تستلهم القاصة المصرية عالم الحكاية الشعبية في كتابتها عن تلك الأم التي ظلت تؤرقها الرغبة في الانتقام لابنتها القتيلة حتى استطاعت أن تحققها. مصائر الشخصيات في هذه القصة مثلما يحدث في الحكاية الشعبية تنكشف لنا واضحة محددة تنال الجزاء الذي تستحقه، وتبقى الأم الشاهدة الوحيدة على حياة توارت.

حرير التراب

عزة كامل

في الليالي المقمرة كانت تخرج من منزلها قابضة بيمناها على عصا تتوكأ عليها، ممسكة براديو ترانزيستور  وكيس من الدمور في يدها الأخرى، كانت تتجه إلى الجبانة ناحية غرب البلد، تلك الجبانة التي كانت ترقد في بطن الجبل، كان عليها أن تصعد إليها متخذة طريقا من الدرج الطيني الملتوي الذي ينيره ضوء القمر، مستأنسة بعالمها الذاتي الذي يثير الحزن و يفتقر إلى الرغبة، كان الطريق يمتد أمامها إلى ما لا نهاية، تكثر فيه الزوايا التي تحتوى على بقايا أشياء تعطى شعورا بوجود أحد ما قد غادرها للتو، كانت تثير بأقدامها الغبار الذي يتراكم على جانبي الدرج فيعفر وجهها و ثوبها الأسود الكالح الذي لم تبدله من عشرين سنة، كان يسكن الزمن جسدها الهرم و يغيب في عزلتها الداخلية.

عندما كادت أن تنتهي من صعود الدرج كانت ترفع رأسها إلى أعلى تنظر إلى ما وراء المقابر بعينين دامعتين و جسد مرتعش بالحزن، حيث تنتصب طاحونة الهواء.

كانت تبدو أنها تتذكر شيئا ما عن ماضيها الذي يمر أمام عينيها مثل شريط سينمائي يعرض على صفحة السماء، أصبح وجهها مثل شاشة فضية بعد أن انعكس عليه ضى القمر. كانت تنظر بحذر كأنها تخشى شيئا ما، ربما دخيلا من مادة الذاكرة أو من الحاضر الذي تبغضه، هل هو الحنين، الشوق، الندم؟، كان المكان لا يأوي إلا الموتى و الكلاب، يحيطه و يتخلله طوفان من أوراق الشجر الميتة، و من بين شواهد القبور يتصاعد دخان أزرق مشرب بالحمرة كأن هناك سحرة يمارسون طقوس الموت، كان المكان مظلما، ثقيلا، شديد الوطأة.

توجهت إلى إحدى الجبانات، مسدت يديها عليها كأنها تزيل الغبار من فوقها، أزاحت أوراق الشجر من الأرضية بكعب يديها، أسندت العكاز إلى الحافة، أخرجت من كيسها القماش لمبة جاز و أشعلتها و وضعتها على شاهد الجبانة و وضعت  الراديو بجانب اللمبة وأدارته على إذاعة الأغاني. شردت بخيالها و استرجعت سنين مضت.

 بدت النجوم باردة وهشة، كان المطر يهطل بشدة و يتساقط بسرعة خلال السقف المعرش، كانت ابنتها راقدة على سريرها، و في وقت متأخر من تلك الليلة سمعت صوت خطواته قادم من الخارج، انتابها شعور بالقلق  والخوف و استعادت أمام عينيها، الطريقة التي كان يطوق بها جسمها و أحيانا يتحسس نهديها و عندما كانت تضع يديها خجلا عليهما كان يرمقها بنظرة شهوانية و يبتعد عنها و هو يزمجر،  يرغى و يزبد، لم تجرؤ أن تخبر أمها، فكيف عساها أن تفعل ذلك، هل ستصدقها، فهو أبوها و هي لحمه و دمه، كانت تستغفر ربها في سرها مرات و مرات، اقتحم عليها السرير، حاولت الصراخ لكنه كتم أنفاسها، و لم يتركها إلا بعد أن أتم فعلته، تركها عارية غارقة في دمها، أظافره محفورة في جسدها، شعرت بان جسدها تدنس و أنها تريد أن تقتل نفسها.

مرت الأيام و هي تنزوى وتذبل، أسود وجهها، انتفخت بطنها وظهر سرها المخبوء، عرفت أمها، حبسوها في غرفة الغلال، منعوا عنها الطعام و الشراب، بعد ثلاثة أيام تمكنت أمها من الوصول إليها، وجدتها محمومة و وجهها تغطيه البثور و البقع الحمراء.

قالت لها: من هو؟

نظرت الابنة إليها باستعطاف و قالت: أبى.

استبد بها الغضب وثورة مشربة بحيرة وامتعاض لا براء منه، خارت ساقاها من تحتها و أخذت تنتحب دون توقف خرجت من عندها متوجهة إليه، كان يجلس مع أبنائه الذكور، واجهته بالحقيقة، أنكر ولطمها حتى أدمى فاها، كانت أشبه بدفة المركب المحطمة، حبسوها هي الأخرى و عزلوها عنها، كانت صرخاتها الحادة تسمع من كل الجهات عويلها الصاخب يمزق الأفاق، عندما غربت الشمس و توارت خلف الجبل، وظهر الغسق معلنا ظلامه الذي كان ثقيلا وباردا. حلقوا رأسها و جروها إلى الخارج، ذبحها أحد إخوتها كما تذبح الذبيحة و وقف على جسدها و أخذ يصرخ ويهذى كالمجنون، لقد انتقمت لشرفي.... انتقمت لشرفي، جاء الناس من كل صوب و حدب، هالهم ما حدث لكن لم يجرؤ أحد على إدانته و لكنهم أمسكوا به.

كان أديم الأرض يمتد تحتهم مثل كابوس مخيف، تبعثر فيه جسد الذبيحة التي ترقد عاجزة عن الدفاع عن نفسها.

جاءت بشعرها المهوش وعيونها الفزعة، فتحت فمها كما لو كانت ستصرخ، ارتمت على ابنتها، تخضبت يداها و ملابسها بدمها، حملتها بين ذراعيها، استقر رأسها الأسود المذبوح العنق على كتفها و انساب شعرها البني على ذراعيها، حملتها وأنزلتها في صحن الدار، أخذت تستعيد صوتها و وتولول بحشرجة مكتومة، كانت مثل حيوان برى يدور و يدور حول شريك روحه الذي اصطاده رمح الصياد. امتنعت عن الطعام و الشراب، كانت تخرج كالمجنونة في الليل تذهب إليها تمسك بحافة القبر و يعلو صوت نشيجها تنخرط في بكاء قاس منتحب، كانت ظلمة الموت تعتصرها و تحرق قلبها، كانت تردد بعضا من كلمات و تضرب صدرها بيدها و تتمايل في إيقاع منتظم: حريرهن لبسوه و أنتي حريرك في التراب حطوه

حريرهن زاهي وأنتي حريرك غبره السافي

وألف لك شعرك

وأرخى الضفيرة وراه ضهرك

عيني تقول يا بخت من نضرك

والعين بكاية على عدمك

وألف لك راسك

وأرخى الضفيرة وراه أكتافك

عيني تقول يا بخت من شافك

والعين بكاية على غيابك

خدوها الرجال و أنا وراها أجرى

قالت عاودي ما تتعبي إلا أنتى

خدوها الرجال و أنا وراها أطير

قالت عاودي دا الغياب طويل

كان الندم يعبر قلبها و يمر على القبر فيستنزف دموعها، و في أحد الأيام شعرت بوجود شيء ما خلفها، شيء كالطيف يحدثها و يستحثها، كان الضباب يغمر المكان و يتصاعد دخانه، كان يحاصرها بنظراته المستريبة،  "يجب أن تصفى الحساب"، ظل هذا الطيف الخفي يلاحقها و يطاردها في كل مكان، يتخذ أشكالا مختلفة، كان يملأ كل حيز من الفراغ الذي أمامها وخلفها، ولم يكن هناك مفر من التراجع أمامه، تشربت مرارة الليل، هضمت شراسة الهجوم العنيف، و تعاركت مع الخوف الكامن حولها في الليل، و في وضح النهار و في ليلة باردة موحشة جمعت ملء ذراعيها أغصانا جافة وضعتها على الأرض أمام باب الدار، أشعلت فيها النار، أرسلت النار خيوطا من الضوء و الظل على الجدران و السقف المعرش بسعف النخيل، تجمعت الغنمات من البيوت المجاورة لتستدفئ حول النار، رقدت على الأرض وراحت تراقب ظلال النار، نامت وحين استيقظت على ضوء الفجر و صياح الديك و نباح الكلاب، كانت قد عقدت عزمها واستقر رأيها على أن تنفذ ما خططت له، قامت و هزت رأسها و تطلعت فيما حولها، كانت الأرض رمادية عارية وجافة، وضعت شالا حول كتفيها ولفت رأسها بالطرحة السوداء و خرجت للطريق، كان الضباب كثيفا و الريح تصفر و أصوات نعيب الغربان تنشر الشؤم في الخلاء، عبرت مستنقعا و وصلت إلى أجمات شجر التوت التي كانت تطوقها حزم العشب الرمادية القديمة الميتة، جزت العشب ووضعته في منديل من القماش، عادت أدراجها إلى بيتها بعد انقضاء ساعة زمن و شرعت في طهو الطعام و جلست القرفصاء أمام الطبلية التي وضعت عليها طعام الغذاء.

عندما رفع زوجها أول قطعة من غموس اللحم الدسم إلى فمه شحب وجهه وكساه اللون الأصفر، حاولت التماسك، كانت حواسها لا تعمل على الوجه الصحيح، لكنها الآن تمتلك حواسها و توجهها كما تريد ، خيل لها انه حاول أن يتكلم معها تحاشيت النظر في عينيه، كان الألم الذي يعتمل في قلبها لا يقدر على احتماله احد، عندما انتهى من الطعام، هبت من جلستها، وقفت وراءه و هو يفرك يديه بالصابون و يغسلها من مياه الصنبور المتدفق، عندما فرغ من الاغتسال تمدد على الحصيرة النظيفة المفروشة في قاعة الجلوس، أخذت تراقبه، خرجت و دارت حول البيت من الأمام و من الخلف، توجهت لعشة الدجاج و أخرجت دجاجة،  نتفت ريشها و دخلت بها إلى المطبخ، أحضرت سكينة، ذبحتها و ألقتها على الأرضية، ألقت نظرة على الجسد المسجى على الأرض، كان ما زال يتنفس، أحست بمرارة في حلقها و انتابها الغضب، جهزت بخورا   و اجتمرت بالمجمرة التي تأججت نارها لهبا و أرسلت ما يكفى من الحرارة في جسمها إلى حد أن نزعت ثوبها الخارجي و أبرزت مساحة واسعة من صدرها الملتهب للنار، سمعت صوته واهنا ضعيفا، ينادى عليها، كانت عيناه مشوشتين، حاول أن يستند إلى الجدار لكنه تهاوى، غارت عيناه و ظهر بياضها وسقطت رأسه على صدره، وقفت أمامه وابتسامة صافية تملا وجهها، أسبلت عينيه، أرقدته على الأرض و غطته بملاءة، بحثت عن بقايا القارورة التي بها العشب السام، طوحت بها في الخلاء الذي أمام البيت وانطلقت في صراخ.

لم يشك فيها أحد، و تمت مراسم الدفن، بعد أن تأكدت من حقيقة موته و ذهابه إلى العدم، توجهت إلى قبر ابنتها الذي أصر أخوتها على دفنها فيه وهو قبر من قبور الصدقة للذين ليسوا لهم أهل، زفت لها الخبر و قالت :

تستطيعين الآن أن ترقدي في سلام، لقد انفرجت لك أبواب السماء، ادخليها مطهرة فقد أقيم الآن العدل و هبطت السكينة بأجنحتها على روحك.

خلا عليها البيت، رحلت الابنة، سجن أولادها الذكور ودفن الأب دون أن يترحم عليه أحد، بعد عنها الناس وصموا بيتها بالبيت الذي تحوم حوله الأرواح الشريرة، و كان كثيرا ما يقذف الأولاد الصغار باب دارها بالطوب و بالقاذورات و عندما تفتح الباب و تطل برأسها كانوا يهرولون مبتعدين، عاشت حياة زاهدة لا زاد  ولا مال، كانت تكتفي بالخبز و الفطائر التي يوزعها أقارب الموتى في المقابر كرحمة على أرواح موتاهم،   وكان غفير المقابر من حين لآخر يدخر لها بعض التمر الذي يجود به عليه أقارب الموتى، و ها هي الآن تستمع للأغاني التي كانت تطرب لها ابنتها و تتراقص عليها، كم تفتقدها، انتبهت من شرودها على صوت الغفير يقول لها بشفقة:

الفجر شقشق، ألم يحن الوقت كي تذهبي لتنامي و تستريحي.

قالت له: راحتي في جلوسي هنا حيث ترقد حشا قلبي و نور عيني الذي ذهب برحيلها.

اقشعر الرجل من كلامها و أحس بوجع يوخز كتفيه و قال لها: اطلبي لها الرحمة و المغفرة، استغفري الله ضعي نفسك بين يديه فسبحان ذي العزة و الجبروت، سبحان الحي الذي يموت، تنهد و زفر نفسا طويلا متعبا، ومن بعيد  تناهى إلى أذانهما صوت أذان الفجر، سددت إليه نظراتها فلمع بريقا يتراقص في عينيها، بسطت كفيها ورفعتهما إلى السماء و بصوت متهدج: استغيث بك في كربتي، أكشف نفسي أمامك  من كل ستر أو حجاب، أسألك العدل يا أعدل العادلين، فأصغى إلى.... إلى من تقف وحيدة فقيرة بين يديك، استعطفك و أناشدك أن تجعل النار مأوى لمن ارتكب الخطيئة في حق ابنتي... أجعل الخوف  في جوفه... تمتمت: الملك لك يا صاحب الملك، اغمرنا برحمتك.

لملمت أشياءها، مشيت متوكئة على عصاها، كانت رائحة التراب ما زالت عالقة  في خياشيمها شقت طريقها بصعوبة، كانت أثار ضئيلة من الفجر الذي بدأ يودع خيوطه تنتشر في المكان، أخذت تقلب أفكارها في مثل هذا الفراغ الرمادي الدامس، كانت بيوت القرية تتلاشى في الأفق الجنوبي و قد غمرها سديم دخاني خافت لا يقطعه إلا أضواء مصابيح البيوت الشاحبة، كان الهواء باردا و قد حط الندى على أوراق الأشجار المتناثرة على طول الطريق، استنشقت الهواء ببطء و سمحت لابتسامة خجولة بأن تعلو شفتيها، تابعت سيرها، اختفت في حبائل الضباب الجارف و ذاب و قع خطوها في الهواء.