لم يكن أسامة الدناصوري ـ الذي نخصص لها ملفا خاصا في هذا العدد ـ هو الكاتب الوحيد الذي فقدناه لمرض الفشل الكلوي. فقد رحلت في العام الماضي عنا المبدعة المغربية مليكة مستظرف مبكرا بسبب المرض نفسه، بعدما تماطلت السلطات الوصية في تدبير ملف تطبيبها. وكما كان أسامة عنصرا فاعلا في المشهد الثقافي المصري، كانت مليكة عضوة فاعلة في المشهد الثقافي المغربي. وكتبت هي الأخرى عن تجربتها مع المرض في نصوصها التي نقدم عنها هنا دراسة للباحث والناقد المغربي حسن المودن.

المنزلة بين المنزلتين فضاء للكتابة

قراءة في قصص مليكة مستظرف

حسن المودن

مريضا كنت
تثقل كاهلي والظهر أحجار
وساوس مظلمات غابت الأشياء
ورعشة خافقي
وأنين روحي يملأ الحارة
بأصداء المقابر
         بدر شاكر السياب

بين الحياة والموت، بين الوجود وعدمه، بين الموت الطبيعي والموت الاجتماعي، بين الأنا والآخر، بين الرجل والمرأة، بين الأب والأمّ، بين الواقع الاجتماعي والواقع النفسي، بين اللغة الفصيحة واللغة العامية ...هذا المابين هو الفضاء الذي اختارته مليكة مستظرف موضوعا للكتابة في نصوصها القصصية. وهو فضاء جديد وغامض، ينتهك الحواجز، ويخترق الحدود، ويقرّب بين قطبين متناقضين، انه فضاء المنزلة بين المنزلتين.

1 ـ بين الحياة والموت:
مليكة مستظرف كاتبة أصيبت بمرض القصور الكلوي في الرابعة عشرة من عمرها، وحكم عليها الأطباء بالموت منذ 1986، وماتت سنة 2006. وأصدرت مجموعتها القصصية: ترانت سيس سنة 2004، أي قبل عامين من موتها بعد صراع طويل ومرير مع المرض، وودعت قرّاءها بنصّ قصصي شديد الدلالة: مــوت، معلنة بذلك موتها على الملأ. ورغم قلّة إنتاجها الذي يشمل رواية ومجموعة قصصية ونصوصا متفرقة أخرى، فهي تنتمي إلى هذه العائلة من الكتّاب الذين أصيبوا بأمراض جعلتهم وكتاباتهم يعيشون بين الحياة والموت: دوستويفسكي وداء الصرع، توماس مان ومرض السّلّ، بودلير ومرض الزهري، فيرجينيا وولف ومرضها النفسي الذي أدى بها إلى الانتحار الذي دونته من قبل في يومياتها وإبداعاتها، وهيرفي جبير الذي كتب أهم أعماله أثناء صراعه مع داء السيدا قبل أن يتوفى سنة 1991، وبدر شاكر السياب الذي كتب أروع قصائده بعد إصابته بمرض لم ينفع معه علاج قبل أن يموت سنة 1964، وأمل دنقل الذي ترك ديوانا شعريا تحت عنوان: أوراق الغرفة 8، وهو رقم الغرفة التي كان يعالج فيها من مرض السرطان، ومحمد خير الدين الذي كتب وهو طريح الفراش في صراع مرير مع مرض السرطان: يوميات سرير الموت، قبل أن يهزمه الموت نوفمبر 1995، وسعد الله ونوس، ويوسف ادريس، ومحمد زفزاف، ومحمد شكري... كتّاب كان المرض ينخر أجسادهم، ومع ذلك استطاعوا في الغالب أن يكتبوا بطريقة تدفع إلى إعادة النظر في علاقة الكتابة بالمرض، بمعنى علاقة الكتابة بلحظات من حياة الكاتب تتراوح بين الحياة والموت، فالمصاب بداء السرطان أو السيدا أو غيرهما من الأمراض الخبيثة القاتلة يصبح موته حتميا ومعلنا على الملأ، ومن الأسئلة الأساس التي تفرض نفسها هنا: كيف يواجه الكاتب المرض والموت بواسطة الكتابة؟ كيف تكون المواجهة بين اللغة والألم، بين الكتابة وقوى الموت؟ كيف نبحث عن معنى الألم في قلب الكتابة؟

ما يميّز هؤلاء الكتّاب أن عمرهم يتوقف في اللحظة التي يصابون فيها بالمرض، فبعد ذلك يكون الموت والحياة متصاحبان، وتتقدم حياة المريض كأنها حداد معلن، فالمريض في هذه الحالة يحمل موته معه، وبعد المرض لم يعد الأمر يتعلق، كما قالت مليكة مستظرف، إلا بأشواط إضافية في انتظار الورقة الحمراء. هذا الفضاء الذي يقع بين الحياة والموت، ويشهد صراعا طويلا ومريرا مع المرض، هو موضوع بعض قصص الكاتبة الذي سمح بكتابة لها خصائص تميّزها وتتميّز بها، ذلك لأن للمرض شعريته أيضا. في نصّها القصصي: مأدبة الدم كتبت مستظرف عن مرض القصور الكلوي بضمير المتكلم الذي لا يحيل على الكاتبة، بل على رجل مصاب بالمرض نفسه. هكذا يركز الراوي على لحظة اكتشاف المرض ولحظة الانتقال إلى هذا الفضاء الجديد: ما بين الحياة والموت. فبعد زواجه بأسبوع واحد فقط، أخذ يحسّ بألم أسفل الظهر: " ألم شديد قويّ، يقول الراوي، يعتصرني... ينهشني ... يشلني ... يمتد إلى بطني ومتانتي. أزحف إلى المرحاض، عملية التبول أصبحت بالنسبة لي عملا شاقا، تنزل قطرات بنية تؤلمني كفلفل حار" (ص49). يزداد الألم، ويتحول المريض إلى فأر تجارب الأهل والجيران بوصفاتهم الطبية الشعبية الغريبة، ويتحدث الفقيه عن التوكال، وتتهم الأم الزوجة، فتقوم معركة بين الأخت والزوجة، ثم ينتقل المريض إلى المستشفى، ويجده أشدّ نتانة من المرحاض، ليكتشف أنه مصاب بمرض جديد وغريب: الفشل الكلوي المزمن، ويبدأ في التعرّف على حقيقته الجديدة ومصيره المأساوي من مريض آخر مصاب بالمرض نفسه: "أنت لا تملك حقّ الاختيار، يمكنك فقط أن تختار بين أن تموت فورا ولمرة واحدة، أو تموت بالتقسيط على مدى شهور وسنوات. الموت سيتسلل عبر مسامك، سينخر عظامك وصدرك وقلبك، وسيأكل من نفس صحنك، ويتسرب إليك عبر الهواء الذي تتنفسه. وبعد ذلك ستتعود على وجوده، ستصاحبه وتستأنس به."(ص 51). وبهذا يكون القارئ أمام نصّ قصصي يقول المرض: يصفه ويراقب أعراضه ويكشف النقاب عن مشاعر النفس وانفعالاتها، هذه النفس التي لم تختر الانتقال من العرس والبهجة والحياة إلى المرض والألم ومواجهة الموت.

يجعلنا النص نتعرّف على الكائن المريض كما هو، ومن خلال المرض، يتمّ فتح نوافذ على الواقع الجديد: ما بين الحياة والموت. إنها كتابة تقول الألم والاحتضار والطريق إلى الموت، أي أنها تقول تجربة وجودية قاسية. ومع ذلك، فهي كتابة تحكمها حيوية مدهشة تسخر وتنتقد وتحتجّ بالكثير من الألم على وسط عائلي غارق في الجهل والخرافة والنفاق والخيانة، وعلى مستشفيات أشبه بالمراحيض والعلاج فيها غير مسموح به للجميع ... ومهمة النقد الأدبي أن يستخرج من كتابة المرض قوة الحياة التي تتضمنها، ذلك لأنها كتابة تفتح أمام القارئ لحظات للقلق: تفتح أعينه على هذا الكائن المريض الذي يعيش بيننا عزلة قاسية، وتدفعه إلى مساءلة لا الموت الطبيعي، بل هذا الموت الآخر والمضاعف الذي يمارسه المجتمع تجاه مرضاه.

2 ـ بين الموت الطبيعي والموت الاجتماعي:
ما يميّز شخوص قصص مليكة مستظرف أنها لا تواجه الموت الطبيعي فقط، بل إنها تواجه "الموت الاجتماعي" أيضا، وهو أقسى وأفظع من الأول، وخاصة عندما لا يلقى المريض من المجتمع غير الإهمال والإبعاد. والسؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف يواجه الكاتب وكتابته هذا الموت الاجتماعي؟ هل الكتابة انتهاك للصمت والإبعاد والإهمال الذي تفرضه المجتمعات المادية النفعية على المرضى والعجزة باعتبار عدم صلاحيتهم ولا نفع بعد من ورائهم؟ ما يزيد من ألم الراوي المريض في نص: مأدبة الدم هو أنه لا يواجه الموت الطبيعي فقط، بل انه يجد نفسه أمام موت آخر أكثر قساوة وإيلاما، مصدره أو سببه ليس هو المرض، بل المجتمع الذي يعيش فيه المريض. قبل المرض، كان الراوي هو الآمر الناهي، لا تجرؤ زوجته على رفع صوتها في حضوره. لكن بعدما تمكّن منه المرض، ووهن جسمه، تغيرت موازين القوى: "تنمردت واستأسدت عليّ، يقول المريض، أصبحت بالكاد أتكلم ... لم أعد أعمل، خانتني صحّتي، أصبحت هي رجل البيت، هي التي تعمل، لذلك تنمردت عليّ... لقد فضحتني عليها اللعنة بنت الحرام ... على الفراش لم أعد أستطيع أن أرضيها، أتعب بسرعة، أتعب قبل أن أبدأ...أخبار مغامراتها كانت تصلني. كاد أهلي أن يأكلوا وجهي... اضطررت لتطليقها حفاظا على ما تبقى أو لم يتبقّ من رجولة وهمية. لكن الفاجرة فضحتني عند كل العائلة، قالت لهم اني لا أختلف عنها في شيء، بل هي أرجل منّي ... بنت الحرام قليلة الأصل." (ص 52 ـ 53).

يواجه المصاب بالفشل الكلوي المزمن موتا مضاعفا: موت طبيعي وموت اجتماعي. وإذا كان المرض ينخر يوميا جسد المريض، ويجعله يعيش الموت الطبيعي بالتقسيط، أو قد يدفعه إلى الانتحار، فان الموت الاجتماعي يهاجم المكانة العائلية والاجتماعية، ويفقد المريض هويته الإنسانية، ويهزم نفسيته وروحه، ويقتل كل أمل في العلاج، ويدمّر كل علاقة بالحياة، وقد يؤدي إلى الجنون. ينطلق هذا الموت الاجتماعي من الوسط العائلي(الزوجة)، ويمتد إلى باقي مؤسسات المجتمع، وخاصة منها المسؤولة عن علاج المريض. فأول مشكل يواجهه المصاب بالفشل الكلوي المزمن هو الحصول على مجانية العلاج، والمستشفى المفروض فيه أن يكون مؤسسة للعلاج، يتحول إلى أداة اجتماعية لممارسة الموت الآخر. و هذا ما يصفه الراوي المريض في مأدبة الدم فيقول: "حتى في المستشفى الحكومي حصة غسيل الكلي مكلفة جدّا ... ستطلب منك السكرتيرة ... شهادة تثبت فقرك، وأخرى تثبت مرضك، وصورا شمسية لك. " المقدم" لن يعطيك شهادة الفقر إلا إذا فهمت رأسك وأدخلت يدك في جيبك ... بعد أن تضع الملف ستعطيك السكرتيرة رقما يجب أن تحفظه عن ظهر قلب، لأنه بعد ذلك ستصبح مجرد رقم فقط. سيكون رقمك مائة وقد يكون ألفا. وستنتظر سنة أو سنتين أو ثلاثة. صديقي انتظر ثلاث سنوات، وحينما حان دوره لكي يحصل على مجانية العلاج كان قد أسلم روحه لبارئها..." (ص ص 53 ـ 54).

وإذا حاول المريض الاحتجاج والمطالبة بحقّه في العلاج، فانه يتّهم بالجنون: "حاولت أن أصرخ، يقول الراوي، صرخت: " من أين لي بالمال حتى أدفع لكم؟"، انتبهت إلى نفسي، كل الناس ينظرون اليّ. سمعت أحدهم يقول: " لقد جنّ". هل جننت فعلا؟" (ص55). والأكثر إيلاما أن على المريض في مجتمع الزبونية والوساطة والرشوة أن يتعلّم، كما جاء على لسان إحدى الشخصيات القصصية في مأدبة الدم، كيف يقبّل الأيدي والأرجل، ويتوسل ويركع ويزحف وينحني وينثني لكي يستجدي ثمن العلاج (ص 54). وهذا المصير المأساوي هو ما وصفته الكاتبة المصابة بالمرض نفسه في حوار معها فقالت: "تعلّمت أن الإنسان غير المسنود رخيص. أصبحت كرة تتقادفها الأرجل المتعفّنة. طرقت كل الأبواب المتاحة وغير المتاحة ... احتجاجات ... اعتصامات ... استرحامات ... جنون جنون جنون !!" (حوار منى وفيق مع الكاتبة في موقع محمد أسليم).

ومع ذلك، فان المعنى الذي تمنحه الكاتبة للموت الاجتماعي في نصوصها القصصية لا يهمّ المريض فقط، ولا ينحصر في موقف المجتمع من مرضاه، بل إن لهذا الموت الآخر معنى أوسع وأخطر هو ما حاولت مليكة مستظرف تشخيصه في آخر نص ودّعت به الحياة، وهو نصّ بعنوان شديد الدلالة: موت ( منشور بموقع دروب). يتحدث هذا النص عن العائلة التي تشاهد الموت ( جرائم الحرب في العراق وفلسطين ولبنان) يوميا على جهاز التلفاز من دون أن يثير غضبها أو حزنها. فقد أصبح الموت شيئا عاديا، مملا ومكرورا، ودخل إيقاع الحياة اليومية، والعائلة التي تعتقد أنها تعيش الحياة، لا تعيش إلا الموت في الواقع. يصف النص هذا الواقع المفارق الذي تعيشه العائلة كما المذيعة، هذا المابين الحياة والموت، هذا الموت الخفيّ الذي يكتسح واقع الإنسان الاجتماعي والنفسي: موت حقيقي تمارسه القوى الجبارة في بلدان عربية شقيقة، وموت رمزي اجتماعي كاسح ينخر النفوس والأرواح:
"جثت متعفّنة ... رؤوس مفصولة عن أجسادها."
أغرز الشوكة والسكين في قطعة اللحم، ألتهمها بتلذذ. الله يعطيك الصحة اللحم بنين: يقول زوجي.

المذيعة تحاول أن تبدو حزينة ... الغوباشة لا تناسبها". يقدّم التلفاز جثتا متعفنة ورؤوسا مفصولة، أي أنه يقدّم الموت للمشاهدة، ولا ردّ فعل، ولا إحساس، ولا موقف، بل إن الزوجة تمارس الموت الرمزي بتلذذ عندما تغرز شوكتها وسكينها في قطعة اللحم، وتلتهمها بتلذذ، والزوج لا يبالي بما يقع على التلفاز، بل هو الآخر يشكر زوجته على طعامها اللذيذ، ويلتهم اللحم بتلذذ أيضا، والمذيعة تتصنع حزنا لا يناسب أناقتها.

وإجمالا، فان نصوص مليكة مستظرف تقول مصير الإنسان بعد إصابته بمرض عضال، فالمريض يجد نفسه وجها لوجه مع الموت الطبيعي الذي يهاجم الجسد، ويجعله يعيش الألم بشكل يوميّ فظيع، لكن الأفظع من ذلك أن المريض يجد نفسه أمام عالم اجتماعي مخيف ومرعب وغير منطقي، يفقده هيبته ومكانته في الوجود، ويجعله يحسّ بعزلة قاسية وغربة أكثر إيلاما. ومن خلال هذه النصوص تتأسس كتابة تتجاوز مسألة الأنا والآخر، البيوغرافي والأوتوبيوغرافي، الذاتي والموضوعي، الكاتب وشخصياته المتخيّلة، لتقول هذا الفضاء الجديد الذي يقع بين الحياة والموت، وهو فضاء يشمل الأنا كما الآخرين. وتتقدّم هذه الكتابة من خلال أشكال سردية بسيطة، تبدو كأنها لا تقوم إلا بتشخيص الواقع، لكنها تأتي أكثر غرائبية ومليئة بالتناقضات والمفارقات واللامعقول، كما في المثال التالي: (من آخر نصّ للكاتبة: موت) الذي يصور التناقض الصارخ القائم بين واقع الموت الذي يقوله صوت التلفاز وصورته والواقع اليومي الذي تقوله أصوات العائلة وحركاتها ومواقفها، وهذا الواقع العائلي الاجتماعي وان بدا واقعا حيّا فانه يخفي موتا مرعبا:
"أمهات يبكين ... بؤس ...فقر ... صراخ ... دماء يمتصّها الإسفلت".
بغيت عصير طانك
أسكب العصير لابنتي
الكوكاكولا أحسن كتساعد على الهضم. ولكن كتدير الغازات.
"وتستعمل إسرائيل أسلحة وقنابل ممنوعة دوليا"
ماما شوفي كنشطح بحال نانسي عجرم
تتلوّى الصغيرة تغنّي: اه ونص بص بص بص
أصفق لها ..." .

إن هدف الكتابة عند مليكة مستظرف هو أن تقول هذه البنى اللامنطقية المشروخة لوضع إنساني يخلق الإحساس بالقلق نحو الوجود: شخصيات تخفي التمزق والانقسام، أحداث لامعقولة، فضاءات اجتماعية ونفسية لا تعرف التناسق والانسجام ...والكتابة تقول ذلك كلّه بسخرية سوداء تحطّم جدران الواقع الاجتماعي، وتفجّر منطقيته الزائفة ومعقوليته المصطنعة، وتكشف النقاب عن ذلك الموت المرعب الذي يكتسح فضاءات الحياة.

3 ـ بين الرجل والمرأة:
من الطبيعي أن تقول مليكة مستظرف من خلال نصوصها اختلافها الجنسي كامرأة، وكتابتها قد لا تختلف عن الكتابات النسائية التحررية التي تحتجّ على الطريقة التي تعامل بها المرأة في مجتمع أبوي قاهر، وتفضح المسكوت عنه في مجتمع لا يتحدث عن الدعارة والاغتصاب وزنا المحارم ... إلا أنها توسع من معنى الاختلاف الجنسي، ولا تجعله منحصرا في المرأة والرجل، أي أنها تتجاوز التمييزات الجنسية السائدة، وتلقي أضواءها على هويات جنسية أخرى خارج هذه التمييزات. هكذا نجدها تفتتح مجموعتها القصصية الصادرة سنة 2004 تحت عنوان: ترانت سيس بنص هو احتجاج على مجتمع قاهر قامع للحريات الطبيعية، وأساسا لحقّ الإنسان في الاختلاف، أو الأصح بــمجرد اختلاف: وهذا هو عنوان النص.

يبدأ النص بمساءلة هذا الحرمان الجنسي الذي يقاسيه الإنسان، وهذا الكبت المفروض على الجسد والرغبة والجنس، في مجتمع قاهر إلى حدّ يتمنى معه هذا الإنسان لو كان حيوانا حتى يتمتع بحريته الجنسية: "كلبة أمامي ترفع ذيلها وتلتفت لكلب أسود يعرج. تنجح في غوايته. يركبها الكلب، يلتصقان، يلتحمان، تغمض الكلبة عينيها في انتشاء وتستسلم لحركات الكلب المثيرة. خدر لذيذ يسري في جسدي. كم هما محظوظان! يفعلان ذلك الشيء أمام الملأ: "ربي يشوف والعبد يشوف". لا يخافان من "لارافل" أو من كلام الناس" (ص 9).

يتمّ افتتاح النص بما من خلاله تتمّ مساءلة المحرّم: الجنس، وشيئا فشيئا، يتمّ الانتقال إلى سؤال أكثر أهمية: "كيف أقنع الآخرين باختلافي؟"(ص 15). وعلى عكس بعض الكتابات النسائية، فان النص لا يكتفي بالحديث عن النسائي باعتباره حاملا للاختلاف، بل هو يوسع من دائرة الاختلاف الجنسي، ولا يحصرها في الذكر والأنثى، بل يدفع في اتجاه اكتشاف جنس ثالث: الخنثى، ويطرح مسألة حقّه في الاختلاف. وهو بهذا نصّ يطرق موضوعا يتعلق بهذا الجنس الثالث الذي يقع بين الجنسين: الذكر والأنثى. وهو موضوع مسكوت عنه ومقموع، لأنه يهدد المجتمع الذي تقوم قيمه ومبادؤه على تمييز جنسي واحد ووحيد: الذكر والأنثى، المرأة والرجل، ولا وجود لما بينهما. فمصير الجنس الثالث هو الاضطهاد والنفي، ويبدو أن لا حقّ له في الوجود. محكوم على الراوي الذي ينتمي إلى هذا الجنس الآخر بالإبعاد إلى العوالم السرية للدعارة والشذوذ الجنسي التي يتعرض فيها لمخاطر عديدة ولأشكال أخرى من القهر والعنف: هذا بوشتى " ينتظر أن يأخذ نصيبه عن كل عملية مقدّما. نحن نعرق ـ يقول الراوي ـ ونجفّ ونتحمل سماجة الزبائن، وهو يأكلها باردة واجدة .."( ص 10). وهؤلاء الملتحون يهاجمون الراوي ويحلقون شعر رأسه، " قالوا إنهم يريدون تنظيف المجتمع" ( ص 10)، ولولا مرور الشرطة لكان لهم معه أمر آخر. والأب، على عكس الأمّ، هو أول من يجرّد ابنه من هذا الحق في الاختلاف الجنسي الذي يتموضع بين الرجل والمرأة:

"يحزّ في نفسي ضياع شعري. كان طويلا وأشقر كشعر الخيل. أمي كان يحلو لها دائما أن تمشطه، وتتعمد أن تتركه طويلا ومنسدلا على كتفي. مرة عاد أبي من إحدى أسفاره الطويلة، ...، فاجأ أمي وهي تضع أحمر الشفاه على خدّي وشعري معقوص على شكل اسفنجة. يومها ضربها حتى تغوطت في ملابسها، وقال لها: " هاد الولد غادي تخرجي عليه، سيصبح خنثى". يده كالكماشة تطبق على ذراعي. يأخذني إلى الحلاق ويحلق لي على " الزيرو"... نعود إلى البيت، يأخذ مصحفا بين يديه، أستظهر الفاتحة. يفتح فمه عن آخره ... قلبي يدقّّ بعنف تحت ضلوعي...يمسك المصحف بيديه وينزل به على رأسي. الغرفة تدور، الكرة الأرضية تدور وكل الأجرام السماوية. ستدخل جهنم أنت وأمّك. أكتب ألف مرّة: أنا رجل، أنا رجل. أطأطئ رأسي، أنظر إلى يدي، أمسك الخنصر: أنا رجل، البنصر: أنا امرأة، رجل، امرأة، ر..امرأة." (ص 11).

لا يعترف الأب المتديّن بهذا الجنس الثالث: الخنثى، فهو يرفض رفضا قاطعا الاعتراف بجنس آخر يقع بين الرجل والمرأة، والابن يشكو أزمة هوية تولّدت عن قهر أبوي ينظر بقرف وامتعاض إلى ابن هو رجل وامرأة: "اخذ ورقة، وأجلس إلى الطاولة، يجلس ـ أي الأب ـ غير بعيد عنّي، شفتاه لا تكفّان عن الحركة، ربما يلعنني في سرّه أو يقرأ بعض سور القران. يراقبني بقرف وامتعاض كأنه ينظر إلى جثة فأر متفسخة" (ص 11 ـ 12).

تبدو مؤسسات المجتمع، العائلية والتربوية، أكثر انغلاقا وتشدّدا اتجاه هذا الجنس الآخر، فأستاذ اللغة العربية يطرد الراوي، التلميذ الخنثى، من فصله، وأستاذ التربية الإسلامية يسخر منه قائلا : " الفاعل والمفعول به في نار جهنم" (ص 13)، وأعين التلاميذ تحاصره من كل جانب، وتجعله يحسّ في خجل قاتل باختلافه الشاذ الذي لا يثير لدى الآخرين إلا السخرية والنوايا السيئة: "أحني رأسي في خجل كأنني أعتذر عن وجودي بينهم. الأعين تحاصرني، وأنا وحيد بينهم، لا أشبههم، الكآبة تلفّني، أعرق، أجفّ، وأتمنى لو أختفي، لو أتبخّر" (ص13). ومع ذلك، فوراء الخطاب الطهراني المتديّن، قد تخفي المؤسسات الاجتماعية نفاقها وازدواجها، تخفي خطابا آخر وسلوكا مغايرا: "يخرجون من الفصل. يستبقيني الأستاذ. يلمس وجهي برفق ولطف، أشك في سلامة نواياه: ـ وجهك أملس أكثر من اللازم، كل أصدقائك نبتت لهم شوارب إلا أنت. ترتعش أصابعه، تسري الرعشة في جسدي، إحساس لذيذ، غريب، و ..آثم. أمسح قطرات العرق عن جبهتي، عيناه تلمعان بشيء غريب كالشهوة.."(ص 13 ـ 14).

وفوق ذلك، إذا كان الرجال يطردون أو يطاردون الخنثى لأن فيه شيئا من المرأة، فان النساء يفعلن كذلك، لأن في الخنثى شيئا من الرجل: "دخلت حمام النساء ... تجمهرت حولي النساء. قمن بشدّ شعري ... كنت أعتصر بين نهودهن وأجسامهن المترهلة ... أفلت بأعجوبة. قالت إحداهن " أنت رجل سير لحمام الرجال". بعدها دخلت حمام الرجال. أمسكوني من قفاي وطردوني."أنت امرأة سيري لحمام النسا". هكذا قالوا." (ص 14).

في المجتمع الأبوي، إما أن تكون رجلا أو أن تكون امرأة، لا مكان لجنس ثالث، ولا وجود لشيء آخر غير الإقصاء والإبعاد والقسوة واللامبالاة. والراوي الخنثى لا يفهم سببا لهذه المعاملة، وهو ليس مسؤولا عن هويته الجنسية، ولا يعرف كيف يقنع الآخرين باختلافه الجنسي: "الطبيب الذي زرته ... أخبرني عن أشياء لم أستوعبها جيدا: هرمونات، جينات، كروموزومات... وفي الأخير أخبرني أنه عليّ أن أتقبّل جسدي كما هو. يا للعبقرية كأن هذه الجملة الحرية ستحلّ جميع مشاكلي! ... كيف أقنع الآخرين باختلافي؟" (ص15).

إجمالا، فان الكتابة النسائية عند مليكة مستظرف لا تقوم على ثنائية: الرجل والمرأة فقط، بل هي تنفتح على جنس آخر اختلافه جعله يعيش أزمة في هويته ووجوده، فهو في المنزلة بين المنزلتين، ويقاسي الاضطهاد من قوتين كبريين متجاذبتين: الرجل/ المرأة. وبهذا نكون أمام كتابة تتجاوز ثنائيات المجتمع وتصنيفاته، وتسائل مبادئه وقيمه وحدود إيمانه بالاختلاف، وتطرق موضوعا مثيرا للجدل في الأوساط الثقافية والاجتماعية، وتجعل الجنس الثالث، الذي يقع في المنزلة بين المنزلتين، يتسلل إلى السرد القصصي المعاصر، منطلقة من مبدأ أساس: الانفتاح على الآخر والاعتراف باختلافه واحترام هويته.

وفي الواقع، وحدها الكتابة النسائية تستطيع أن تقول ما لا تستطيع الكتابة الذكورية أن تقوله: الحقّ في الاختلاف الجنسي، لأنها كتابة تأسست على اعتبار أن النسائي حامل للاختلاف، وأن الجوهر في الكائنات والأشياء هو الانفتاح على الآخر. وفوق ذلك، فالكتابة النسائية تملك هذه الجرأة على النفاذ إلى منطقة المحرّم والمسكوت عنه، وتفضح عنف المجتمع وصمته ولامبالاته وإقصاءه لاختلافات جنسية أخرى. وبهذا، فالكتابة النسائية هي أساسا استقبال وانفتاح على الآخر في اختلافه، أي أن جوهرها هو أن تقول الشبيه وأن تقول المختلف، وتتحول بذلك من ممارسة لغوية أدبية خالصة إلى ممارسة ثقافية سياسية تسمح للآخر بأن يعيش اختلافه: هي كتابة تحرّر شخوصها المقصية المهمّشة بسبب اختلافها من قيود الصمت، وتخرجها من دوائر الموت الاجتماعي، وتدفع بها إلى فضاءات الكلام والتعبير عن اختلافها.

4 ـ بين جنون الأب وغياب الأمّ:
عنوان المجموعة القصصية هو: ترانت سيس، وهو عنوان النصّ الثاني في المجموعة، وهو يحيل على التسمية التي يطلقها المغاربة على جناح للأمراض النفسية والعقلية بمستشفى البيضاء المركزي، وهي التسمية التي يطلقها الجيران في النص القصصي على أب يطلق العنان لجنونه. فالنص بأكمله هو مساءلة لجنون الأب في وسط عائلي يتكون من الأب وابنته ولا وجود فيه للأمّ. يفتتح النص بصوت الراوية التي تتحدّث، وهي طفلة صغيرة، عن قبح أبيها وأنانيته وجنونه: "لا يبدو وسيما أبدا. كل يوم سبت تكون برفقته امرأة لا أعرفها ... يرسلني الى دكان " با ابراهيم"... لم أكن أشتري منه المواد الغذائية التي نحتاجها...أقول له جملة واحدة وأبتعد: "عيشة الطويلة" ... كنت أتوقّع دائما أن يأتيني بامرأة طويلة وعملاقة، لكنه كان يمدّني بزجاجتين ملفوفتين بورق الجرائد..."(ص 18).

تكره الطفلة يوم السبت، لأنه اليوم الذي يمارس فيه الأب جنونه: يأتي بامرأة غريبة، يرسل ابنته لتأتيه بالخمرة من الدكان، يقفل عليها باب الغرفة، ويبدأ ليلته الماجنة. وفي الصباح، تستفيق الطفلة على صراخ المرأة التي تطالب الأب بثمن الليلة، يخرجها بعنف من المنزل، ويرمي بحقيبتها من النافذة، تتشتت محتوياتها على الإسفلت، يتسابق الأطفال لسرقة ما تقع عليه أيديهم فيما تواصل المرأة صراخها واحتجاجها في الشارع. وكأن شيئا لم يقع، يدخل الأب إلى الحمام ويستحمّ ثم يستقبل القبلة ويصلّي.

يقول النص حياة طفلة صغيرة في وسط عائلي واجتماعي فاسد ومقرف، ويقدّم من الصور ما يكشف عنف الأب وأنانيته واستهتاره ولامبالاته بمصير ابنته، كما في هذه الصورة: "(بعد إحضار امرأة إلى البيت)، يقفل أبي عليّ باب غرفتي. يعطيني نصف خبزة بها بعض السمك المعلّب ... من الغرفة الأخرى تنبعث رائحة الشواء، يتحلّب ريقي ... ضحكات خليعة، كلمات نابية، الرائحة الشهية تتسلل إلى أنفي. معدتي تصبح في حالة هيجان قصوى ..."(ص 19). إن صورة الأب في نصوص مستظرف هي الأكثر حضورا وهيمنة، فهو حاضر في كامل أنانيته وقبحه وعنفه وجنونه، في حين تأتي صورة الأمّ كأكبر غائب، فالأمّ أفظع نقص تعاني منه شخصية الطفلة الصغيرة، وصورة الأمّ هي بالتالي أكبر ثقب في محكيّها ومتخيّلها: "أخفي رأسي تحت الغطاء. أسمع دقّات قلبي كأنه يضخّ في أذني. أين هي أمّي؟ على الحائط لا أجد صورة لها. صورة قرد كبير يلفّ ورق التواليت على جسمه الضخم المشعّر، يفتح فكّيه في بلاهة، تظهر أسنانه الصدئة بحجم حبات الفول. لماذا يصرّ أبي على وضع صورته وسط البهو؟ ... كيف هو شكل أمّي؟ ... كنت دائما أرسم امرأة بلا ملامح" (ص 19).

أصاب المسخ والتشوّه صورة الأب، فهي صورة لم تعد تثير إلا الرعب في النفس، و صورة الأمّ هي أقوى ما تحتاجه الطفلة الصغيرة في فضاء الجنون. فمن خلال صور المجاز والرمز التي تقوم على التحريف والمسخ والتشويه(صورة الأب/ صورة القرد)، يقول الصوت الطفوليّ نقصه وفقدانه وحاجته إلى الأمّ، كما يقول التوحّش الذي أصاب الوجود الإنساني: الجنون والعنف والرعب والقبح والقذارة والقرف وغياب المنطق في عالم الأب. وإجمالا، فان نص: ترانت سيس يصور هذا الفضاء الذي يعتبر غياب الأمّ وجنون الأب من أكبر علاماته، وهو لا يختلف عن فضاءات الغرابة والجنون والنفاق وازدواج الشخصية( شخصية الأب أساسا) التي تتخذها مليكة مستظرف موضوعا لنصوصها القصصية، مركّزة على ضحايا هذه الفضاءات: المريض، الخنثى، الطفلة، العاهرة...، وفاسحة المجال لأصواتهم التي تتكلم وتتألم في الوقت ذاته، وتحتجّ على اللامعقول والجنون وغياب المنطق، وغالبا ما تتكلّم بألم وتحتجّ بعنف ممّـا يكسب السرد طاقة هائلة وحيوية مدهشة.

5 ـ بين لغة الأدب ولغة الواقع:
في مجموعتها القصصية، تكتب مليكة مستظرف بلغة تقع في المنزلة بين المنزلتين: اللغة الفصيحة واللغة العامية. نجد السارد أولا يدرج أقوالا باللغة اليومية المغربية، لأنها أقوال تناسب قائليها وشخصياتهم وأوضاعهم وهوياتهم، ففي قصة: مجرد اختلاف، يتكلم بوشتى لغة واقعه الاجتماعي: "يصرخ بوشتى: "اركل دين أمهم""( ص 9)، ونجد الأب يتحدث تارة لغة بوشتى وتارة لغة الكتب، في حين يتكلم الأستاذ لغة الكتب، ويمزج التلميذ بين اللغتين. ونجد السارد ثانيا يدرج كلمات وأقوال ومعاني من لغة الواقع داخل لغة الكتب والأدب، كما في هذا المثال: "كم هما محظوظان ! يفعلان ذلك الشيء أمام الملأ: "ربي يشوف والعبد يشوف"، لا يخافان من "لارافل" أو من كلام الناس."(ص 9).

ونجده ثالثا يعمل على التقريب بين اللغتين: هكذا يعمل السارد على تقريب لغة الأدب من المحكي اليومي في بساطته وتلقائيته وإيقاعه وبياضاته وثقوبه وتقطّعاته وتنقلاته من فكرة إلى أخرى ومن موضوع إلى آخر، بالشكل الذي يعكس نفسيته وتفكيره وشخصيته، كما في هذه الأمثلة: "كعب حذائي يؤلمني، لا أستطيع الوقوف طويلا. أتمنى الرجوع الى البيت، أحتسي قليلا من البيرة وصحن بوزروك بالفلفل الحار. هذا أفضل وصفة تجعل المرء يشعر بالدفء في هذا الجو البارد. لكن بوشتى لن يتركني وشأني. ثم لديّ مصاريف كثيرة: الأكل، الملابس، المواصلات، والكراء. أهم شيء الكراء. أدفع نصيبي في الغرفة التي أكتريها مع نعيمة و"السكامس". أفكر في السكن بمفردي، لم أعد أطيق " السكامس". فهي اما تشرب كأسين حتى تفضحنا في الدرب. وتدخل في حالة هذيان غريبة. تتفوه بكلام غير معقول، وتسبّ العالم كلّه بكلام بديء. الامر يصبح أفظع اذا ما تصادف وجود السكارى بالدرب."(ص 10).

نلمس في نصوص المجموعة القصصية انفتاحا للغة الأدب على لغة الواقع، وهو انفتاح تترتب عنه خصائص أخرى، فاللغة الأدبية لم تعد مجرد نشاط لغوي شكلاني محافظ، بل صارت نشاطا متحرّرا لا يهمّه أن يرمى بتهمة السوقية والنزوع إلى تعرية العورة وانتهاك المحرمات والطابوهات الاجتماعية، قدر ما يهمّه أن يقول واقعا اجتماعيا مأساويا وتجربة وجودية قاسية بلغة تقول كل شيء من دون مراوغة أو مواربة، مخترقة جدران الاستقامة والطهرانية التي كثيرا ما تحتمي بها لغة الكتب والأدب.

والملاحظ أن نص: موت ـ وهو كما تقدم آخر نص قصصي كتبته الكاتبة قبل موتها ـ يوظف اللغتين معا ليقول الانفصام الذي هو موضوع النص نفسه، فالمذيعة والسارد يتكلمان لغة الكتب والأدب، في حين تتكلم الشخصيات لغة الواقع، كما في هذا المثال:
"أمهات يبكين ... بؤس ...فقر ... صراخ ... دماء يمتصّها الإسفلت".
بغيت عصير طانك
أسكب العصير لابنتي
الكوكاكولا أحسن كتساعد على الهضم. ولكن كتدير الغازات.
"وتستعمل إسرائيل أسلحة وقنابل ممنوعة دوليا"
ماما شوفي كنشطح بحال نانسي عجرم
تتلوّى الصغيرة تغنّي: اه ونص بص بص بص
أصفق لها ..." .

واجمالا، فان نصوص مستظرف تتحدث عن الانقسام أو الانفصام الذي أصبح خاصية الوجود الإنساني، وهي لا تتحدث عن ذلك من خلال محتوى النص فقط، بل ومن خلال لغاته. فالنص القصصي يزاوج بين لغة الأدب ولغة الواقع بالشكل الذي يعبّر عن هذا الانفصام، وتتقدم لغة الواقع على أنها الأقدر على التواصل ونقل حقيقة العالم وتراجيديا الحياة. لغة مليكة مستظرف هي لغة تقول كل شيء، وتنتهك لغة الأدب التي كثيرا ما تراعي المقبول والمستحسن أخلاقيا وثقافيا، وتبدو كأنها لغة جديدة قد تكون غير قابلة للقراءة عند من ينظرون إلى لغة الأدب من منظور أخلاقي متشدّد ومنغلق. الكتابة القصصية عند مليكة مستظرف لا يمكن أن تكون لغتها إلا عنيفة متوحشة، لغة تتعرّى وتنزع الأقنعة عن الوجوه التي تدّعي العفّة والطهرانية، إذ لا يمكن للغة التي يكون لها طابع اجتماعي وثقافي مقبول أن تنقل حقيقة الواقع ومأساة المصير.

خــلاصــــة:
مع القاصة مليكة مستظرف، نكون أمام كتابة موزعة بين قوتين كبريين: الحياة/الموت، الطبيعة/المجتمع، الرجل/المرأة، الأب/الأمّ، لغة الأدب/ لغة الواقع... كيف تتأسس الكتابة داخل فضاء المابين، فضاء المنزلة بين المنزلتين، فضاء غير متجذر، وغير منسجم، تتجاذبه قوى جبارة ومتناقضة؟ ذلك هو السؤال الذي حاولنا ملامسته.