سبق للشاعر السويسري أن أصدر ديوانا شعريا يعري فيه عن آلام دجلة والعراق، وها هو اليوم يتأمل ويتضامن مع فلسطين من عمق جبال الأطلس في المغرب، هنا تقديم لثيمات الديوان وما تثيره النصوص من رؤى ولمفهوم الآخر المختلف ولديمومة فكرة الالتزام.

فلسطين المغرب، أو نظرة سائح معقم ضد الآخر

أيوب مليجي

يذكر تقديم كراس المتوحد لديوان فلسطين المغرب للشاعر السويسري الناطق بالفرنسية ما يلي: «برينو مرسييه شاعر سويسري، ولد بفرنسا –أورليون- عام 1957. يكتب بشعرية خاصة قصيدة الحدث. القصيدة، بهذا المعنى، سفر يتيح التوغل في أرض الآخر. ينتمي الشاعر إلى تلك الفئة من الكتاب الذين ما يزالون يؤمنون بدور الكلمة في الدفاع عن الشعوب. لذلك نجده يدعو باستمرار، للصداقة والإخاء.  يوضح الكاتب والمترجم المغربي عبد الغفار سويريجي أن الشاعر قد زار المغرب بدعوة من الكراس عند صدور كتابه آلام دجلة فقدمه في كل من الصويرة ومراكش وطنجة. وفي خلال ذلك كتب قصائد عن المكان».

مذكرات سفر ومشاهدات أجنبي عن مكان آخر. لا يمكننا أن ندرس نصا همه الأساس هو الموضوع دون أن نستند على النقد الموضوعاتي. لا يمكننا أن نفهم النصوص دون تفكيك بنية اشتغالها وذلك بالعودة للمتن من أجل كشفه وتوضيح منظوره، حتى لا نسقط في أحكام اعتباطية لا تمت للنقد بصلة. يتناول القسم الأول من الديوان الموضوع "المغربي" انطلاقا من نظرة غربية. يكتب الشاعر في قصيدة تحت عنوان: "أطلس أحمر" وقائع جولة قادته إلى جبال الأطلس. هناك حيث البيوت الطينية والحيطان عبثت بها الأمطار. يمشي برفقة مرشد سياحي بربري. تتوقف الجولة عند نساء ينسجن الزرابي.. يركز النص على مقومات المشهد الطبيعي والسياحي بينما يغيب الإنسان. يظهر الجبل مثل هرم توابل.. ويتابع في قصيدته "عيناك أطلس" وصف المكان عبر تخيل حوار مع شخص من هناك: يتحدث صاحب العيون الألبية إلى صاحب العيون الأطلسية عن الشعر والحب يقول: "ببديهة نعرف أسرار القلب". ويعلن أن الهدف: "سفر مقدس خارج الوقت كي نشيع سلما ومحبة". يدعو للتسامح، ويبشر به. كتابة تنطلق من حوار مع الذات وتساؤل يستند إلى الآخر. يظهر الآخر هنا انعكاسا شاحبا للذات دون الاعتراف له بالقدرة على المساواة أو تركه يسلك سبيل اختلافه الخاص.. يتم إخلاؤه من إنسانيته لكي تبنى له إنسانية أخرى حسب منطق مختلف. يتحول "المغربي" إلى كائن من الكلمات المسلوبة الإرادة من لدن -ما أسماه تودوروف-سيد الخطاب. يقول في قصيدته "طنجة العالية":"طنجة قمة المخاطر/ تلاق في الخفاء/ ثمة في سريرة القلب/دم يسيل/ يستمر الهز يشتد."  تظهر المدينة في المقطع الشعري أرض مخاطر ولقاء سري. يقول:"طنجة قمة الأخطار هي مفتوحة للفجار، ميناء العوازل والمواخير كثيرة في أمان.." يقف الشاعر على أماكن هامشية ويجعلها مركزا لتأمله.. يركز على أمكنة هوامش. ثم ينتقل لوصف حدائق مراكش: ينظر الشاعر للمشهد الطبيعي يتذكر الحبيبة: "كم ينقص البهاء الساطع لحضورك..من ذا لو كنت هنا،/ سيرقص سيقان الزهور/ في حديقة الزجاج." هذا وقد توفق الفنان المغربي عبد الرزاق رزقي كثيرا في ترجمة القصيدة بطريقة فريدة: توفق الفنان كثيرا في رسم حدائق مراكش. في نص "حرية" نجد نقدا ذاتيا: ينتقد الشاعر أصوله الفرنسية وكذلك تاريخ الوصاية. يقول الشاعر في مطلع قصيدته:"من الصعب دباغته":"تلك الرائحة الخبيثة/ من أحواض جوفاء تنبعث/."يصف عمل الدباغ وسط الحفرة: "واقفا وسط الحفرة/ والحداء حتى الفخذين،/ يغطس العامل الجلد/يكشطه، يمرره في الجير..". يظهر البحارة في قصيدة عنوانها: "الصويرة"، وهم يكحون. بحارة يشربون شايا وسط الميناء عند مطلع الفجر.. ومن هناك ننتقل إلى مرسى المهدية حيث السوق والسمك ينط فوق الشباك.. بالمئات مصطف في طابور الشواء. تظهر القنيطرة في قصيدته "توت أرض ولقالق" سجنا كبيرا يقول: "قنيطرة...هؤلاء رجال متعبون/ من سجونك خرجوا/ كما سحالي جدعاء." نتابع في جميع قصائد الديوان نظرة أحادية الجانب. ينطلق المنظور الشعري من نظرة متعالية تتأمل الآخر وتكتب عنه: الآخر هنا مرادف للبؤس. تلتقط عين الشاعر مشاهد الحياة البئيسة. لا تلتقط بهاء الإنسان ولا جمال المدينة، وحدها صورة البؤس هي ما ألهم مخيلة الشاعر: في وصف "حدائق الصويرة" ص: 91 يستحضر الشاعر مشهد بحارة يكحون، فيما بقرة تائهة تأكل قمامة. بدل وصف جمال المكان كتب عن صناديد الأنابيب المكسورة. يذكر أن زيارة الشاعر للمدينة قد صادفت أشغال إعادة تأهيل شبكة المجاري بالأحياء الجديدة. بدل أن يزور المدينة ويكتب عن الصقالة تلك التحفة التاريخية التي ألهمت العديدين، توجه إلى المجاري وكتب عنها..

تتأصل النظرة الإغرابية للمكان وأهله في "قصيدة مرتبة"؛ ثمة تتجلى نظرة دونية للآخر: يجلس فوق كنبة كوين آن محطمة يتأمل بؤس الزبالين، فيقدم صورة للمغرب مشوهة. تلك نظرة سائح  معقم ضد الآخر؛ نظرة تنطلق من مبدأ أنا قوي وأنت ضعيف، أنت جنوب وأنا شمال. لا يهتم الشاعر بقوة الآخر بقدر ما يهتم بحالات شاذة لا تعكس الواقع المعاش. تبين هذه التجربة الشعرية كيف ينظر الغربي للآخر؟ ما الذي يثير عينه في الآخر؟ لم يحتقر الآخر ويشيئه؟ ينتقل الشاعر في قصيدته:"المغاربة المقيمين بالخارج" ص:103 ليكتب عن حي الصفيح سيدي مومن، ويعتبره ملاذ مهمشي العشيرة. أولئك الذين ينعدم عندهم الفلس. كتب هنا عن مكان لم يزره قط، ولم يتعرف على ساكنته ومثقفيه، ما همه فقط هو نقل صورة أكثر ظلامية من تلك التي نشرها الإعلام حول الحي المذكور مباشرة بعد الأحداث الإرهابية. ثم يتوجه لمحطة البيضاء مسافرين ومحطة الجامعات بحثا عن عيون طلاب رحل.

لم يسافر الشاعر لا إلى العراق ولا لغزة. تابع عبر وسائل الإعلام الغربية عملية الرصاص المصبوب كما أخرجتها عدسات الإعلام الغربي الذي تحرك الصهيونية خيوطه. يكتب انطلاقا من منظور غربي؛ نظرة توازي بين الضحية والجلاد. نظرة لا تعترف بأن فلسطين أرض محتلة، نظرة ترى في الشهيد ياسر عرفات إرهابيا، نظرة لا تحترم اختلاف الآخر، ولا تحترم أرضه و وجوده وتاريخه، وبكلمة واحدة نظرة تبارك الاحتلال.

نقرأ في القسم الثاني من كتاب فلسطين المغرب قصائد عن غزة يهديها المؤلف إلى 'مدنيي' القطاع: يدعو من خلالها طرفي الصراع لسلم وصفح. تطرح مقدمة كتاب فلسطين المغرب سؤالا جوهريا: كيف تظهر إذن صورة غزة من وراء جبال الألب؟ كيف تتمظهر صورة المقاومة في النظرة الغربية؟ "

يظهر موقف الشاعر جليا في قصيدة بعنوان "إخوتي في غزة " يقول: "إخوتي في غزة الذين سقطوا فوق الأرض/جفت الشفاه من الخوف،/وسد الحنجرة غيظ. الخوف والحقد، ليسا كلمات(...) أسمع تراتيل/آلامكم والصرخات، /تلك التي بها لا تجهرون(...) يجب أن تصفحوا/إن رغبتم البقاء أحياء". يحاول النص أن يقف في صف الفلسطينيين لكنه سرعان ما يقحم عددا من التقديرات السلبية. يأمر الفلسطينيين بأن يصفحوا وينسوا كل جرائم المحتل. أشعار مرسيي تخلو من الشعرية وتقع في المباشرة. ينقر أزرار الحاسوب نصوصا باردة، نصوص لا تدافع عن الفلسطينيين، بل تجعلهم سواسية والمحتل..هكذا تتجلى صورة الآخر في ديوان فلسطين المغرب للشاعر السويسري برينو مرسييه، صورة لم ترصد الواقع بعينه وتلابيبه، تنم عن عدم فهم الآخر...  يتساءل الشاعر مستنكرا: "فيم يفيد رفض التاريخ؟". تظهر هنا تلك الصور النمطية والسلبية التي تقدمها وسائل الإعلام الغربية عن المقاومة خاصة في قصيدته الهروب من غزة يقول: تفضل سجون المحتل/ بدل انتظار لا ينتهي." لا يتحدث الشاعر على طبيعة الصمود ورغبة البقاء التي تجمع الفلسطينيين بأرضهم التي ورثوها عن أجداد أجدادهم. يطلق على الفلسطيني صفة هارب وهو تشبيه غير صحيح. الفلسطيني كما نعرف هو إنسان صامد وتابت في أرضه. يصف فلسطينيا ينتظر بنقطة تفتيش الحاجز ايريز. ركبت معبر الموت، الأسلاك شائكة، كتل الاسمنت، لا الماء عندك والحرارة بالظل 38... وينتقل لوصف عملية بيت حانون يقول في نفس القصيدة: كومندوس إسلامي يفتح النار على جوقة "الخونة". والمقاومة هي شيء آخر غير ذلك. تتبع الشاعر الأحداث في وسائل إعلام تعترف بدولة الاحتلال وتتبنى بوعي أو بدون وعي النظرة الصهيونية. يتضامن هذا المنظور الشعري مع المدنيين ويدين ضمنيا العمل المقاوم. هكذا ينظر للعملية التي اسفرت عن اسر شاليط.. لا غرابة إذن أن يصف المقاومة بوجه: كوموندوس يطلق النار على الفلسطينيين عبثا. وهذا يدخل في باب التشويه الغربي لصورة المقاومة الفلسطينية. هكذا  تظهر صورة غزة من وراء جبال الألب مقلوبة.

ينطلق التزام الكتابة عن غزة من وراء جبال الألب. هكذا تبدو المسافة بين مكان الكتابة –سويسرا- وموضوع الكتابة –غزة- جد كبيرة. ذلكم ما يفسر النظرة الإغرابية للأشياء. في سبيل الدفاع عن غزة ضحى النص بكل مقومات وشروط اللغة. في غياب الشروط الجمالية وتداعي الموضوع يغيب الشعر. يقدم الموضوع بلغة مباشرة تحتفي بالمعنى وتهمش الشكل. تغيب الاستعارة وكذلك المجاز... تتطلب قراءة النص إذن دراسة من منظور موضوعاتي. لا يقاس الشعر بموضوعه فقط بل بجودة كتابته وجمال لغته وصوره البلاغية. من الخرف مقارنة نصوصه بأعمال كتاب عظام من أمثال جان جونيه كما فعل أحد المتابعين. 

 ارتبط مفهوم الالتزام عند نشأته مع فلسفة سارتر والتي انطلقت من مفهوم سياسي غايتها الحرية للمجتمع. يظهر الالتزام في كتابات برينو مرسييه منشغلا بالذات وانشغاله بمسألة الآخر ليس الا تأكيدا للذات وتقوقعها حول نفسها.  الأديب الملتزِم كما يقول الدكتور وليد قصاب كالطائر السابح المنطلِق، لا قيد يمسكه، ولا غل يلتف حول يديه، أو جناحيه، أو عنقه؛ انه يمضي في هذا الفضاء الرحب الفسيح، شاديا للحرية والبهاء والجمال.. كتب توفيق الحكيم في كتابه أدب الحياة: "الالتزامُ المُثمِر للفنَّان هو الالتزام الذي ينبع من طبيعته، وهنا لا يتعارض الالتزام مع الحرية؛ بل هنا ينبع الالتزام نفسه من الحرية. لذلك لم أَقُل لأديبٍ أو فنَّانٍ: الْتَزِمْ؛ بل قُلتُ وأقولُ: كُنْ حُرّاً..".