يقول الباحث التونسي، بإبداع الناقد آن يقوم بتخليق الدلالات من عبارة نزاريّة تحايث طاقة الشعر: »أنا رجل واحد وأنت قبيلة من النساء. ينير الغموض الملازم للكلام الشعري، ويفكك الأنظمة المساهمة في تشكيله لغوياً، ومعجمياً، وجنسياً، وعددياً، واشتقاقاً .. محققاً سدرة منتهى الشعر في العبارة.

في انتظار النقد: الشعر يدحر اللغوَ ليكون

(قراءة في نموذج نزاريّ)

مصطفى القلعي

لايزال نقد الشعر العربيّ بعيداً عن حرارة الكلمات. هو مفتون بالنظريّات قديمها وحديثها يطبّقها، دون النفاذ إلى أعماقها الجوهريّة باعتبارها أفكاراً تاريخيّة بالأساس تتقادم إذا لم تنمُ وتتطوّر، بحبور الأطفال الذين مُنحوا هديّة سرعان ما تفقد ألقها وبريقها فتُرمى مع كومة المهملات. أمّا الشعر فيظلّ في محطّة الإبداع منتظراً قطار النقد؛ متى يمرّ فيحمل المعنى من صقيع الورقات إلى دفء العقول تتناوله والأفواه تتداوله والذاكرة تحفظه. رأيت عبارة نزار قبّاني تصطكّ أسنانها من برد الصحائف والنقد يفعل أشياء أخرى غير ما ترجوه العبارة.

1.    وصف العبارة:

ستأكّئ على سماحة (سماحة الشعر عبارة لدرويش) أشعار نزار قباني في قراءة عبارة تشكّل عنوان أحد كتبه الشعريّة هو: »أنا رجل واحد وأنت قبيلة من النساء«(1). والكتاب موقّع بتاريخ سنة 1993 قبل وفاته بأربع سنوات. ونشر ضمن الأعمال الكاملة للشاعر سنة 2002. ولم ينشر بعده نزار سوى كتابين هما «خمسون عاما في مديح النساء» الموقّع سنة 1994، و«تنويعات نزاريّة على مقام العشق» المنشور سنة 1996. والكتب الثلاثة هي محتوى الجزء التاسع الأخير من أعماله الكاملة التي ضمّت ثمانية وثلاثين كتاباً. ونزار قبّاني يسمّي الديوان أو المجموعة الشعريّة كتاباً.

والعبارة المشكّلة لعنوان الكتاب قد تبدو للنظرة العجلى بسيطة لا تحفّز على البحث والقراءة النقديّة. ولكنّها عكس ذلك. فهي تقوم على مقابلة وضع بموجبها ضمير المخاطب المؤنّث في مواجهة معجميّة وتركيبيّة ودلاليّة مع ضمير المتكلّم المفرد «أنا» الوارد في مطلع العبارة. والعبارة جملتان إسميّتان. وهو أمر غير مألوف في العنونة الشعريّة. ففيه إسهاب على غير العادة، إذ المتداول المعروف أن يكون العنوان مختزلاً مقتضباً دالاّ على المحتوى. ولكنّ عنوان كتاب نزار خرج على المألوف من حيث التركيب والصياغة. والجدول التالي سيقدّم مكوّنات جملتي العنوان الأساسيّة:

(الجدول رقم 01)

أنا

رجل واحد

منعوت/نعت

مذكّر مفرد/مذكّر مفرد

أنتِ

قبيلة من النّساء

مميّز/تمييز

مؤنّث جمع/مؤنّث جمع

مبتدأ: ضمير

 خبر: مركّب نعتيّ

مبتدأ: ضمير

خبر: مركّب بالتمييز

جملة اسميّة مكثّفة غامضة

جملة اسميّة مكثّفة غامضة

جملتا العنوان متّصلتان بأداة العطف والاستئناف «الواو». ولكنّ حرف «الواو» لم يربط بين الجملتين على أساس الاشتراك الدلاليّ بينهما ولا على أساس التعادل والتوازي باعتبارهما معطوفين يشتركان في وظيفة واحدة أو محلّ إعرابيّ واحد. وإنّما عوّلت اللغة الشعريّة على هذا الحرف ليحمل معنى المقابلة بين الضميرين فيؤدّيه ويعبّر عنه. وعطف الجملة الثانية على الأولى ارتقى بهما معا من مجرّد التعريف إلى الإيحاء. فالعطف، هنا، وظيفيّ إذ أنّه ساهم في تشكيل شعريّة العنوان. إنّ الجملة الإسميّة جملة وصفيّة تعريفيّة، كما هو معروف، يصف خبرها مبتدأها ويعرّفه. ولكنّ الجملتين المشكّلتين لعبارة العنوان لم تكونا كذلك. وقد نجحتا في الخروج من الوصف والتعريف إلى التخييل الشعريّ بفضل خصائصهما المعجميّة والتركيبيّة والدلاليّة.

2.                الجملة الأولى:

إنّ الضمير «أنا» لا يخلو من غموض ناتج عن احتمال دلالته على المتكلّم المذكّر أو على المتكلّم المؤنّث. ولكنّ المنعوت «رجل»، وهو الشطر الأوّل من الخبر، يبدو أنّه أزال الغموض عن الضمير. فالمتكلّم رجل يعني كائناً بشريّاً مدرِكاً بالغاً. ولكنّ عمليّة إزالة الغموض عن الضمير كانت نسبيّة، تكاد تكون وهميّة، إذ أنّ كلمة رجل لا تخلو من غموض، أيضا، لأنّها لا تعيّن من المتكلّم غير جنسه. وهذا ما يجعل الضمير «أنا» مهيّأ لاستعادة غموضه، بسرعة أيضاً، بفضل النعت «واحد»، وهو الشطر الثاني من الخبر. فهذا النعت لا يعني الوحدة ولا العزلة، فهما يتمّ التعبير عنهما بلفظ «وحيد»، في العادة. وإنّما لفظ «واحد» يعيّن عدد المفرد أو العدد الأوّل في الترتيب.

وإذا كان عدد المفرد واحداً بالضرورة، فلماذا يوصف المفرد بأنّه واحد؟ أو لنطرح السؤال بصيغة أخرى: لماذا ينعت الواحد بأنّه واحد؟ يعني ما القيمة التعريفيّة التي للنعت هنا؟ هل يمكن، على وجه القياس اللسانيّ، أن يتمّ تعريف الواحد بأنّه إثنان أو ثلاثة، فنقول: أنا رجلان إثنان، أو: أنا رجال ثلاثة، مثلاً؟ هل من معنى لتعريف الأبيض بأنّه أبيض أو الأسود بأنّه أسود؟

إنّ النعت لم ينجح في التعريف بمنعوته. ولم يميّزه عن غيره من الأسماء المتشابهات. فالنعت ينعت، في العادة ليخصّص المنعوت بما يزيل الإبهام عنه عند متلقّي الخطاب. ولكنّ نعت الواحد بأنّه واحد يعطّل هذا الدور الذي للنعت. بمعنى آخر إنّ هذه العبارة تفقد النعت وظيفته وقيمته في علم الإعراب إذا لم يتمّ وصلها بالعبارة الثانية على وجه المقابلة ذاك. ولذلك فإنّ عبارة نزار هذه تجعلنا نجلّ الدّور الذي أدّاه الحرف العاطف «الواو». فلا معنى للكلام في جملة العنوان الأولى إلاّ بِوَصْله بالجملة الثانية في سياق المقابلة بين المفرد والجمع وبين المذكّر والمؤنّث. سوى ذلك، فإنّ مقولات الإعراب تفقد أدوارها وماهياتها، وأنظمة اللغة تتداعى. وهو ما يتعارض مع وظيفة الشاعر والدور الموكول إليه في كلّ اللغات والثقافات. فالشاعر الذي سمّاه الخليل بن أحمد (ﺘ 170ﻫ) «أمير كلمات»(2)، لم يوجد لتدمير اللغة أو العبث بها. وهو لا يقدر على ذلك على كلّ حال. وإنّما الشاعر كائن لغويّ بامتياز. في اللغة وبها يعمل. وهو أشدّ الناس علما بها، وأكثرهم إحساساً بها وحرصاً عليها.

كلّ هذا يعني أنّ دلالة الضمير «أنا» في جملة العنوان الأولى تتراوح من الغموض إلى الوضوح النسبيّ فالغموض الأصيل من جديد. هذه المراوحة تحقّقت له بفضل المعجم أي الألفاظ التي جاورته وتعالقت معه، وبفضل التركيب أي علاقة الإسناد بين مكوّني الجملة (المبتدأ + الخبر) وعلاقة النعتيّة بين مكوّني الخبر (المنعوت + النعت)، وعلاقة التقابل بين الجملتين المكوّنتين للعنوان المعطوفتين عطف استئناف.

3.                الجملة الثانية:

الشيء نفسه يمكن أن نلاحظه في الجملة الثانية المكوّنة لشطر العبارة الثاني. ﻓـ«المرأة»، فيها، لم تُسَمَّ بأحد أسمائها المألوفة في المعجم. ولم تنعت بإحدى صفاتها الثابتة في الاستعمال. وإنّما ناب ضمير المخاطَب عن الإسم والصفة. ولكنّه كان ضميراً غامضاً ملتبساً زاد منهما، نعني الغموض والالتباس، الشطر الأوّل من الخبر «قبيلة» فهي إسم لمسمّى جمع، وضمير المخاطب المفرد لا يعيّن إلاّ المفرد. ولفظ «النساء» أزال عن الضمير بعض اللبس إذ حدّد جنسه على الأقلّ؛ فالمخاطب تبيّن أنّه من جنس البشر، وهي إمرأة. واتّضح أنّ الضمير مؤنّث يعود على مسمّى مؤنّث وليس مذكّراً. الجانب التركيبيّ للجملة يفيدنا في استنتاج دلاليّ مفاده أنّ الضمير «أنت» قطع رحلة الغموض الدلاليّ التقريبيّة التالية: «أنت»: غموض بنسبة 50٪«قبيلة»: غموض بنسبة 80٪«من النساء» غموض بنسبة 40٪. ولكنّ نسبة الغموض التي تقلّصت في الضمير «أنت» الذي يحتلّ محلّ المبتدإ بفضل الشطر الثاني من الخبر، كما لاحظنا، انتقلت لتتكثّف في محلّ الخبر لتسم العلاقة بين المنعوت والنعت بالغموض الأصيل.

إنّ لفظ «قبيلة» يمتلك في الخبرة اللسانيّة البشريّة معنى ثابتا في الذاكرة. وهو يحمل دلالة زمانيّة، أيضا. فالقبيلة شكل أو نمط من الاجتماع البشريّ عرفه الإنسان قديماً في رحلة بحثه عن الاحتماء من الطبيعة. إنّها الفترة الحضاريّة الممهّدة لنشأة المدينة. وهي لا تتأسّس ولا تكون اجتماعاً بشريّاً إلاّ بوجود الرجل والمرأة فيها، طبعاً. ولفظ «قبيلة» يعيّن زمناً مدركاً بالتاريخ لا بالأسطورة ولا بغيرها من سبل الإدراك. فهو لفظ تاريخيّ يحمل دلالتين كبريين متناقضتين في المعجم العربيّ: دلالة رفيعة ممجّدة قبل انبثاق الدّين الإسلاميّ، ودلالة مستهجنة في الإيديولوجيا الإسلاميّة باعتباره صار لفظاً علامة على القيم «الجاهليّة» التي جاء الإسلام ليتغاير معها. فأيّ المعنيين يحمله اللفظ؛ الممجّد أم المستهجن؟ وأعتقد أنّنا بهذا اقتربنا من إدراك الدلالة، وهي غاية كلّ رسالة لغويّة.

لكنّ التركيب النحويّ الذي حمل لفظ «قبيلة» يبدّد طموحات التأويل للاقتراب من تخوم الدّلالة، الطموحات التي أغوى بها الجانب المعجميّ. فلفظ «قبيلة» هو رأس مركّب تمييزيّ. وحالما اتّصل الرّأس المميّز بالتمييز «من النساء»، استعاد الغموضَ واستبدل به بعض إرهاصات الوضوح، كما لاحظنا أعلاه. فالحاصل من تركيب لفظي «قبيلة» و«من النساء» بعضهما إلى بعض إسم لا يعيّن مسمّى معلوماً في الخبرة اللسانيّة البشريّة في أيّ خطاب من خطابات اللغة؛ لا في الخطاب الأسطوريّ ولا الدينيّ. فلا توجد قبيلة من الرجال ولا قبيلة من النساء. بل منهما معاً ومعاً. وإنّما يبدو أنّ هذا الإسم إسم شعريّ تخييليّ مبتكر غير معلوم. وهو لا يعيّن مسمّى ما بل يتخيّله. وعمليّة التسمية التخييليّة هذه هي التي كثّفت الإسم وأعادت إلى اللفظ غموضه الأصيل.

تبعا لذلك تسمح لنا عبارة نزار التي عنون بها أحد كتبه الشعريّة بأن نصل إلى إثارة قضيّة محوريّة من قضايا الشعر العربيّ المعاصر، هي قضيّة الغموض. فمحاورتنا مع هذه العبارة كشفت لنا أنّ الغموض الشعريّ ليس فعلاً قصديّاً. وهو ليس اختياراً يأتيه الشاعر من بين خيارات أخرى. وإنّما هو صفة ملازمة للكلام الشعريّ؛ فمتى كان الشعر كان الغموض لأنّ الشعر الرؤيويّ المعاصر لا يصف ولا يمدح ولا يهجو. وإنّما يكشف. والكشف لا يستحقّ شرف إسمه إلاّ متى كان كذلك، يعني كشفاً عن المجهول. والمجهول غامض بطبعه. فكيف يكون التعبير عنه واضحاً؟ لذلك كلّه لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن ننحرف إلى اعتبار جملة نزار المشكّلة لشطر العنوان الأوّل لغواً لا معنى له. ولا يصحّ ذلك الاعتبار على الجملة الثانية في العنوان، أيضاً. وإنّما الجملتان معا بعطفهما على التقابل المعجميّ والتركيبيّ والدلاليّ ذاك شكّلتا عبارة شعريّة. يعني ذلك أنّ الجملة الأولى بمفردها ليست عبارة شعريّة. والجملة الثانية بمفردها لا تشكّل عبارة شعريّة. وإنّما الشعر انبثق من تعالق الجملتين على ذلك الترتيب الذي وضعه لهما الشاعر بواسطة الحرف العاطف «الواو». كما لابدّ من النّظر في دلالة المقابلة القائمة بين العناصر المحيطة بالضميرين اللذين يملآن محلّي رأسي شطري العبارتين. وسنرصدها على مستويات المعجم والجنس والعدد. والجدول البيانيّ سيشرح ذلك:

(الجدول رقم 02)

المقولات

الشطر الأوّل (أنا)

الشطر الثاني (أنت)

المعجم

رجل

قبيلة

الجنس

مذكّر

مؤنّث

العدد

واحد: مفرد

من النساء: جمع

إنّ قراءة جدول المقابلات تمنحنا المعادلات المتقابلة الثلاث التالية: رجلقبيلة، مذكّرمؤنّث، واحدجمع. والمقابلة الأولى والثالثة منها توحي بضرورة استحضار معاني البطولة والفروسيّة وحتى الصعلكة كما عبّر عنها الشعر العربيّ القديم. فالصعلكة ليست سوى قيم الفرد في مواجهة قيم الجماعة، وهو محتوى المقابلة الأولى. والبطولة والفروسيّة لشدّما كانتا أعلى وأرقى حين تكون خلاصة انتصار الواحد على الأكثر عددا، وهو مدار المقابلة الثالثة. فهذه بمثابة الحبال السُرّيّة التي تشدّ العبارة إلى تراثها شدّا محاوراً مجادلاً. بقي لابدّ من البحث في الدلالة الممكنة للمقابلة الثانية المذكّرالمؤنّث. فهل هو الرجل ضدّ المرأة في صراع على السيادة يعيه الرجل أكثر من المرأة باعتباره السيّد الذي خرّبت سيادته العالم وباعتبار أنّ عدد النساء يفوق عدد الرجال؟ أم هو الفرد ضدّ السلط جميعها، وهي جمع لا يكاد يلمّ به الحصر، وهو الصراع الأزليّ من أجل الحريّة؟ أم هو الشاعر ضدّ القدامة، وهو الكائن اللغويّ الفرد وهي الدم الساري في كلّ الخلايا؟ والدلالات المفترضة جميعها تشدّ العبارة إلى المعاصرة.. المعاصرة التي تعني التسآل.

4.                انبثاق العبارة الشعريّة:

لقد تفطّن التفكير النقديّ في الثقافة الغربيّة إلى ما تختزنه العبارة من طاقات شعريّة. نقرأ ما قاله جيل دولوز وهو يقرأ فوكو: «لم يتوان فوكو عن طمأنتنا بالإشارة إلى أنّه إذا كان من الصحيح أنّ العبارات طفيفة ونادرة في أساسها، فلا حاجة تدعونا أصلاً إلى توليدها وإكثارها. إنّ العبارة لا ترسل دوماً سوى خصوصيّات ونقط فريدة تتوزّع داخل فضاء يوافقها. يطرح تكوين هذه الفضاءات، كما يطرح تحوّلها، مثلما سنرى، قضايا لها علاقة بموقع العبارة بين العبارات الأخرى. وتمنعنا من النظر إليها من زاوية الإبداع والخلق والأصل والأساس. أي أنّنا فيما يتعلّق بالفضاء، في غنى عن البحث في ما إذا كانت العبارة تدشّن، لأوّل مرّة، مرحلة جديدة من تاريخ الخطاب، أو أنّها مجرّد تقليد واقتفاء لعبارة أخرى أو استنساخ لها لأنّ ما يهمّنا هو انتظام العبارة (...) وعليه «يغدو التعارض بين الأصالة والابتذال تعارضا في غير محلّه»(3).

فإذا كانت العبارات قليلة ونادرة في تقدير فوكو فإنّنا، نحن متلقّي شعر نزار، قد فزنا بفرصة لا تتكرّر لمعاينة حدث عظيم أشهدنا عليه عنوان كتاب نزار الشعريّ »أنا رجل واحد وأنت قبيلة من النساء«: حدثِ انبثاق عبارة شعريّة. وقد رأينا أنّ كلّ المقولات والأنظمة اللغويّة؛ المعجميّة والاشتقاقيّة والإعرابيّة والجنس والعدد وغيرها، قد ساهمت في تشكيلها. والشعر لا يكون ويتحقّق إلاّ في العبارة كلّها. وهي متكوّنة من جملتين، هنا، لا أكثر ولا أقلّ. ونجد أنفسنا مرّة أخرى أمام ضرورة الثناء على الدور الذي لعبه الحرف العاطف «الواو» الذي بفضله خرجت العبارة من اللغو إلى الشعر. هذه العبارة كالكنز المفقود الذي له خريطة موزّعة إلى نصفين يملك كلَّ نصف منهما مغامر ملحاح عنيد. ولا قيمة لأحد نصفي الخريطة إلاّ بوجود نصفه الضائع. ولذلك فإنّ عناد كلّ من المغامريْن لن يمنعهما من الالتقاء لضمّ نصفي الخريطة والظفر بالكنز. فجملتا العنوان الأولى والثانية بمثابة نصفي الخريطة اللذين يفقدان كلّ قيمة متى لم تراع القراءة النقديّة تركيبهما العطفيّ على الترتيب الذي وضعتا عليه. والكنز هو الشعر الكامن في العبارة. والمجد كلّ المجد للحرف العاطف «الواو».

فهذه شعريّة العبارة؛ شعريّة تلوّح إلى النقد منادية حتى يحتفل بها ويهتمّ ويتفطّن إلى أنّه أقام في البحث عن شعريّة القصيدة وعن شعريّة الشعر واستوطن ولم يخرج، بعد. ونداؤها لا يخلو من إغواء في الاتّجاهين؛ في اتّجاهها إذ يكشف شعريّتها المحجّبة، وفي اتّجاه النّقد إذ يسعفه بما يعيد إليه مجده بين رفاقه خطاباتِ اللغة بعد أن استهلكته الإخوانيّات والمجاملات والانطباعيّات والتقليد والتلصّص. إنّ سبب تعطّل المشاريع الثقافيّة والسياسيّة العربيّة هو غياب الفعل النقديّ الحقيقيّ. فالناقد مبدع أصيل. عمله يقتضي مباشرة التجارب الحاصلة. ولكنّ هويّته تلك لا تلغي أصالته. فهذا رأيي.

باحث من تونس

الهوامش

(1) نزار قبّاني: الأعمال الشعريّة الكاملة، الجزء التاسع، الكتاب السادس والثلاثون، منشورات نزار قبّاني، بيروت، آب(أغسطس)، 2002.

(2) نسب هذا الكلام إليه حازم القرطاجنّي. انظر: منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تقديم وتحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة، دار الكتب الشرقيّة، تونس، 1966، ص143.

(3) جيل دولوز: المعرفة والسلطة، مدخل إلى قراءة فوكو، ترجمة: سالم يفوت، المركز الثقافيّ العربيّ، بيروت/ الدار البيضاء، ط1، 1987، ص10.