يرى الناقد المصري أن هذه المجموعة القصصية لا تخلو قصة منها من تلك الفراغات التي تركها القاص لقارئه، مع وجود (القصة) أو الحكي الذي برع فيه، خاصة في رسم الشخصيات بأبعادها، أي أن لحمة القصة موجودة بعناصرها، وبأسلوبها الممتع البسيط، والذي لا يخلو من السخرية التي تصنع الحميمية مع القارئ.

بيضة علي الشاطئ في .. «شق الثعبان»

شوقي عبدالحميد يحيى

ليس من المتصور أن يضع كاتب مبدع ومراوغ، ك"شريف صالح" قصته "الغواية الأولي" في صدر مجموعته "بيضة علي الشاطئ"[1] مصادفة، أو مجانية. فالمتأمل لأشعة وظلال العنوان الرئيس للمجموعة، سيقف بالضرورة علي إيحاءات كل من "البيضة" و "الشاطئ" . فإذا كانت البيضة هي الجدار العازل والحامي للجنين، المجهول الهوية، فإنها تفتح الأفق واسعا حول ما يمكن أن يتشكل عليه ذلك الجنين والمجهول الكامن والساكن، أمام ذلك التيار والسريان والاندفاع غير المعلوم أيضا، لذلك التيار من المياه الساري داخل ذلك "الشاطئ" كتيار الحياة السائر في تؤدة حينا، وفي اندفاع حينا آخر، وإن كنا نعلم أين المصب، فإننا لا نعلم ما هو المصير بعد المصب، ولا ما هو المصير في السريان.

ومن هنا تأتي قراءة أولي قصص المجموعة، قصة "الغواية الأولي" والتي يمارس فيها شريف صالح، لعبته القصصية المحببة، لعبة التخفي، الذي قد يبدو مُلغِزا، في البداية. غير أن تأمل القصة والبحث عن مفاتيحها التي يسربها شريف، داخل السرد العادي، لتبدو كالعادي، تفتح آفاق الرؤية أمام القارئ، لتدخله في عالم أوسع من حدود القصة القصيرة، فضلا عن متعة القراءة التي يغلف بها رؤيته، ليتكشف العادي، عن البعيد والأوسع. ليمنح القصة القصيرة عناصر بقائها، مقاومة لكل تيار زاعم بمواكبة روح العصر، فيما يُظن أنه السريع، والخاطف، وغير القابل للتفاصيل.

ففي "الغواية الأولي" يقف السارد في مفترق الطرق، بين ماض، كان يحمل البراءة، والانطلاق، ومستقبل، يحمل الخوف من المجهول. اختار لها شريف ببراعة لحظة جد حيوية، وجد موحية، هي لحظة تعرض الزوجة لنزيف يهدد بضياع الجنين، يهدد بكسر البيضة، حيث انفصل جدار المشيمة حوالي 45 مللي. وهنا يرسم شريف صالح، معالم سارده (الإنسانية) وقلقه الإنساني علي ضياع الجنين الذي ظلا يحلمان به ويرسمان الخطط المستقبلية له، ليأتي ذلك الانزياح اللامتناهي في الصغر(45 مللي)، ليزرع القلق والخوف، ويقف به السارد علي الحد الفاصل بين الماضي والحنين إليه، والمستقبل المجهول الذي يحمله السارد في كيس بلاستيكي أسود، ليدفنه في (البر الغربي)، الذي يدفع بالتصور والإيحاء ما يمثله البر الغربي في المخيلة المصرية الفرعونية. وما يعنيه من انتقال إلي العالم (المظلم) عالم المجهول، عالم الموت.

يستعيد السارد لحظات الفرح الطفولية:

{أقذف بعنف الكائن الذي لم يكتمل. أستعيد لحظة فرح طفولية قديمة. عندما كنا نقف مع رفاق الطفولة فوق الكوبري الحديد ونقذف بأشيائنا الصغيرة في مجري النهر. نتأملها بفرح وهي تطفو قليلا ثم تغرق! ربما نحاول أن نستبقيها لمرة أخيرة في الذاكرة، كي نستعيد صورتها كلما رغبنا. كنت أجري علي الشاطئ فرحا بالماء، النسمة المنعشة، خضرة الحقول الشاسعة، أليس كل ما يعز علينا، شئنا أم أبينا، نلقيه في نهر النسيان؟!}..... ذلك ما كان ... ثم تأتي لحظة التأمل .. في الحاضر...{ لكن شعور الفرح النزق يتبدل إلي أسي وصمت .. ليس سهلا الشعور بأن الشئ الذي كان معي قبل دقيقة واحدة، حتي لو كان تافها، قد ضاع إلي الأبد. هل سأستعيده مرة أخري أم لا! مثل ومضة تلمع في داخلنا للحظة ثم نعجز عن استعادتها إلي الأبد}.ص15. و { كل اشيائي الأولي أصبحت بعيدة وغائمة.. مهزوزة في مرآة الوجود الذي لم يعد موجودا ..}ص21. 

فبين الماضي والمستقبل، يكون الحاضر، الحاضر المليء بتلك البطون المليئة لإناث كثر، وكأنها سيل تيار الحياة الساعية أبدا نحو المستقبل الغامض المجهول، ذلك الحاضر المتشبث بالحياة، رغم المعاناة وفقدان أسباب الحياة:

{ألعن في سري صور الإعلاناات الكبيرة التي تحيط بي في كل ممر أذهب إليه. تبييض الأسنان، التخلص من الشعر الزائد، وداعا للنظارة الطبية..}.

ثم يحل المستقبل حاضرا في صورة فانتازية، فالمستقبل مجهول ولا يمكن تصويره إلا في تلك الصورة، حيث يري السارد مجموعة من الغزلان تثير السؤال الوجودي:

{ لماذا تسير الغزلان الحوامل وحدها مع النهر؟!} حيث يسير المستقبل في سريان نهر الحياة{ كل غزالة تحمل حلمها في أحشائها وتسير حسب القدر المرسوم. أَمرُ مخترقا قطيع الغزلان السائر علي إيقاع الأبدية باتجاه البر الغربي. هناك خلف الجبل المائل إلي الحمرة، يخايلني وجه الله بين السحاب كأنه يبارك سرب الغزلان..}. ثم يفتح لنا شريف باب المصير الأبدي الذي نسير إليه، شئنا أم أبينا{ لست بحاجة إلي فتح مقابر العائلة، سأدفنه هناك في الساحة الترابية بين الجبل والمقابر}.

ثم يضعنا السارد في اللحظة المتأزمة، عندما يواجه الإنسان مصيره. ويواجه قلقه الإنساني:

{لا أعرف هل كانت النقطة الأولي أفضل أم آخر نقطة وصلت إليها؟!}ص21.

وهنا نتبين أن شريف صالح، يضعنا في "الغواية الأولي"، غواية الحياة، في لحظة فوارة وقلقة، جديرة بفعل القصة القصيرة، بين ماض ومستقبل، ليصور لنا الحياة الكاملة في قصة قصيرة تحمل الرؤية، وتحمل المتعة، وتحمل العمق، وتحمل كل عناصر القصة القصيرة. الأمر الذي يدفعنا للسؤال: إذا كان شريف صالح يملك كل تلك القدرة علي إنتاج القصة القصيرة بهذه القدرات، فما الذي يدفعه لأن يقدم ستا وستين – قصة – في ست وستين صفحة، هي ما يخص  مساحة القص المفترض في كتاب يضم مائة وسبع وثلاثين صفحة هي حجم كتاب "شق الثعبان"[2]. حيث يضع الكتاب العنوان في صفحة، وتقع (القصة القصيرة جدا) في صفحة أو بضع صفحة. فنري مثلا – قصة قصيرة جدا هكذا:

ضوء النفق "في صفحة" :

{لاهثا متعبا، ما زلت أمشي وراء ضوء لاح في آخر النفق}. "في صفحة أخري.

و في صفحة نجد "غضب الوعل":

وفي أخري نقرأ:

 الوعل غاضبا

ينطح القمر

عند اكتماله}

وأخري "عطر ديور":

{ ظلت زميلتي في الشركة طيلة خمسة أشهر تناديني بكل الأسماء إلا اسمي.. إلي أن أهديتها عطر ديور في عيد ميلادها.}.

وقد تتفق قصة "تجشؤ" مع قصة "الغواية الأولي" في تلك النظرة الشاملة للرؤي الكلية، الشامل للكون، أو الشامل للإنسان ووجوده وصراعه في الحياة. يبلورها "شريف" في برشامة القصة القصيرة المترامية، شديدة الاتساع. وإن اختفت فيها (الحدوتة) فلا نستطيع تلمس خط معين، وإنما هي حالة الإنسان الذي يطارده الشيطان ليوسوس له. أينما كان. في الهَرَم أو في وسط البلد أو في مدينة نصر.

وبالطبع يحاول "شريف" ألا يكون مباشرا. فمن بين عديد أشكال الوصف لذلك الكائن الغامض المتحكم، يورد ذلك الوصف الملغز، لتتعثر بوصلة الرؤيا لدي القارئ ويتحير عمن يكون ذلك الكائن. أهو الشيطان، أم القدر الغامض {كائن سري يعُد عليك أنفاسك، يعرف فيم تفكر قبل أن تفكر فيه. مهما هززت رأسك أسفا وضربت جبهتك العريضة أو حتي نفضت كتفيك في الهواء غير مبال بشئ. لن يطلعك علي سر اخضرار مؤشر البورصة ولا كيف تنهار رغم توقعات الصعود.. المؤشر لعبة صغيرة بين أصابعه يحركها لأعلي وأسفل كما يحلو له ولا تملك إلا أن تبحلق بعينيك في الفراغ وذهول الدهشة}.

إلا أن "شريف" لازال يخشى علي قارئه، فزاده إيضاحا بذلك الهامش الذي يزرع الإنسان (المُخَاطَبْ) في قلب الحياة عبر مسيرة حياته.

وإذا كانت قصة "تجشؤ" تتفق مع ال ق.ق.ج. في غياب الخط الدرامي، واعتمادها علي الرؤية العامة، أو النظرة الكلية. إلا أن الحوار المتخيل، ولعبة شد القارئ للبحث عن تلك الشخصية الغامضة وراء السرد السهل السلس، والحركة الحاملة للخيال، والتي تسير به بين الأماكن والأزمنة. ما يخرج به عن نطاق ال ق.ق.ج. وليس المساحة الكتابية وحدها. إذ أن كل ذلك يصنع الدهشة، ويصنع المتعة، المفتقدة في ال ق.ق.ج.

وإذا كانت "تجشؤ" قد حاولت كشف الغطاء عن شئ كوني. فلننظر تلك المحاولة التي تحاول أيضا "كشف الغطاء" والحاملة لذلك كعنوان في مجموعة "شق الثعبان". فلا نجد صعوبة في كتابتها بكاملها:

{كشف الغطاء

جاءت المرأة وكشفت الغطاء عن جسدي العاري. بعدما انتهت من تغسيلي ولفتني في الكفن. جلبت زجاجة الخمر من تحت السرير ووضتها في حضني.

رشفت منها ثلاث رشفات وابتسمتُ: ما أعظم الوجود!}.

نستطيع أن نتبين هنا أننا أمام ما يشبه (الخبر). شخص مات. واكتشف أن الحياة كانت (سكرة). كانت متعة، والمرأة فيها هي المتعة، وهي من قادته للآخرة. ولكن. هل يشعر القارئ فيها بجديد؟ بمتعة؟ بدهشة...؟.

وفي ثاني قصص المجموعة "بيضة علي الشاطئ" قصة "ألعاب الراعي" يصور شريف صالح حركة الإنسان علي الأرض، في سؤاله الأبدي، الذي يبدأ من الطفولة، ويظل الإنسان فيه طفلا يبحث عن من يحركه. ذلك الذي يراه، ولا يراه. يحير الطفل أن (الراعي) الذي يطير في السماء، ولم يتمكن من رؤية لون عينيه، يضع اللعب للأطفال تحت المخدات، وأمام عتبات البيوت، بينما لا يشفي أمه المريضة، الراقدة بالمرض في بيت شديد الفقر. كل امنية الطفل، لا عروسة يعبث بها، ولكن، أن يشفي الراعي أمه { فقط أن يعالج أمي منالسخونة والسعال وبصق الدم. أليس علاج أمي أسهل من الطيران بين السحاب والمشي فوق الماء؟!}. وينجح شريف في تجسيد جوهر الإنسان، والإيمان، عندما يكون في مشكلة، أو احتياج. يتجسد له الله، لا بعينه ولكن بقلبه. فالراعي لا يراه أحد سوي هذا الطفل/ الإنسان {معقول ، علي بن بدر وشلبية وجدتي أم السعد وفاطمة وكل أهل البلد عميان وأنا وحدي الذي أراه؟!}.

وأيضا ينجح في تصوير ضآلة الإنسان وقلة حيلته، عندما لا يملك لنفسه من أمره شيئا{ هو لن يظهر حسب مزاجي، ولا كلما احتجت إليه استجاب لي. فقط وقتما يريد، قد يتنكر في هيئة راعي غنم أو تاجر أبقار أو يمضي علي الطريق مثل شحاذ أعور دون أن ينتبه إليه أحد}.  وهنا يعرج بنا الكاتب إلي نوع المرض الذي يعنيه، إنه ليس المرض الجسماني، رغم ما تعانيه أمه، ولا المرض النفسي الذي يعاني منه "الشيخ حسن" المجنون الذي يجوب البلدة حافيا، ولكنه المرض الاجتماعي، مرض المجتمع الذي فيه يسرق اللصوص  شجرات موز الثلاث الموجودة في البلد، حتي قبل أن يصفر الموز. والذي يعيش فيه أسرة في {صالة بيتنا كانت ضيقة جدا مثل ثقب، تنتشر فيها رائحة المرض وأسراب ذباب أسود طنان. بالكاد تدخلها أشعة الشمس}. ثم يفجر المفارقة، بين الواقع والخيال ليكمل{الراديو في صندوقه الخشبي فوق رف صغير خلف باب الصالة، وكان عبد الوهاب يغني رغم الخرفشة "محلاها عيشة الفلاح"}. ولنلاحظ مرة أخري (رغم الخرفشة – محلاها عيشة الفلاح). حيث تزيد (رغم الخرفشة) من شدة البؤس، وحتي لا يعطي القارئ الفرصة للجيران الذين يتلصصون عليهم، أن يجدوا فرصة للحسد. ظنا أنهم يملكون (راديو).

ويسعي الطفل للخروج من دائرة الفقر التي يعانيها. فيسعي لركوب القطار (الذي لا يتوقف في قريتهم)، عندما يهدئ من سرعته في محطة بلدتهم. وإشارة صغيرة يبثها شريف في الثنايا، لكنها جد موحية ودالة. حيث يقف الطفل علي رصيف المحطة العالي، فيري بيوت القرية صغيرة. ليتجسد حجم القرية، أو حجم ما يعيشه أهلها، أو كيف تبدو في عين راكبي القطار، الذي لايقف علي محطتهم.

غير أن طفلنا عندما يقرر أن يركب القطار، أو يغادر تلك الحياة، بحثا عن حياة أفضل، يخرج له صوت الجدة أم السعد، وكأنه صوت الغيب، أو الصوت القادم من عمق القرية، تناديه أن يعود. "ارجع يا بني" وكأنه مشدود أو مربوط بهذا الواقع المعيش، ولا سبيل للخروج منه.

يمنحنا الكاتب في هذه القصة، متعة القراءة، بما يضفيه علي السرد من تصوير للقرية وبؤسها، وحياة الطفل وتصوراته، وعلاقات الأطفال، وعفويتهم. في ذات الوقت الذي يمنحنا أيضا، متعة التفكير والبحث عما يرمي إليه في البعيد، دون المباشرة، فيحترم عقل القارئ ويمنحه الإمتاع المنبعث من قدرة علي كتابة القصة القصيرة التي تحمل الرؤية الكبيرة.

ويستمر شريف صالح في تناول المشكلة الاجتماعية في قصة "الرجل الذي يراقبنا" والتي يمارس فيها أيضا لعبة التخفي الجميل وراء المتعة القرائية، والمعايشة. للشخوص وللمكان، والحكاية الجاذبة. حيث يفرش لنا البيئة الاجتماعية المتمثلة في وصف كل من "بدر" جارهم و "شلبية" زوجته، بما يعطي ويهيئ مناخ الواقعة من جانب، ويفتح ثغرة للنفاذ إلي ذلك البعد المستتر وراء الظاهر. فنقرأ:

{بدر قارب الخمسين، نحيل ومصدور. لا يتوقف طول الليل عن السعال وتدخين الشيشة أثناء خفارة الشونة, لحيتهتظل أكثر من أسبوعين بلا حلاقة، يتركها هكذا غير مشذبة، يخالط سوادها بياضها. فآثار الشيب ظهرت علي وجهه قبل الآوان بسبب حرارة شلبية وكثرة مائها فهي امرأة عفية تصغره بخمسة عشر عاما علي الأقل. لا ترتدي إلا جلابيب سوداء تستر لحمها العاري وتلتف حول استدارات جسدها. مؤخرتها ضخمة لا تتناسب مع نحول نصفها العلوي. كما لا تتناسب خشونة يديها مع بياض صدرها}.

فنحن هنا بامتياز أما صورة حياتية في جزء من القرية التي يدور عدد من قصص المجموعة فيها. تلك الصورة التي توضح ما عليه الرجل الذي أتت المكيفات علي الكثير من طاقته. والمرأة التي تصغر الرجل – وهي أيضا عادة ريفية بامتياز- ولا زالت تحتفظ بقدرتها علي العمل أكثر من الرجل. سواء في العمل العادي، أو العمل في العلاقة الزوجية. وهو ما اختصره شريف في كلمات { خشونة يديهامع بياض صدرها}. وهو ما يمهد أيضا لما سنتابعه في القصة من أن "شلبية" هي الفاعلة – ضرب السارد في صدره أكثر من مرة، وبصقها علي وجهه، بينما "بدر يقف في البعيد يدخن سيجارة.

يتكرر ظهور "بدر" و"شلبية" في حلم السارد- وكثيرا أيضا ما تعتمد قصص المجموعة علي الحلم – ويعتدون عليه، بحجة أنهما عملا في حقل أبيه، ولم يتقاضيا أجرهما.

ولكي نعيش القصة بحكيها، ومتعتها، يتواصل الحكي وتكتمل الحكاية. فيعترض السارد علي أنه أو والده لم يأكلا أجر أحد، وأن العمل تم بالمزاملة، فبدر وشلبية زاملا والدي السارد في جمع القطن، ووالداه زاملاهما في جمع حقلهما. غير أن القرية كلها – تقريبا- تعاطفت مع بدر وشلبية. ونتعرف علي أن السارد انتقل إلي مصر "القاهرة" وأن "علي" بن بدر وشلبية" كان قد سافر وأقام مع السارد للعمل في مصر، غير أنه ظل علي جهله، وعبطه. ويري السارد في حلمه الذي يتكرر وأثناء (الخناقة) رجل عجوز يقف في البعيد، ولا يتدخل، ولو حتي لمنع الخناقة، وله تأثير كبير علي جميع أهل القرية. فعندما أمرهم بالانصراف، استجاب الجميع دون تمهل. يكشف "شريف" عن وجوده، الإنساني في:

{قد يكون شبح جدي لكن لماذا لا أراه في داخل بيتنا، في "المندرة" حيث اعتاد الجلوس والنحنحة والتسبيح وإشعال أعواد البخور والاستماع إلي الشيخ المنشاوي؟}

ثم يعود السارد بعد ذلك ليؤكد أن الشيخ الواقف ليس جده {هذا العجوز ليس جدي}. ثم يعود بعد فترة أخري ليقول{رغم صمت الرجل العجوز ووقوفه كالصنم بثوبه الأبيض الوقور، لكن وجوده كان مريحا لي، ومنحني إحساس الطمأنينة}. ليثبت لنا الوجود الرمزي للشيخ الواقف علي البعد، الذي يشبه جده، إلا أنه ليس جده. ويزيد السارد الرؤية إيضاحا، عند نهاية القصة، في تلك الجملة الكاشفة، عندما ينطق الشيخ الرابض علي البعد – في الحلم - :

{يا ابني افهم.. طول ما أنا محبوس في حلمك.. عليّ بن شلبية سيظل تائها كالأبله في حلم شخص آخر. وبدر وشلبية لن يتوقفا عن لصق ظهرك بالجدار}.

وكذلك يقدم لنا فقرة، نعيش بها في جو الواقع المعاش، ويفتح بها نافذة جديدة لرؤية ذلك الذي يُلِّمح له في البعيد. فنقرأ عن طبيعة الفلاحين:

{هكذا هو طبع الفلاحين، عندما تغلق جميع الأبواب في وجوههم، يغضبون غضبة جمل، ويبحثون عن ضحية يأكلونها بأيديهم وأسنانهم}. فهنا يضع مسافة بين السارد وبين الفلاحين، ليضعه في طرف، والفلاحين في طرف. ليزيد الرؤية بعض الإيضاح. فيكمل عنهم{إنهم همج .... حين ينفد صبرهم ....}. ولنسأل .. ولماذا نفد صبرهم؟ ليجيبنا في فقرة أخري، أراها بؤرة القصة ومحورها:

{الأرض أصلا كانت مؤجرة بنظام المُزارعة، بيننا وبين المُلاك. أرضنا وأرض بدر. لكن الحكومة انتزعتها كلها من خمسة عشرة سنة، وأعادتها للملاك أصحاب فلل المارينا ومراقيا. يعني كلنا أصبحنا فلاحين من غير أرض، حتي المزاملة انتهت، كل فلاح يشتغل في أرض غيره بالجنيه..}. وقد أحسن إذ وضع كلمة "أعادتها". الأمر الذي يكشف لنا الحقائق.

وللوقف علي مدلول كل ذلك، يجب علينا تذكر مرحلتين في عمر المجتمع المصري، أو حقبتين، حقبة الستينيات من القرن الماضي. والتي تم فيها تحديد الملكية الزراعية، وانتشار شعار الأرض لمن يزرعها، فملّكت الفلاحين أرض الإقطاعيين. ومنحت الفلاحين شبهة امتلاك الأرض المؤجرة لهم، بإصدار قانون عدم طرد المستأجر. وهو القانون الذي تم إلغاؤه في الحقبة التالية. السبعينيات من ذات القرن (العشرين) عندما  أستُصدر قانون يلغي القانون الأول ويتيح استردادالأرض لأصحابها.

ومن هنا نستطيع القول بأن الرجل العجوز ذو الجلباب الأبيض، شبيه الجد، أو ما يمثل المرحلة السياسية الأسبق، هو رمز السلطة السياسية في الحقبة الأولي. الواقف – بعد موته – سلبيا، لا يستطيع فعل شئ، والمحبوس في الحلم. والذي يمثل حلم الفلاح لتلك الفترة، والذي استطاع "شريف صالح" أن يعبر عنه فنيا، دون خطابة أو مباشرة.

وما يمكن أن يؤيد رؤيتنا تلك، من داخل القصة ذاتها، تلك المرأة العارية الطائرة في السماء، والتي اختطفت ابنة إحدي سيدات القرية، ثم أعطت أمها بدلا منها حمامة بيضاء، ففرحت بها الفلاحة، ابنة القرية. في إشارة إلي الفرحة بالسلام الذي أتي به السادات في الحقبة التالية.

وفي القصة التالية "عصر السنجة" والتي ترتبط بقصة "الرجل الذي يرانا". ما زلنا نسبح في أجواء الحلم، في ظل القرية، وما زلنا نلتقي{بامرأةعفية كانت ترتدي جلبابا أسود وهي تدفع شابا بقسوة في عمود الإنارة، كانت تدفعه والشاب مستسلم لها كأنه "زلعة مش" ترجها بيديها}. وما زلنا نلمح {رجلا عجوزا يرتدي عباءة بيضاء قادما فوق فرس بيضاء نحو الخناقة} وأيضا {خطر في بالي أنه العمدة أو شيخ البلد} في إشارة أيضا إلي السطلة العليا.

وكذلك نجد الأهطل "علي" { شاب ساذج من قرية مجاورة اسمه "علي"، كان يجلس جواري ويضحك كلما لمح  إوزة  تعرج بجوار الأتوبيس، كأنه لأول مرة يسافر خارج قريتهم}.

يواصل شريف في "عصر السنجة" التأريخ الفني لمراحل الجمهورية المصرية، فنعايش فيها العصر المباركي. حيث نسير مع السارد في تلك المظاهرات التمثيلية المؤيدة للريس، المهنئة بنجاته، المرة بعد المرة من محاولة الاغتيال. والتي يقودها البلطجية، أعضاء مجلس الشعب. مؤكدا، ومؤرخا لها بفعلة اغتيال الإرهابيين للرئيس {في تلك اللحظة صعد بلال واجما وأشار علينا بالصمت ثم ألقي بالخبر المفزع دفعة واحدة وقال إن إرهابيين اغتالوا الريس..}.

حيث كان وفد (الهتيفه) بقيادة البلطجي "بلال" في مهمة وطنية.

وعلي الرغم من اقتراب الكاتب في هذه القصة من المباشرة، أو عدم المواربة، مثلما رأينا في القصص السابقة، حيث جاء وصف تكرار المظاهرات التمثيلية المؤيدة. وحيث الإشارة إلي المرات التي قيل أن مبارك تعرض فيها للإغتيال {المشهد نفسه تكرر كما هو أربع أو خمس مرات بعد ذلك، وبالسيناريو نفسه نُبلغ فجأة بإلغاء المهمة قبل دخول شبرا لأن الريس تعرض للاغتيال في فرنسا ومرة في بورسعيد ومرة في مطار سيدي براني..}.

أقول أنه رغم ذلك الوضوح، إلا أننا نستمتع بالمعايشة، معايشة التاريخ لحقبة طالت واستطالت في عمر الإنسان المصري، ومعايشة الواقع، إذا ما قُرأت القصة في تاريخها.

ونواصل الغوص في قاع المجتمع.معالنماذجه، التي يمكن أن نتعاطف معها، أو أن نرفضها في قصة "الطواف وسارق النحاس" وإن كانت قد استطالت منه زمنيا فتجاوزت زمن القصة القصيرة، رغم محاولاته زرعها في الزمن الماضي بتكرار "حسب رواية بلال المليجي" و  "حسب رواية عم أحمد الحداد". إلي جانب تعديها حدود القصة القصيرة في كثرة عدد الشخصيات. وإن كان بالفعل يوجد حدث مركزي، هو صفع الشيخ حسن (الشيخ التقليدي في القرية... حامل صك البله) للشيخ حامد (أحد أثرياء القرية) ومرة أخري صفع الشيخ حسن للإبن الأكبر للشيخ (حامض). إلا أن تفرعات عديدة، كشفت عن طبائع القرية والقرويين، فكادت أن تفقد القصة تركيزها المرجو. فضلا عن الهامش الطويل الذي عقب به شريف قصته، ليستكمل به مصائر شخوصه، وليساعد أيضا في تحويل القصة إلي رواية. الأمر الذي يضعنا أمام التساؤل الحتمي،والمواجهة بين هذه القصة والنماذج التي قدمها شريف في كتابه التالي "شق الثعبان" والذي لم تتجاوز المحاولة فيه الصفحة أو بعضا من الصفحة. التي إن بحثنا فيها عن محاولة تقترب من "الطواف وسارق النحاس" من حيث قراءة طبائع المكان وساكنيه، فسنجد مثلا "مدينة بلا اسم" وفيها سنقع في التيه منذ البداية. حيث يذهب السارد لعيادة رئيسه في العمل، متوقعا أن يحدثه"رئيسه" عن ضجره من تعليمات الأطباء. غير أنه ودون مقدمات يقول له{سأروي لك حكاية} ثم يحدثه عن مدينة عجيبة عامرة بالأشجار والطيور والحيوانات، غير أنه لا يعرف لها اسما، وعندما حاول معرفة الاسم من أمه، أخبرته {لو أخبرتك باسمها لن يسمحوا لك بالدخول هنا مرة أخري}. وليترك"شريف" قارئه يتخبط ويبحث عن الرابط بين زيارة السارد لرئيسه، وبين حكايته غير المبررة، أو التي تأتي في غير توقيتها المنطقي. وبين تلك المدينة العامرة، وبين إخفاء اسمها واعتباره من المحرمات. ولنعيش (التهويمة) في عالم قد لايستطيع تحديد معالمه القارئ العابر.

فإذا كان من الممكن تصور أن هذا الرئيس –في العمل- قد تعب من المرض، ولايجد الراحة إلا في ذلك العالم الخيالي، الذي قد لا يوجد إلا في الجنة، بمحاولة الربط بين هذه المدينة الخيالية، وبين موت أبويه اللذين كانا من قاداه إلي هذه المدينة. لنصل في النهاية، إلي حالة من اليأس قد بلغها هذا الرئيس، أو المريض. إلا أن القارئ العادي، الباحث عن المتعة، أو المنفعة، قد لا يستطيع الوصول إلي مثل هذا الفهم، أو التصور. فالإنسان، وإن كان مجبولا علي البحث عما يجهل، إلا أنه ليس دائما علي استعداد للوقوع في حبائل اللألغاز، التي عليه أن يبحث لها عن حل. خاصة إن غابت المتعة، أو غاب التشويق الذي يشده للمتابعة، أو الاستمتاع.

وتدور قصة "النحلة الخشبية" في نفس فلك الهم العام، والنقد المجتمعي. وقد قدمها-شريف- باستعارة مقولة "ماركيز" الدالة في رؤية هذه القصة{ مثل ثور معصوب العينين بين عدد كبير من المصابيح}. حيث يرسم "شريف" مجموعة من البورتريهات لشخوص، المفترض أنها في ندوة ثقافية. مؤكدا ما معني ندوة ثقافية في قوله:

{ثم إن الندوة في رأيه هي فعل ثقافي جاد وليست حفل زفاف}.

وإن كان الشكل الخارجي يتحدث عن ندوة ثقافية، إلا أنه يؤكد لنا من البداية أنها ليست ندوة ثقافية بالمعني المتعارف عليه. حيث: {المكان أنيق فعلا، علي غير عادة الندوات الثقافية التي تقام في أماكن تراكم فيها التراب منذ عقود! ما شاء الله قاعة فسيحة وبوفيه شاي ونسكافيه وجاتوه، رائحة مسكرة لذيذة! وصورة بالحجم الطبيعي للزعيم مصطفي كامل}.

فليست الفخامة هذه من المعتادرؤيتها في مثل هذه الندوات الثقافية. وإنما جاءت صورة الزعيم مصطفي كامل، لتلقي بظلالها علي المشهد. خاصة وأنه تكرر التأكيد علي وجودها، وكأن شريف يذكرنا بين الحين والحين ألا ننسي دور وجودها، أو أن نتجاهل ظلالها. خاصة إذا تذكرنا أن الزعيم مصطفي كامل، كان أحد مثقفي عصره، وأنه أول مؤسس للحزب الوطني..... وهنا تبرز الإحالة، والدلالة. لنعود لقراءة القصة علي ضوء (الحزب الوطني). فماذا نري في الندوة، أو مجتمع الحزب الوطني واجتماعاته الهزلية، أو التمثيلية؟

نتعرف علي العديد من الشخصيات، علي غير عادة أو طبيعة القصة القصيرة، غير أن شريف بخبرته التي ترسخت، استطاع أن يبقي علي زمن القصة القصيرة، بأن ظل الإطار الحاوي للقصة –رغم تعدد الشخصيات- هو زمن الندوة.

ورغم تعدد النماذج التي يقدمها شريف – فضلا عن المشاهد البصرية للمكان، ولأوصاف الشخوص، والتي تجسد الحدث، وتمتص الإحساس بامتداد الزمن. فنكتفي بالتركيز علي نموذجين اثنين، لأنهما في النهاية هما من قررا التزاوج، ولينتجا معا المزيج المعبر عن (الحزب الوطني- الذي كان المهيمن والمسيطر علي البلاد فيما قبل 25 يناير 2011). وهما (ج الشاذ ، وانتصار .. جزاكم الله خيرا) وحيث يحمل كل منهما كل التناقضات التي عبر عنها وصف الندوة في البداية، من البذخ والرفاهية التي لا تتناسب مع الندوة الثقافية. فنقرأ تعريف السارد لشخصية "انتصار" . ولا نغفل ما يوحيه الاسم وشيوعه في تلك الفترة التي تعدد فيها استخدام مشتقات (النصر):

{وإذا رأي احدكم امرأة في الخمسين من عمرها تشبه ملك الجمل في فيلم "الشموع السوداء" فهذه هي الروائية "انتصار"........... "انتصار: هذه امرأة مطلقة وغير مريحة. وهي قد تتخلي عن دفاعها المستميت عن القضية الفلسطينية ولا تتخلي عن عطر الياسمين الذي تستحم به علي الأرجح. بين كل كلمة وأخري تردد "جزاكم الله خيرا" وهي عبارة لاتتسق في رأي "س" مع دفاعها المستميت عن "النسوية"......}.

ثم لنقرأ من هو (ج) وتعمد عدم ذكر اسم محدد هنا لفتح الدلالة، لتشمل الكثيرين من أعضاء الحزب الوطني المزيف (بفتح الياء وكسرها). ثم نتعرف علي شخصة (ج) من خلال شخصية (س) بهيئته الموحية بالفحولة:

{السفير الصامت . الشاعر (ج) الذي أشاد في مرات سابقة بفحولة (س) ولامه لأنه لا يستثمرها بالطريقة المناسبة. هذه الإشارة المبهمة تحديدا. هي ما جعلته يرتاب في ميول (ج) الجنسية..... (ج) هذا شاب بوهيميحقا ولا ينام في شقة واحدة يومين متتاليين.. يكتبمايسميفيهذهالأيام "قصيدةالنثر"}. ولنلحظ الجملة الأخير من المقتطف، والكيفية التي كتبت بها (يكتبمايسميفيهذهالأيام "قصيدةالنثر}.. ليكشف شريف عن عدم اعترافه با يسمي (قصيدة النثر) أو زيفها وتمسحها، أو تذبذبها بين النثر والشعر، وكأنه يوحي بالتداخل والتناقض في شخصيات الحزب المزعوم، أو بين التداخل والتناقض في شخصية سيادة السفير(الشاعر) و .. شذوذه الجنسي.  ويردد السارد في النهاية – السارد الذي ليس بشاعر ولا كاتب، ولكنه فقط متابع، ويعلن اعتزاله حضور الندوات، وأن هذه آخر مرة يحضر فيها الندوة) ولكل هذا دلالاته التي تصب في الرؤية الكلية. يردد السارد بينه وبين نفسه – وقد تحول الباقون إلي (السارد الذي يضع علي الكرسي المجاور ثلاثة كتب ملفوفة في جريدة فوقها طاقية تشرشل في اجتماع يالطا) يردد السارد.. ويسمع الجميع ويرددون وراءه مثل كورال: انتصار.. جزاكم الله خيرا .. ستتزوج "ج.. الشاذ".

وبمثل هذه البساطة في الإسلوب، وحميمية الحكي، وإحكام الحبكة. يقدم لنا "شريف صالح" قصة قصيرة تحمل الكثير من الفكر والنقد الاجتماعي، والمتعة القرائية. وفوق ذلك رؤية صريحة في رفض ما يسمي ب"قصيدة النثر" التي لا تختلف عن ما يسمي ب"القصة القصيرة جدا" الخالية من القصة في مجموعته الأخري "شق الثعبان" والتي إن بحثنا فيها عما يتقارب مع "النحلة الخشبية" في الرؤية، فنقرأ علي سبيل المثال "مليون نسخة":

{عاكسوها في الطائرة والمطار وفي التاكسي وحي الحسين وبار استيلا ومقهي ريش وعلي الكورنيش ومحطة مترو الأوبرا وأمام الأهرامات وعلي شاطئ الغردقة وفي البنك الأهلي وداخل كنيسة مارجرجس وفي الباص السياحي والسفينة زمردة وبازار الملك الصالح ومكتبة الأسكندرية وأمام قبر الأغاخان في أسوان.

وحين عادت السائحة إلي بلدها ألفت كتاب "فن المعاكسة" وباعت منه مليون نسخة}.

 ففي هذه (التغريدة) نتعرف علي فضائحنا التي نجنيها من وراء سوء تعاملنا ومعاملاتنا مع السياح، الذين هم مصدر رزق لنا.

نري هنا –أيضا- انتقادا، أو النقد الاجتماعي. ولكن ...... هل شعرنا بمشهد، أو تعرفنا علي نموذج، أو شعرنا بجمال أو قبح شئ؟  وباختصار... هل شعرنا بالمتعة؟.

من الكلمات الدارجة علي أسنة أقلام النقاد ومتناولي الأعمال الأدبية "أن فلانا يكتب عن المهمشين" للدلالة علي تناول أؤلئك المطحونين في الحياة، دون أن تتناولهم أجهزة الضوء المسلطة علي رموز المجتمع.

إلا أن "شريف صالح" – الذي يسعي دائما للابتعاد عن النماذج الجاهزة، يتناول في قصة "وراء البياض" حياة أؤلئك الذين يعيشون وكأنهم ميتون. في تجسيد لتلك المقولة التي تتحدث عن أن أحدهم ذهب للطبيب يقول له في خوف، أشعر أني سأموت. فسأله الطبيب: أتشرب مخدرات؟ أتسرف فيالعلاقة مع النساء؟ أتسهر كثيرا؟ إلي ألخ عديد الأسئلة. ليجيب الرجل عليها جميعا بالنفي. فسأله الطبيب: إذن لماذا تريد أن تعيش؟.

فنحن هنا، ما زلنا في تناول الهم الجمعي، إنطلاقا من الهم الخاص.

نعيش مع "محمد خليل عبد العال طنطاوي" أو عم محمد، كما يناديه أهل الحارة. يعيس في 35 شارع حسني الشرابية القاهرة. رجل محدد المعالم، له بطاقة رقم قومي، أي أنه واحد من تعداد يضم الملايين. كان موظفا في الجامعة، واعتاد علي روتين معين، هو السير من أمام باب الجامعة إلي ميدان الجيزة، يحب الاستماع إلي أم كلثوم، أخذه أبوه يوما إلي طنطا، وعاد به مع ابنة خاله الكبير كزوجة، في الوقت الذي كانت الدنيا قد تزلزلت بزيارة السادات للقدس. إلا أنه – في الفترة الأخيرة – كان قد نسي، ليس زوجته فقط، ولكن جنس النساء جميعا، حتي توقفت زوجته عن "الغمز واللمز" . وإذا اختفي عم محمد عن أصدقائه الثلاثة، والذين ليس له غيرهم، وسأل عنه المخبر، سخر أصدقاؤه من فرضية أن يكون قد أطلق لحيته والتحق بالأخوة المجاهدين في العراق أو في باكستان. حتي أسماء بناته الثلاث "هبة ومنة ونعمة" الدال علي الرضي والاستسلام:

{ الناس في الحارة يرددون: "عم محمد خليل رجل بركة.. طيب وفي حاله }

ويوسع "شريف الدائرة ويخرجها من فرديتها لعمومها:

{لا يريد أن يذكره أحد أصلا في خير ولا في شر. هناك مليون شخص آخر يقال عنهم الكلام نفسه إنهم "طيبون" و "بركة"و"في حالهم". لن يحدث شئ إذا أصبحوا مليونا إلا واحدا}.

 أؤلئك هم اللافاعلون. أو الذين وجودهم كعدم وجودهم. لينسحب "عم محمد أو محمد خليل عبد العال طنطاوي، من الحياة، ويتلاشي. في هدوء، ويتبخر دون أن يترك أثرا.

استطاع "شريف" أن يقدم لنا نموذجا حيا بكل صفاته، ومواصفاته، وبيئته، وأجوائه، لنعيش حالة إنسانية، بإسلوب جد بسيط، وكأنه يحكي، لنستغرق معه في نهر الحياة. وفي النهاية يشعرنا بتناول جرعة حياتية تأملية فلسفية، تبحث في رؤيتنا للحياة. وتدعونا لرفض السلبية، وأن يكون لنا بصمة فيها. وتلك هي الحياة الحقة..

وأيضا عند البحث في "شق الثعبان" عن السطور التي قد تقترب من ذات الرؤية، ونري كيف تناولتها.فنقرأ السطور تحت عنوان "ملاكمة الظل":

{استفزني أن ظلي كان يمتد علي الجدار الأبيض أطول مني، فرحت ألكمه ويلكمني.. إلي مالانهاية .ظللنا نتلاكم .. دون أن ينتصر أحدنا علي الآخر}.

نستطيع أن نقول أن صراع الإنسان مع ذاته، مستمر إلا مالانهاية. وسيقول انصار القصة القصيرة جدا، أو القصة الومضة، أو القصة الرصاصة، أنها تعتمد علي الفراغات التي يكون علي القارئ ملأها. وانها تعتمد علي المفارقة والإدهاش.

فإذا ما أردنا بالفعل سد الثغرات وملئ الفراغات. فسنجدنا – كقراء – نكتب نحن قصة، أي نجعل منها ""قصة"" عنصرها الرئيسي – كما كانوا يعلموننا في المدرسة – هو ملاكمة الظل. لنتصور أن أحدا كان يعاني من ضائقة نفسية، ربما لصدمة عاطفية، وربما لصدمة حياتية، أو ضائقة مالية. اختل معها توازنه النفسي. فهام في الشوارع والمطاردات تلاحقه. والجميع يتجنبه. راح يشتم هذا ويلعن هذا، ويقذف هذا بالحجارة أو بالألفاظ، حتي تصور أن ظله علي الحائط - أحدهم.. اخذ يلكمه، ويتلقي لكماته. ... وقد يستمر بنا القص حتي نري صاحبنا قد تهتكت يداه ، وأخذت الدماء تتقاطر علي الأرض.

أي أننا نحن –القراء - من صنعنا القصة. وشكرا للسيد مقدم عناصر الموضوع.

بل نستطيع القول بأن القصة القصيرة، بها من الفراغات، والمسكوت عنه ما قد يفوق تلك المزعومة في القصة القصيرة جدا. وأعتقد أن مجموعة "بيضة علي الشاطئ" لا تخلو قصة منها من تلك الفراغات التي تركها "شريف" لقارئه، مع وجود (القصة) أو الحكي الذي برع فيه، خاصة في رسم الشخصيات بأبعادها، أي أن لحمة القصة موجودة بعناصرها، وبإسلوبها الممتع البسيط، والذي لا يخلو من السخرية التي تصنع الحميمية مع القارئ.

بل أستطيع بكل ارتياح القول بأن قصص "شريف" عامة، وفي هذه المجموعة خاصة، تجعل قارئها فور الانتهاء من قراءتها، أمام فراغ قد لا يكون نهائي، وهوة عليه تجاوزها. فيظل واقفا أمامها في دهشة وتمعن. كيف يعبر هذه الهوة الكبيرة/ الرؤية الحقيقية وراء السطور. وهو ما يعبر عنه بالمسكوت عنه، وما تركه لفطنة القارئ، ووعيه.

فإذا ما تأملنا قصة "الخروج إلي الشمس". سنجده قد وضع مجموعة من أعمدة البناء، ووفر لنا باقي مواد البناء الذي إن قمنا باستخدامه في ملئ الفراغات بين الأعمدة، لتشكل لنا بناء فخما يسر الناظرين، ويفيد الساكنين.

نتعرف علي السارد، ونتعرف علي افتقاده للإحساس بالمتعة. إذ رغم ما يشاهده من أفلام توفر له النشوة الحقيقية رغم {مساحات العري والرقص الشهواني وكتل اللحم المعروضة للفرجة} إلا أنه  يحتاج { إلي شهوة عنيفة، رغبة مجنونة}. ويحتاج {إلي أن يترك هذا المكان إلي مكان آخر} به ضجيج.

يعيش السارد في مشهده الآن في شمس لاهبة. فيحن إلي { شمس ونسمة ناعمة وماء رقراق وحمام أبيض يرفرف بعد أن يرتشف لذة الوجودواقفا علي حافة النهر} هناك حيث كان الأب وكان النيل.  كل ذلك أدي بالسارد إلي حالة من الملل والضجر والروتينية، التي عبرعنها بتكرار "صباح الخير يا أبو جوني" "مساء الخير يا أبو جوني" وكأنها دقات الساعة الرتيبة.

والعمود الآخر في البناية هو أبو جوني هذا. سائق السيارة التي تقل السارد من سكن العزاب، إلي عمله، والذي أتي من سوريا للعمل من أجل خمسمائة ليرة كي يفتح محل حلاقة.

تزوج أبو جوني (سورية ومصرية وكويتية). وقابل عانستان في شارع جامعة الدول العربية بالقاهرة. عرضتا عليه الزواج والذهاب معه إلي الكويت.

يركب "أبو جوني" سيارة ماليزية الصنع.عليها علامة  تشبه الشمس. ورغم محاولات السارد لمعرفة ماركتها مرات إلا انه لم يعرفها.

وإذا وضعنا هذه الإشارة – أو العمود – بجانب المقابلة بين أتوبيس سياحي في مصر، راح ضحيته عشرات الشباب عند عودتهم من مبايعة الرئيس، حيث استغرقت رحلتهم سبع ساعات. وبين الإشارة إلي أن  بوش الإبن { لا يحتاج لأكثر من خمس دقائق لإشعال حرب نووية.... الزمن أصبح ضئيلا جدا علي حجم الكوارث الممكنة}.

وهنا يكون علينا ملئ الفراغ بين الأعمدة. فنحاول توصيلها. لنكتشف أن مقارنة لا بد أن نعقدها بين الزمن هنا وهناك. واستخدام الزمن هنا وهناك، وانعكاسه علي سلوكياتنا المعتمدة علي المُتع الشكلية، وبالتالي اعتمادنا علي صناعات هناك، التي فشلنا حتي في معرفة مركاتها. الزمن هناك له حساباته الدقيقة. وهنا الزمن طويل رتيب، تهاجمنا فيه الكوابيس.

فضلا عن البناء الفردي الذي شيده "شريف". بإحاطة السارد بالظروف المناخية، والصحبة الإنسانية، المؤدية كلها للضجر والملل.

وفضلا عما وفره من مغامرات تشد القارئ وراء الحكي والسعي للمعرفة.

وإذا كانت "الخروج إلي الشمس" تعني في رؤية لها، الخروج من حضن الأم/ البلد. سعيا. فقد نري في "شق الثعبان" سطورا تتقارب مع نفس المعني تحت اسم "حضن أمي":

{في عمق الليل رأيت السماء تنطبق علي الأرض فصرخت.. انطباقة هائلة وأنا وحدي بينهما أصرخ.. جسدي ينتفض وأنا أصرخ أصرخ..لا أهدأ إلا عندما أري يد أمي وهي تضمني في حضنها.

مع شروق الشمس أشعر بثقل يدها علي كتفي، فأرفعها برفق.

"خليك في حضني"

"لا .. سأخرج}.

حيث قد نفهم شروق الشمس هنا علي كبر الإبن، ورغبته في الخروج إلي الحياة، أو الاستقلال. الأمر الذي يعني التقارب في الرؤية النهائية في الحالتين. وأترك للقارئ البحث عن (القصة) في "حضن أمي".

وإذا كان "شريف صالح" قد لجأ – بعد أربع مجموعات ناجحة في القصة القصيرة- إلي التجريب في مجموعته الخامسة "شق الثعبان". حيث أراد أن يجرب (الموضة) فيما يسمي بالقصة القصيرة (بدون قصة). فلا أعتقد أنه كان في حاجة لهذا, فقد مارس التجريب في العديد من قصص مجموعاته، خاصة في مجموعته الرابعة التي نحن بصددها "بيضة علي الشاطئ". حتي أصبح التجريب أحد خصائصه.

فإذا تناولنا قصة "موت غامض لعدو صامت" في "بيضة علي الشاطئ" فسنجد أنه رغم استخدامه للهوامش في أكثر من قصة فيها. وقد تحول الهامش هنا في"موت غامض لعدو صامت". تحول إلي متن، فدخل في صلب القصة، وأضاءها.

تتعرض القصة لقضية كثيرة الحدوث، وهي موت العاملين بالخارج. وإن كانت (العاملين بالخارج) قد أضفت علي الموضوع صفة الخصوص، فإن الموت يظل قضية إنسانية عامة. ف"شريف" هنا أيضا يستمر في الانطلاق من الخاص إلي العام. تتعدد الرؤي، وتختلف الأراء واستقبال الآخرين لموت أحد العاملين. فمن يترحم عليه كإنسان، ومن يمارس العادة بمحاولة الإيهام بأنه مطلع علي الخفايا، فيضفي علي عملية الموت بعض الأسرار الغامضة. ومن لا يستطيع إخفاء الفرح لخلو المكان الوظيفي. كما تتفجر دوامة القلق حول دفن الميت، وهل سيتم دفنه في البلد التي توفي فيها، أم سيتم ترحيله (مع الحقائب) إلي بلده. ثم من يتحمل تكاليف الترحيل. وهل أهله يقبلون تحملها، أم سيكون المصير كزوجة المصري التي أخبروها بموت زوجها، فرفضت استقباله مع بعض اللعنات.

المهم هي لحظة فارقة في عمر الإنسان، عموما، وقلق وتوتر في عمر عدد لا يستهان به من العرب خاصة.نجح في تخيرها.

قدمت القصة في خمسة مقاطع. كان التشابه فيها كبيرا، حد التصور بالتكرار في بعضها. غير أن شريف يضيف الهامش ليجلي الغموض، أو تصور اللبس – المقصود- لدي القارئ. حيث يتدخل الكاتب بشخصه ليوضح في الهامشأن هذه بدايات خمس لقصة لم تكتمل. وليؤكد أن الموت غالبا ليس نهاية، وإنما قد يكون بداية لمراحل جديدة. كما أن تعدد البدايات، كما زعم "شريف" نفسه، ما هي إلا حيلة للدلالة علي تعدد مردودات الفعل.

وأيضا ظهور الكاتب بشخصه في الهامش، إلي جانب إيضاحه بواقعية الكتابة، وأنها مستمدة من أرض الحياة المعاشة، فإنها أيضا تؤكد أن الكاتب لم يعد ذلك الحالم في دنيا الخيال. مثلما أسقط "دورينمات"حائط المسرح الرابع.

علي الرغم من أن الإنسان في الغربة يكون أكثر إلتصاقا بذاته، وتكون الرغبة في التعبير عن آلام الغربة، والأماني من ورائها. إلا أنه أيضا، يكون أوضح رؤية لمشاكل وطنه، كعادة الإنسان إذا ما شاهد المنظر عن بعد. ولقد لعبت المشكلة الفلسطينية دورا جوهريا في مصير الأمة المصرية بصفة خاصة.

فبعد أن قدم قصة "زائر أم الرشراش" والتي نستطلع من خلالها المقابلة بين ما هو إسرائيلي، من كثرة النخيل، وزرقة المياه {كان النخيل المزروع علي مدخل الفندق مريحا لي وقد خفف من توتري الداخلي، كما أعجبني شكل حمام السباحة المصمم علي شكل قلب يترقرق فيه ماء أزرق تنعكس عليه مصابيح ليلية خافتة فتزيده شاعرية وغموضا}. وما شاهدناه في الحي العربي (الأتوبيس الأزرق الذي أقل فوجنا العربي غير المتجانس في لهجاته ومشاعره}. وما فيها من فوضي وعشوائية {لا شك أن هؤلاء هم حراس الحي العربي في المدينة. حي السائقين وعمال البناء، وخدم الفنادق ومدلكي العجائز المتصابيات}. وتجارة جسدية ميكانيكية (خالية من المشاعر). الأمر الذي معه يمكن القول بأن الحرب ليست بالمدافع فقط، ولكن بمظاهر الرقي والجمال. وأن إحساسا وميراثا ترسب في نفوسنا من (العدو) الذي يتربص بنا (القناصة المتوهمين) الذين سيقتلوننا دون جريرة، بينما لم يحدث شئ من ذلك.

ليعود "شريف" في "السيدة المختفية" ليتناول قضية الحدود المصرية الفلسطينية، والهجوم الفلسطيني علي سيناء، وزحف التجارة والتكسب من المعابر، تلك المعابر التي مثلت- في تصورنا- الرغبة الأساسية في غزة، والمشكلة الأساسية في سيناء، ومصر عامة. وهو ما أتصور أن "شريف" أراد التعبير عن خطورته علي مصر. مكتفيا في متن القصة بتقديم مشهد الهجوم الغزاوي أو الفلسطيني علي سيناء. تاركا للهامش ملئ الفراغ الذي تركه المتن.

فهنا أيضا يجعل الهامش جزء من المتن، يضيئه، من جانب، ويجعل العمل أكثر التصاقا بالواقع، من جانب آخر.

فنقرأ في الهامش أربع وجهات نظر : مصرية، قدمها عمر سليمان،  وتري إقامة جدار أسمنتي بارتفاع ثلاثة أمتار بطول الحدود.

 ووجهة نظر إسرائيلية، قدمها متان فلنني نائب وزير الدفاع الإسرائيلي يري فيها إنشاء سياج أمني علي الحدود والسماح لمصر بزيادة قوات حرس الحدود وزيادة التعاون معها ضد العمليات الإرهابية.

أما وجهة النظر الثالثة فجاءت بتقرير وفد قساوسة دير سانت كاترين والتي انصبت علي تحديد رؤية السيدة العذراء – السيدة المختفية-  وأقرنوا فيه ظهور السيدة العذراء بمِحَنِ الإنسان ، فهذا الهجوم أيضا، بشارة خير لأهل مصر وفلسطين.

ومن الواضح أن وجهتي النظر الأولي والثانية تمثلان الرؤية العملية والعلمية. رغم اختلاف الهدف. أما وجهة النظر الثالثة، والتي تمثل الجانب العاطفي.  وهو ما يؤكده د عبد المولي زكي – وهو بالطبع اسم مخترع – أستاذ علوم الفضاء حيث ينكر ظهور السيدة العذراء، ويرجع ما حدث - في أكثر من موقع – لكونه ظاهرة ضوئية، مشيرا إلي عملية الظهور ب(التفكير الأسطوري المغلف بالإيمان).

وهكذا جعل "شريف" من الهامش جزء لا يتجزأ من المتن. وليؤكد صدق الرؤية المستقلبية – فالقصة بالضرورة كتبت فيما قبل ركوب الإخوان، وفتح مرسي للحدود أمام الحمساويين، واكتشاف آلاف المعابر التي استخدمت في غير صالح مصر-.

فاكتفي بتقديم المشهد، محافظا علي روح القصة القصيرة. ولو أنه أدخل الهامش في متن القصة دون الصورة التي جاءت عليها لخرجت القصة عن روح القصة القصيرة، و اتسمت بالصورة التقريرية، أو المباشرة.

وقد نتعنت قليلا، إن قلنا أن معارك العرب وإسرائيل، التي تناولتها قصة "زائر أم الرشراش"، رغم استمراريتها، فقد اصبحت في نظر الكثيرين – بعد العديد من التطورات السياسية - قد أصبحت قديمة، لننفذ منها إلي أولي المحاولات القصصية في "شق الثعبان" والتي جاءت تحت عنوان "معارك قديمة". والتي تعتبر من أطول محاولات المجموعة –نسبيا- حيث تحتل صفحة كاملة. والتي نري أنها تحمل رائحة القص. وتقترب كثيرا من القصة القصيرة. لنؤكد أننا لسنا في خصومة مع أي جديد، وإنما نحن ضد استلاب عنصر أساسي في البناء، وتفريغه منه. ورغما عن ذلك ندعي أننا قد أدخلنا تطويرا ما. والأولي أن نقول أننا قد أنشأنا نوعا جديدا. مثلما أطلقنا علي الرواية، ولم نقل عنها "ملحمة جديدة" أو ملحمة عصرية". فانفصل المولود عن الأب وأصبح له شخصيته المستقلة، وإن حمل بعض صفاته. وبالطبع لا ندعي أن "معارك قديمة" أقرب إلي القصة القصيرة، منها إلي (جدا). ليس لعنصر الطول النسبي فقط وإنما لتوافر عناصر القص فيها أولا.

وكما درجنا، نورد "معارك قديمة" كاملة لتتضح الرؤية:

{حملت حقيبتي ووصلت إلي عزبة البرج. كان الوسيط أصر علي أن أدفع خمسين ألف جنيه.. علي أن تقلنا صباح الجمعة المركب "ميادة" مع حوالي عشرين شابا آخرين، وإن لم يحدد لنا موعد وصولنا إلي اليونان.

سرت علي الشاطئ أفتش بين عشرات المراكب الراسية في النيل، علي المركب "ميادة"، حين ظهر لي أربعة شباب أشهروا سيوفهم في وجهي. سألني أطولهم باللغة الفصحي: هل حاربت في معركة الجمل مع علي أم مع معاوية؟

ارتبكت وقلت:"يا عم دي معركة قديمة قوي من قبل ما اتولد بألف سنة".

غرس الثاني طرف سيفه في صدري وقال باللغة الفصحي أيضا " ومن منا لا يشارك في معارك قديمة؟"}.

إذ أن المشهد البصري الذي صوره لنا شريف، وتصور الشباب بهذه الصورة الهزلية، مع الحديث باللغة الفصحي، ومقابلة السارد لهم بتلك اللهجة العامية، وما تحمله من سخرية مبطنة. تصنع لنا مشهدا يمكن إرجاعه إلي ما سبقه، وإلحاقه بما تبعه، أو ما لم يذكره "شريف" في استمرار لنهجه في القصة القصيرة، من خلق فجوة علي القارئ عبورها. فضلا عن تلك المفارقة المضحكة المبكية، في ركوب المركب "ميادة" في النيل، ذهابا إلي اليونان.

فنحن أمام خدعة السفر إلي الخارج، عن طريق تجار عملية التسفير، والتي رغم ظهور عمليات النصب فيها، والتي باتت متكررة، إلا أن الشباب لا يتعلم.

ونحن أمام شباب يحمل السيوف. قد يكونون جزءا من اللعبة، واستكمالا لعملية النصب. وقد يكونون إسقاطا من شريف علي ألائك الشباب الذين يعيشون في الماضي – بحمل السيوف، دون أدوات العصر- ويقسمون المجتمع اليوم بين شيعة وسنة. وفي الحالتين، نحن أمام معارك متكررة من قديم. وأمام رائحة القص. يتوافر فيها أحد العناصر التي يبرر بها مروجو ال(ق ق ج) من حيث المساحة الكتابية، ومواجهة غياب القدرة علي القراءة في عصر السرعة. وفي ذات الوقت نحن أمام المفاجأة في النهاية، المخالفة للبداية، والتي قد تصنع الدهشة. وهي أيضا من الخصائص التي يروجها أنصارها.

غير أن السؤال يظل موجودا: إذا ما وضعت الكتابين أمامي –كقارئ- "بيضة علي الشاطئ" بقصصه البالغة ثلاثة عشر قصة. و"شق الثعبان بمحاولاته الستة والستين محاولة. أيهما استطيع الاستمرار في قراءته؟ وماذا يبقي منهما في وعيي بعد القراءة؟.

السمات العامة
يستطيع قارئ "بيضة علي الشاطئ" أن يتعرف علي سمات عامة، يمكن أن تحدد بصمات "شريف صالح"، ليس في المجموعة فقط، وإنما فيما سبقها كذلك. الأمر الذي يمكن القول معه أن "شريف" قد تمرس وله تجربته في القصة القصيرة. وما يثير الدهشة حول تجربته في "شق الثعبان". من هذه السمات:

1-            الوعي الكافي بمفهوم القصة القصيرة، والتي قد يعترض البعض علي ذلك بأن مفهوما محددا للقصة القصيرة، لم يكتب بعد، فأضيف ليس في القصة القصيرة وحدها، وإنما كل أنواع الفنون والآداب، ليس لها تعريف نهائي وقاطع. وإنما أتحدث عما رسخ في الوجدان الإبداعي من فهم للنوع الأدبي. والذي يجعل من الخروج عنه كلية يعتبر خروجا عن النوع. وبالطبع هذا لا ينفي ولا يمنع المبدع من إدخال ما يراه من تطوير، بما لايخل بالمفهوم الأساسي. وهو ما رأيناه في قراءة "بيضة علي الشاطئ" وما رأيناه في "لمح البصر" لسيد الوكيل، وغيرهما.

2-            اعتمد شريف صالح علي الإسلوب السلس، الأقرب للحكي الشفاهي، مطعما سرده ببعض السخرية غير المتعمدة، والتي تأتي عفو الخاطر. الأمر الذي يخلق الود والحميمية مع القارئ. غير أنه يأتي – غالبا في النهاية – بالرؤي السريالية التي تخرج القارئ عن الاستسلام للحكي، وتنبهه لأن هناك رؤية أبعد وراء بساطة الحكي. وأن هناك فجوة تنتظره في النهاية، عليه أن يقف طويلا أمامها للتفكير في كيفية عبورها، وصولا للبر الثاني، أو للراحة المبتغاة و المخبأة وراء القراءة.

3-            سعي شريف الدائم للتجريب والتطوير. والتي لا تخل بما تعارف عليه من مفاهيم النوع الأدبي، وقد تجلت هنا في استخدام الهوامش، التي ترتبط بالمتن ارتباط الجسد بالروح.

4-            الاعتماد علي المشاهد البصرية، التي جسدت الشخوص، وحولتهم لشخصياتحية محددة المعالم والهوية. إلي جانب تجسيد، والإلحاح علي استخدام اللون الأبيض بتنوع دلالاته، خالقا فضاء رحبا اتسع به فضاء القص، فحوي الكثير من الرؤي والكثير من الشخوص، فكانت قصصه عالما واسعا، دون أن يغادر مجال النوع. أو يخل بجمال البناء.

لقد وضع "شريف صالح" "بيضة علي الشاطئ" في "شق الثعبان"  فأخفى كثيرا من معالمه.

 

Em:shyehia48@gmail.com



[1]-  شريف صالح – بيضة علي الشاطئ –كتاب دبي الثقافية 92- سبتمبر 2013 .

[2]- شريف صالح – شق الثعبان – قصص قصيرة جدا – دار صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات – 2014.