يقدم الباحث العراقي في هذه الدراسة محاولة للكشف عن سحر هذا الفن العصي المراوغ، فن القصة القصيرة، وجمالياته الجديدة، وعن قدرته على اقتناص ملامح الكون الإنساني المصغر في بنيته. ويتناول هذا كله من خلال دراسة مستفيضة لمجموعة «تيمور الحزين» للقاص العراقي أحمد خلف.

استحضار المنطقة المقدّسة

محمد علي النصراوي

(1)

تُعّدُّ القصة القصيرة جنساً أدبياً راقياً، ويمكن للقصة القصيرة أن تكون أي شيء، الشيء الذي يقرره الكاتب وكلما كان الموضوع قريباً منه تمكن من الإبحار في عوالمها وهضمها بصورة جيدة، والقصة القصيرة تُعّدُ نظاماً يتكون من حدث معين ذلك الحدث الذي جلب انتباه القاص، ثم تأتي الذروة التي يحركها كيفما يشاء، يمكن أنْ تكون القصة عبارة عن قصيدة نثرية موصوفة بالكلمات، إلى مقطوعة موسيقية تعزف بكلمات كاتبها، وإذا ما نظرنا إلى القصة القصيرة التي كتبها قصاصون كباراً أمثال ادغار ألن بو، وغوغول، و وتورجنيف، ودو موباسان، وتولستوي وهمنغواي ووليم فوكنر نرى صقل مواهبهم الخلاقة في أساليب الحكاية وخياطة فصالها، نراهم قد وضعوا هندسة فصالها في عقولهم قبل أنطلاقهم بعملية التدوين، ويصرح مورافياً إنَّ الشخوص في القصة القصيرة هم أفراد مستقلون وما هذه الشخصيات إلاّ نتاجاً للحدسيات، وقد تحتوي القصة على مشهدٍ واحدٍ، وقد يكون كافياً لبنائها الفني على الرغم من أنَّ (همنغواي) قد أكتفى بمشهد واحد في قصته (تلال كالفيلة البيضاء)، وباستطاعة الكاتب أن يحول المشهد الساكن كأن يكون شيئاً جامدا إلى حركة أنسيابية كتحرك الإلكترونات في المدارات الوهمية للذرة، هكذا يكون بأستطاعة الكاتب أن يحرك نصه في عقولنا، في الوقت الذي نكون قد نسينا عالمنا وانغمسنا في عوالم غيرنا، من هذا المنطلق فأنا أستطيع أنْ اكتشف ذاتي من خلال قراءتي لنص الآخر.

وبما أنَّ التدوين ظاهرة معرفية، فإن القصة القصيرة هي الأخرى تُعَدُّ ظاهرة معرفية.. بوصفها خطاباً موجهاً إلى الآخر تحتوي على الجهاز المعرفي لمنشئها، فإذا ما كان هناك نظاماً شمسياً في حركة الكواكب بمدارات ثابتة يمكننا القول أنَّ القصة القصيرة هي الأخرى يمكن أن نعدّها نظاماً مصغراً كونياً لعقل الإنسان، فهو الذي يهندس ويبني ويقترح ويضيف، وهناك الشيء المهم، هو أنَّ هذا الكون الصغير والذي اعني به الإنسان هو مَنْ يقوم بتصنيع أو تخليق (مثيراته الموضوعية والمعرفية) وبثها في مدارات الأنساق الإشارية لهذا النظام الكوني الصغير ومن خلالها يتكون النص القصصي شيئاً فشيئاً، وإذا ما كان هذا (المثير) الذي قام القاص بتصنيعه أو تخليقه في داخل العمل، فثمة وحدة طيفية أو كيان شبحي يكمن في الوجه الآخر من عملة المثير، فإنَّ هذا الكيان الشبحي هو الذي يعطي للمتلقي الخيط السايكولوجي المعرفي، على أنَّ هناك أنزياحاً معرفياً أو دلالياً، يتكشف من جرّاء تتبعنا أو أكتشافنا للشفرات المضمرة في ثنايا النص..

ولكن هل تتحول القصة القصيرة إلى نصٍ يرفض الأشكال الأدبية السائدة من شعر وقصة، إنَّ نظريات (بنيديتو كروشه) الجمالية التي سادت في إيطاليا خلال فترة ما بين الحربين تُعَدُّ أحد المعتقدات الأساسية لجماليات السرد الفني، لذا فإنَّ من شروط هذه الجمالية هو رفضها للمؤسسات التجنيسية المهيمنة والخروج عن طوعها، وكسر الحدود، وأختراق الأطر، حتى بدت هذه الجماليات التي يدعو إليها (كروشه) هي الترافد الأجناسي لأنتاج نص مقترح يطرح نفسه بديلاً إجناسياً في الساحة الأدبية، ولكن ماهي مميزات هذا النص الجامح..؟ هل هو النص الأرقى الذي يطمح اليه القاص الحداثوي..؟ هل هو النص المفتوح، او النص الجامع، أو ما يسمي بـ (رواية نص) ـ ولقد تبين لنا إنَّ النص المفتوح المُقترح، أو الوليد الجديد يحتوي على جماليات القطيعة، فهو لا يعطي نفسه بسهولة، فهو مليء ببؤر مفخخة تنفجر أمام المتلقي إذا ما حاول التنقيب عنها وإستخراجها من خلال القراءات المتعددة الواعية.. وهنا نطرح سؤالنا الآتي: هل استطاع هذا النص المقترح من الوصول إلى الحقيقة..؟ وإذا ما كانت هذه الحقيقة وضمن مقتربنا النقدي هي (المنطقة المقدّسة) الخاصة بالكاتب، هل وصل أحمد خلف إلى منطقته الخاصة به..؟ علينا إذن أنْ نطرح سؤال الوجود الذي يتعلق بميتافيزيقا هذه المنطقة، بكونها منطقة افتراضية/ وهمية/ شبحية.. وإذا ما كانت هي كذلك، كيف يمكننا قراءة فعل الوجود فيها..؟

(2)

وما دامت القصة القصيرة تُعَدُّ ظاهرة معرفية، فإنَّ القاص (أحمد خلف) يلجُّ عالم المعرفة، وتبدو القصة لديه عبارة عن أرض ملغومة بالمفاجآت، فيتشظى الحدث ويأخذ أبعاداً، ونقطة البداية تبدأ من أي حدث يستوحيه الكاتب من عوالمه المتخيلة، وهذا يعني إنَّ شخوص قصصه قد أمتلكوا سلطة المعرفة بالمقول، أو كيفية صياغته، ويأخذنا القاص ليدخلنا في دهاليزه الغائرة في ذاكرته المستلبة، وهذا يؤكد أنَّ شخوصه يشعرون بذنب كبير جرّاء امتلاكهم لهذه المعرفة، كأن هناك سر ما يقبع خلف أسرار أخرى، وإذا ماكان هذا هكذا كيف يمكننا أكتشاف الحقيقة عنده..؟ وهل الحقيقة ضائعة عند (أحمد خلف)..؟ فنحن كلما اقتربنا من دائرة الحقيقة نفاجأ بأسرار أخرى مدفونة في طيات النص، وهذا ما يؤكد لي وبإلحاح إنَّ شخوص (أحمد خلف) يطرحون على أنفسهم سؤال الكينونة، وتحقيق الهوية، حتى أنَّ هذه الشخوص تبدو مسكونة بقلقها الدائم في تحقيق وجودها، وهم يعرفون أنَّ وجودهم هو الخطأ الأول عند نيتشه، بحيث نراهم يقتربون من ذواتهم ويستدعون ذاكرتهم المثقوبة، وكما أشار أدوارد سعيد في كتابه (الأستشراق) إلى ثلاثة عناصر مهمة تشكل الخطاب المعرفي العربي وهي: السلطة/ المعرفة/ القوة. ولكن هل أمتلاك المعرفة هي الوجه الآخر للسلطة..؟ تلك السلطة التي لم تأت إلاّ بإرادة القوة الكامنة في نفوسهم، والتي بدت المشغل التجريبي للقاص.

حيث نلاحظ إنَّ شخصية (الأستاذ) في قصتي (الأستاذ) و(المتسول) في مجموعته القصصية (تيمور الحزين) هي شخصية قلقة مسكونة في تحقيق وجودها، لذا يبدو لنا هذا (الأستاذ) يحمل من إشكالية وجوده ما يماثله على أرض الواقع، ومن هذا المنطلق فإنَّ أغلب شخوصه هم إشكاليون في الطرح والرؤيا، والقاص هنا يقترب كثيراً من طقس كافكا و أدغار ألن بو وديستويفسكي الغرائبي إنَّ هذا التاثير القوي لهؤلاء الكتاب الكبار عليه قد جعل من القاص يشحذ المتخيل السردي لديه على توليد تلك المشاهد أو العوالم الكابوسية وهذا دليل أكيد، على وجود قصص أخرى منشورة ضمن مجموعته (خريف البلدة) ومنها قصتي (كابوس عصري) و (فنطازيا اليد).. وقد بدا القاص قلقاً شديد الارتباك بظهور هذه المجموعة في الحقبة التسعينية المشحونة بالتوتر والغموض الطاغوتي، على ما تضمره هذه المجموعة من المقموع أو المسكوت عنه وإظهاره من تحت الردم..

وفي قصة (رجل فوق الاحتمال) من المجموعة القصصية (تيمور الحزين) نلاحظ ثيمة الموت بمعناها الأنطولوجي، وهي حالة أخرى من حالات استحضار الذات أمام نفسها، فإنَّ اسحضار هذه الذات يعني نسيان العالم من أجل خلق عالم جديد تكون جميع محتوياته تحت سيطرة الكاتب، وهذا ما يجعل القاص أقرب إلى صيغة (الموالِف) الذي يقوم بتركيب الأشياء أو المشاهد وأعطائها بعداً رؤيوياً.. عندما يكون الإنسان بمواجهة الموت يكون قد أقترب أكثر من ذاته، أي بمعنى آخر إنَّ مواجهة الموت هي حالة أنطولوجية بين الكينونة والكائنات، هو العبور على الخط الفاصل بين الداخل والخارج إنها عتبة الوجود وتحقيق الهوية. وهذا ما حدث بالضبط في قصته (أول الزمان.. آخر الزمان) المنشورة ضمن مجموعته القصصية (صراخ في علبة)، إنَّ موت سلمان بن داود، هو دليل على اقتراب ذات البطل من نفسها، وما سلمان بن داود إلاّ قريناً ملازماً لبطل القصة، فثيمة البحث عن الضائع، هو الوجه الآخر من صيغة (البحث عن الذات الضائعة)، وهكذا فـ (أحمد خلف) أراد من ثيمة الموت هنا بمعناها الوجودي وليس الفيزياوي.. وهذا دليل أيضاً على أنَّ القاص يجعل أبطاله يلفهم الغموض وحزمة من الأسرار الكامنة في بواطن النفس الإنسانية، لذا فهم يشعرون بالغربة والإغتراب والتوحد وحالة الإنفصال عن الواقع، فهم لا يستطيعون العيش بين الناس، حتى وإنْ عاشوا فهم يشعرون بالأنفصال عن مجتمعهم، فثمة فوهة سوداء تجرهم نحو اللاقرار، إلى أرض اللاعودة، أنهم حلميون كأبطال ديستويفسكي المشحونون بالقلق وبالتوتر الدائم..

(3)

وأما في قصته الطويلة (تيمور الحزين) فإنّ القاص يقف على قطيعة أبستيمية مع التاريخ، وما فعله هنا، هو تقشير التاريخ بحفرياته المعرفية في منطقة ملغومة بالإنفجارات.. هنا نلاحظ ثمة علائق سردية بين القصة بشكلها الكلي والنص التاريخي،فإنَّ تلك العلائق هي ما تشكل متخيله السردي، فإذا ما كان التاريخ يحتوي على وقائع وحروب ومعاهدات وسير بطولية، فإن القاص يحاول أنْ يحفر تحت وقائع ذات وجهات نظر متباينة، تلك التي تشكل لديه قطيعة أبستيمية في الفهم والتفسير، كي يعيد من خلال هذه القطيعة صياغة الماضي بأفق رؤيوي جديد، لاستخراج ذلك المضمّر أو المقموع المخفي تحت طبقات التاريخ الذي يشكل فجوة إنقطاع في الأحداث التي أعتمد عليها التاريخ التقليدي في مدوّناته.. نعم فالقاص ألتقط هنا من التاريخ ما يشكل واقعاً افتراضياً يتناغم مع الراهن الموضوعي.

فقصة (تيمور الحزين) تنفتح على تبادل المواقع أو الأدوار بالأعتماد على (الوثيقة)، فالأحداث التي يرويها (عباس الجويني)، هي عبارة عن أحداث تشكل بصيغتها الأنطولوجية الرواية الغائبة المنبثقة من أوراق (المخطوط) وكالآتي: (تيمور ـ ألجاي خانم ـ حسين الصوفي ـ عباس الجويني/ الذي قام بتدوين الرواية الغائبة، وهو يمثل المسكوت عنه، أو المقموع، أو ذلك المخفي تحت طبقات التاريخ) مقابل (البطل الراوي الضمني ـ زينب ـ الشاعر) وهو تقابل مختل التوازن إذ نرى شخصية تيمور تكون بمواجهة الموت تماماً، إذ يسقط من على فرسه صريعاً، بينما نرى شخصية البطل ـ الراوي الضمني الذي يقوم بسرد الرواية، عبثياً في تصرفاته تجاه الحياة، لكن عملية كتابة رواية، يعني إنّ البطل يمارس تحقيق ذاته وذلك بتقديم تفسير فني في تشكيل عالم مخلق،إنَّ القاص ينحرف بعالمه المخلق هذا نحو معبر فلسفي يمثل رؤيته الفلسفية للعالم.

هكذا إذن يجرنا القاص نحو (منطقته المقدسة) الخاصة به، إذن فثمة (مخطوط) ما يتم الأشتغال عليه، وهي تقنية أشتغل عليها الروائي عبد الخالق الركابي في روايته (سابع أيام الخلق) الصادرة عن دار الشؤن الثقافية العامة في بغداد سنة 1999 م. إلاّ إنَّ القاص أحمد خلف قدم ثيمة (المخطوطة) في قصته الطويلة هذه بصيغتها الأنطولوجية بكونها (حفيرة) ليتم الأشتغال عليها، والمخطوط هنا هو عبارة عن أوراق وتصحيف، وطمس، وخرم وحذف، وحواشي وما يشكل متن المخطوط. ونحن هنا نطرح سؤالنا الآتي: هل يمكن تحويل النص الأدبي إلى (وثيقة) أو (حفيرة)..؟ فإذا ما كان هذا ممكناً فإنَّ القاص قدم في قصته هذه أبستيماً معرفياً يدخل في إنشاء النص ضمن تمفصولات ملفوظاته الدلالية، فإن هذه التمفصولات هي التي تشكل لنا ذلك الأبستيم المعرفي الذي يتقاطع مع التاريخ المدوّن بصيغته التقليدية الجاهزة في تقديم الوقائع، أي بمعنى آخر إنَّ الكتابة عند القاص (احمد خلف) تسير هنا لتصبح هي الوثيقة وليس كتابة عنها كما جاء في قصته ص/ 147:

بسم الله الرحمن الرحيم
من حسين الصوفي إلى تيمور ملك التتر

«أما بعد:

فقد أحاطت جيوشك الغازية المدينة، من كل جانب وصوب كالذئاب الجائعة، وليس لهم من هم إلاّ افتراس الأهالي الآمنين في بيوتهم وقتل الأطفال وسبي العيال، وقلب الحال من سيء إلى أسوء، إني أسالك الحكمة والعودة إلى العقل والتبصر والرحمة برقاب الناس وحياة المساكين، وأسألك الرأفة والحرص على دماء جندك الصاغرين لحكمك ومشيئتك التي لا رادع لها، إننا ندعوك إلى الكف عن تحكم نواياك الشيطانية في الإندفاع لتحكيم السيف حيث يستوجب الرأي السديد، وإذا كان لا بد من الشر، فإني ادعوك إلى أنْ تكون الحرب بيني وبينك فحسب، وسيكون النصر حليف من يقضي على عدوه في ساحة المبارزة، أما إذا فزت عليَّ لا قدر الله، فاعلم أيها العجوز الأعرج إنَّ مفاتيح المدينة ستكون بين يديك دون إراقة دماء من الطرفين وأنْ تمكنتُ منك وأعانني الله العلي القدير من قطع رأسك، فعلى جيشك أنْ يلملم أطرافه ويرحل عن المدينة دون رجعة أبداً لتكن هذه المبارزة وثيقة حكم واحتكام بيننا، تأخذ بها الأطراف المتنازعة... ولتكن المبارزة بالسيف وحده فهو خير فيصل وأمضى حكم، والسلام».

وفي ص/ 149 جاء ما يلي:

«حسين الصوفي صعلوك متمرس في الصعلكة وقطع الطرق أمام التجار، حتى أنَّ بعض سلوكه، يعيد على الأذهان بعض خصائص صعاليك المسلمين في حماية الجار وعدم الاعتداء على النساء والأطفال، ويتشبه عادة بتقاليد الأمراء والصوفي صفة لحقت به وبأسرته لأنَّ جده كان يحلج الصوف ويبيعه على الناس في السوق».

ففي هذه (الحفيرة) نلاحظ إنَّ الآلية المجترحة لدى القاص تقوم بإظهار أو أكتشاف المايحدث، كيف يمكن لتيمور مثلاً أنْ يكون طاغياً ومتجبراً، وفي الوقت الذي امتلك فيه سلطة المعرفة، أنْ يكون حزيناً وذلك بتسلمه وثيقة تهديد من حسين الصوفي المتصعلك وقاطع الطرق، هذا التناقض في ثريا النص جعل من القصة أنْ تكون وثيقة نفسها، بحيث جعلت من أوراق المخطوط حفيرة أشتغل عليها القاص كي يُظهر المكان الأفتراضي المُخلّق، مكان المابين، ذلك الذي يُحدث فجوة أنقطاع في سير الأحداث، هذا الانقطاع هو ما جعل القاص أنْ يقدم قصته إلى الآخر على إنها وثيقة تاريخية، لذا فإنَّ هذا التباين في طرح شخصيتي (تيمور، وحسين الصوفي)، يُعَدُّ بحد ذاته قطيعة أبستيمية، لكن هذه الرؤيا في تحويل النص الأدبي إلى (وثيقة) أو (حفيرة) ليتم الأشتغال عليها كنظام معرفي ـ لا يُعَدُّ توظيفاً للفلسفة الوضعية واللجوء إلى الكتابة الواقعية في القص. ومن هذا المنطلق نقول إنَّ الآلية التي تم الأشتغال عليها هنا تسحب المتلقي إلى عمق أعماق النص وجعل هذا العمق جزءاً لا يتجزء من السطح، ومن هنا تنشأ علاقات التمفصل.

ونحن نؤكد إن هذه (الوثيقة) غدت أقبية التاريخ وهوامشه ووثائقه المضيعة، وصار يمكن للفرد كما للنص، كما للهامش، كما لخلفية المسرح أن تحتل كل المسرح، وهذا يعني إن القاص احمد خلف أعاد كتابة التاريخ على وفق تصوره بوساطة آلياته الكتابية المجترحة التي تنتظر تحقق الحفيرة، واكتشاف الوثيقة، حتى تأتي القصة ـ كتابة الوثيقة، وليس كتابة عنها.

وثمة سؤال آخر يمكننا طرحه هنا: هل إنَّ قصة (تيمور الحزين) بأستطاعتنا أدراجها ضمن مصطلح الـ (metafiction) أي ما وراء الرواية الذي جاء من أجل كتابة أو إعادة عرض أو تقديم الماضي في صيغة أدب أو في صيغة تاريخ، أي بما معناه إنَّ القاص في كلتا الحالتين جاء ليمدَّ جسور الماضي إلى الحاضر ويمنعه من المراوغة والزيف وذلك بتقديم الحقائق المغيبة وإظهارها في النسيج المضفور بفعل الكتابة الذي بدا مفتوحاً على مستوى التأويل المعرفي للمدوّنة/ أو المخطوطة/ أو الوثيقة، فقد قدمت القصة على إنها أبستيم معرفي بكونِ (الكتابة) ظاهرة معرفية، وبما إنها كذلك فهي تُقدم إلى القارئ بصفتها (فارماكون)/ أو النص المدون، لأن الكتابة تُقدم بصفتها حيلة أو صنعة فنية فهي تمثل الفضاء الكوني الصغير لعقل المنشئ أو الكاتب، فتحولت (الوثيقة) أو (الحفيرة) إلى المكان الافتراضي المُخلق داخل العمل والذي تتفجر فيه أو تنبثق الأحداث منه تباعاً.

(4)

والآن بعد أنْ طرحنا مفاهيماً عدة في تمريننا المعرفي هذا، هل يمكننا الآن أنْ نطرح السؤال الأنطولوجي الأول وهو سؤال الوجود وتحقيق الذات..؟ وهذا غاية ما نبغيه في تمريننا هذا. إذن ومن هذا المنطلق الوجودي نسال: هل أمتلكت قصص أحمد خلف الحقيقة..؟ أو هل اقترب احمد خلف من الحقيقة..؟ فإذا ما كانت (الوثيقة) لديه تمثل المكان الافتراضي على إنبثاق الأحداث منها، فإننا نعدُّ (المخطوط)/ أو الوثيقة/ أو الحفيرة هي فضاء لا يمكن حسمه، ولماّ كان مقتربنا النقدي يؤكد بإنَّ (المنطقة المقدّسة) هي عبارة عن فضاء شبحي/ أو وهمي مخلّق، تتكون محتوياته من الكيانات الشبحية التي تركت آثارها في هذا الفضاء، إذن فإنَّ فضاء هذه المنطقة هو الآخر فضاء لا يمكن حسمه.. هذا يعني إنَّ الحقيقة عند أحمد خلف تقع على الخط الفاصل بين الداخل والخارج، فهي أما أنْ تكون أو لا تكون. ومن خلال فلسفة حضور الذات أمام نفسها يُطرح سؤال الوجود الذي يتعلق بميتافيزيقا هذه المنطقة، هل يمكننا قراءة فعل الوجود فيها..؟ وهل هذا الفعل يحقق كينونة القاص داخل هذا الحيز الافتراضي/ الوثيقة/ أو الحفيرة.. أو ما يشكل قصص الكاتب بصورة عامة؟ إذن سؤال الوجود هو الآخر يُعَدُّ سؤالاً إشكالياً لا يمكن حسمه بين أنْ يكون أو لا يكون.

ومن هذا المنطلق فأن القاص بقدر ما تمكن من تحقيق منطقته المقدسة الخاصة فإنهُ لا يمكنه الاقتراب منها، فهو يؤجلها أو يضعها تحت الإمحاء كي يقرأها في وقت آخر، لأن المنطقة عند شطبها (الشطب هنا بمعناه المجازي) تحتفظ في الباقي من علاماتها أو إنزياحاتها المعرفية. من هذا المنطلق فقد عُدَّت المنطقة المقدّسة الخاصة بالكاتب، الطرف الفائز ضمن ثنائية (تكون/ أو لا تكون)، لذا فنحن نقوم بشطب هذا الطرف الفائز بالطريقة التي يسميها جاك دريدا (الكتابة تحت المحو under erasure)، أي أنَّ هذه المنطقة تحمل اختلافها مع نفسها، أي بما معناه عندما يُلغى الطرف الفائز أو العلامة فإنه يترك ما يلغيه واضحاً.. ومن هنا نقول إنَّ هذه المنطقة تمثل لنا مكان المابين، مكان المايحدث، مكان الاختلاف، مكان التكّشف وإظهار الطبقات السفلى من وعي الذاكرة، هي مكان تتخارج فيه الذات مع نفسها، وهي مكان تحقق الهوية، تلك الهوية التي تختلف مع نفسها، لذا فهي تتبدل كلما نما وعي الإنسان أو كلما حاول الكاتب أن يكتب لنا كتاباً جديداً.