يحاول القاص الجزائري الشاب الغور في أعماق الشخصية القصصية عبر سرد بضمير المتكلم وكأنه يحدث نفسه مصورا لحظة إطلاق سراحه من السجن بعد قضاء فترة حكم لجريمة تبدو عادية، أو لا يفصح الراوي عن طبيعتها مركزاً على تنكر العائلة والمجتمع والمحيط في قسوة لا إنسانية تستثير فيه إرادة الحياة والعيش من جديد.

قسوة مجتمع

أسامة طبش

أهم بالخروج من سجني الآن، لم أجد أحدا في استقبالي، ربما كنت أتوهم ذلك، 10 سنوات رميت في زنزانتي ظلما وعدوانا، لا زوجة ولا أولاد ولا صديق يسأل عني، كنت أذبل يوما بعد يوم، أقاسي مرارة وحشة الوحدة؛ لوعة الفراق مضافة إلى لوعة السجن.

وقفت أمام باب السجن أرقب سيارة تقلني إلى منزلي، نعم لا زلت أؤمن أنه منزلي وعشي الذي آوي إليه، ليس لي ملجأ ولا ملاذ غيره، فهو الذي بنيته بجهدي وعرق جبيني طيلة سنوات شبابي، عمري الآن خمسون سنة، أشتعل الرأس شيبا واحدودب ظهري، صرت كعجوز أوهنته سِنون العذاب، أوقفت سيارة، بالكاد وافق صاحبها أن يكلمني متوجسا من مظهري، بعد أن توسلت إليه مرارا وتكرارا، ها هو ذا يرأف بحالي ويوافق على اصطحابي.

بيتي كما هو، الشيء المتغير فيه ربما لون الطلاء وبعض الروتوشات على الشرفة، طرقت الباب في المرة الأولى، لا مجيب، ثم عاودت ثانية وثالثة، هممت بالانكفاء راجعا محني الرأس مكسوف البال، وفجأة فُتِحَ الباب، تهلل وجهي عندما رأيت فتاة صغيرة لا يتعدى عمرها الخمس سنوات، ربما كانت حفيدة لي من إحدى ابنتي، ركضت إلى باحة المنزل، بعد هنيهة أطل رجلٌ طويل القامة عريض المنكبين، يبدو على تقاسيم وجهه آثار الانزعاج.

-                   المعذرة، هل هذا بيت فلان؟

قطب جبينه وحد بصره في عيناي وأردف قائلا:

    - لا أعلم شخصا بهذا الاسم.

أغلق الباب في وجهي، لم يعجبه سمتي قطعا،  أخبرني أحد الجيران فيما بعد أن عائلتي قد غادرت البيت بمجرد صدور حكم السجن في حقي، كنت قد كتبت البيت  باسم زوجتي، لقد فقدت كل شيء الآن.

انقشعت كل الأوهام من أمامي، صدمتني الحقيقة المرة وبدأت أتجرع كأسها جرعة بعد جرعة، منذ العاشرة صباحا وأنا أهيم على وجهي في أزقة المدينة، لا مأكل ولا مشرب، سكون الليل يخيم عليها الآن، وهنت قواي لدرجة أن قدماي لم تعد  تحملان جسمي الهزيل، فجأة ربتت يد على كتفي فاستدرت ملتفتا، يا للقدر السعيد، حمد لله، إنه أعز أصدقاء طفولتي، انقطعت بيننا الاتصالات لفترة ما لظروف أجبرته على اتخاذ مدينة أخرى لأعماله التجارية.

 احتضنته بقوة دون شعور مني، قصصت عليه كل ما مر بي من معاناة ونحن في مطعم كنت أحاول  استعادة بعض دماء الحياة في عروقي، أقترح علي أن أرحل وأساعده في تجارته، وافقت دون  تردد، فأنا محاصر بضيق ذات اليد، لقد انفتح لي باب الفرج مرة أخرى، قررت منذ تلك الوهلة أن أهجر مدينتي وكل ما فيها من تفاصيل، قررت أن أنسى ذكرياتي فيها وأنا أقضي أعز سنوات عمري، إنه القدر المحتوم الذي حل بي، فقد لفظت دون أي جريرة أرتكبها ، قررت أن أطلق حياتي الأولى، الأمر ليس بالهين ولا السهل على الإطلاق، لكنني سأسعى لذلك بكل ما لدي من قوة، لم أجد من يحتضنني في وقت محنتي العصيبة، حتى أقرب الناس تخلوا عني، زوجتي وابنتاي، ربما هُنَّ الآن يخجلن من ذكر اسمي، بل ربما تم اختلاق كذبة ما لمحو ذكرى وجودي.

عندما تزوجت كنت دون عائلة ، وكأنني اتخذت المعاناة صديقا حميما لي، لطالما عشت حياة مشتتة، فوالداي انفصلا منذ نعومة أظفاري، افتقدت دائما للدفء العائلي، بزواجي شعرت أني قد ولدت من جديد، عشت سنوات رائعة، أحسست فيها بكل معاني السعادة وأنا أرى فلذتا كبدي تكبران أمامي، وإذ بتلك المصيبة تسقط على رأسي وتقصم ظهري، كل من أعرفه كان يتجهم ويرمقني بنظرة اتهام، فكنت أصرخ وأبكي، كبت ألمي في سويداء قلبي، أخفيته ولازلت أخفيه، عاهدت نفسي أن لا أنحني إلا للذي خلقني.

هي حياة مؤلمة جديدة إذا، إنها قسوة المجتمع الذي لا يغفر الزلة وهناك الكثير مثلي، أجبرت على تغيير نمط صيرورتي، قررت أن أبدل رداء الذل والانكسار برداء الإرادة  في بدء المشوار، لازال أمامي الكثير لأنجزه، حرمت أجمل سنوات عمري، لكنني لن أستسلم بل سأرفع التحدي، سأقاوم كل  الصعاب كي ألج طريق النجاة من جديد، لن أنكس أعلامي ما دام قلبي ينبض، وما دمت أنشد الأمل في الغد المشرق.

 

كاتب جزائري