تبدأ مفارقة هذا النص للقاص التونسي من العنوان، في لعبة سردية تبدو للوهلة الأولى شكلية، لكن ما أن يكمل القارئ النص حتى يحس بالمرارة والحزن لما تخبره القصة عن قسوة الإنسان وأية قسوة هي قسوة الأبناء الجاحدين. والنص محكم البناء مكثف يشف عن حساسية إنسانية نبيلة تثير أسئلة وجودية.

أنا عبد الفتّاح، ولا أحب عبد الرحيم

إبراهيم السبكي

مرحباً،
أنا اسمي عبد الفتّاح ولا أعرفُ كمْ عمري. لا أعرفُ كذلكَ ماذا أفعلُ هنا، بالأحكمِ، في نصّ كاتبٍ في صمتٍ هذا. أعرفُ فقط اسمي، عبدَ الفتّاح، هكذا يناديني الكاتبُ، وأنت أيضاً تستطيعُ مناداتي عبدَ الفتّاح. 
لا أدري من الذي أوعزَ للرّجلِ هذا النّص! فالفكرةُ فكرتي، والتنفيذُ تنفيذهُ. في الواقع، إنّ منْ أوحَى إليهِ بالفكرة، لستُ أنا، بل هوَ عبدُ الرحيمِ، صراحةَ، أنا لا أحبّ هذا الرجلَ، قطعاً، لا أحبّ عبدَ الرحيمِ. منهُ اهتدى الكاتبُ، فيما أحسبُ، إلى الفكرةِ. فكرةَ النّص.
النّاسُ هنا في الدّاخلِ، أنواعٌ وأجناسٌ وألوانُ. عندما تسْرحُ ببصركَ يَمنةً، تلتقطُ امرأةً مسنّةً ما تجلسُ قدّام البحرِ، على الرّغمِ من برودةِ المكانِ، تقتعدُ وحيدةً الرّملَ الباردَ، فيما العصا تهشُّ بها على الرّملِ. ثمّ إنّكَ عندما ترجعُ البصرَ يسرةً ترى ادريسَ بوجههِ الإهليليجيّ وعبدَ اللهِ ومحمّداً، أصدقاءٌ لي يلعبونَ كرةَ المضربِ على مقرُبةٍ. ربّما، أعترفُ، أنّ هنالكَ بعضَ الفضوليّين والأشخاصِ الحشريّينَ كذلكَ، على بعدِ مائةِ مترٍ منْ هنا، المسافةُ لمْ أحسبْها، بيْد أنّني أقدّر فقطْ. أسماؤهمْ، نظراً للبعدِ، لا أعرفها!
أقولُ إنّ هؤلاءِ القومَ، أعْني، أصدقائي، قدْ أتوا، سئموا من اللعبِ فأتوا، هيَ مسألةٌ جرتْ بها العادةُ منذُ أمدٍ. أستطيعُ ببساطةٍ أنْ أغمضَ عيْني وأقولَ لكمْ إنّ عبدَ الله قدْ أتى أولاً، يتبعهُ ادريسُ، ومنْ ثَمّ، بمقتضى الحالِ، محمدٌ. القومُ هنا يتنابزونَ ويتضاحكونَ، فيما أنا السّاردُ عبدَ الفتّاح، يُشغلُني أمرٌ ما، أمرُ هذا النّص الكابسِ، أفترضُ على أنّ المرأةَ التي كنتُ قدْ أوضحتُها مليّا بنظرٍ عميقٍ قبلَ قليلٍ، لمْ تبرح المكانَ منذُ فترةٍ، هذا كثيرٌ على مسنّةٍ مثلُها، أقولُ بصوتٍ مرتفعٍ هذا كثيرٌ، فينتبهُ إليّ الأصدقاءُ. شخصياً، أرجّحُ أنّ نعتَ عجوزٍ شمطاءَ لنْ يعجبها في كلّ حالٍ من الأحوالِ، لكنّي أجازفُ فأقولُ هذا كثيرٌ على عجوزٍ شمْطاء.
قالَ لها عبدُ اللهِ وقدْ سبقنا مسافةَ مترينِ على التّقديرِ:
-
ماذا تفعلُ امرأةٌ تبلغُ من العمر ثمانينَ عاماً في هذا البردِ، ولوحدها؟ 
أراهنُ على أنّ عبدَ اللهِ منَ النّاسِ الذينَ لا يَستشيرونَ أحداً فيمَا ينوُونَ القيّامَ بهِ، وما خابَ من استشارَ. الرّجل لاشكّ طيّبٌ، لكنْ هذا عيبٌ من عيوبهِ، متسَرعٌ هوَ. طبعاً لمْ أقلْ له، كلامي هذا، والظّاهرُ أنّي سأفعلُ، بعدَ أيّامٍ سأفعلُ، حتماً سأفعلْ.
تجيبُ المرأةُ باللسَانِ الفارزِ:
-
أنتظر ولدي عبدَ الرّحيمِ، يا "وْلْدي". إنّه دكتورٌ وقدْ قالَ لي أنْ أنتظرَ هُنا ريثَما يعودُ. قالَ لي كذلكَ إنّه لنْ يتأخّرَ..
المرأةُ كانت تحْكي، ما منْ مريةٍ في ذلكَ، وكنتُ، أعني أنا عبدَ الفتّاح، أقولُ في خاطري: الوغدُ والبغلُ والعجلُ، بالعاميةِ أجمْجمُ وأدمْدمُ، وأقصدُ بالبغلِ الإبنَ، ابنَ هذهِ المرأةِ. يسمعُني الكاتبُ، متأكدٌ أنا منْ أنّ تفكيرهُ مشوّشٌ، مشغولٌ بهذهِ الفكرةِ الكابسةِ. سلّم علينا في هذا الوقتِ المتأخّرِ، أنا ومحمدٌ وعبدَ الله وادريسَ، وسلّم على المرأةِ ثمّ غادرَ الشاطئ.
بالواقع، لمْ يذهبْ بالكاملِ، وإنّما اضطرّ إلى ذلكَ بحكمِ العادةِ، والعادةُ جرتْ على أن يكملَ النّص. قال واحدٌ من الجماعةِ للمرأةِ:
-
سيدتي، الوقتُ ليلٌ، والبردُ شديدٌ هنا قربَ البحرِ، وابنكُ لمْ يعدْ حتّى الآنَ.. تعاليْ معنا وانتظريهِ في الدّار، الدارُ دافئةٌ، وفي المكانِ هنا بردٌ شديدٌ.
-
قالتْ لا.
-
ما تلكَ التي بيمينكِ آ "لواليدة"؟ يسألُ ادريسُ.
-
عنوانٌ لابني عبدَ الرّحيم.
ناولتنا السيّدةُ الورقةَ، فاقترحتُ أنا، أنْ أقرأَ. قلتُ للقومِ أريدُ أنْ أقرأَ، مضَى زمنٌ لمْ أقرأ.. أنا أهْذي وأهَلوسُ، ما هَذا الذي أقرأُ هاهُنا ؟ إنا للهِ وإنّا إليهِ راجعونَ، هذا كثيرٌ، كثيرٌ جداً..
يسألني عبدُ اللهِ في الذي جاءَ بالورقةِ، فلمْ أنبسْ. أفضّلُ ألاّ أشي بنأمةٍ تفضحُ مستوري، ماذا عسايَ أقولُ للسّادةِ سوى أن كدْراً دخَلني فأعدمَ نفَسِي.. رميتُ بالورقةِ في كفّ محمدٍ فقرأَ:
-
إذا اطلعتَ على هذهِ العباراتِ، فلا تتردّدْ في أخذِ هذهِ المرأةِ إلى دارِ العجزةِ. 
أنا عبدُ الرّحيمِ،
سلامْ.
-
سيدتي، ابنكِ قدِ يكونُ مشغولاً الآنَ، وفي الحقيقةِ، ليسَ مشغولاً أبداً، وحتماً، نكذبُ، نحنُ نقترفُ الكذبَ على المرأةِ. وما كذبُنا إلاّ خوفٌ على صحّتها، البردُ شديدٌ سيداتي وسادتي! منْ ذا الذي يقدِرُ صَبراً وسْط هذا الزّمهريرِ؟
-
ولدكِ لديهِ مشغلةٌ.. أرجوكِ أنْ تأتي معنا..
-
قالتْ لا. أنا لنْ أبرحَ هنا حتّى يأخذني هوَ. لقدْ وعدني، وإنّه لإبني، أعرفهُ، لنْ يتأخرَ وسوفَ يجيء عمّا قليلٍ.
-
المرأةُ مصرّةٌ على المكوثِ يا جماعة، قالَ قائلٌ منّا، لنذهبْ.. وذهبنَا.
في الليْلِ، في كبدِ الليْلِ، لمْ نسْطِع النّومَ، هيهاتَ، كيفَ ننامُ والبالُ مشغولٌ؟.
-
إلى أين يا عبدُو ؟
-
لا أعرفْ، قلبي يوجعُني. وضربَ بالبابِ خلفهُ.
تبعناهُ، بمقتضى الحالِ تبعناهُ، إلى الشاطئِ.
في الشاطئِ، نفرٌ منَ النّاس وآخرونَ منَ الشّرطةِ، يتحلّقونَ حولَ امرأةٍ ما.. تباً، إنّها السّيدةُ أمّ عبدِ الرحيمِ. 
-
ما الأمرُ ؟
أسألُ شخصاً ما بجانبي يمجُّ سيجارته مجّاً :
-
لقد توفيت السيّدةُ.
-
هل البردُ..
-
لا، بل، خوفاً ..
-
خوفاً؟ كيفْ ؟
-
انفجرَ قلبها بسبب خوفها من أن يقتلَ البردُ عبدَ الرّحيمِ. الدكتورُ المحترمُ.