يضع الكاتب الفلسطيني في نصه المسرحي القصير الشخصية في زمان ومكان متفجر وسط قتال بين متحاربين لا يعرف من هما وعلى ما يقتتلا، بينما يحاصر الإنسان ويموت في بيته وسكنه، فيقيم حواراً بين الإنسان والفأر ليصل إلى مبلغ الشر حينما يتحكم بالإنسان.

الإنسان الفأر

محمد عبدالله القواسمة

(جزء من صالة في بيت مهدّم. لم يبق من الصالة غير حائط معلق عليه شهادة علمية، وبجانيها شهادة أخرى لطفل روضة، وفوقهما لوحة فنية توشك على السقوط، وفي وسط الصالة طاولة قصيرة فوقها بين الحصى والتراب صحون فيها بقايا طعام. وتظهر حول الطاولة من بين الرّكام كنبات ملطخة ببقع من الدماء، على إحداها قطعة من مرآة مكسورة. أمّا في الجانب الآخر من الصالة فلم يبق من الحائط والسقف غير كتلة من الحديد والإسمنت تتصل بالأرض، وتمتدّ إلى طاولة كبيرة عليها تلفزيون)

الرجل

(يظهر من خلف الكتلة الإسمنتية رجل في الثلاثين من العمر، يقف وسط الصالة وهو ينفض الغبار والتراب عن ملابسه. يدير نظره في المكان).

منذ قليل كنت فأراً. أجل كنت فاراً ليس غريباً في هذا القرن الحادي والعشرين أن يتحوّل الفأر إلى إنسان، أو أن يتحوّل الإنسان إلى فأر؛ فنحن نعيش في مرحلة التحولات الكبرى: تحوّل الشيوعي إلى رأسمالي، تحوّل المعتدل إلى متطرف، تحول الأرض الخضراء إلى صحراء قاحلة. ربما يكون التحوّل ضارًا أو مفيدًا. ربما يكون فيه مكسب كبير للإنسانية كلّها، وبخاصة إذا كان حيوانيًا. أقصد تحوّل الحيوان إلى إنسان. فكم هو مفيد أن يتحول الصرصار أو النملة أو القملة أو البرغوث أو الكلب إلى إنسان!

في حالتي أنا، الذي تحوّلت مع شروق الشمس من الجنس الفئراني إلى الجنس الآدمي إثراء للحياة الإنسانية بإضافة خبرات جديدة للناس لم يعرفوها من قبل، أو عرفوها دون أن تتجذر في حياتهم، وتصبح جزءاً من عاداتهم وسلوكهم، من مثل: العيش المشترك، والتعاون في مواجهة الخطر، والمساواة؛ إذ لا فرق بين فأر وآخر، كل الفئران متساوية في الحقوق والواجبات. فالفئران عادة تعيش في بقعة واحدة متعاونة ومتآلفة. عندما يهاجمها إنسان، أو قط، أو كلب بري، أو ثعلب، أو أفعى تهرب وتختفي، وهي تتصايح كأنها على قلب فأر واحد. كما أن في هذا التحوّل، تحوّل الفأر إلى إنسان مثلما حدث لي دليلًا على أن الأرض ليست للإنسان وحده، وإن كرّمه الله على سائر مخلوقاته؛ فللمخلوقات الأخرى الحق في أن تشاركه الحياة على الأرض، ولها الحق في أن تعيش وتتكاثر بحرية، وعليه أن يعاملها برفق واعتدال.

( صوت تساقط أشياء. يجفل)

أين أنا؟ ما هذا المكان؟ ما الذي يحدث هنا؟ لا شك أني في منزل يبدو أن زلزالاً قضى عليه، أو أنّ ريحًا صرصرًا عاتية شوهته، أو قذيفة دمرته. أدرك هذا. لم أعد فأرا غبيًّا. أنا الآن إنسان.

(يتجه نحو مصدر الصوت. يرى قطعة من المرآة المشروخة على الكنبة، يتناولها، ويتأمل صورته)

يا للعجب! صفات كثيرة من الفأر هي صفاتي. يبدو أن فكرة الأصل تلاحقني، ولن أستطيع التخلص منها: أذناي قصيرتان، عيناي حادّتان، وبوزي مدببة، تمامًا مثل بوز فأر، حتى هذا المعطف الذي أرتديه  لونه رمادي مثل لون الفأر. على كل حال، هذه الصفات ليست بعيدة عن صفات البشر. المهم أني الآن إنسان معتدل القامة، وأطرافي سليمة، ورأسي يزينه عقل راجح، ذو فكر نيّر، يعلم ما في هذه الحياة من أشياء، وأستطيع أن أتعرف ما حولي بسهولة ويسر، كأنّي لم أكن يوما من الفئران. أدرك أني الآن في بيت مهدّم، وعلي أن أخرج منه لألتحق بالناس وأعيش بينهم، وأحقق ذاتي، مثل غيري من الناس، بعد هذا التطور الكريم الذي حصل لي.

(يهمّ بالخروج. يدوّي صوت انفجار قريب)

ما هذا الانفجار؟ أهكذا يستقبلون مجيء إنسان جديد إلى الحياة؟! ومع هذا الاستقبال البائس، لا بدّ من الخروج من هنا في أسرع وقت.

(يسير خطوة. ينطلق الرصاص. يعود إلى الداخل. يقف بجوار الطاولة. يرى في الصحن فأرًا)

أنت أيّها الفأر، لماذا تنظر إليّ هذه النظرات الحاقدة؟ لماذا لا تهرب من وجهي؟ هل وجدت إنساناً يشبهك في أذنيه وبوزه؟ أتحسبني مثلك؟ لتعلم أني لست فأرا الآن. أنا إنسان شجاع، قلبي قلب أسد، وأملك مواهب الإنسان في القتل وسفك الدماء. أستطيع بضربة واحدة أن أسويك بالأرض لكني لن أفعل احتراماً لأصولي الأولى.

(يهزّ الطاولة. يهرب الفأر. يرفع بيده الصحن)

لم تُبق شيئاً لغيرك أيها الفأر. ما هذه الأنانيّة التي لم أعهد مثلها في الفئران؟! لم أر في حياتي الماضية فأرا مثلك يهجم على الطعام بهذا الجشع. أنا جائع لكني لن أفعل كما تفعل أنت بالبحث في بقايا الصحون والطناجر. سأخرج لألتقي بالناس. بعد قليل أكون ضيفاً معززاً على موائدهم.

(يتحرّك ليخرج. ينطلق الرصاص. يختبئ خلف الكتلة الإسمنتية)

لماذا يطلقون الرصاص على هذا البيت المهدم؟ ما الهدف الذي يبتغونه من ذلك؟ ليس هنا إلا أنا. هل المطلوب رأسي؟ ماذا فعلت لهم؟  إني لم أكد آتي إلى الحياة. لم أفعل لا خيراً ولا شراً بعد. ما الذي يجري؟ لا بد من معرفة ما يحدث، من يقاتل من؟ ما موقفي من هذا الصراع؟

(انفجار آخر قريب، يتبعه سقوط لوحة عن الحائط. يتحرّك نحوها، يلتقطها، ويتأملها وهو يهزّ رأسه)

من رسم هذه اللوحة؟ لا شك أنّها لفنان سعيد في حياته. عربة مكدّسة بالورد، واقفة بجانب قصر مثل قصور ألف ليلة وليلة. أيّ ذوق جمالي تتمتع به هذه الأسرة صاحبة هذا القصر؟ إنه فأل شؤم أن تسقط هذه التحفة الفنية على الأرض. يبدو أن كل شيء جميل يسقط في هذا المكان. التحف الفنية والأشياء الجميلة يحب أن تبقى ظاهرة للعيان حتى وسط الردم والخراب؛ ليظل الأمل في انبعاث الحياة والجمال قائماً. يجب أن أعيد هذه اللوحة إلى مكانها.

(يضعها مكانها، يرى الشهادتين المعلقتين أسفل منها)

يبدو أنّ العلم أقوى من الفن. بينما اللوحة سقطت بفعل الانفجاريات فإنّ العلم الذي تمثله هاتان الشهادتان لم يسقط.

(يقرأ في إحداها)

شهادة

تشهد جامعة الحياة أن السيد عبد اللطيف النور قد نال شهادة الدكتوراه في علوم البيئة والموارد الطبيعية عن أطروحته بعنوان:

"التحديات البيئية التي نواجهها حاضرًا ومستقبلًا"

اسمح لي القول يا دكتور عبد اللطيف إنّه لم ينتفع بأطروحتك أحد، حتى أنت لم تنتفع بها. فالله وحده يعلم أين أنت الآن. يدل ما حولي من ركام، وما أرى من بقع الدماء على أنك إما تحت الثرى وإما في المستشفى وإما في مكان ما تنازع للبقاء. يبدو أن لا أحد أهتمّ بما قلت في أطروحتك. فالبيئة دُمّرت، ولا يوجد من يتحدّى أو يتصدّى لإنقاذها من التدمير. أتمنى ألّا أشعر بالندم لأني صرت إنسانًا!

(ينظر إلى الشهادة الأخرى)

وهذه شهادة أيضاً. يبدو أن الأسرة كلها واعية مثقفة.

(يقرأ)

شهادة تخرج

يسر روضة السلم الأهلي أن تمنح التلميذة المهذّبة سعيدة عبد اللطيف هذه الشهادة بعد اجتيازها اختبارات مرحلة الروضة بنجاح. نهنّئ والديها، ونتمنى لها التوفيق والنجاح. مديرة الروضة ....

أين هذه الطفلة الآن؟ شُرّدت، قُتلت. أم دفنت تحت ردم هذا البيت مع والديها.

(يشاهد الدماء على الكنبة)

بقع الدماء هذه تشير إلى أنّها قُتلت، أو جرحت؛ فهي الآن إمّا في المستشفى وإمّا في القبر. يا إلهي أنا حزين حتى الموت! يا ربّ، امنحني القدرة على الاحتمال! ما كنت لأعيش هذا الحزن لو بقيت فأراً!

(يتجدد إطلاق الرصاص. يرتمي على الأرض. يزحف إلى حيث كتلة الحديد والإسمنت. يتوقف إطلاق النار. يقف بجوار الطاولة)

لماذا لا أعرف ما يجري؟ سأفتح هذا التلفزيون ربما يأتيني بالخبر اليقين.

(يدير مفتاح التلفزيون. يصدر منه تشويش. يغلقه)

خيراً لك أيها التلفزيون اللعين أن تخرس. المخزون المعرفي الذي صاحبني منذ أن أصبحت إنساناً يشير إلى أنك طوال السنوات العشر الماضية لم تقدّم غير برامج القتل والدمار، أو برامج الخلاعة والفجور، أو برامج التطرف وعدم احترام إنسانيّة الإنسان. لا تنكر أنك الناطق الرسمي باسم الغرائز: غريزة الجنس غريزة الطعام حب الذات. عليك أن تسكت وتخمد أنفاسك. لا أرغب في سماع الأخبار، يكفيني ما أشاهده. "فما راء كمن سمعا". اسكت إلى الأبد.  ما هذا الدمار والخراب والقتل الذي يجري إلا نتيجة الثقافة التي تبثها، ثقافة التخلّف والبغضاء، ثقافة تُسرع في انتقالنا إلى الآخرة، إلى جهنم بدلا من ثقافة تنقلنا إلى الجنّة على الأرض وإلى الجنّة في الآخرة. ثقافة تُنير لنا طريق الحق والخير والجمال. من الأفضل حقًا أن تخرس أيّها الحقير. ربما يعمّ الهدوء منطقتنا، ويعود إليها الحب والألفة.

(يتناول قطعة حديد، ويحطّم التلفزيون)

(يبحث بين الركام الذي على الطاولة. يجد صفحات متناثرة من جريدة، يجمعها بحرص، يقلّب الصفحات)

ياللعجب! لا أستطيع  تبيان عنوان الصحيفة التي منها هذه الصفحات، ولا معرفة التاريخ الذي صدرت فيه. صحيفة مجهولة مثلي، فأنا لا أعرف من أين جئت، ولا كيف جئت، ولا إلى أين المصير. كل ما أعرفه أنّ أصلي فأر. على كل حال، يبدو أنها صحيفة ثقافيّة اجتماعيّة عامّة بعيدة عن السياسة.

(يقرأ)

"وكالات: في إنجاز علمي جديد يمكنه أن يساعد على فهم الألغاز الجينيّة للإنسان، نشر علماء من ست دول المسوّدة الأوليّة للأطلس الوراثي (الجينوم) للفأر. وتشير هذه المسوّدة إلى التشابه الكبير بين الفأر الإنسان، والى الدور الأساسي الذي تقوم به الفئران في دراسة الأمراض التي يتعرض لها البشر.

وأظهرت المقارنات الأوليّة لجينومي الإنسان والفأر أنّهما أقارب من الناحية الجينيّة. ورغم أنّ جينوم الفأر أصغر بـ14 في المئة من جينوم الإنسان، فإنّ هذين الأطلسين الوراثيين لهما نفس عدد الجينات، وقال العلماء إن أكثر من 90 في المئة من الجينات المرتبطة بالأمراض متشابهة لدى الإنسان والفأر. ويخضع 25 مليون فأر سنويا لأبحاث علمية على أمراض السرطان والسكري وارتفاع ضغط الدم والسمنة".

لا بدّ من العمل على إنقاذ الفئران من هذه التجارب التي تودي بحياتها. لماذا لا يجري الإنسان تجاربه على إنسان آخر؟! هذه المخلوقات يجب إسعادها بدلا من تعذيبها، ويجب تركها تعيش حياتها بحرية. عار على البشر أن يجعلوا الفئران حقل تجارب لهم "مَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ". سأنهض عندما أخرج من هنا، وإن كان وضعي يزداد سوءًا بحملة لإطلاق سراح فئران المختبرات، ومنح الحرية للفئران جميعها، وعدم استخدامها في التجارب العلمية. العلم يجب ألا يكون على حساب مخلوقات غير الإنسان، وعلى  الإنسان أن يتحمّل مسؤوليته وحده في إجراء التجارب على نفسه؛ لأنّه المستفيد الوحيد منها.

(صوت قذيفة. يرتجف المكان. يتوقف قليلًا عن القراءة. ثم ينتقل إلى الصفحة الأخيرة. يقرأ العناوين)

"مشاجرة قتل فيها شاب بسبب كرة قدم.

أب يقتل ابنتيه في جريمة شرف.

زوج يحرق زوجته قبل صلاة الجمعة لخلاف عائلي بينهما.

زوج يفقأ عيني زوجته بسبب راتبها". 

(يلقي الصحيفة جانبًا)

هل تغير الإنسان وأصبح قاتلًا؟ أي سبب يجعل الإنسان يقتل إنسانًا آخر؟ ما أعرفه أنّ القتل لا يكون إلا عند الضرورة. أما القتل لمجرد القتل فهذا لم أعرفه حتى في الحيوانات المفترسة. جماعة الفئران التي كنت منها لا تعرف القتل، وتحاول العيش بسلام مع أعدائها.

(يرتمي على كنبة)

(همس لشخصية مفترضة)

أفكارك غير صائبة عن الإنسان أيها الفأر الإنسان. عليك تغييرها إن أردت أن تفهم الحياة وتعيش بسلام. الإنسان منذ وجد على هذي الأرض وهو يقتل أخاه، أباه، أمه، جدته، جاره. الإنسان لا أصدقاء دائمين له. لكن الحق معك. جرعة القتل في هذا الزمان زائدة عن الحد، فالقتل كثير بل ومتنوع، لا يمارسه الأفراد فحسب بل الجماعات أيضًا. وفي القديم، كان الإنسان يقتل لسبب معقول. الآن لا سبب عنده للقتل غير الرغبة في القتل. ووجه الغرابة هنا أن في القتل دمارًا لكلا الطرفين: القاتل والمقتول. فإذا كان المقتول قد انتهت معركته فإن القاتل قد ابتدأت سواء مع نفسه أم مع غيره.

(ينتفض الرجل)

لا. لا. هذا القول لا ينطبق على الفئران الذين كنت أنا منهم. الفئران لا يؤذي بعضها بعضاً. الفأر لا يقتل أخاه ولو أنهكه الجوع وقد يلجأ إلى جسمه ليأكل منه. شاهدت يومًا فأراً يقضم ذيله من الجوع دون أن يعتدي على غيره من الفئران.

(يرهف السمع. يعلو صوت مكبرات الصوت)

"يُمنع جميع المدنيين حرصًا على حياتهم من الخروج من منازلهم لأيّ سبب من الأسباب، ويطلب من السكان اللجوء إلى الملاجئ عند سماع صفارات الإنذار؛ فالمعركة مع الأعداء ما تزال على أشدها، والغارات الجوية تتواصل وسط صمود قواتنا المسلحة، والقوى الشعبية التي تساندها".

(الرجل باضطراب)

ويلاه! عقلي عاجز عن معرفة ما يجري. لم يُزوّد بمعلومات عن الأطراف المتصارعة، ولا عن أسباب الصراع. إلى متى يستمر هذا الحال؟ ما ذنبي في هذا القتال؟ هل أبقى هنا لأموت من الجوع أو أقتل تحت القصف؟ على كل حال، سأبحث الآن عن لقمة تقيني من الموت جوعًا.

(ينظر إلى الصحون الفارغة. يختفي قليلا خلف الركام، يظهر وهو يضرب كفًا بكف)

لا يوجد ولو كسرة خبز. لا يوجد حتى بقايا طعام، لقد نظفت الفئران المكان كلّه. ما العمل؟ أكاد أموت من الجوع. سأتربص بفأر لآكله. أعرف أن الفأر كان قبل قليل من عائلتي لكني الآن لست فأرًا أنا إنسان، والإنسان مجبول على أكل لحوم الحيوانات.

(يراقب حفرة بين الركام ليمسك بفأر. في الخارج أصوات الرصاص)

لم أعد أطيق البقاء هنا. البقاء هنا انتظار للموت، وأنا لا أرغب في أن  أموت.

(مكّبرات الصوت)

"على جميع السكان الخروج رافعي الأيدي إلى الساحة الرئيسيّة؛ لأنّ المكان أصبح مسيطرًا عليه من قوى الشعب، ومن يبق في البيت يعرض نفسه للقتل وبيته للهدم. اسمعوا وأطيعوا أفضل لكم وأبقى على حياتكم".

(الرجل بحيرة)

الآن تشابكت الأمور في عقلي. من الذي انتصر في هذه المعركة؟ هل الذين قاموا بالغارات الجوية أم من يسمون أنفسهم القوى الشعبية؟ من أمرنا باللجوء إلى الملاجئ وبعدم الخروج من المنازل ومن الذين أمرونا بالخروج أذلاء إلى الساحة؟ من المنتصر؟ من المهزوم؟ يا إلهي كيف تتغير الأحوال هنا؟! ماذا يكون مصيري اليوم؟ ماذا أقول لهؤلاء الذين سيستقبلوني في الساحة بالبنادق والرشاشات؟ هل أقول لهم إني وجدت في المكان الخطأ والزمان الخطأ وإني في الأصل فأر منزل؟ هل يصدّقوني؟ وإذا صدّقوا هل أنجو؟ ربما يكون هذا المبرر القوي لقتلي. فالتحوّل عندهم من الفأر إلى الإنسان أشدّ جرمًا من التحول الجنسي. ما العمل؟ ليس لي إلّا أن انحشر مع إخوتي الفئران في جحر من الجحور التي تحت الركام، وأغرق في الدعاء إلى الله أن يعيدني فأراً؛ فالفأر لا تهدّده قذيفة ولا رصاصة ولا طائفة. الفأر يستطيع أن يعيش في أحلك الظروف حتى في ظروف هذه الحروب التي صنعها الإنسان.

(سماع رصاص وصياح)

ها هم قادمون لقتلي!

(يبحث في الصالة بين الركام)

ليس هنالك من جحر يتسع لأختبئ فيه. اللعنة على من كان السبب في تحويلي من فأر إلى إنسان. لا أريد أن أموت من الخوف الذي صنعه الإنسان في داخلي.

(يدخل قطّ. يُقعي  كأنّه فوجئ بما رأى)

مياو. مياو.  هيئتك تقترب من هيئة حيوان أعرفه جيداً. أجل أنت أقرب إلى الفأر منك إلى الإنسان.

(يتحرّك الرجل نحوه. يظلّ في مكانه. يتابع بجرأة)

لماذا أخافك قبل قليل كنت ألاعب فأراً مثلك. أنت ربما لا تعرّف كيف تنتهي هذه الألعاب. لم أر إنسانًا بل فأرًا أحمق منك. كيف تأتي إلى هذي الخرابة فتكون بين الردم والرصاص. أنت مثل ذلك الفأر الذي كنت ألاعبه قبل مجيئي. سينتهي بك الأمر إلى الافتراس، ستفترسك رصاصة أو قذيفة. مياو. مياو. اطمئن أنا لن يصيبني أذى كالذي سيحدث لك بل ربما على النقيض من ذلك سأعيش أحلى لحظات العمر هنا. فما يجري من قتل ودمار فيه فائدة لي ولغيري من القطط؛ لأن الفئران تتكاثر بمصائب الإنسان، وتصبح مثل الرز كما في لغتكم. ادع لي أن أملك القوّة الكافية كي أستطيع ملاعبة هذه الأعداد من المخلوقات المفيدة.

(الرجل بملل)

لم ينقصني الآن إلا أنت. ما الذي جاء بك؟ لماذا لم تذهب إلى هؤلاء الذين يطلقون النار؟ لا بدّ أن أوعيتهم ملأى بالطعام كما أن بنادقهم ملأى بالرصاص.

(يقترب الفأر منه.يقول مهدّدًا)

ماذا تريد مني؟ أنا الآن لست فأرًا. ابتعد عني. لا تحسبني أخافك، لقد تخلّصت من كلّ الصفات الفئرانية التي كانت تجعلني أقع بين مخالبك. من الأفضل لك أن تغيب عن وجهي، لا أستطيع رؤيتك؛ لأنك من ناحية تذكرني بالماضي الذي أحاول دفنه تحت ركام هذا المنزل، كما تُغريني بالقضاء على الجوع الذي يقتلني من ناحية أخرى. يبدو أني لن أوفر مخلوقاً دون أن أجعله طعاماً لي. عيناك الحمراوان، وأذناك المحلقتان إلى الأعلى، وذيلك المضطرب، كلّ هذه الحركات البائسة، والصفات المريبة، لن تنجيك من الوقوع بين يدي. أنت مصدر أمل لي في الخلاص من الموت في هذا المكان الخرب والوقت العصيب. اغرب عن وجهي. اعلم أنّي جائع، وقد أمسك بك."حذار من جوعي ومن غضبي!"

(القطّ لا يتحرّك. يمسك به، ويضغط على رقبته)

أين تهرب مني؟ ولّى اليوم الذي كنت فيه تلاحقني. هكذا هي الحياة يوم لك ويوم عليك.

(يحاول القطّ التملّص)

الويل لك! جرحتني. مصيرك القتل والأكل.

( ينفلت منه)

(يتهالك على كنبة وهو يتحسس يده)

لا أمل في الحصول على طعام وسط هذا الخراب حتى ولو لحم قطّ. لن أظل هنا أنتظر الموت. سأخرج رافعًا يدي. سأسلم نفسي لهؤلاء القوم الذين لا أعرفهم. ماذا يمكن أن يفعلوا بي؟ يقتلونني؟ هذا أفضل من البقاء إنسانًا.

(يلقي نظرة إلى المكان قبل أن يخرج)

وداعًا أيها البيت المهدّم. ليتني أعود إليك فأرًا!

(يخرج. يسمع دوّي انفجار هائل)

تمت.