يقدم الباحث المغربي المرموق هنا دراسة في العلاقة بين تبدل مفهوم الفرد واندلاع الثورات العربية، وبين تغير طبيعة الخطاب الإعلامي بتغير أدوات صياغته وتوصيله، وأفول نجم الدكتاتوريات العربية بصورة يكشف فيها عن دور الإعلام الاجتماعي البديل في الثورات العربية ويشي بالكثير مما ينتظرها من تطورات.

الثورات العربية والمرور عبر الشاشة

عن دور الإعلام الاجتماعي (البديل) في ثورات العالم العربي

يحيى بن الوليد

«مفهوم الفرد»، وفي تصور كثيرين أيضا، هو من المفاهيم المركزية بالنسبة للباحث الذي يسعى إلى دراسة موضوع ثورات العالم العربي. ومصدر هذا التركيز هو أن الذي صنع ثورات العرب الأخيرة هو الفرد الذي تخطى أدغال الخوف ونزل ــ بالتالي ــ إلى شوارع العالم العربي ودونما أي توجيه أو حتى إشارة من الأحزاب أو النقابات أو المثقفين أو الزعماء ... إلخ. ومن هذه الناحية، بالذات، والتي هي ناحية التحرُّر من أي مرجعية أو وصاية، كان للأفراد ما أرادوه، لكن من بعد أن ضحـّى المئات منهم بأرواحهم وبما كان قد تبقـَّى لهم في مثل هذه الدنيا التي لا يمكن للمواطن العربي أن يندم، وبأي شكل من الأشكال، على مفارقتها. وكما قيل "الموت ولا المذلة" تبعا للشعار الذي رفعه السوريون في مسعاهم إلى الإطاحة بنظام الأسد، المتغوِّل والاستبدادي. "واستقبال الموت خير من استدباره" تبعا للقول المأثور الذي تمَّ استقدامه مع انطلاق ثورات العالم العربي.

غير أن ما ساعد الأفراد على النزول إلى الشوارع، وبكثير من التحدي، ودونما خوف من القمع اللاهب وحتى الرصاص الحي، هو «الإعلام» أو أكثر تحديدا «الإعلام الجديد» الذي كان في أساس انطلاقة ثورات العالم العربي أو كان بمثابة "فتيل" أو "وقود" لها في سياق بدا متدافعا وسلسا ولا سيما في تونس ومصر، وحتى في السياق الذي بدا معاكسا وشرسا قام الإعلام نفسه بدور "تاريخي" غير مسبوق في تاريخ الإعلام العربي. وهذا الإعلام لا صلة له بما يمكن نعته بـ"الإعلام التقليدي" وسواء من ناحية "الخطاب" أو من ناحية "الأداة" أو "القناة" التي يعتمدها في تبليغ هذا الخطاب. ولعلَّ هذا ما جعل منه إعلاما جديدا ومغايرا، وبشكل جذري، للإعلام الذي ساد سابقا والذي كان الديكتاتور العربي قد استغلـَّه في تثبيت حكمه الاستبدادي الأفظع.

ودور الإعلام كان قد تأكـَّد وقبل أن نبدأ، وبعقود، في القراءة عن "الانفجار الإعلامي" و"تعدد الوسائط". وقبل أن نبدأ، وفيما بعد، في القراءة عن تزايد انتشار "الثورة الرقمية" و"المجال الرقمي" و"نفوذ المواطن الرقمي" و"الحقوق الرقمية وإملاءاتها"... إلخ. ولقد كان العبقري ألبرت أينشتاين (1879 ــ 1955) قد لخـَّص الفكرة بأكملها من خلال ما سماه بـ"القنبلة الإعلامية" جنبا إلى جنب القنبلة الديمغرافية والقنبلة الذرية. وجميع هذه القنابل، وكما تنبأ أينشتاين، ستخلخل مجتمعاتنا مثلما ستخلخل معاييرنا الثقافية، وكما ستهدِّد الإنسانية. ثم إن تسمية "عصر الصورة"، التي تبدو وافدا جديدا داخل السوق اللغوية، كان قد قال بها آبل جانس العام 1926 كما يذكـِّرنا الباحث المصري شاكر عبد الحميد في مفتتح كتابه "عصر الصورة"( 2005). ودون التغافل، هنا، عن تسمية "المرور عبر الشاشة" التي تحدَّث عنها المؤرخ والصحافي البارز في جريدة "لوموند" الفرنسية جان لاكوتور (Jean Lacouture) في مقاله "التاريخ الآني" المتضمـَّن في الكتاب الجماعي "التاريخ الجديد" (1978) الذي أشرف عليه المؤرخ الشهير جاك لوغوف (Jacques Le Goff). هذا وإن كان المقصود بالشاشة، في التسمية الأخيرة، ووقتذاك، هو شاشة التلفاز وفي إطار من مرحلة التلفاز التي تلتْ مرحلة المذياع التي تلتْ بدورها مرحلة الصحافة.

ودور التلفزيون، وكما سيتأكـَّد على مدار الفترة الأخيرة، سيتعدَّى أنفاق "البث" و"النقل" نحو آفاق "الخلق" و"التوجيه"، بل وحتـَّى "البرمجة" و"القولبة"، وبعمليات يصعب رصد مراحلها ومحطاتها وفواصلها، لأن هذه العمليات تعمل بطريقة مركبة أو دفعة واحدة. هذا بالإضافة إلى ما يوفـِّره التلفزيون من "معرفة" تنعت بـ"المعرفة التلفزية"، وخصوصا في صفوف النساء. غير أن تأثير التلفزيون، ومن ناحية المعرفة ذاتها، لا ينحصر في العنصر النسائي فقط؛ وفي هذا الصدد أمكننا أن نشير إلى مفهوم "المجتمع التلفزي" الذي كان قد صاغه السوسيولوجي الكندي الأشهر مارشال ماكلوهان (Marshall McLuhan) وصاحب الدراسات اللامعة حول "الإعلام والمجتمع" في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. لقد انتزع التلفزيون الأدوار وصار يصرِّف "إيديولوجيته" عبر الصورة التي صار إخراجها، في عرف نقادها، ومن ما بعد الحداثيين بصفة خاصة، أهم من مضمونها؛ هذا إذا ما لم نردِّد، مع جان بودريارد، بأن أهمية الصورة صارت تفوق مضمونها بل وتعوِّضه. ومن ثمَّ صار المطلوب هو أن نقارن الصور بالصور لا أن نقارن الصور بأماكنها أو بالأحداث التي تنقلها. فجميع الأشياء صارت "تمرُّ عبر التلفزيون". ومن ثم منشأ ما يمكن نعته بـ"التحويل التلفزي"، أو "المرآوي"، الذي غدا بديلاً عن "التحويل النهضوي" كما قال المفكر العربي مطاع صفدي.

وكما أن دور التلفزيون لم يعد محصورا في "الترفيه" فقط، وكما أنه لم يعد محصورا في إغراق الجمهور في دوائر المعرفة المحايدة. لقد انخرط بدوره في المعارك الكبرى للعصر وفي مقدَّمها معركة الديمقراطية أو معركة التحول الديمقراطي. فالتلفزيون، كما يقول السوسيولوجي البريطاني أنطوني جيدنز (Anthony Giddens) في مقال له حول "الديمقراطية" (وهو مترجم في مجلة "وجهة نظر": العدد 36 ــ 37، 2008)، "لم يكتف فقط بالحرص في المقام الأول على الحضور هناك، وإنما بادر بالقيام بتنظيم الجمهور". ولقد صار بدوره معنيـّا بالنقاش العام وسواء من ناحية الانخراط فيه أو من ناحية الإسهام في توجيهه. وهذا إذا ما لن نقل بأن دوره كان حاسما في محطات كثيرة. وألم يسْلم، وعلى سبيل التمثيل، والتر مونديل بهزيمته في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، العام 1984، أمام الممثـِّل العجوز الآتي من هوليود رولاند ريغان، عندما قال: "إن السياسة الحديثة تتطلب إتقانا جيدا للتلفزيون. ومن ناحيتي فأنا أعترف بأن التلفزيون هزمني". وألم يكن التلفزيون وراء المكانة المشعـَّة التي نالها شارل ديغول في العالم؟ وألم يكن التلفزيون، ومن ناحية مقابلة هذه المرة، هو الذي أطاح بالديكتاتور العربي؟  تجدر الملاحظة إلى أن موضوعنا ليس هو التلفزيون في حد ذاته، وإنما موضوعنا هو دور "الإعلام الاجتماعي" في ثورات العالم العربي. ولذلك فإن الشاشة لم تعد منحصرة في التلفاز فقط، إذ ثمة شاشة الهاتف المحمول والكاميرات الرقمية وشاشة الحاسوب أيضا. والشاشات الأخيرة جاءت في سياق ثورة الاتصالات الحديثة، وكان تأثيرها أرجح ذلك أن أبرز ثورة يعيشها العصر الحالي هي ثورة الاتصالات التي تنمو بشكل متسارع بفضل التكنولوجيا المحكمة أو التقنيات الحديثة والمتطورة.

وقد أضحت شبكة الإنترنيت إحدى أهم وسائل التواصل الحديثة التي تسيطر على العالم بالنظر إلى ما تقدِّمه هذه الشبكة من معلومات في غاية من التنوع والسرعة جنبا إلى جنب الأخبار المباشرة بدورها ومن أصقاع الدنيا بأكملها وبما يجعلنا في قلب الحدث وبما يجعلنا أيضا في تشابك مع اللحظة... ودونما تدخل من الإيديولوجيا التي كانت تحضر في جميع مراحل الحدث بدءا من مواكبته وانتهاء بتقديمه ومرورا بصياغته... إلخ. بكلام جامع: صناعة الخبر، في شبكة الإنترنت، لم تعد تمر بمثل هذه المراحل ولم تعد تستجيب لها. ولعل هذا ما يبرِّر أيضا التشابك الهائل مع المواقع والمدونات الاجتماعية... التي تتيح للأفراد تشكيل خطاباتهم الخاصَّة. ولذلك فإن تأثير رسالة إلكترونية واحدة، ومن كلمات معدودة، وعلى موقع تويتر أو فيسبوك، أكبر ــ وبكثير ــ من عشرات الصحف المطبوعة مجتمعة كما بات مقرَّرا في الدراسات التي تدرس صلة الإعلام بالمجتمعات. وعلى هذا المستوى بالذات تكمن "قوة الإعلام الجديد"، أو "الإعلام البديل" كما نعته الأكاديمي كريس أتون، مقارنة مع "الإعلام التقليدي" المرتبط بمصادر القرار بحكم ارتباطه بمؤسسات الدولة الرسمية. وهذا بالإضافة إلى ارتباط هذا الإعلام بالشركات التجارية العملاقة والمؤسسات المالية... مما كان يجعله يراعي الخطوط الحمراء ويخدم مصالح الأطراف التي يرتبط بها. وقوة الإعلام البديل هي ما جعلنا نتحول من عالم متصل إلى عالم متصل بدرجة كبيرة كما قال الصحافي والكاتب الأمريكي نورمان فريدمان (Norman Friedman). و"وسائل الإعلام تقوم بأكثر من مجرد تمثيل عالم في الخارج: فهي تمنح طرقا مختلفة لإدراكه وفهم أفضيته. وأكثر من هذا فهي تحدث كذلك بيئات ذات وسائط وعلاقات تحتوي جغرافيتها المميزة على معان ضمنية مهمة في عالم اليوم" كما يقول مايك كرانغ (Mike Grang) في كتابه "الجغرافيا الثقافية".

غير أن أهم ما ستكشف عنه التكنولوجيا الحديثة أنها ليست بمعزل عن دعم الممارسات السياسية الديمقراطية، وذلك من خلال "المجال الرقمي" الذي ستولـِّده هذه التكنولوجيا. والمجال الرقمي هو "فضاء تمارس فيه السياسة بمعناها الأولي، فالمجتمع الذي كان هرمياً يقبع المواطن في قاعدته باعتباره مستهلكاً للمعلومة فحسب، أضحى مجموعة من الشبكات يشارك الفرد في إحداها على نحو ما. وشكـَّل الأمر تحدياً جديـّاً للديمقراطية في شكلها المعهود" كما يقول عفيف عثمان في مقاله "الحقوق الرقمية باعتبارها مكوّناً أساسياً للمواطنة المعاصرة في العالم العربي" (جريدة "الحياة": الجمعة، 15 يناير 2010). إن هذا الإعلام لا ينفصل عن الحياة الاجتماعية، وعن السياسة ولا حتى عن الإيديولوجيا باعتبارها دافعا للتفكير أو باعتبارها مجالا لإنتاج الأفكار التي تسعى إلى تحريك التاريخ. والأخطر ما في هذا الإعلام أنه فردي ما دام أنه ينطلق من أسفل إلى أعلى كما أسلفنا. ومن هذه الناحية بالذات استطاع أن يمثـِّل نبض الناس وأن يعبـِّر عن همومهم الجماعية.  وفي السياق نفسه يشرح أنطوني جيدنز، وفي مقاله سالف الذكر ("الديمقراطية")، أن "انتشار الديمقراطية قد تأثر بشدة، في المرحلة الأخيرة، بتقدم وسائل الاتصالات العالمية". ويضيف أنه "في عالم يقوم على وسائل الاتصال الفعالة، تفقد فيه السلطة المتصلة التي تتم من الأعلى إلى الأسفل (Top – down) قوتها"، ثم إنَّ "الاحتكار الإعلامي الذي يقوم عليه النظام السياسي ليس له أي مستقبل في ظل إطار حقيقي منفتح للاتصالات العالمية"، و"ثورة وسائل الاتصال قد أنتجت روح المواطنة الأكثر فاعلية وانعكاسية (أو استجابة آنية) (Réflexive) مما كانت عليه في الماضي".

والعالم العربي سيكون بدوره محكوما بالمجال العولمي المتمثـِّل بالتكنولوجيا الإلكترونية والانفجار الإعلامي وتعدد شبكات التواصل ووسائط الإعلام؛ وكل ذلك في المدار الذي سيجعل من "المعلومة"، وفي مختتم العقد الأوَّل من القرن الحادي والعشرين، طريقا... لكن، وهذه المرَّة،  نحو "الثورة" وليس "الثروة". هذا وإن كان الحضور العربي، ومن ناحية الإسهام في المجال العولمي هذا، لا يزال ضئيلا جدّا... بل ولا يمكن حتى مقارنته بما يحصل في بقاع عديدة من جهات العالم الأربع. وهذه حال بلدان العالم الثالث ككل بالنظر إلى الإنجليزية التي تستحوذ، اليوم، على 85 % من مصادر المعرفة في العالم كله. والإنترنت، الذي صار علامة على العصر، تسطير اللغة الإنجليزية نفسها، وفيه، على 80 % من مجموع مواقعه التي يبلغ عددها اليوم أربعة مليارات كما يشير إلى ذلك جون ستيل جوردون في كتابه "إمبراطورية الثروة" (2005).

لقد أفاد العالم العربي، بدوره، وفي حدود ما هو متاح له، من التكنولوجيا الإلكترونية. وتفيد الإحصائيات أنه بلغ إجمالي مستخدمي الإنترنت في العالم العربي في العام 2009 قرابة 40 مليون شخص. وهناك من يتصوَّر أن هذا الرقم تضاعف مع انطلاق الثورات التي عمـَّت العديد من أقطار العالم العربي. وفي هذا الصدد يمكن التركيز على التواصل الاجتماعي (الرقمي) باعتباره فتيل الثورات العربية، وباعتباره كاشفا عن تمفصل الإعلامي والاجتماعي أو الإعلام والمجتمع في عوالم الاتصالات والمعلوماتية. لقد بدا الإعلام الإلكتروني أكثر اتصالا بمشكلات الناس والمجتمع، وعلى النحو الذي بموجبه بدا الحديث عن نوع من "الإعلام الاجتماعي" أمرا واردا ومشروعا. وإذا كان النظام السوري، وكما هو متداول وعلى نطاق واسع، وكما أشرنا إلى ذلك في مقال سابق، قد دفن في مدينة حماة، وقبل ثلاثين سنة، ثلاثين ألف مواطن سوري، أو ما يقرب من خمسين ألف كما أفادت إحصائيات أخيرة، ومما جعل النظام، وبعد هذه "الهولوكست" كما نعتها البعض، يزدادا استبدادا وتغوُّلا، فإن الإقدام على عمل من هذا النوع، ومن حيث هو عمل إجرامي شنيع، لم يعد ممكنا في ظل "سيادة الشاشة". ومع أن نظام زين العابدين أسقط، وقبل أن يـُسقط به، ما يزيد، وبقليل، عن 200 قتيل فقط... فإن العالم، بأكمله، باشر، وشاهد، وتابع، ما حصل في تونس. والشيء نفسه يقال عن مصر ومع فارق في عدد الضحايا. فالإعلام البديل صار "فضـَّاح الطغاة" أينما كانوا في العالم.

وكما قال الكاتب فيصل عباس، في مقاله "نظرة متأنيّة إلى دور الشبكات الاجتماعية في ثورات الربيع العربي وسياقاتها" (جريدة "الحياة": الجمعة، 23 سبتمبر 2011)،  "ستخلد الثورة العربية لعام 2011 في التاريخ بوصفها الثورة التي تشكلـَّت من قبل وسائل الإعلام الجديدة وتكنولوجيا الاتصال الجديدة والتي لا تقتصر فقط على مواقع الإنترنت والمدونات والفيس بوك، بل تشمل كاميرات الفيديو والهواتف المحمولة والتي كان لها نفس القدر من الأهمية في نقل الصور والرسائل التي ساعدت على تعبئة وحشد الجماهير في احتجاجاتهم". ولهذا السبب لقـِّبت ثورات العالم العربي بأسماء من مثل "ثورة الفايسبوك" و"ثورة التويتر"... إلخ. هذا وإن كان لا ينبغي، وبخصوص هذه التسميات، أن نحتكم إلى أحكام الإعلام التقليدي وتصنيفاته، سيَّما وأنها لا تخلو من نبرة "تنقيصية" اتجاه "جيل الفايسبوك" بصفة عامة. الظاهر أن "ثورة الفايسبوك" نجحت في التفاعل مع الثورات العربية وسواء من ناحية اللغة التي لا مجال فيها لـ"البلاغة الثورية" و"المد اللفظي الثوري"... أو من ناحية الفاعل الذي لا مجال فيه لـ"الزعيم" و"القائد"... إلخ. ويلخص عبد اللطيف عدنان، في مقاله "الثورة العربية: السؤال والنظرة والنظرية، الفكرة قائلا: "كان للثورة العربية الفضل في استيلاد اصطلاحات جديدة تعبـِّر عن جدلية واندماغ الثورة التكنولوجية مع الثورة الجماهيرية. أصبح الحديث عن عدة فاعلين وراء الثورة أبرزهم المنشق السيبرنيتيقي cyber dissident الذي يظهر على الشاشة منكبّا على حاسوبه المتنقل lap top ويوزِّع مناشيره عبر فوتوغرامات داخل الفيسبوك ومن خلال هاتفه الخليوي" (جريدة "القدس العربي": 25/08/2011). ولعل ما سلف يعيد إلى الأذهان فكرة "الكفاءة الإلكترونية" التي تبدو مفهومة فيما يخصُّ الجيل الجديد الذي يبدو وكأنه خلق، وكما قال السيميائي الإيطالي إمبرتو إيكو (Umberto Eco)، من أجل الزر أو النقر على جهاز الكومبيوتر. وكما أن "جماعات الاتصال المباشر On- line" سيكون لها تأثير على مستوى الكشف عن "تفكير الجمهور العام" كما قال بيل جيتس (Bill Gates) في كتابه "المعلوماتية بعد الإنترنت".

غير أن لغة الفايسبوك لا تنحصر في "التعليق" أو "الكلام"... وإنما تفسح المجال لجميع أشكال "الخطاب" وبما في ذلك الأغنية الموجزة والمقتضبة والتي لا تحيد بدورها عن ما نسمـَّيه بـ"ديناميت الخطاب". وفي هذا الصدد من منـَّا لا يذكر أغنية "زنكا زنكا" الشهيرة التي حقـَّقت نجاحا هائلا وشاهدها، في لحظتها الأولى، سبعة ملايين شخص على اليوتوب. والأغنية، في الأصل، تعديل لخطاب للقذافي من قبل الموسيقي الإسرائيلي (من أصل تونسي) نوي الوشه. وكان هذا الأخير قد وصف أغنيته بأنها "أصبحت بطريقة ما صوت الثورة الليبية". ومن منـَّا لا يستحضر أيضا مغني الراب المغمور حمادة بن عمر (والملقب بـ"الجنرال") الذي سيطلع على الجماهير التونسية، وقبل أسبوعين من هروب بنعلي، بالأغنية "رايس البلاد" التي سيستمع إليها أكثر من مليوني مستخدم للإنترنت في أقل من خمسة أيام فقط. وهذا لكي لا تفوتنا الإشارة إلى صورة البوعزيزي، وهو يحترق أمام مقر ولاية سيدي بوزيد، التي كان لها، ومن قبل ومن بعد وفي الغضون إذا جاز أن نأخذ بأسلوب صبحي حديدي، وقع النار في الهشيم والسم في الأحشاء.

لقد استفاد المواطن العربي من الإعلام الإلكتروني، وكما أنَّه عبر هذا الإعلام سيتمكـَّن هذا المواطن من أن ينتقد الطاغية وبشراسة غير مسبوقة بل وحتى بسخرية. والمؤكـَّد أنه على هذا المستوى، بالذات، بدا المواطن العربي "فاعلا" وكما بدا ذا "نفوذ رقمي" لا ينفصل عن الحياة الاجتماعية والسياسة ولا حتى عن الإيديولوجيا كما قيل. وكل ذلك في المدار الذي جعل ما هو فردي يصبُّ في التقاط نبض الشارع وفي تمثيل مشكلات الناس. لأوَّل مرّة سيتمُّ التأكيد، وفي العالم العربي، على أن الأمر لا يتعلق بـ"قطيع إلكتروني" يختزل شبكة الإنترنت، ولا سيما من قبل الشباب، في مواقع الخلاعة والإباحة والقرصنة والإرهاب والتزوير والتشويه والسرقة والتهديد... وغير ذلك من الأشكال التي لا يزال الغرب يستند إليها لمواصلة "التنميط الاستشراقي الكولونيالي" وحتى "العنصري" تجاه العرب المسيئين لمكتسبات الحضارة والعلم والتكنولوجيا، وغير المؤهـَّلين للانخراط في العالمية والكونية والإسهام ــ من ثمَّ ــ في صياغة معاني العصر. وهل من باب المصادفة، وكما تفيد بعض التقارير، أن تكون تونس، وفي ظل تأخـُّر الوطن العربي ككل عن اللحاق بركب الثورة الرقمية، أوَّل دولة عربية (وحتى إفريقية) أدخلت شبكة الإنترنت العالمية عام 1991 مقارنة مع بلدان العالم العربي التي لم يصبح متاحا لها الإنتيرت، وإن في حدود، قبل منتصف التسعينيات؟ وهل من باب المصادفة أن يكون الشعب التونسي، وعلى الرغم من الرقابة البوليسية على مواقع الويب ذات الصلة بالسياسة وحقوق الإنسان، أوَّل شعب عربي يجبر واحدا من أفظع الديكتاتوريين على الرحيل وبالنتيجة إسقاط إحدى أفظع الأنظمة السياسية الفاسدة والمستبدَّة؟ وألم لم يكن لتكنولوجيا التواصل الاجتماعي الدور الأكبر على مستوى التعجيل بالإسقاط؟ وأليست مصر، التي اقتفت تونس في إسقاط الديكتاتور، هي البلد العربي الأوَّل الذي يستخدم الإنترنت على نطاق واسع؟

أجل هناك من يسجـِّل، وهو ما يبدو في وضوح تام، ضعف المحتوى العربي على الشبكة. وهو ضعف لا يتناسب ونسبة المتحدثين باللغة العربية بتراثهم وحضارتهم وآمالهم وتطلعاتهم المستقبلية. هذا بالإضافة إلى ما يسجـَّل، ومن ناحية المحتوى العربي ذاته، من "تشوَّه" نتيجة "غلبة الصفحات الدينية والإباحية" مقابل "غياب أو ضعف الصفحات العلمية والفكرية والأدبية والمواقع الاحترافية والتفاعلية". غير أنه، ومن هذه الناحية بالذات، أو على الرغم من هذا الضعف أو الغياب، تمكـَّن الإنسان العربي، ومن خلال "ثوراته المباغتة" التي أسقطت بأعتى الديكتاتوريات في العالم العربي، من أن يؤكـِّد إصراره على "السير مع نهج التاريخ" أو "الإمساك بزمام التاريخ" تبعا للعنوان الفرعي الذي ذيـَّل به الكاتب عمر الشارني كتابه (بالفرنسية) حول ثورة تونس. والظاهر أن فضائل التكنولوجيا تأكـّدت، في العالم العربي، وأكثر، على مستوى ما أتاحته من إمكانات للتواصل بجميع أشكاله وأنواعه وعلى النحو الذي لم يجعل شكلا يعلو على شكل آخر في أداء مهامه التواصلية الاجتماعية. وكما قيل عن أجهزة الكومبيوتر والإنترنت والهواتف المحمولة والكاميرات الرقمية... فإنها وجدت لتسهـِّل وتيسـِّر للإنسان والمجتمع حياته ورفاهيته... إلخ. وبما أن الإنسان، في العالم العربي، لم يبلغ شيئا من هذا القبيل... فإنه ظل يتطلـَّع إلى ما يحسـِّن من أوضاعه في عالم انتفت فيه الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية. ولم يجد أمامه من أداة، مناسبة، من غير الإعلام الإلكتروني الذي يتعذر فيه على الطاغية وقف زحف ملايين الرسائل والمعلومات. وكما تصوَّر بيل جيتس، في كتابه السابق، أن "التطبيقات الجديدة"، في ثورة الاتصالات، ستلبيي غالبا حاجات غير متنبأ بها حاليا. وفي حال العالم العربي كان هذا "اللا متنبأ" به هو الثورات التي أربكت الجميع.

لقد كانت شبكات التواصل الاجتماعي منحازة، ومنذ البداية، لمطالب الناس وفئات الشباب تحديدا. ولقد تأكـَّدت هذه المطالب مع انطلاق ثورات العالم العربي. وكلما كان الاستبداد يزداد إلا وكانت شبكات التواصل الاجتماعي تزداد نشاطا وتأثيرا، وعلى النحو الذي جعل الطاغية "عاريا" أمام أنظار العالم. وفي سوريا، التي جوبهت ثورتها بقمع لا مثيل له وغير مسبوق، بدا فيها الإنترنت أكثر من كونه وسيلة تواصل اجتماعي، "إنه الآن يكاد يشكل هوية وانتماء بكل معنى الكلمة، هوية لجيل يرغب الجميع في الانضواء تحت مظلته، وانتماء لعصر يخشى الجميع أن يُقصروا عن اللحاق به" كما قال الكاتب أنور بدر  في مقاله "الإعلام الإلكتروني وآفاق المستقبل العربي". لقد بدا تأثير الإعلام "حاسما" في العالم العربي، وما كان لثورات هذا الأخير أن تحقق مكاسبها إلا من خلال تشابكها المثمر مع شبكات التواصل الاجتماعي. وكما أن هذا الإعلام هو الذي كان وراء ما يمكن نعته بـ"عدوى ثورات العالم العربي". وعن طريق هذا الإعلام رحنا نسمع عن بلدات ومدن وقرى في العالم العربي وعلى وجه التحديد في البلدان التي كان القمع الدموي يتزايد فيها. فمن كان منـَّا يسمع عن سرت وبني الوليد ومصراتة وسبها... في حال ليبيا. ومن كان منـَّا يسمع عن دوما وحمص ودير الزور والقامشلي وتدمر ودرعه... كما في حال سوريا. بل ومن كان منـَّا، وفي حال سوريا نفسها، يعرف عن أنحاء من داخل حمص من مثل دير بلعبة والبيّاضة والخالديّة والغوطة والحمرا والإنشاءات وبابا عمرو وجورة العرايس والقرابيص وجورة الشيّاح والقصور والوعر وكرم الزيتون والنازحين والشمّاس وجب الجندلي... إلخ. وقبل هذا وذاك من كان منـَّا يعلم شيئا عن "الأيقونة" "سيدي بوزيد" التي كانت سببا في انطلاق ثورات العرب. لقد كان للإعلام دور لا ينكر على مستوى صياغة نوع من الهوية المشتركة في العالم العربي، وكان له دور على مستوى صياغة نوع من "الجغرافيا الإلكترونية" كما نعتها البعض.

وما لم يدركه الديكتاتور العربي أن "الزمن الذي كان يغلق فيه هارون الرشيد أبواب بغداد في وجه من لا يرغب فيهم" قد ولـَّى إلى غير رجعة، و"أن زمن إغلاق البلدان والاحتفاظ بالمفاتيح في الأقبية المظلمة" قد ولـَّى بدوره وإلى غير رجعة، و"أن المسدس ولو كان من ذهب لا يحمي الطاغية من الموت الذليل". والفضل، في كل ذلك، يعود إلى الإعلام الذي أخذ يناصر مطلب الحرية بشكل منقطع النظير، وكل ذلك في المدار الذي تمَّ فيه تقشير الديكتاتور، وبالكامل، من مظهره الفارغ، والخادع، وجعله، وبالتالي، وجها لوجه مع الشعب الذي هو مصمـِّم، وبلغة مطلبية واضحة، على "إسقاطه". وهذا ما جعل أنظمة عربية، وفي أوج الثورات، تعمد إلى إغلاق مقرات الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، بل وتعمد إلى قطع الكهرباء وشبكات الإنترنت ذاتها، وعن مدن بأكملها، حتى تمنع المتظاهرين من التهييء لتظاهراتهم في الشارع العام. وهو ما لم يفلح فيه أي ديكتاتور وسواء من الذين أجبروا على التنحي أو من الذين هم على مقربة من التنحي. لقد كان للشبكات الاجتماعية دور كبير، ولا سيـَّما بين أبناء الطبقات المتوسطة وذوي الوعي (ولو المحمود)، على مستوى نشر المعلومات الداعية إلى تنظيم المظاهرات وسواء في الداخل أو الخارج.

والمؤكد أن هذا ما كان قد حصل في الغرب ذاته الذي شهد أحداثا شبيهة بما حصل في العالم العربي وإلى ذلك الحد الذي جعل إعلاميين يتحدثـّوُن عن "ربيع غربي" على غرار "الربيع العربي". لقد كان تأثير الإعلام الإلكتروني، وفي حال بلدان محددة، بالغ التأثير والخطورة. وألم يطالب رئيس الوزراء البريطاني (ديفيد كاميرون)، وكما نقلت الصحافة العربية، بأنه "في حال استخدام الشعب وسائل التواصل الاجتماعي لممارسة العنف يجب وقفهم"، وألم يضف: "نحن نعمل مع الشرطة ووكالات الاستخبارات وأجهزة خدمة الإنترنت لمعرفة ما إذا كان منع الشعب من التواصل بعضه مع بعض عبر هذه المواقع الإلكترونية والخدمات هو تصرف صحيح، لا سيما حين نعلم أنهم يخططون لأعمال عنف واضطرابات وجرائم"... إلخ. ومن ثم: "ألم يستخدم اللغة نفسها التي استخدمها الرئيس السوري بشار الأسد" الذي "تحدَّث أيضاً عن العصابات الإجرامية التي يجب سحقها" كما قال عبد اللطيف عدنان في مقاله "الثورة العربية السؤال والنظرة والنظرية" (جريدة "القدس العربي": 25/08/2011). والظاهر أن التعتيم على الربيع الغربي، أو الحدث الدولي، امتدَّ داخل الكثير من كبريات قنوات التلفزيون العالمية ــ المرتبطة بالمؤسسات المالية الكبرى ــ التي أصرَّت على تجاهل ما يحدث، من تظاهرات، في مدن مثل باريس وأمستردام وروما وفيينا ومدريد  وسان فرانسيسكو وبوينوس آيرس وسانتياغو دي تشيلي... إلخ.

لقد انتهى عهد ما يمكن نعته بـ"الانغلاق" أو "التسييج الإعلامي"، ولا سيما بعد أن انتهى عهد التلفزيون الوطني، الذي بدا مهجورا مع انطلاق ثورات العالم العربي، أمام الدفق الهائل من الصور التي لم تعد في حاجة إلى أن نقارنها بصور أخرى (كما في عرف نقاد ما بعد الحداثة) وأمام السيل من المعلومات التي لم تعد في حاجة إلى وسائط أو صياغة. فالأهم صار هو "الخطاب" وسواء على مستوى المعلومة أو الصورة ذاتها (ولو المهتزَّة)، وكل ذلك في المدار الذي جعل الإعلام علامة على "التحرر" وعدم "الخوف". "الخوف"، وليس "الشرعية"، الذي كانت من خلاله أنظمة الاستبداد تضمن سيطرتها الشاملة، في صفوف الشعوب. وثمـَّة أيضا، ولعل هذا أن يكون الأهم أيضا، "المعطى العالمي" الذي أكـَّدته ثورات العالم العربي، وذلك بعد أن "أرغمت" هذه الأخيرة القوى العظمى على "التدخل" في البلدان المعنية بالثورات. وكان من المفهوم، بالنظر لمصالح هذه القوى، أن يتفاوت تدخلها، وعلى النحو الذي يجعلنا نميـِّز داخله ما بين "تدخل دبلوماسي عائم" و"تدخل عسكري حاسم". ويظل الخيار الثاني الوحيد والأوحد في حال بلدان النفط أو البلدان المجاورة لإسرائيل. وعلى الرغم من ذلك فإنه يمكن الحديث عن نوع من "الرأي العام العالمي" الذي راح يفرض ذاته في التعاطي لجميع ثورات العالم العربي، وليس من شك في أن الرأي الأخير كان له تأثيره في توسيع دوائر التعاطف مع الشعوب وفي إرباك الطغاة. ويظهر أن ماهر مسعود  لخـَّص الفكرة عندما قال في مقاله "الثورة في زمن العولمة": "فعصر الدول "الكانتونات" انتهى، ولم تعد "الحادثات الجسام" التي تجري في أي دولة شأناً داخلياً صرفاً، بعيداً من الرأي العام العالمي والتدخل الدولي، وليس ذلك دليلاً على تطور النزعة الإنسانية والبعد الأخلاقي في العلاقات الدولية بقدر ما هو دليل على تعقد المصالح وتشابكها في عالم "القرية الصغيرة" (جريدة "الحياة": الخميس، 25 أغسطس 2011).

وحتـَّى إن كنـَّا نرغب في التركيز، وأكثر، على التواصل الاجتماعي، فإن ذلك لا يحول دون التشديد على تأثير بعض الفضائيات. وكان، وللمناسبة، هذا التأثير قد أخذ في التبلور، وفي العالم العربي، منذ منتصف تسعينيات القرن العشرين الذي شهد بداية انتشار هذه الفضائيات داخل العالم الأخير. وحتـَّى داخل البلدان الأوروبية سيأخذ المهاجرون، من أصول عربية، في التعاطي للقنوات العربية الجديدة؛ مما سيشكـِّل مصدر إزعاج للحكومات الأوروبية. إجمالا: لأوَّل مرة ستتمكـَّن الشعوب العربية، ونتيجة هذه الفضائيات، من متابعة نشرات الأخبار المباشرة والبرامج الحية والحوارات الساخنة والاستطلاعات المؤثرة... وبمنأى عن "الحس الوطني"، أو "القومي"، الذي لا يرغب للمواطن، وفي عرف التلفزيون الوطني، في أن يكون أكثر من "متقبـِّل مصدِّق" لما يقدَّم إليه من "مواد إعلامية". ولذلك كان من المفروض على الفضائيات الجديدة أن تخضع، وبتفاوت، لسلطة الإعلام الجديد أو البديل حتـَّى تضمن لنفسها انتشارا واسعا في العالم العربي وخارجه. وهذا ما جعلها تفكـِّر في "المادة" التي تمكـِّنها من جلب الجماهير إليها وفي الوقت ذاته من التسوّيِق لخطابها، وهذا بالإضافة إلى الطريقة التي يمكن أن تعتمدها في تبليغ المادة نفسها. وبالنظر إلى سلطة الإعلام الاجتماعي، وعلى نحو ما عرضنا لها من قبل، لم يكن غريبا أن تكون المهنية شرط نجاح بعض الفضائيات. غير أن المهنية، وبمفردها، غير كافية؛ وهذا ما أكدَّته جميع الأحداث التي هزَّت العالم العربي منذ حرب الخليج حتى الآن. وإذا كان هناك من ذهب، وعلى سبيل التأكيد، إلى أنه "كان للإعلام الحر كالجزيرة والإعلام الجديد ولشخصيات كالإمام القرضاوي، أثر عظيم على حثِّ الناس على مواصلة مظاهرات التحرر" فإننا نتصور أن نجاح الجزيرة كان نتيجة المزج ما بين الأطراف الثلاثة ذاتها وأطراف أخرى سنقدم على ذكرها وإن ضمنيّا.

وقبل أن نعرض لجانب من الفكرة الأخيرة فإنه سيكون من الصعب عدم الإقرار بالدور الذي لعبته الفضائيات في تفجير ثورات العالم العربي، وكما سيكون من الصعب عدم الإقرار بريادة قناة "الجزيرة" (الإخبارية) وعلى هذا المستوى بالذات. ومصدر الريادة، هنا، ناجم عن العلاقة التي تفرَّدت القناة المذكورة في نسجها مع وسائل الإعلام الجديدة. وهذا ما جعل 40 مليون مشاهد عربي يشاهد الجزيرة (في نسختها العربية) في اليوم الواحد. ومن هذه الناحية لا يزال تأثير القناة أكبر، وبكثير، من تأثير الإنترنت الذي يستعمله العدد نفسه في العالم العربي. وتبعا لدراسة نشرها مركز "سنتر فور أنترناشونال ميديا آستسنس" (Centre for International Media Assistance) (الأميركي) "فإن "الجزيرة" تحقق في يوم، ما يتطلب جهداً على مدار 365 يوماً بالنسبة إلى الانترنت"  كما يذكـِّرنا فيصل عباس في مقاله "نظرة متأنيّة إلى دور الشبكات الاجتماعية في ثورات الربيع العربي وسياقاتها" (جريدة "الحياة": الجمعة، 23 سبتمبر 2011). وسيكون من الصعب الحديث عن الجزيرة في مثل هذا المقام، ويكفي التذكير بالدارسات الكثيرة التي أنجزت حول "أدائها الإعلامي" وفي المدار ذاته الذي يؤكـِّد مدى إسهامها في رسم "السياسة الدولية" ذاتها. وفي حال العالم العربي أكدَّت، وفي أكثر من حادث، على حضورها الوازن. وآخر هذه الأحداث حدث ثورات العالم العربي التي سيذكر التاريخ أن قناة الجزيرة كانت طرفا أساسيا فيها. وإلا ما الذي جعل الشارع العربي يتجاوب معها، بل ويحمل لافتات وشعارات تثني عليها.

ونجاح القناة، ومن ناحية ثورات العالم العربي، لا يكمن في كثرة مراسليها، وسيما إذا ذكـَّرنا بالمضايقات التي طالت هؤلاء المراسلين، بل ومنعهم من الوصول إلى أماكن الأحداث حتى لا تتم تغطيتها. نجاحها كامن في تحفيزها لكل مواطن حتى يتحول إلى "مراسل" يبعث إليها بما لديه من معلومات وصور... أو رسائل إلكترونية. وفي الحق لقد أصاب عبد اللطيف عدنان قال في مقاله "الثورة العربية السؤال والنظرة والنظرية" (وقد سلفت الإشارة إليه): "قناة الجزيرة تقدِّم نموذجا للإعلام الذي استفاد من درس الفيسبوك". ولذلك فإن التصور الذي يذهب إلى أن"الشعوب العربية لا تزال شعوبا تلفزيونية بشكل أساسي" قابل لأن يتـِّم الاعتراض عليه، ذلك أن قناة الجزيرة خطفت الأدوار ذاتها من الشبكات الاجتماعية. وهو ما تأكـَّد في حال المناطق، التي كانت الأشد تأججـّا، وفي مصر وسورية واليمن، ومن التي لا تتمتع بخدمات الإنترنت وتغطية شبكات الهاتف المحمول. ودور الجزيرة كان من ناحية الربط ما بين الشباب الثائر ومن ناحية الربط ما بين الشعوب العربية، وهذا على الرغم من نسب الأمية العالية في العالم العربي. والسرُّ في نجاح القناة نابع من اللغة المعتمدة ومن الصورة المصاحبة، ومن الأشخاص المتحدِّثين ومن غير المعروفين دائما. غير أن الملاحظ عن الجزيرة أنها لم تتوقف عند دوائر الإفادة من الفايسبوك فقط، وإنما تعدَّتها إلى أداء دور الفايسبوك أيضا. وتجدر الملاحظة إلى أن الجزيرة لم تلجأ إلى لغة الفايسبوك نتيجة المضايقة التي كانت تنجح دائما في مراوغتها، فاللجوء إلى هذه اللغة كامن في الاستراتيجيا ذاتها التي تعتمدها في التعامل مع المشاهدين.

والقناة، وفي مواكبتها لـ"الربيع العربي"، لم ترجـَّح كفـَّة "الانحياز" على "المهنية" و"الاحترافية" فقط وكما كنـَّا قد قلنا في مقالنا "على طريق الاستقلال الثاني". لقد تجاوزت الانحياز ذاته، في أحيان، ودخلت، بالتالي، "ملعب السياسة والتلوُّن في الرأي" إذا جاز أن نأخذ بلغة سعادة نورة الكعبي؛ ممَّا جعلها تكشف، وفي وضوح، التزامها بقضية ثورات شعوب العالم العربي. وهذا الالتزام كان يتأكد، وابتداءً، في طبيعة الأصوات المعارضة التي كانت القناة تنتقيها من الميادين وتمنحها فرصة التعليق الحر والمباشر؛ بل هناك من ذهب إلى أن القناة "كانت تقوم بفتح مايكروفوناتها للشارع دون تمييز خصوصا أثناء الثورة المصرية". وحتى في حال الديكتاتور وحين كانت تنتقي أقوالا من خطاباته كانت تردُّ عليها بصور منتقاة من الميادين، المجازر تعيينا، تهدِّم، وفي الحين، أقواله هاته بل وتسهم في تجريمه وفي تبشيع صورته. لقد تجاوزت الفضائية "المهمة الكلاسيكية للإعلام" والمتمثـِّلة في التغطية والسبق، بل وتجاوزت "الدعاية" ذاتها نحو "التحريض السياسي" ذاته. وكما يلخـِّص عبد اللطيف عدنان "أبانت هذه الفضائية على مهمتها كفاعل داخل الثورة وكمحرِّض جماهيري Agit prop فيها". ولذلك لم يكن غريبا أن يحمـِّل الديكتاتور العربي قنوات متعيـِّنة، وفي مقدَّمها "قناة الجزيرة"، مسؤولية ما جرى في البلد الذي ــ ظل ــ يحكمه لعقود، بل وأن يحمِّلها مسؤولية ما أريق من دماء في هذا البلد. فما قامت به قناة الجزيرة وقناة العربية، في نظر الديكتاتور السوري، "حرب إعلامية"... ومطلوب من "الجامعة العربية" إيقافها قبل البدء في "الحوار". وقبل انطلاق ثورات العالم العربي كان الديكتاتور بنعلي، وفي ابتزاز سياسي سافر، قد هدَّد المغرب بالاعتراف بجبهة "البوليزاريو" إذا ما لم يغلق هذا الأخير مكتب "الجزيرة" بالرباط. ومن ثمَّ: ألم يكن هذا الابتزاز ضمن العوامل التي أدَّت إلى الإغلاق؟

ولم يتوقف دور قناة مثل الجزيرة في التمهيد لثورات العالم العربي، وإشعالها وجعلها تنتقل من بلد إلى آخر؛ وإنما تعدَّت ذلك إلى إرغام الديكتاتور على الفرار أو الاستقالة أو الاختباء أو التدحرج نحو الموت. وذلك بعد أن جعلت لافتات وشعارات "ارحلْ" و"Dégage"... في الواجهة من مظاهرة تونس. وفي حال مصر قد يتذكـَّر كثيرون اللافتة التي كان يحملها مواطن عادي، في ميدان التحرير، وبعد أن كتب عليها (وبخط بدائي): "الجزيرة: خبر عاجل: محمد حسني يعلن استقالته"، وحصل ذلك قبل إعلان الاستقالة التي ستتحقق بعد يوم أو يومين فقط. وحصل ذلك أيضا بعد أن كان الإعلام الجديد قد وحـَّد فئات عريضة من المجتمع أو بعد أن دخل هذا الأخير "النطاق الأعرض" الذي يضمُّ الطبقة المتوسطة والمثقفة... وغير ذلك من ألوان الطيف الاجتماعي والسياسي والثقافي التي لم يعد يخفى عنها ما يحصل في العالم من متغيرات ونداءات ومطالبات باحترام حقوق الشعوب.

والمدخل الجديد، والسياسي في الوقت ذاته، للمطالبة هاته، لم يمر عبر الأحزاب والهيئات أو "الآلة السياسية" بصفة عامة، والصدئة بالمناسبة، التي كانت، وعبر تضافر إواليتي "التواطؤ" و"الاستسلام"، في أساس استمرارية الأنظمة وعلى حساب الشعوب. صار الدور مرتبطا بالفرد العربي ذاته الذي صار معنيـًّا بالثورات بـ"صفة شخصية" كما قيل، وصار المدخل هو الإعلام في صبغته الإلكترونية الاجتماعية المغايرة والمتحرِّرة من الرقابة. وقد تجاوز سقف المطالب حتى "الصفقة الديمقراطية" التي كانت، وتبعا لأحد دارسي "التحرك نحو الديمقراطية في الوطن العربي" (جان ليكا)، قرينة "إقناع ركاب القطار الأول بالقبول ببعض التضحيات" التي هي كانت بدورها قرينة "منح منفذ إلى السلطة للنخب الجديدة"؛ وهو ما كانت لا تقبل به الأنظمة، ذلك أنها كانت لا تؤمن، وأصلا، بـ"العملية السياسية". صار المطلب "جذريا" ولا مجال فيه لقطار أول وقطار ثان. بكلام جامع: صار المطلب هو "التغيير" وليس "الإصلاح". والمؤكد أن الديكتاتور العربي لم يكن يتصور أن تحصل مثل هذه المتغيرات وانطلاقا من الإعلام البديل ذاته الذي راح يتيح إمكانات هائلة على مستوى التواصل الاجتماعي المفتوح. ذلك أنه كان قد تشبـَّث، وبعناد، بالأسلوب الإعلامي الأحادي الذي لا مجال فيه للصوت الآخر لكي لا نقول المعارض الذي أجهز عليه حتـَّى قبل أن يأخذ في التشكـُّل والامتداد. وقد ظل الديكتاتور على هذه الحال إلى أن صدمته الشعوب العربية بعد أن برهنت على "قابليتها للثورة"، وذلك من خلال سلسلة من الأحداث المتسارعة، التي هزَّت الشارع العربي وأربكت الديكتاتور، وأكدَّت له، وبالملموس، إرادة الشعوب الجماعية الحرة التي راحت تؤكدها وسائل الإعلام الجديد أو البديل التي برهن من خلالها الفرد على قدرة عالية على مستوى التفاعل مع هذه الأخيرة، وذلك عن طريق تحميل أشرطة الفيديو وإنشاء المدوّنات ونقل الأخبار، وعلى النحو الذي لا تنفع معه الرقابة.

أجل لقد كان الديكتاتور يعي، وجيـِّدا، خطورة الإعلام الجديد. ولذلك سعى إلى أن يناور من داخله وبما يلمـِّع صورته لدى رعيته وباعتباره سلطانا لا يعلو عليه سلطان آخر. وفي هذا الصدد يمكن أن نشير إلى فضيحة صحيفة "الأهرام" المصرية التي ذكـِّرنا بها البعض في سياق الحديث عن "إعلام ما قبل ثورات العالم العربي". وكانت الصحيفة المشار إليها، وقبل عام واحد من الإطاحة بالديكتاتور المصري، وعلى وجه التحديد في الثالث من أيلول/سبتمبر 2010، قد أجرت، وعبـْر استخدام "برنامج فوتوشوب" لتحرير الصور، مونتاجًا وضعت فيه مبارك بدلاً من أوباما في مقدمة صورة جمعتهما، في قمة شرم الشـيخ للسـلام، مع ملك الأردن ورئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ونتنياهو. غير أنه سرعان ما اكتـُشِف المقلب، وذاع أمر الفضيحة من قبل "جيل الفيسبوك" الذي نشر الصورة. المؤكد أنه لم يعد من مكان، في الإعلام الجديد، لمثل هذه "الأخبار"، ولا لأخبار، وكما يذكـِّرنا البعض، من نوع خبر الفلاح العراقي البسيط علي عبيد منقاش الذي أسقط، وفي قريته البعيدة عن بغداد، وفي الأيام الأخيرة من نظام صدام حسين، طائرة "أباتشي" الأميركية ببندقيته الإيطالية "برنو" التي ظل يحتفظ بها منذ أيام الحرب العالمية الأولى. ولم يعد هناك أيضا من خبر من مثل مؤامرة البوعزيزي مع الشرطية فايدة حمدي التي أفضت إلى الحريق العربي. لقد ملـَّت الشعوب العربية من الإعلام الرسمي والحكومي الذي ظل هاجسه الوحيد والأوحد هو تثبيت الوضع لا غير ووفق منظور أمني صرف وكيف أن الديكتاتور خير للأرض والسماء. وخطورة الإعلام البديل كامنة في أنه لا ينفصل عن الحياة الاجتماعية والسياسة... إضافة إلى أنه إعلام فردي كما أسلفنا. وهذا ما جعله لا يمثـِّل نبض الناس وهمومهم فقط، وإنما يسهم في خلق "فضاء عام جديد" مرتكزه الشارع وهدفه الارتقاء بالمجتمع إلى السياسية. ثم إن أقوى ما في وسائل الإعلام الجديد أنها خارج سيطرة الأنظمة، ثم إن أي أسلوب لحجب المواقع يجابه بأسلوب تقني عصري ينسف المنع من أساسه ويبطل مفعوله. وكأن الفرد العربي، وفي مثل هذه الحال، تمكـَّن من التحكم في "ميتافيزيقا التقنية" إذا جاز أن نتكلم بلغة فلاسفة الاختلاف. فوسائل الاتصال لم يعد ممكنا التحكم فيها كما كان يفعل الاستعمار في أوَّل خطوة كان يقدم عليها داخل البلد المستعمـَر، وذلك حين يتعمـَّد تخريب هذه الوسائل حتى يتمَّ التستـُّر على جرائمه.

وهذا التحول، الذي كان المواطن العادي أو البسيط أوَّل مستفيد منه وــ في الوقت نفسه ــ أوَّل داعم له، ما كان له أن يتحقق لولا "الاستبداد الفولاذي" الذي انتهجته الأنظمة العربية وعلى مستويات عدَّة ضمنها السيطرة على جميع وسائل الإعلام وتسخيرها لخدمة الطاغية ودونما ترك أي هامش للأصوات المعارضة حتـَّى تعبـِّر عن مطامحها السياسية المشروعة وكل ذلك في إطار من المطلب الجامع الذي هو مطلب "التحرك نحو الديمقراطية" الذي سيصير مطلبا شعبيا وليس مطلبا نخبويا فقط. ولذلك كان من المحتـَّم أن تلجأ شرائح المجتمع ككل إلى "الإعلام البديل" الذي سيمكـِّنها من رفع صوتها. وكما قلنا في مقال سابق  لقد ظلت عوامل الثورات تعمل في الخفاء إلى أن فعلها البوعزيزي (وغير المتآمر، طبعا) من خلال النار التي أضرمها في جسده وــ في الوقت ذاته ــ في العالم العربي ككل، وعلى النحو الذي جعل العالم الأخير يتحسـَّس، وبعد عقود بأكملها، أولى، خطواته على "طريق الاستقلال الثاني". وكما قال كارل ماركس "يصنع الرجال تاريخهم، لكنهم لا يصنعونه كما يشتهون؛ لا يصنعونه في ظروف يختارونها بأنفسهم، بل في ظروف تنشأ مباشرة عن الماضي وتنبثق منه". ثم "إن الشعور بالعار طريق الثورة" كما قال ماركس نفسه.

وكان المدخل لما سبق هو الإعلام ذاته الذي لم يجد الطاغية بدّا من التموضع، و"الإجابة" بالتالي، ولو بكثير من المناورة، بعد أن أحسَّ بـ"صوت الشعب" الذي يحاصره من جميع الجهات ويطالبه بـ"الرحيل الفوري". في هذا السياق أخذنا نسمع الطاغية، وبعد أن بدت عليه علامات الذهول، وهو يردِّد، ولأوَّل مرَّة، وفي التلفزيون الذي استحوذ عليه، ونذره له، عبارات من مثل "يا شباب" و"فهمتكم" و"أحترمكم" و"أحاوركم"... إلخ. وكل ذلك إلى أن ختمها الطاغية، ونتيجة الضغط المتسارع للشارع، "لا أنوي الرئاسة" و"لم أكن أنوي الرئاسة"... وصولا إلى "لا رئاسة مدى الحياة". والمؤكد أن الطاغية لم يكن مصمـِّما على الحكم مدى الحياة فقط، وإنما كان مصرّا أيضا على نقل الحكم إلى الأبناء. فالحاكم/ الفرد، هنا، يعلو على النظام، مثـلما أن النظام يعلو على المجتمع. وفي جميع الأحوال تغيب الدولة، بمؤسساتها، التي من المفروض أن تحمي المجتمع. وفي جميع الحالات فإننا بصدد "حالة إكلينيكية" قبل أن تكون "حالة رئاسية"، وإننا بصدد "حالة رئاسية" قبل أن تكون "حالة سياسية"؛ ولعل الأهم" إننا بصدد "حالة غير مسبوقة" ولو في "الحد الأدنى" من السياسية.

فالصورة كان لها تأثيرها الأعرض على مستوى إجبار الطاغية على التنحي، مثلما ظلت تطارد الطاغية الذي أصرَّ على عدم التنحي. وفي حال "الزعيم" القذافي كان الأهم هو الصورة ذاتها أو كان القتال، وبمعنى من المعاني، حول صورة محددة ومعينة... لكن شريطة أن تكون "واقعية". وكانت الصورة النهائية للزعيم، وهو مضرج بدمائه، عنوان عريض على نهايته الدرامية، مثلما كانت الصورة نفسها هي التي ألهبت مشاعر الشعب وجعلته يحتفل بل ويعلن بأن العالم بأكمله تخلص من القذافي. وفي جميع الأحوال لم نكن بصدد سيل من الصور، وإنما بصدد صور معدودة ومتشابهة فيما بينها. صورة لا تسعى إلى أن تتفوق على الحدث أو أن تعوِّضه، صورة تصرُّ على "واقعية الحدث". ولعل ما في الصورة الأولى، التي ظهر فيها "الزعيم" وهو يخاطب "الجرذان" (كما نعتهم)، والصورة الأخيرة، التي انتهى فيها، وحسب رواية من الروايات، كجرذ داخل مجرى مائي، ومقتولا فيما بعد وبطريقة بشعة، لدليل على انتقام الصورة ذاتها. وكما أن ما بين الصورة الأولى التي ظهر فيها نجل القذافي  سيف الإسلام، وهو يهدد "الثوار" بـ"أصبعه"، والصورة الأولى التي ظهر فيها بعد إلقاء القبض عليه، وبدون الأصبع ذاته، بل والأصابع الأمامية بأكملها، لدليل على مواصلة "انتقام الصورة".

وكما يقول النقد الفوتوغرافي، وفي مبادئه الأولية، لا مجال لـ"المصادفة" و"التلقائية" و"الميكانيكية" في مجال الفوتوغرافيا. ولذلك فإن موت القذافي كان سيكون مغايرا لو أنه لم يتم الاحتكام فيه إلى الكاميرا في نقلها لـ"المشهد الإجمالي" لوليمة القتل. كانت تلك أوَّل مرَّة يظهر فيها الطاغية وحيدا بلا حارسات وبلا نظارات وبلا باروكة... وبلا بهلوانيات وحماقات... فيما الرأس مشدود إلى الخلف، وفيما الدماء تسيل من الرأس والوجه والعنق. أجل لا تزال تفاصيل القتل غير معروفة، مما جعل البعض يتحدث عن "فجوة رقمية" أو "فجوات" في "الصورة الإجمالية". فعلى مدار الساعتين اللتين فصلتا ما بين لحظة إلقاء القبض على الزعيم ولحظة قتل الزعيم نفسه جرت أشياء كثيرة لم نتمكـَّن، وحتى الآن، من الاطلاع عليها "فوتوغرافيا"؛ ممـَّا جعل التخمين مشرعا على الوجه المعفـَّر بالدم والتراب وعلى السحل (في أحد أزقة سرت) والاغتصاب... وأشياء أخرى تعرض له "ملك الملوك". وهذا لكي لا نشك في الصورة الختامية التي بدا فيها الزعيم "جثة على فراشة وسخة من المطاط في براد للحوم الماشية" ولـ"العرض" وعلى مدار ثلاثة أيام. ما حصل لـ"الزعيم" أتاح ما يعبـَّر عنه بـ"الشعور بالصورة". و"تتلخص المصداقية الكاملة للصورة في العصر الرقمي في الشعور بالصورة، والظروف التي التقطت فيها هذه الصورة" تبعا لفيليب كينيكوت وفي أثناء الحديث عن صورة القذافي ذاتها. والصورة انضافت إلى صورة مقتل صدام حسين وصورة مقتل تشاوسيسكو، وصور هؤلاء جميعا لا يمكن القفز عليها في سياق قلب ملفات الديكتاتور. 

غير أنه، ومن ناحية الصورة ذاتها، كان ثمة قراءة أخرى مغايرة. وفي منظور القراءة الأخيرة كان من الأفضل محاكمة الديكتاتور، ومعنى ذلك التخلي عن صورة الدماء والقسوة والانتقام (من قبل الثوار) لفائدة صورة الإهانة والإذلال أمام منصة القضاء. وهي صورة كانت ستؤثـِّر بدورها على الجماهير. ولعل هذا ما تحقق في حال الرئيس المتنحي مبارك حسني الذي كانت الصورة قد انتقمت لنفسها لحظة محاكمته. وكان الكاتب المصري عزت القمحاوي قد خصَّ الموضوع نفسه بمقال دال بدءا من عنوانه "الصورة تنتقم لتاريخها المهدور"  ("القدس العربي": 15/08/2001). ولم يكن الأهم هو المكان الذي جرت فيه محاكمة مبارك وبما يؤكد على انتقام المكان أيضا، وسيـَّما إذا ما ذكـَّرنا بأن جلسات المحاكمة جرت، وتحت حراسة أمنية مشددة طبعا، في أكاديمية الشرطة بضاحية القاهرة الجديدة في شرق العاصمة المصرية وهي أكاديمية كانت حتى الحادي عشر من فبراير 2011 تسمى "أكاديمية مبارك للأمن". الأهم كان في الصورة ذاتها ولمبارك تعيينا، وهو في قفص الاتهام، وبحضور نجليه علاء وجمال المتهمين بـ"الفساد المالي"؛ وهو ما لم يصدقه كثيرون بل وجعلهم يفركون أعينهم لعدم تصديق الحدث. ولقد نشرت صورة مبارك، وهو في قفص الاتهام، في جميع أنحاء العالم. ولم يكن الأهم، في نظرنا، نفي مبارك لجميع الاتهامات الموجهة إليه، ولا تصرُّفات نجليه أمام الكاميرا تحديدا. كان الأهم هو، وللمناسبة، القاضي أحمد رفعت عندما نادى عليه وبصوت مرتفع: "المتهم محمد حسني السيد مبارك"، وكان الأهم كذلك هو امتثال المتهم، بقتل المتظاهرين، للقاضي بـ"حاضر يا أفندم". إنها الصورة التي يصفق لها الأموات قبل الأحياء كما يقال. أجل تمثـِّل المحاكمة انتقامًا لشعب أهدرت أبسط حقوقه على مدى ثلاثين عامًا، غير "أن ظهور مبارك في القفص جاء تعويضًا للفوتوغرافيا عن تاريخها المهدور مع رئيس كرهته الكاميرا" كما قال عزت القمحاوي.

ولم يكن التلفزيون بمفرده في الخط الأمامي من الإصرار على إذلال الرئيس المخلوع، ذلك أنه حتى الإنترنت دخل على الخط. وفي هذا الصدد يمكن أن نشير إلى استطلاع الرأي الذي أجرته مؤسسة "You Gov" البريطانية للأبحاث الذي كشف عن أن 67 من الشعب المصري يريدون توقيع عقوبة الإعدام على الرئيس المخلوع في مقابل 22 فقط ممن يعارضون ذلك الحكم. وأشار الاستطلاع إلى أن نسبة العينة التي شاركت في الاستطلاع على الإنترنت بلغت نحو 1000 فرد في الفترة ما بين 5 و7 آب/أغسطس الجاري" (نقلا عن "القدس العربي": 09/08/2011). فلأول مرَّة سيتم التخلص من لعنة "التسعات الأربع" التي كانت تلازم المواطن العربي؟ فمن ناحية "الإعلام البديل" فقد امتدَّت الثورات إلى الصورة ذاتها وفي دلالة ليس على مستوى دور الصورة في "تصوير الثورات" أو "سرد الثورات" فقط، وإنما في دلالة على "فاعلية الصورة" أيضا؛ وكأن الثورات، وبمعنى من المعاني، مجرد "تطبيقات" للإعلام البديل. فالصورة أضفت على الثورات أبعادا أخرى قد لا تكون واضحة ميدانيا. من الجلي، إذا، أن "دور الصورة" لم ينحصر في "قول الثورات" فقط، وإنما في "إقامتها" كذلك. ومن ثم منشأ نوع من "سياسة الصورة"، وهي سياسة "مزدوجة" أو "مضاعفة" طالما أنها تسعى إلى أن تجمع ما بين "القول" و"الفعل". ومن ثم فإن الثورات بالصور ليست هي الثورات بدون صور، ومن فإن من يملك الصورة يملك الثورة أيضا. وقد يعترض معترض، هنا، من أن العالم العربي كان قد شهد ثورات قبل أن يظهر ما يُعرف ــ في زماننا هذا ــ بـ"الإعلام الاجتماعي" (Social Media)، وحتى الثورة الإيرانية كان "شريط الكاسيت" قد لعب دورا كبيرا فيها كما لاحظ الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو الذي تمَّ انتدابه مراسلا لتغطية الحدث. قلنا إن العالم العربي كان قد شهد ثورات، غير أنها كانت متفرقة ولم تبلغ حد اقتلاع الديكتاتور عن طريق إرغامه على الهرب أو المثول أمام القضاء أو الموت الذليل.

لقد بدا جليا أننا ركـَّزنا على دور الإعلام البديل في ثورات العالم العربي، وعلى النحو الذي أفسح المجال للإعلام الإلكتروني الاجتماعي للدخول في صناعة الحدث. ولكن مع ذلك تجدر الملاحظة إلى أن الإعلام وحده لا يصنع التغيير الذي بلغ حد التحول في العالم العربي. "فالتغيير هو نتاج إرادة عامة، يحركها دافع الناس الطبيعي نحو هذا التغيير، والإعلام إنما هو أداة من مجموعة أدوات" كما علـَّق وائل عبد العال في مقال "ديناميكية الإعلام الجديد" (وهو منشور في شبكة الاتصال الدولي). غير أن "هذه الإرادة بدون وسائل الإعلام الجديد قد لا تساوي شيئاً، والعكس صحيح! فما جرى هو نتاج عوامل تكاملت، تفاعلت مع بعضها لتنتج لنا تغييرا بأسلوب لم يعهده عالمنا العربي من قبل" كما يعترض صاحب المقال نفسه. وتصور من هذا النوع جدير بأن يجعلنا نتلافى السؤال حول ما إذا كان دور الإعلام جزئيا أم محوريا في حال ثورات العالم العربي، وهو سؤال اختلف محلـِّلون كثيرون حوله. أجل إننا نعيش عصر المعلوماتية، وأن تقنيات الإعلام البديل تحتـَّل حيزا مهمّـا في الحياة اليومية للأفراد، وأن دور الإعلام بارز على مستوى صياغة الصورة الذهنية وتوجيه الرأي العام... إلخ. غير أن الأساس أن تقنيات الإعلام تظلَّ، وفي النظر الأخير، وكما نبـَّه إلى ذلك مارشال ماكلوهان في كتابه "فهم وسائل الإعلام" (1964)، "امتدادا للإنسان". وأجل لقد كان دور هذا الإعلام أساسيا وحاسما في التمهيد لثورات العالم العربي وانتشارها ــ وبتفاوت ــ في العالم العربي؛ غير أنه سيكون من باب النظرة التجزيئية أو البعضية أن نلخـِّص ثورات العالم العربي، ومن ناحية عواملها ونتائجها وتجلياتها، في الإعلام بمفرده. فثمة الجيش الذي تمسـَّك بقدر من "الوطنية" كما في حال تونس ومصر، وثمة "الناتو" الذي لم يتأخـَّر في التدخـُّل كما في حال ليبيا وإلى الحد الذي أفضى بالديكتاتور الليبي إلى مصيره الدرامي الذي شاهده العالم بأجمعه (والتدخل الدولي يبدو الأرجح في حسم ثورتي سوريا واليمن)، وثمة "صلاة الجمعة" بشحنتها الدينية، وحتـَّى التنظيمية  كما يضيف البعض، كما في حال بلدان عربية عديدة وسواء من التي تحقق فيها الشوط الأول من الثورة أو من التي لا تزال فيها الثورة لم تقطع بعد هذا الشوط. غير أن الأهم، وإذا جاز أن نخضع لنوع من النظرة التراتبية، هي الشعوب التي صنعت الحدث. وعلى الرغم من الأهمية البالغة لجميع هذه العوامل فإنه بدون الإعلام ــ وكما تحدَّتنا عنه ــ ما كانت ستكون ثورات العالم العربي أو ما كانت ستكون وبـ"الحدة السياسية" ذاتها التي ظهرت بها.

 

جامعي وأكاديمي من المغرب