يصوغ الناقد منهج إجرائي يتكئ على تاريخ الفن، فيبين القواعد والإرشادات المساعدة في الحكم التقييمي، كما يوضح المعايير العلمية والضوابط المحكمة التي تحد من الأهواء الانفعالية والذاتية لدى أعضاء لجان التحكيم المسرحية في المهرجانات والفعاليات المسرحية المختلفة.

معايير منهجية لتقويم العروض المسرحية

جميل حمداوي

يثير تقويم العروض المسرحية ضمن الإقصائيات الإقليمية والجهوية والوطنية والعربية والدولية كثيراً من الصعوبات والمشاكل بين أعضاء لجن التحكيم على مستوى التنقيط والتقدير والتقييم بسبب التفاوت العلمي والتجربة الاحترافية واختلاف المرجعيات النظرية والتطبيقية التي ينطلق منها المحكمون المشاركون في انتقاء أفضل العروض الدرامية واختيار أجودها. وقد يترتب عن هذا الاختلاف العلمي والمنهجي الوقوع في مفارقات ترجيحية وتناقضات في التفضيل والتقييم؛ مما يسبب لدى المشاهدين والفرق المشاركة بلبلة ولبساً واضطراباً في معرفة الصواب من الخطأ والحقيقة من التيه والضلال.

لذا، ارتأينا أن نحدد منهجية إجرائية للعمل النقدي والتقويم الدرامي السليم والمتمثلة في مجموعة من المعايير العلمية والضوابط المحكمة التي تحد من الذاتية المفرطة والأهواء الانفعالية الخاصة والرغبات الدفينة لدى أعضاء لجن التحكيم في مجال المسرح.

هذا، وقد استقينا هذه المعايير المنهجية المحكمة من تاريخ الإخراج الدرامي قديماً وحديثاً، وبلورناها في شكل قواعد عامة ينبغي الانطلاق منها استرشاداً وتوجيها لكي يكون حكمنا التقييمي علمياً ونزيها وموضوعياً يتفق حولها المحكم والممثل والمخرج والمشاهد والإداري والناقد على الرغم من أن الحقيقة في مجال المعارف والعلوم والآداب والفنون نسبية ليس إلا.

1- الضوابط والمعايير:
تتمثل معايير التقويم والانتقاء واختيار أجود العروض المسرحية في المرتكزات والقواعد الضابطة التالية:

1- الفرجة الشاملة أو المتكاملة التي تتمثل في توظيف جميع مقومات الفن المسرحي من رقص وموسيقا وإضاءة وشعر وسرد وكوليغرافيا وميم وبانتوميم، باختصار الدعوة إلى المسرح الشامل مادام المسرح أب الفنون جميعا...؛

2- الجمع داخل العرض المسرحي بين الفائدة المعرفية والمتعة الجماليّة؛

3- جودة الانسجام الجماعي في العروض الحوارية الجماعية أو الانسجام الفردي في العروض المنودرامية؛

4- توظيف التقنيات الميزانسينية والتصورات الإخراجية المعروفة في تاريخ الإخراج المعاصر وحسن استثمارها تقنياً وسياقياً ودلالياً ومقصدياً؛

5- البحث عن تقنيات وتصورات إخراجية ومشاهد سينوغرافية وصور مشهدية درامية جديدة لم تستعمل بعد في العروض المسرحية؛

6- الجمع بين متعة الأداء التمثيلي فوق خشبة الركح ومتعة التلقي والتقبل والمشاهدة البصرية من قبل الراصدين؛

7- الميل إلى التجريب المسرحي واختبار النظريات الدرامية الحديثة وتجريبها؛

8- البحث عن التجديد والحداثة الحقيقية؛

9- الميل نحو الإبداع والابتكار والخلق والبحث الدرامي والبحث عن نظريات وتقنيات وطرائق مسرحية جديدة على مستوى التشخيص والإخراج والسينوغرافيا والتأليف والدراماتورجيا؛

10- توظيف سينوغرافيا سيميائيّة متكاملة قائمة على الإثارة والإدهاش تجمع بين اللغوي والحركي والأيقوني لإمتاع الجمهور معرفياً ووجدانياً وحركياً؛

11- جودة التشخيص والتمثيل وتطبيق منهجيات المدارس المعروفة في تدريب الممثل وتكوينه سواء على المستوى النفسي الداخلي أم على المستوى التقني الخارجي أو التوفيق بين الأداءين معاً؛

12- احترام معيار الوقت نسبياً لتفادي الملل والرتابة والروتين في المشاهدة والرصد، وتسهيل المهمة أمام الفرق المسرحية الأخرى لبناء ديكوراتها وتأثيث فضاءاتها الركحية.

ويقصد بهذا الأمر ضرورة الالتزام بغلاف زمني مسرحي يقترب من الساعة زيادة ونقصاً بالنسبة لمسرح الشباب ومسرح الطفل والمسرح المدرسي، والتقيد بظرف ساعتين بالنسبة لمسرح الكبار والمحترفين؛

13- التركيز على المواضيع الهامة والجادة التي تحمل رسالة تربوية وإنسانية وأخلاقية بعيدة عن العرقية والشوفينية والتطرف وإذكاء النعرات الضيقة؛

14- اجتناب التعابير المباشرة السطحية التقريرية وتعويضها بطرائق فنية وجمالية موحية وانزياحية ورمزية باستعمال أساليب حوارية كنائية ودالة وتعابير إلقائية غير مباشرة؛

15- الانطلاق من رؤى فلسفية وذهنية جادة قائمة على الحق والوضوح والعمل والصدق والأمل والتفاؤل والالتزام بالأخلاق الإسلامية الفاضلة، واجتناب فلسفة العبث واليأس والقلق والتشاؤم والضياع والاغتراب؛

16- تشجيع التأليف الشخصي لدى الفرق والنوادي والجمعيات والمؤسسات المشاركة وترجيح كفة الإبداع الذاتي الشبابي بدلاً من الاشتغال على النصوص الغيرية سواء أكانت مقتبسة أم مترجمة أم مؤلفة من قبل كتاب آخرين؛

17- الإشادة بالإعداد الدراماتورجي الذي يقوم به المخرجون والمؤلفون الشباب والكبار على حد سواء؛

18- التنويه بالصور البلاغية المشهدية واللقطات الكوليغرافية الممتعة والمفيدة المرتبطة بسياقها الوظيفي والسيميائي؛

19- الإشادة الكلية بالأعمال المسرحية التي تنحو منحى التأصيل والتأسيس للفعل الدرامي سواء أكان هذا التأصيل مرتبطا بالثقافة العربية الإسلامية أم بالثقافة الأمازيغية أم بأية ثقافة أخرى، وذلك بالبحث عن كل ما يكون الهوية والأصالة والكينونة الحقيقية للإنسان العربي والأمازيغي والآخر على حد سواء؛

20- من المعروف أن هناك أنواعاً ثلاثة من العروض المسرحية، عروض تراعي أفق انتظار الجمهور، وعروض تخيب أفق انتظاره عن طريق الانزياح وتخريب القواعد والمعايير المألوفة في المسرح، وعروض تؤسس لأفق انتظار جديد. لذا، ترجح -في اعتقادنا- كفة العروض التي تبني تصوراً جديداً لدى المشاهد الراصد، وترفع من ذوق المتلقي الملتقط، وتؤسس لأفق انتظار حداثي جماهيري جديد؛

21- التركيز على معياري الوظيفية والسياق الدراميين، ويعني هذا أن جميع المكونات المسرحية ينبغي أن تكون وظيفية، ولها سياقها الدلالي والسيميائي والتداولي والنفسي والاجتماعي بدون تصنع وتكلف؛

22- الإحساس بالحيوية والانسجام والاتساق والشعور بالنغمة الموحدة المتكاملة والتناغم الهرموني داخل العرض المسرحي؛

23- الجمع بين التشخيص اللغوي القائم على الكلمة والحوار اللفظي والتشخيص الحركي القائم على الأداء الجسدي والبصري والكوليغرافي أثناء تقديم الفرجة المسرحية؛

24- إضافة جوائز جديدة مثل: جائزة الكوليغرافيا، وجائزة الجمهور، وجائزة النقاد، وجائزة لجنة التحكيم، وجائزة أجود صورة مسرحية، وجائزة الدراماتورجيا، وجائزة أحسن اشتباك درامي.

2- شروط اختيار أعضاء لجن التحكيم:
لكي تكون لجنة التحكيم لجنة علمية مقبولة لتمارس اختصاصاتها التقويمية إبان الإقصائيات المحلية والجهوية والوطنية والعربية والدولية والتظاهرات المسرحية لابد أن تتوفر فيها مجموعة من الشروط والمواصفات والمميزات الضرورية التي يمكن حصرها في الشروط والضوابط التالية:

1- أن يكون عضو التحكيم حاصلاً على شهادة عليا في مجال المسرح والدراما؛

2- أن تكون له خبرة كبيرة ومعرفة موسوعية وشاملة بفنون المسرح والدراما نظرياً وتطبيقياً؛

3- أن تعترف به الجمعيات والنوادي والفرق والمؤسسات المسرحية بأهليته ليكون عضواً في لجن التحكيم المسرحية؛

4- أن يكون خريجاً من معاهد الفنون الدرامية والتنشيط المسرحي؛

5- أن يكون ناقداً كفءا مشهوراً ينشر المقالات ويؤلف الكتب في مجال المسرح والدراما، ومعروفاً بمكانته وأهليته العلمية والأدبية والفنية؛

6- أن يكون العضو المختار مخرجاً مرموقاً له خبرة كبيرة في مجال الإخراج الدرامي والسينمائي والإذاعي والتلفزي وحاصل على بعض الشواهد والجوائز التي تؤهله لممارسة مهمة التحكيم؛

7- أن يكون فناناً تشكيلياً وسينوغرافياً له خبرة بالديكور والإكسسوارات وتأثيث الركح المسرحي وفن الرسم والتشكيل الهندسي؛

8- أن يكون له خبرة كبيرة في مجال التربية وعلم النفس الفردي والاجتماعي وفنون الإضاءة والكوليغرافيا والموسيقا ليشارك مع لجن التحكيم في تقويم العروض المسرحية؛

9- أن يتحلى بالمروءة الأخلاقية والاعتدال والنزاهة الموضوعية والأمانة العلمية ويتشبث بالآداب الفاضلة والخلال الحميدة. وفي المقابل، يتجنب الظلم والحيف والأهواء الذاتية وخدمة المصالح الشخصية؛

10- أن يدافع عن الحق الأمثل مهما كانت الضغوطات والوقائع والإكراهات، ويبحث عن الحقيقة والصواب في تقويمه للعروض المسرحية المعروضة عليه؛

11- ألا تكون لعضو التحكيم أدنى صلة أو علاقة بالفرق والنوادي المسرحية العارضة سواء من قريب أم من بعيد؛

12- ألا يكون عضو التحكيم منتمياً إلى أية إدارة أو مؤسسة أو هيئة أو جمعية ساهرة على المهرجان أو منظماً للتظاهرة المسرحية تحقيقاً للمشروعية العلمية والموضوعية والنزاهة في تقييم العروض المسرحية والعمال الدرامية؛

13- اختيار أعضاء لجن التحكيم من مناطق مختلفة لتحقيق العدالة النسبية والنزاهة الموضوعية؛

14- ضرورة تحفيز أعضاء لجن التحكيم معنوياً ومادياً ومالياً من أجل تشجيعهم على العطاء والتفاني لخدمة المسرح كيفما كانت هويته أو الجهة المنظمة له؛

15- احترام نتائج لجن التحكيم المبررة أيما احترام خاصة إذا ذيلت هذه النتائج بتقرير علمي ونقدي موضوعيين، وينبغي عدم الطعن فيها إلا إذا كانت غير مبررة ومفسرة.

خاتمة:

تلكم هي معايير التقويم والاحتكام من أجل إنصاف الفرق والنوادي المشاركة في التظاهرات المسرحية الصغرى والكبرى بعروضها الدرامية المتنوعة لنيل رضى الجمهور الراصد ورضى أعضاء لجنة التحكيم المختارة والمنتقاة بدقة محكمة.
ونتمنى من جميع الوزارات والجمعيات والنوادي والهيئات والمؤسسات الثقافية والفنية التي تهتم بالتنشيط المسرحي والتثقيف الدرامي أن تأخذ بهذه المعايير الفنية والجمالية لتعميمها على جميع لجن التحكيم التي تشارك في المهرجانات الإقليمية والجهوية والوطنية والعربية والدولية لمسرح الطفل والمسرح المدرسي ومسرح الشباب ومسرح الهواة والمسرح الجامعي ومسرح الكبار والمسرح الاحترافي من باب التقنين والضبط والاسترشاد والاستئناس ليس إلا. والحد، بالتالي، من كل أنواع الفوضى العارمة غير المقننة في مجال التقويم المسرحي ونقد العروض الدرامية بسبب شساعة التباين النظري الذي يقع بين أعضاء لجن التحكيم نظرا لتعدد معايير التنقيط والتقويم واختلاف المرجعيات النظرية والتطبيقية والمعرفية بين السادة المحكمين.
ومن هنا، فهذه المعايير المقترحة تحد نسبياً من هوة الاختلاف بين أعضاء لجن التحكيم، وتوحد بين رؤاهم الجمالية والفنية والفكرية في تقييم الفرجة الدرامية.