خلال إحتفائها بالتعدد القبلى وغير ذلك.

وكانت المجموعة تقدم كل ذلك إتساقاً مع أهداف المنظمات التطوعية التي تطلب التوسط بالمسرح لإيصال رسائلها الصحية والاجتماعية ولقد ظلّ الحال علي ما هو عليه إلي ان انتقلت المجموعة الي الخرطوم لتقديم تجربتها عبر مهرجانات العاصمة، وشاركت للمرّة الأولي بمهرجان أيام الخرطوم المسرحية، ثم في مهرجان البقعة، ثم شاركت في مهرجان الأردن..وهكذا بدا واضحاً ان عطا شمس الدين، الذي قام بتأليف وإخراج أغلب اعمال المجموعة، يسعى إلي الإستفادة من الخزين الثر، لمنطقة البحر الأحمر، هذا الملّغز بالقواقع والكثبان والمرجانيات، الجنيات، وما لا يعلمون من الأسرار الذهبية!

وفي هذا الإطار استند علي حكايات، ومشاهدات، واساطير من الجغرافية الملهمة للبحر في تقديم رؤية مسرحية تناهض التفرقة والتشتت والاقتتال علي أساس قبلي وتسعي الي ترسيخ اجواء التآخى والوحدة بين أطياف القبائل السودانية، ففى مسرحية "لمبة الملاحظ" 2005م يبين لنا ان رصيف ميناء بورسودان يعمل به الهندندوى والهوساوى والعربي والجنوبي وكلهم في ذات مقام القهر، قهر "ملاحظ" الميناء، ويتحد هؤلاء العمال الاشقياء أكثر من أي وقت مضي حينما تتعطل "الرافعة" وكل واحد منهم يبذل ما لديه لحماية الجميع! وذات هذه اللوحة يكررها عطا شمس الدين في مسرحيته "الطيور تتحدث سراً" 2006 حيث يكشف لنا كيف ان المكان/ البحر الاحمر يسع الطيور بمختلف اشكالها والقواقع والاصداء..هذا المشهد الطبيعى يتحول في ذلك العرض إلي صورة رمزية تدل علي اننا يمكن أن نختلف دون ان يعنى ذلك ان نصارع بعضنا البعض من أجل السيطرة علي المكان، فالمكان يسع الجميع! 

مسرح "البطاريات"
قدم عطا شمس الدين عدة عروض أخرى ولفت الانظار بجرأته الإخراجية والتأليفية، خاصة في "لمبة الملاحظ" التى قدمها في إطار مهرجان ايام الخرطوم المسرحية، قدم في هذه المسرحية مشهد عمال الميناء، في سعيهم من نقطة التحميل إلي نقطة التفريغ، رفقة اهازيجهم واغنياتهم، التي تشق سكون الليل، وثمة كودات "شفرات" واشارات، متفق عليها بينهم، تسرّع من ايقاعهم وتحافظ علي توازنهم، وهنالك ايضا تداعياتهم، حيث يحكى لنا كل واحد منهم، في لحظة ما، عن المسار الذي جاء به في النهاية الي هذا العمل الشقي، ويرفق عطا شمس الدين موسيقي مؤثرة، من الخزين الشعبي لشرق السودان، وينوّع في ايقاعيتها بمستويات مختلفة، بحيث تكون، في كل مرة، معادلاً أكثر تخصيصاً للشحنات الشعورية التي تثيرها صور الحكي التي تتداعي بها تلك الشخصيات المقهورة في نفس المتلقي لكي يتعرف عليها بعمق، ويدخل مجالها، وضمن ذلك هنالك الـ "لمبة"، كشافة الضوء، التي في يقظتها لعنة الملاحظ، المراقب المستبد، سيد رعبهم، وهي حاضرة كرمز.. طيلة العرض، أو قل فاصلة، ما بين اللحظات الشعورية المتعددة التي تسري في جسم العرض، صعودا وهبوطا وبين بين، انها البؤرة، لو سمح المجاز، التي تبرق منها قيم العرض وتغمض، فهي ان كانت منطفئة فان ذلك يعني ان العمال في حل من ملاحقة الملاحظ لهم، من زجره وتطاوله وسخطه الدائم الذي يفاقم شعورهم بالمذلة والمرارة، وإن كانت مضاءة بالطبع فأنها مثل "جهنم" ارضية!

في ذلك المدي المفتوح، وسط صالة الجمهور، رأي عطا أن يقارب حالة القلق، اللا استقرار هذى، ترك الخشبة ليقدم هذا المشهد وسط الصالة، وحينما أراد ان يُعطي انطباعا بالضيق والانحصار، نقل اللعب إلي خشبة المسرح، وقد طوي الزمان أيام عديدة، وفتح منظور الجمهور علي تلك الشخصيات وقد شابت وانحنت من كثرة ما حملت، وقد أحاطت بـ "رافعة التحميل" تبحث بإلحاح عن إمكانية لإصلاحها، لتفوّت علي المراقب فرصة اقصائها من خلال تقريره: ان الكرين/ الآلة القديمة لم تعد نافعة وان هنالك ما يلزم بايجاد بديل أكثر حداثة واقل تكلفة ـ يقلل من العمالة. ويمضي العرض ليكشف لنا كيف ان بذلهم من حر مالهم لاصلاحه يروح في درج الريح، فحينما يبدو لهم ان حالة الرافعة تحسنت وفيما هم في فرحتهم الكبيرة، وبأطمئنان شديد، تنزلق الرافعة بما عليها علي رؤوسهم و...، وينغلق العرض!

جرأة المخرج عطا شمس الدين في هذا العرض تتمثل ليس فقط في اختياره صالة المسرح للعب لكن في إجباره الجمهور علي مشاهدة العرض عبر بطاريات "كشفات ضوئية" كل واحد منهم يضيئها بالطريقة التي تعجبه ومن الزواية التي يريدها، الإضاءة في هذا العرض في يد الجمهور، وهو مخير في التحكم بها!

ولعل في ما عرضنا له ما يكفي تدليلاً علي هذه الحساسية الاخراجية الجديدة، خاصة عندما ننظر الي خلفية المشهد المتدهورة! 


ملاحظات
هذه التجارب وسواها، مثل تجربة "جماعة السودان الواحد" التي يديرها المخرج والمؤلف الشاب يوسف أرسطو و "الورشة الجوالة" التي أسسها المخرج ربيع يوسف.. هذه التجارب بدأت انشطتها في مواعيد متقاربة من مطالع الالفية، وقد تماثلت كذلك في ضعف امكانياتها وفي الظروف السيئة التي تعمل ضمنها حيث لا تتوفر علي صالات لبروفاتها كما انها تعجز عن توفير مستلزمات اعداد عروضها ما يضطر بعضها إلي انتظار المناسبات العامة لتقديم ما لديها، ايضا من وجوه التماثل انها مواجهة بواقع غياب الضوابط المنظمة لعملها في الفضاء العام وتبرز هذه المشكلة خاصة عندما تحتاج هذه الفرق لما يكفل لها المشاركة في المهرجانات الدولية حيث ان حظوظها دائما ما تكون متعثرة، فبسبب عدم فعالية اتحاد الدراميين تعمل أغلب هذه المجموعات دون أية ضمانات أو أي شكل من أشكال الحماية.

ايضا من وجوه التماثل أن هذه المجموعات المسرحية وإن كانت تضم اطيافا من الممثلين والفنيين إلا ان فعاليتها مرتبطة عادة بواحد من اعضائها هذا هو الحال مع الورشة المستمرة لتطوير فنون العرض، كما هو في فرقة المشيش وجماعة السودان الواحد وسواها ويلفت هنا ان هذا "الواحد" عادة ما يكون هو المخرج وهو المؤلف وهو المنسق والمنتج، أي مدير كل العمليات الفنية السابقة للعرض، وفي شأن الورشة المستمرة يبدو سيد عبد الله صوصل كمعلم للمسرح، يقدم محاضراته بصفة يومية حول تاريخ المسرح وحول تجارب بعض المخرجين إضافة الي انشغاله بالتأليف والاخراج.

ويمكن القول ان هذه الجماعات المسرحية لئن استطاعت ان تصمد لحين وتقدم انشطتها في ظروف غير عادلة فان ضمانات استمراريتها دائما ما تقل وتتراجع مع الضغط المتزايد لمستلزمات انتاج وتقديم اعمالها وتحتاج للكثير من التحفيز من اجل مواصلة جهودها في ترسيخ هذا الفن العريق في تلك الجغرافيا الوسيعة.