في بنية قصة تقليدية تذكرك بنشأة القصة القصيرة يتدرج الكاتب السوري في سرد تجربة طالب في قرية صغيرة وعلاقاته بالمعلمين والمدرسة، راصدا بذرة الفساد التي يبذرها المربي في مدارسنا، وكاشفاً عن تأثير بنية العسكرة وحكم الحزب الشمولي على التعليم والمجتمع.

الأول

حسان العوض

-1-

في الصف السادس كانت المرة الأولى التي يتناوب فيها على تدريسنا معلمتان: الآنسة ندى للمواد الأدبية، والآنسة فدوى للمواد العلمية..

كان في مدرسة القرية أربع شُعَب للصف السادس: اثنتان للأولاد، واثنتان للبنات..

وكنت الأول على شعبتي، خاصة في المواد العلمية؛ لذلك رشحتني الآنسة فدوى لامتحان الريادة في مادة الرياضيات، وكانت البداية على مستوى المدرسة.

في يوم الامتحان اجتمعنا أربعة: طالبان وطالبتان.. في إحدى غرف الطابق الثالث غير المستعمل.

لم تكن أسئلة الفحص غريبة؛ فهي منتقاة من كتاب الرياضيات كما هي، وبأرقامها، ومع ذلك لم أستطع أن أحل المسألة المتعلقة بالفائدة المركبة، إلا أنني لم أكن وحدي؛ فقد تبين لي أن كل زملائي عانوا صعوبة في نفس المسألة، خاصة زميلتيّ اللتين كانتا أول فتاتين أكلمهما، وليستا من قريباتي؛ وذلك بعد أن تهدم عفوياً حائط الخجل بيننا..

عدنا إلى شعبنا مع بداية الحصة التالية التي كانت من نصيب الآنسة ندى، وقبل أن تهم بالشرح، طرقت الباب الآنسة فدوى التي استأذنتها طالبة مني أن أرافقها.. عندما وصلنا إلى الدرج المؤدي إلى الطابق الثالث تلفتت الآنسة فدوى يمنة ويسرة قبل أن تصعد ثم أصعد..

في نفس الغرفة من الطابق الثالث، حيث لم يكن أحد من الطلاب سواي، أعطتني الآنسة فدوى ورقة الفحص القديمة مع ورقة فحص جديدة، وطلبت مني أن أنسخ على الجديدة نفس الحلول ما عدا مسألة الفائدة المركبة التي أعطتني حلها كما هو موجود في كتاب سأعرف لاحقاً أن اسمه "دليل المعلم".. لم أفهم ماذا يحدث؛ فتساءلت هامساً:

  • ولكن أليس هذا غشاً يا آنسة؟

لم يبتسم في وجه الآنسة فدوى إلا شفتاها:

  • لم يحل هذه المسألة أي طالب.. ومع ذلك أنت حصلت على أعلى مجموع: سبعة من عشرة.. إلا أن هذه العلامة لن تسمح للمدرسة بترشيح أي طالب لامتحان الريادة على مستوى المنطقة. وأنا لا أريد أن أحرم المدرسة من هذه الفرصة، ولا أعتقد أنك تريد ذلك، خاصة أنك الأجدر..

يبدو أنني اقتنعت؛ فبدأت بإملاء ورقة الفحص الجديدة.. وعندما أعطيتها للآنسة غمزتني بعينها قائلة:

  • لا تنس أن هذا سرنا.

قبيل نهاية الدوام المدرسي دخل مدير المدرسة شعبتنا حيث كانت الآنسة فدوى تشرح لنا درساً في العلوم.. وقف الطلاب احتراماً له.. أجلسنا ثم أخبرنا أنني حصلت على العلامة الكاملة في مادة الرياضيات؛ لذلك سأمثّل المدرسة في امتحان الريادة على مستوى المنطقة؛ فألف مبروك بدأت تنهال عليّ من زملائي.

-2-

لم تستأجر إدارة المدرسة حافلة خاصّة لنقل التلاميذ المرشّحين لامتحان الريادة، الذي سيجري في إحدى مدارس المدينة، وإنما ركبنا في إحدى حافلات القرية، حيث دفع الأجرة الأستاذ فاضل/ الموجِّه المرافق لنا..

لم يكن الطريق طويلاً بحساب المسافة أو الزمن، إلا أنه كان كذلك بالنسبة لي بسبب دوخة ودوار وغثيان، لم أتخلص منهم إلا عندما وصلنا المدينة، وتوقفت الحافلة في المواقف الخاصة بالمنطقة.. ما إن نزلت حتى تقيأت كل ما قد تناولته على الفطور.. رافقني الأستاذ فاضل إلى دورات المياه العامة في الكراج.. تمضمضت وغسلت وجهي.. وعندما قفلنا عائدين، كان التلاميذ، أولاداً وبنات، ينتظروننا وينظرون إلي.. ركبني شعور بالخجل جعل الدم يتدفق غزيراً إلى وجهي الذي صار حاراً ولا بد أنه احمر..

توجهنا مشياً إلى المدرسة التي كانت قريبة من الكراج.. اختفى الخجل عندما دخلنا المدرسة، وحلت مكانه الدهشة من امتلائها بتلاميذ لم أكن أعرف منهم إلا تلاميذ مدرستي.. أخبرنا الأستاذ فاضل أن هؤلاء الطلاب جاؤوا من القرى المجاورة لقريتنا.. ثم راح يوزعنا، كل طالب إلى الغرفة التي سيجري فيها امتحانه...

بينما كنت أتعارف مع الطلاب المجاورين دخل أحد الأستاذة.. حيّانا وهنأنا على بلوغنا هذا المستوى، ثم أخبرنا أنه سيوزع علينا أوراقاً هي أوراق الأسئلة، والأجوبة ستكون عليها أيضاً. وغالباً ما ستكون الإجابة كلمة أو اثنتين؛ لذلك فإن مدة الامتحان ربع ساعة فقط.

استغربت من هذه النوعية من الأسئلة؛ لكن استغرابي تلاشى تدريجياً عندما بدأت بحلها، إذ لم يكن الجواب إلا عدداً أو كلمة أو اثنتين.. سؤال واحد فقط، أمضيت نصف الوقت عليه، ولم أوفق في الإجابة عليه، يقول: (أنا شكل هندسي أتكون من خمسة أضلاع متساوية في الطول فما هو اسمي؟) فكرت بالمربع الذي يصلح جواباً لو كان عدد الأضلاع أربعة، وفكرت أيضاً بالمسدس الذي طالما أشكل علي تسمية أحد الأسلحة به على الرغم من أن شكله ليس مسدساً، وفكرت بالمخمًس؛ إلا أن هذه الكلمة كانت أول مرة ترد إلى ذهني، وفكرت أن المسدس على غرار المربع، وبالتالي ينبغي أن يكون الجواب هو المخمس، لكنني استبعدته، وكتبت جواباً أكثر إلفة هو خماسي الأضلاع.

بعد الامتحان علمت أن كثيراً من الطلاب لم يجيبوا على هذا السؤال.. ولاحظت قدوم مدير مدرسة القرية، ولم أستغربه، إلا أنني استغربت من تواجد خالي الذي لا يعمل في التعليم، وإنما يعمل في مديرية الصحة كموظف، وإن كان أهل القرية يلقبونه بالوزير بسبب صلاحياته الواسعة التي تجعله يساعد كل من يطلب خدمة منه، سواء من القرية أو من خارجها، فطالما كان الشارع أمام بيته مزدحماً بالسيارات التي يأتي أصحابها محملين بكل ما يخطر على بال من صناديق الفواكه والخضار أو حتى الخراف..

لم يسألني خالي عن الامتحان، وإنما تنحى بي جانباً ليخبرني أنني أحسنت، إذ لم أخطئ إلا في سؤال واحد، وأنه لا يوجد مِن الطلاب مَن قد أجاب على الأسئلة كلها بشكل صحيح، إلا أن أكثر من طالب غيري أخطأ في سؤال واحد؛ ما يعني أن إدارة المنطقة سيتحتم عليها أن تختار طالباً واحداً منهم. وقد وعدني أن أكون هذا الطالب.

في صباح اليوم التالي، وبعد تحية العلم، أمسك المدير بالميكروفون، وراح يتحدث بفخر عن طالب رفع اسم مدرسته وقريته عالياً؛ لأنه حصل على المركز الأول على مستوى المنطقة في مادة الرياضيات، وأنه سوف يمثل المنطقة في امتحانات الريادة على مستوى المحافظة كلها، ثم ذكر اسمي طالباً مني أن أتقدم إليه، وطالباً من تلاميذ المدرسة أن يصفقوا لي.. بدأ الخجل دورته.. وبعيداً عن الميكروفون، أخبرني المدير أن إدارة المدرسة ستكرمني ببيجاما رياضية يمكنني انتقاؤها من محل الألبسة الذي فتحه مؤخراً.

قبل أن أدخل الصف، استوقفتني الآنسة فدوى.. صافحتني، وقبلتني، وكانت أول قبلة من امرأة لا تقربني، ثم همست في أذني أن أعتذر من المدير عن عدم قبول البيجاما، وأطلب منه ثمنها الذي ستصرفه الإدارة كي تشتري لي به بنطال جينز..

أعجبتني الفكرة كثيراً إلا أنني لم أجرؤ على تنفيذها، وارتضيت بالبيجاما الرياضية التي كانت أول واحدة ألبسها.. وتأجّل حصولي على بنطال جينز لأول مرة عدة سنوات؛ إذ لم تهدني واحداً الآنسة فدوى.

-3-

في اليوم الأخير من العام الدراسي أعطتني الآنسة فدوى كتاب "دليل المعلم لمادة الرياضيات" وأوصتني بقراءته كاملاً لأن أسئلة الامتحان ستنتقى منه، وأن أستغل الشهر الذي يفصلني عن موعد الامتحان..

اكتشفت أن هذا الدليل يتألف من حلول كل الأسئلة التي يتضمنها كتاب الرياضيات، والتي تلي كل درس، وأنه مقسم على عدد دروسه البالغة ثمانية وعشرين درساً.

بعد عودته من وظيفته في المدينة ثم تناوله الغداء ثم نومه قيلولته القصيرة، صار أبي يراجع معي يومياً أسئلة درس أُشبعت به قراءة خلال اليوم.. مع البداية في الدروس الأولى، كان يطالبني بحل كل الأسئلة، وأنا لم أكن أخطئ في الإجابة عنها؛ فتنفرج أساريره.. ومع الاقتراب من الدروس الأخيرة راحت الأسئلة تصعب قليلاً، ويكثر عددها، وراح أبي يختار عدداً منها، وغالباً ما أحلها بشكل صحيح.

وأخيراً أزف الموعد.. استيقظت باكراً مع أبي، وبينما كنت أجهز نفسي طرق الباب الأستاذ فاضل، وقد جاء ليرافقني إلى المعسكر الذي سيجرى فيه الامتحان.

غادرنا ثلاثتنا برفقة أدعية أمي التي لا بد أنها ظلت واقفة على الباب حتى غبنا عن نظرها.. صعدنا الحافلة.. دفع الأجرة الأستاذ فاضل.. أغمضت عينيّ خوفاً من الدوار.. سمعت الأستاذ فاضل يخبر أبي أنه لا داعي لأن يتعطل عن وظيفته اليوم، وأنه يمكنه زيارتي بعد عودته منها، وأنني مثل أحد أبنائه..

فجأة طلب الأستاذ فاضل من السائق أن يتوقف.. فتحت عينيّ لأكتشف أننا ما زلنا في منتصف الطريق.. ودعني أبي بقبلة على خدي وابتسامة عريضة.. نزلت مع الأستاذ فاضل الذي أخبرني في الطريق الطويل الذي تظلله الأشجار على الجانبين أن هذا المعسكر هو نفسه الذي أمضى فيه زملائي العام الفائت عشرة أيام.. وقتها لم تسمح لي أمي بالمشاركة خوفاً علي، وربما لأنه ليس إجبارياً..

دخلنا من البوابة العريضة، ورحت أبحث بعينيّ عن الخيام القماشية التي حكى لي زملائي عن مغامراتهم فيها إلا أنني لم أشاهد إلا أبنية إسمنتية. بينما كان الأستاذ فاضل يتحدث مع أحد حراس البوابة الذين يرتدون بدلات عسكرية.

توجهنا إلى أحد الأبنية.. صعدنا إلى الطابق الثاني فوجدنا غرفتين كتب على باب كل منهما كلمة "رياضيات".. دقق كل واحد منا في الورقة المعلقة أسفل الكلمة فوجدت اسمي.. دخلت الغرفة التي تتوزع قرب ثلاثة من جدرانها أسرة حديدية على شكل طابقين.. كان اسمي معلقاً بورقة على السرير الأيمن السفلي.. وضعت عليه كيسي البلاستيكي الذي توجد فيه بيجامتي الرياضية.. أخبرني الأستاذ فاضل أنه يتوجب عليه أن يغادر لأن حراس الاستقبال أخذوا منه هويته طالبين منه ألا يتأخر.. وعدني أنه سيحاول العودة بعد العصر عندما يُسمح بالزيارة..

يبدو أنني أول الواصلين.. هذه أول مرة أرى فيها سريراً من طابقين.. سررت لأن السرير العلوي ليس من نصيبي إذ ربما أقع عنه وأنا نائم..

بدأ التلاميذ بالقدوم.. في نفس الطابق غرفتان للعلوم، دخل إلى إحداهما واحد.. ثم دخل واحد إلى غرفة الرياضيات الأخرى.. وأخيراً دخل تلميذ إلى غرفتي، يجر وراءه حقيبة سفر صغيرة وضعها على السرير الأيسر العلوي.. وبينما كنا نتعارف دخل تلميذ ثان ثم ثالث ثم رابع، توزعوا على الأسرة الأخرى. وكان كل واحد منهم يجر حقيبة سفر تختلف في شكلها وحجمها ولونها عن حقائب الآخرين.. غطيت كيس البيجاما بالملاءة العسكرية التي تدثر السرير.. وأخيراً وصل جاري في السرير العلوي يحمل كيساً بلاستيكياً شبيهاً بكيسي.. رماه على سريره وجلس بجانبي.. أخبرني أن اسمه عبد المؤمن، وقد تأخر لأنه قدم من مدينته البعيدة، وعندما أخبرني أن "القريتين" هو اسمها ضحكت قائلاً:

  • يبدو أنها ليست مدينة، وليست قرية، وإنما قريتان.

ضحك هو أيضاً ثم همس في أذني أنه جائع..

كان الوقت قد تجاوز الظهر عندما نودي في الميكروفون أن يتجه التلاميذ إلى المطبخ لتناول الغداء.. انتصب عبد المؤمن واقفاً، طالباً مني أن أتبعه.. لم يكن المطبخ بعيداً.. وعندما اقتربنا منه التحقنا بطابور بدت لي بدايته ولم تظهر نهايته.. أخذ كل واحد منا صينية معدنية مقسمة إلى حجرات متفاوتة الحجم.. كان أحد عمال المطبخ يسكب رزاً، ثم يسكب آخر مرقاً، ثم يعطي الثالث رغيف خبز وتفاحة..

كان المطبخ هائل المساحة، يحوي طاولات خشبية ضخمة الحجم، ولكن لم يكن حولها مقاعد؛ لذلك تناولنا طعامنا واقفين.. أنهى عبد المؤمن كل طعامه ثم راح يأكل ما تبقى من رز ومرق على صينيتي..

عدت وعبد المؤمن لنجد كل زملاء الغرفة قد سبقونا في الرجوع، وقد أخرج كل واحد منهم علبة كرتونية تحتوي قطعاً معدنية أو بلاستيكية، مختلفة الأشكال والأحجام والألوان، مصنوعة بطريقة بحيث تركب إحداها فوق الأخرى مباشرة أو بواسطة برغي وعزقة ومفتاح ربط أو مفك . وعندما سألهم عبد المؤمن عنها أجابوا أنها "الميكانو" واستغربوا كيف أننا لا نعرفها، وكيف وصلنا إلى هذا المستوى من الريادة من دون أن نعلم بها خاصة أنها جزء من امتحان الرياضيات.

أصبت بالذهول.. ليس مهماً أن هذه أول مرة أسمع فيها بهذه الكلمة، ولكن كيف سنمتحن بها.. لاحظ عبد المؤمن ارتباكي فوشوشني في أذني:

  • "أعتقد أنها لعبة أكثر منها مادة امتحان.. انظر إليهم لتكتشف أنها بسيطة.. يركّبون قطعة فوق أخرى حسب صورة ما يريدون صنعه"

بالفعل كان أحدهم يبني ما يشبه القلعة، وكان آخر يصنع سيارة، و...

بقيت وعبد المؤمن ننظر إليهم حتى نودي على "قيس" من أجل الزيارة فخرج بعد أن أعطانا علبته قائلاً إننا نستطيع التدرب عليها بشرط ألا نضيع قطعة منها.. كانت من النوع البلاستيكي الذي ترتبط قطعه فيما بينها بشكل مباشر.. قرر عبد المؤمن بعد أن رأى صورة طائرة في كتيب الصور المرافق أن نبدأ بصنع واحدة.. نودي على تلميذ ثان من أجل الزيارة ثم ثالث ثم رابع.. رحت أفكر إذا ما كان سيزورني أحد، ولكم تمنيت أن تأتي الآنسة فدوى.. وعندما انتهينا من صنع الطائرة نودي علي من أجل الزيارة.. أخبرني عبد المؤمن أن أحداً لن يزوره لأن مدينته بعيدة فدعوته لمرافقتي.. فككنا الطائرة بسرعة، وأعدنا قطعها إلى علبتها مع الكتيب ثم وضعناها على سرير صاحبها..

كان في انتظاري أبي وخالي الذي أحضر معه علبة مليئة بفطائر الجوز الساخنة التي أحبها كثيراً؛ فبدأت بالتهام واحدة، وكذلك فعل عبد المؤمن الذي راح أبي يسأله عن مدينته ثم كنيته ثم أحد أقاربه.. أخبرت أبي عن الميكانو فاستغرب إلا أن عبد المؤمن طمأنه إلى أننا تدربنا عليه ونستطيع تجاوز الامتحان فيه.. وعندما عرض أبي أن يحاول شراء علبة واحدة لكلينا أخبره عبد المؤمن أن لا داعي لذلك لأننا نستطيع الاستعارة من زملائنا..

نودي في الميكروفون بانتهاء الزيارة، والرجاء من الزوار مغادرة المعسكر.. ودعنا أبي وخالي الذي أوصاني بتوزيع بقية الفطائر على زملائي في الغرفة.

عندما وصلنا الغرفة كان قيس يتفقد علبته.. شكرته وأعطيته فطيرة.. ثم أعطيت الفطائر الأخرى لزملائي الذين بدؤوا في العودة واحداً وراء واحد.

نودي مرة أخرى في الميكروفون من أجل العشاء الذي كان يتكون من بيضة وحبة بطاطا مسلوقتين ورغيف خبز وكأس شاي.

بعد العشاء نودي على التلاميذ من أجل التوجه إلى حفلة سمر في ساحة المعسكر..

سألت عبد المؤمن عن سمر التي ستقيم الحفلة؛ فضحك حتى كاد يغمى عليه، وهو يشرح لي أن السمر هو السهر على أنغام الموسيقى وحركات الرقص.

أكثر ما لفت نظري أولئك التلاميذ الذين كان بعضهم يصغرني عمراً، وقد حمل كل واحد منهم آلة موسيقية.. عرفت أسماء بعض الآلات، ولكن لم يسبق لي أن رأيت منها إلا الطبل والمزمار في أعراس القرية، ولكن بشكل وحجم وصوت مختلف، بالإضافة للأكوروديون الذي كان الآلة الموسيقية الوحيدة في مدرسة القرية، وكانت معلمة الموسيقى في حصتها الأسبوعية تعزف عليه وحدها نفس الأغنية "أعطني الناي وغنِّ" ولطالما فكرت أنه ينبغي عليها أن تعزفها على آلة الناي وليس الأكورديون.

أخبرت عبد المؤمن عن الأكوروديون والناي فابتسم وقال إنه يعرف ويحب العزف على الناي.

بدأ بعض التلاميذ باستعراض مهاراتهم على آلاتهم الموسيقية، وبدأ بعض آخر بالرقص، وعقد البعض حلقات دبكة، في حين بقيت وعبد المؤمن مع البعض الذي ظل واقفاً يتفرج ويسمع مدهوشاً لبعض الوقت قبل أن نلحق بإحدى حلقات الدبكة، ولكن في طرفها البعيد عن الأول الذي لا يتقدم له أو حتى يقترب منه -حسب خبرتي من حضوري أعراس القرية- إلا الجدير، ومن يفعل، وهو ليس كذلك؛ يُسخر منه.

انتهت الحفلة بنداء من الميكروفون الذي طلب من التلاميذ العودة إلى غرفهم و النوم...

استيقظنا على صوت الميكروفون يطلب منا التوجه إلى المطبخ من أجل الفطور الذي كان نسخة عن العشاء.

بعد الفطور جاءنا أستاذ طالباً منا أن نتبعه إلى قاعة الامتحان.. جلس كل واحد منا على المقعد الذي دوِّن عليه اسمه.. أخبرنا الأستاذ أننا سنمتحن الآن القسم النظري من مادة الرياضيات، وسوف يدخل الفحص العملي فقط الذين يحصلون على ثمانين بالمئة في النظري، وأن من يحصل على ما هو أقل فسوف يغادر المعسكر، وأن العلامة النهائية هي محصلة كلا الامتحانين النظري والعملي.

كانت الأسئلة على غرار أسئلة المدرسة.. وقد بدأت بالإجابة عنها بتوتر راح يقل مع كل سؤال أنتهي منه إلى أن وصلت إلى السؤال الأخير الذي كان أيضاً عن الفائدة المركبة، ولكن بصياغة مختلفة.. تذكرت عدم استيعابي الكامل لهذا الدرس، حتى بعد أن شرحه لي أبي، والغش أو عدم الغش الذي مارسته والآنسة فدوى.. شرعت بحل المسألة ولكنني لم أوفق في الانتهاء منها بسبب انتهاء الوقت المخصص للامتحان.. سحب منا الأستاذ الأوراق الامتحانية.. خرجت حزيناً لأجد مدير المدرسة في انتظاري.. واساني قائلاً إن وصولي إلى هذا المستوى إنجاز بحد ذاته.. وعندما أخبرته عن الامتحان العملي والميكانو فوجئ أيضاً.

جاء عبد المؤمن مسروراً مع مديره الذي صافح مديري.. أخبرني عبد المؤمن أنه أجاب عن كل الأسئلة بشكل صحيح فسررت له، وأخبرته عما حللت من المسألة الأخيرة فأقنعني أن العلامة لا تعطى كاملة للجواب النهائي، وإنما تقسم على كل خطوة تقوم بها حتى تصل إليه، وأنني قطعت معظم الخطوات إليه..

أخبرني عبد المؤمن أنه سيصنع طائرة في الامتحان العملي، وطلب مني أن أفعل مثله..

خرج الأستاذ ليعلمنا من ترشّح إلى الامتحان العملي، وقد كان عبد المؤمن الأول بنيله العلامة التامة وحده.. ولم أترشح، وإن نلت أعلى درجة بين غير المرشحين.. كنت أقاوم رغبتي بالبكاء عندما جاء عبد المؤمن وعانقني؛ فانفجرت عيوننا دموعاً.. وعدني عبد المؤمن أنه سيكون الأول على مستوى المحافظة، وسيحاول أن يكون الأول على مستوى الدولة، وعندما يجري التلفاز لقاء معه فإنه سوف يذكرني، وأنه لن ينساني أبداً...

طلب الأستاذ من التلاميذ غير المرشحين أن يغادروا المعسكر، بينما طلب من المرشحين أن يعودوا لقاعة الامتحان استعداداً للفحص العملي..

-4-

صرت أتابع البرنامج التلفزيوني الأسبوعي الذي ينقل عادة أخبار ونشاطات المرحلة الابتدائية.. وفي إحدى الحلقات ذكر المذيع أن المحافظات انتهت من امتحانات الريادة، ورشحت تلاميذها الأوائل إلى الامتحان المركزي الذي سيقام في العاصمة بعد شهر..

ظللت أتابع هذا البرنامج الممل على أمل أن أعرف فيما إذا نجح عبد المؤمن بالوصول إلى الامتحان المركزي، ولكن من دون جدوى..

وأخيراً بث البرنامج حلقة خاصة بامتحانات الريادة استضاف فيها التلاميذ الأوائل على مستوى الدولة.. لم يكن عبد المؤمن بينهم.. عزف الأول في الموسيقى لحناً لأغنية وطنية على الأورغ.. وألقى الأول في الخطابة قصيدة وطنية.. أما الأوائل في الرياضيات والعلوم والاجتماعيات فقد أجاب كل واحد منهم عن سؤال المذيع المكرر: "لمن تهدون هذا التفوق؟"

بنفس الجواب: "إلى المعلم الأول.. راعي العلم والعلماء"

ولم تكن تلك أول مرة أسمع فيها هذا الكلام.