يتناول الباحث العقيدة الإسلامية وتعالقها بـ"الجمال". ويقارب المفهوم في إطار علاقته بالجانب النفعي والشكل والمضمون القرآني، وتجلياته عند فلاسفة العرب، مثل التذوق الجمالي لدى ابن سينا، وفكر الفارابي، وفلسفة الغزالي، ورؤية الكندي، وجدلية التوحيدي، وتصوف ابن عربي.

الأصول الفكرية والفلسفية لعلاقة الجمال بالمقدس

في الفن الاسلامي

طـه الليـل

تقوم الأصول الفلسفية لمفهوم الجمال في الحضارة الإسلامية على الجوهر الفكري المؤسس للإسلام الذي يتجلى في العقيدة، وتتحدد معالمه من خلال الفكر العام الذي يترجمها في بحثه عن الحقيقة من خلال العلم والفلسفة والفن.

فما هي الأصول الفلسفية والفكرية لمفاهيم الجمال في الحضارة العربية؟ وكيف تتجلى مقوماته وأبعاده في الفكر الإسلامي؟ وماهي أبعاده وهل أن العلاقة الجدلية بين الجمال والمقدس هي علاقة تماهي أم تقابل؟

أ‌. العقيدة الإسلامية وأثرها على مفاهيم الجمال:
لقد ساهمت العقيدة الإسلامية منذ القدم في التأثير على مفهوم الجمال، إذ نجد القرآن قد حث المسلم على معرفة مظاهره من خلال منهج واضح يقوم على ثلاث أسس: تنبع الأولى من التأمل النابع من عملية الإبصار، والثانية من خلال تعميق هذا النظر والتدقيق فيه والثالثة بالتدبر وإعمال الفكر والعمل بإتقان.

كما نجد القرآن معبرا عن الجمال مؤكدا على الإنسان الإحساس به وتذوقه لكل عناصر الزينة والزخرفة في الكون، من خلال آياته الجمالية وإبداعه في الخلق ومعانيه وصوره الجميلة التي تلامس وجدان الفنان المسلم وتكون يقينه العقائدي وقيمه الفكرية والروحية.

والتمتع بمقومات الزينة والجمال في الدنيا ليس هدف المسلم وغايته ما لم يوظف فيه العمل المتقن والأحسن، لأن ذلك يمثل الدوام والبقاء ومادون ذلك يستحيل زائلا.

ومن ذلك يتضح هدف الجمال في الإسلام على كل ماهو ثابت وباق ودائم، المتمثل في العمل الحسن والمتقن والذي يوجب ثوابا من الله، فالجمال هنا ليس جمالا لذاته، بل لما يقود الى رضاء الخالق. وتنبع من مفهوم الجمالية أبعاد المشاركة الإبداعية في الإسلام لإنشاء منهج للعمل الجاد، ليس فقط في الفن، بل في كل المجالات حاملا بذور الحداثة والتجديد والاستمرارية وعدم الانقطاع ويتضح ذلك في قوله: "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون".

ومن هنا كان العمل والفن مواكبا للإيمان في الحضارة الإسلامية فكانت نتيجة ذلك بناء حضاري له طابع الخصوصية والتفرد الجمالي، ويتضح ذلك في قول (جارودي روجيه): "إن كل غرض حتى ذل الأكثر استعمالا سواء كان سيفا، أو إبريقا، أو طبقا من نحاس، سجادة، أو سرج حصان، أو منبر، أو محراب في المسجد، هو محفور ومرصع أو مطروق ليشهد أنه علامة على وجود الله".

بالتالي يتحدد الجمال حسب المنظور الإسلامي من خلال القرآن والسنة في بعدين أساسيين، قومان على:

- الجمال في إطار الشكل وعلاقته بالجانب النفعي.
- الجمال في إطار الشكل والمضمون القيمي القرآني.
ويقوم البعد الأول في علاقة الزينة والجمال في القرآن بالجانب النفعي والوظيفي، فكما عبر عنه (جارودي) من تواجد كلمة الله في كل الأدوات الفنية المصنوعة، فهي أيضا تهتم بالجانب الجمالي إذ لا نجد انفصالا في العقيدة الإسلامية بين الفن والحرفة، ولا انفصال أيضا بين الجمال النفعي والجمال الفني، سوى كان الأمر متعلقا بالمادة التي خلقها الله من دواب وحيوانات وأشجار وغيرها من مظاهر الخلق، والتي تستجيب الى معادلة قيميه تنشأ من خلال العلاقة الجدلية الكامنة بين الزينة والوظيفة المادية.

وينشأ البعد الثاني في العلاقة الكامنة بين المضمون الجمالي والخلقي كالصبر والصفح والتسامح وغيرها من المبادئ الإسلامية.

إن الجمال لا يتحقق بمقتضى النظر والتأمل فحسب، وإنما يتشكل من خلال المضمون القائم على الأخلاق التي يجب أن ينبجس منها معاني الجمال، وهذا ما يحدد العلاقة في الجمال بين المضمون والمحتوى في القرآن الكريم.

ويتطور الشكل الجمالي في القرآن ليستحيل معبرا عن معاني الزينة تقوم من خلال عملية الإبصار والتذوق الذي ينشأ إحساسا بالجمال مغذيا للروح بكون الجمال في الإسلام يمثل حقيقة موضوعية وذاتية ونستدل على ذلك بقول الله تعالى في (سورة الأحزاب): "ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين" وقوله أيضا في (سورة الصافات): "إنا زينا السماء بزينة الكواكب" ويقول في (سورة الكهف) "إنا جعلنا ما على الأرض زينة لنبلوهم أيهم أحسن عملا".

ومن هنا تتضح الرؤية الجمالية في الإسلام من خلال معاني القرآن التي تندرج في مختلف أبعادها النفعية وعلاقتها بالمسلم عموما والصانع-الفنان روحيا وتشكيليا، خصوصا من خلال ما ضمنه في الطبيعة البشرية من إحساس وتذوق لمعاني الزينة وما أوجده شكلا ومضمونا في الطبيعة، ويتضح ذلك في قول (محمد كمال جعفر): "إن القرآن يعلمنا في مجال التربية الجمالية أن من ينظر الى ملكوت الله، ويتأمل الجوانب الطبيعية يدرك أن هذا النسق من الخلق لم يكن لمجرد إشباع الحاجيات الضرورية للإنسان من الوجهة المادية فقط، ولم يرتبط في قيمته الجمالية بمجرد تحقيق الغاية المعيشية المرتبطة بالجسد، بل انه يبصرنا بما يمكن أن يفيد منه في تقديرنا ونقدنا للجمال".

ب‌. مقومات الجمال وتجلياته عند فلاسفة العرب:
إن محاولة تتبع الأصول الفلسفية لمفاهيم الجمال عند العرب، يتطلب معرفة بروح العصر الذي نشأت منه، والذي سيترجم في أفكار الفلاسفة والمفكرين العرب، فالتحليل الجمالي يجب أن يكون صادقا وموضوعيا، فلا يمكن استعارة أنماط فكرية وفلسفية نابعة من أحد الفنون وتطبيقها على فن آخر، مثلما حدث في تفسير الفلسفات الغربية للفنون الزخرفية ومفاهيمها الجمالية، فلا بد أن يخضع التحليل الجمالي لمنابع الفكر الذي نشأ منه هذا الفن، وتحليل المقومات الثقافية للحضارة التي نبعت منها جمالية الفن الاسلامي.

إن الفكر الجمالي الفلسفي للمفكرين المسلمين اتسم بالغزارة، مما ساهم في تأصيل النظرية الجمالية، في إطار عملية فكرية مواكبة ومعاصرة للمنحى التشكيلي والجمالي للفنون الإسلامية عموما.

ومن الجدير بالذكر أن المفكرين المسلمين الذين تناولوا مفاهيم الجمال ومقوماته ومواضيعه، قد تركوا مادة جمالية ثرية تتسم بالوحدة الفكرية التي تجمع كل التنوع في طياتها، ومنهم (ابن سينا) و(التوحيدي) و(الغزالي) و(الكندي) و(الفارابي) و(ابن عربي) وغيرهم من المفكرين الذين أنشئوا البنية العامة للمفاهيم الجمالية الفنية.

التذوق الجمالي لدى ابن سينا بين المنهج العقلي والحسي:
يتضح مفهوم الجمال لدى ابن سينا على أنه جمال نابع من كل شيء فهو يتصف بالكلية، التي تنطلق من الكمال الملائم النابع من كمال الصفات والتناسب والتناسق، في أجزاء الشئ وعناصره وخصائصه ووظيفته التي يجب أن تتسم بعدم النقص الناجم عن الخير الملائم ومصدره العقل، ويقول في ذلك: "جمال الشيء وبهاؤه هو أن يكون على ما يجب له".

فالموضوع الجمالي لدى ابن سينا نابع من العقل الذي يعتبره الخير وهذا الخير هو الكمال والتناسب في القيمة والعدد والنسبة، بغية التدرج في مراتب اللذة وهو التذوق الجمالي وما يحدثه في النفس وفي الإدراك بما هو العقل، ويقول في ذلك: "والذي هو عند العقل خير فتارة وباعتبار فالجميل، ومن العقليات نيل الشكر ووفور المدح والحمد والكرامة ... وكل خير بالقياس الى الشيء ما فهو الكمال الذي يختص به".

ومن هنا نلاحظ أن المعيار الكلي للجمال لدى ابن سينا ينطلق بالإدراك الذي ينتجه العقل مع الموضوع الجمالي، فالجميل هنا يرقى بحكم ما يورده إليه العقل الى مرتبة سامية تتماهى فيها قيمة الجمال مع الكمال لا تنشأ من نقص في نسبها أو تكوينها وهذا المثال نجده في المفردات الزخرفية التي تنشأ من أسلوب رياضي عقلي يقوم على النسب المقايسة والمتناسبة عددا ومساحة وحجما، لا يشوبها أي نقص لا في المسار أو البنية أو الحركة أو الإيقاع المتوازن.

ومن هنا ينطلق الجمال من المحسوس الى المعقول، من خلال الانتقال بالتأمل العقلي القائم على التخليل المنطقي لعناصر الموضوع الى الجمال المحض المتسم بالكمال في الأعضاء والتكوين البنائي والتشكيلي بصفة عامة، وبذلك تتحقق المعادلة الجمالية القائمة على الماهية العقلية المحضة البريئة من أنواع النقص.

ويرتبط الجمال بالعقل لدى ابن سينا ويسميه "بالخير" الذي يعطي صفات الكمال التي تود اللذة النابعة من الإحساس والعقل بمعنى التذوق الجمالي وما يحدثه في النفس من أثر جميل عن طريق الإدراك العقلي، ويقول في ذلك: "إن اللذة ليست إلا إدراك الملائم من جهة ما هو ملائم".

ويقول أيضا: "والذي هو عند العقل خير فتارة وباعتبار فالجميل، ومن العقليات نيل الشكر ويتضح ذلك بعمق التذوق الجمالي للموضوع من خلال عملية الإدراك العقلي التي تولد الاستمتاع بالجميل، والتي تفوق الإدراك الحسي البصري أو الملموس لأنه يقوم على النظرة الأولية التي تفتقر الى عملية التحليل الناجمة عن التناسب والتناسق، والتي تحرر عملية الإدراك من الحواس والسمو بها عن طريق العقل المتحرر من الجسد والمادة للوصول الى الجمال المحض.

ومن ذلك تكون اللذة العقلية أهم من اللذة الحسية، على اعتبار أن الأولى تمكن من إدراك الجمال الحق المتمثل في الكمال والخير الملائم للعقل، وهذا ما يؤدي الى إنتاج وبلوغ التذوق والاستمتاع العقلي النابع من الجمال الظاهر المحيل الى الجمال الباطن.

إن اللذة العقلية تحصل من الكمال المتمثل في تلائمه مع الموضوع، ونعني به التناسق بين الأجواء والأعضاء والبنى التركيبية داخل نفس التكوين، فالإدراك بالحواس للموضوع الجمالي يبقى منتقصا للمعايير العقلية التي تعطي التكامل بين النفس والروح، ويتضح ذلك في قول ابن سينا: "وكل خير بالقياس الى شيء ما فهو الكمال الذي يختص به وينحوه باستعداده الأول، وكل لذة فإنها تتعلق بأمرين بكمال خيري، وإدراك له من حيث هو كذلك. "ويدعم ذلك أيضا في قوله: "إن عدد تفاصيل العقلي لا يكاد يتناهى، والحسي محصور في قلة وان كثرت فبالأشد والأضعف، ومعلوم أن نسبة اللذة الى اللذة نسبة مدرك الى المدرك والإدراك الى الإدراك فنسبة اللذة العقلية والشهوانية نسبة جلية الحق الأول الى مثل كيفية الحلاوة ونسبة الادراكين".

الجمال بين المطلق والعرضي في فكر الفارابي:
يقترب الفارابي في تحديده للمفهوم الجمالي من ابن سينا والغزالي لأنه يعيد الجمال الى الكمال ويعتبره مقوما من مقوماته، ويكون في العناصر عند اكتمال تكوينها المنطلق من الجزئي الى الكلي من حيث خاصيات الموضوع الجمالي.

ويشترط الجمال لديه بتمام الكمال على اعتبار عدم اكتمال بالنسبة الموجودات من حيث خواصها وعناصرها يولد النقص والزوال، عكس الله الذي ينشأ منه الكمال وينتهي منه، فهو المعبر عن التمام والديمومة اللانهائية، والأزلية، وبالتالي الجمال.

من ذلك يتوافق مع العقيدة الإسلامية التي تنعت الله بالجميل الذي يحب الجمال على حد قول الرسول، فهو الجمال الكلي الواحد والذي لا يمثل بالموجودات التي يتحقق زينتها وجمالها عن طريق "العرض" نستند في ذلك قوله: "الجمال والبهاء والزينة في كل موجود هو أن يوجد وجوده الأفضل ويبلغ استكماله الأخير". ويدعم ذلك القول في المقارنة بين زينة الموجودات وزينة الله: "إن زينته وبهاءه وجماله له في جوهره وذاته، وجمالنا وزينتنا وبهاؤنا هي لنا بعرضنا لا بذاتنا وللأشياء الخارجة عنا، لا في جوهرنا، والجمال والكمال فيه ليست سوى ذات واحدة".

من هنا يصنف الفارابي الجمال من جمال مطلق يتصف به الخالق الى جمال عرضي زائل ومحدود لأنه مضاف للشيء وليس هو بذاته، ويمكن للعرض أن يكتسب صفة المطلق فبالجمال، ولكنه دوام محدود، فالجمال المطلق هنا هو الواحد بذاته ويتصف بالكلية، أما الجمال العرضي يتسم بالتعددية في عناصره وجزئيته ومنها الزوال والفناء.

يحدد الفارابي مستويات ثلاث للإدراك الجمالي:
- يقوم المستوى الأول في عملية الإدراك الجمالي على الموجود الإنساني الذي يتسنى له ذلك من خلال عملية تحقيق واكتمال وجوده الأفضل يصل الى درجة البهاء والزينة، ومن ثم يتسنى له إدراك الكمال، ويكون ذلك بالفعل ويصل الى مراتب الزينة والبهاء من خلال تعقله للأشياء الفوقية والدونية بالنسبة إليه في المستوى، وهي أفعال صادرة من عقل الإنسان ومن فعله في الدنيا سوى كان الأمر بالنسبة للصناعة التي تستند الى الإتقان، كما هو المثال بالنسبة للعناصر الزخرفية وكيفية اكتمالها التركيبي والبنائي والتأليفي بين صفاته أم الأخلاق التي يجب أن يتصف بها في الدنيا ليصل الى الاكتمال الفكري والمادي والروحي.

- أما المستوى الثاني فينشأ من إدراك الجمال بالنسبة للأجسام السماوية والجواهر الروحانية التي تندرج في تسميته لها بالثواني والعقل الفعّال، اللذان لا يستكفيان بالحصول على زينة الوجود والبهاء واللذة الجمالية عندما يعقل ذاته وكيانه ساعيا الى الكمال الكلي من حيث نصفيه الروحي والعقلي وعلاقتهما بالموضوع الجمالي، الذي يكتسب صفة الكمال عكس الموجود الإنساني الذي يسعى الى اكتسابها من خلال عمليات الإدراك والعمل العقلي والفكري ليتحسس عناصر ومقومات الجمال، ويصل الى الاكتمال لا عن طريق عقله للأشياء التي تفوقه في الرتبة، وإنما التي هي دونه أيضا.

- يتجلى المستوى الثالث كأعلى مستويات الإدراك الجمالي الذي يتحقق بإدراك البصائر والقلوب والروح والوجدان عند تخلص النفس من أدران المادة، وهي مرتبة يسعى بها الإنسان بما يكتسبه من جمال نسبي، الى التواصل مع الخالق والمعبود، الذي يمثل الجوهر والجمال الكلي، ويقول في ذلك: "وإذا كان الأول وجوده أفضل الوجود فجماله فائت لجمال كل ذي جمال، وكذلك زينته وبهاؤه وجماله له بجوهره وذاته".

الجمال بين الصورة الظاهرة والباطنة في فلسفة الغزالي:
ينقسم الجمال لدى الغزالي الى بعدين: جمال ظاهر وجمال باطن، ويترجم الجمال الظاهر لديه في المحسوس والملموس، وينشأ من خلال الأشكال والصور الظاهرة والجلية للبصر، أما الجمال الباطن فيتسم بالشمولية والعمق الذي يتمثل في البصيرة، التي تتلخص في الفكر العميق والإدراك الذي يعنى بظواهر الأمور وإنما بباطنها. ويقول الغزالي في ذلك: "إن الجمال ينقسم الى جمال الصورة الظاهرة المدركة بعين الرأس، وجمال الباطنة المدركة بعين القلب ونور البصيرة".

وبالتالي تستحيل البصيرة أقوى سبيل للإدراك الجمالي من البصر الظاهر، وأشد إدراكا من العين المبصرة التي تكون قاصرة على تتبع مواطن الجمال في بنية الأشكال الداخلية وأبعادها الرمزية. ويؤكد الغزالي ذلك قائلا: "في بيان معنى الحسن والجمال، اعلم أن المحبوس في مضيق الخيالات والمحسوسات، ربما يظن أنه لا معنى للحسن والجمال إلا بتناسب الخلقة والشكل وحسن اللون... فلا يتصور حسنه وإذا لم يتصور حسنه، لم يكن إدراكه لذة فلم يكن محبوبا، فهذا خطأ ظاهر فان الحسن ليس مقصورا على مدركات البصر ولا على تناسب الخلقة وامتزاج البياض والحمرة".

ويهدف الغزالي بهذا القول الى الحث على البحث عن الجمال في باطنه لا في ظاهره من خلال المدركات الحسية البصرية، فتبيان معنى الجمال الحقيقي قائم على اكتما خواص وسمات الموضوع الجمالي، وعدم نقصانه ظاهريا من حيث عناصره ووحداته المركبة.

ويعتبر الغزالي أن معنى الجمال يقوم على توفق الشكل المرئي وكيفية أداء وظيفته التي خلق لها، فالجمال هنا يجمع بين اكتمال الشكل بنية وهيئة وتصميما، وتكامل المضمون مع الوظيفة، ومن ثم يؤكد الغزالي على صفة التنوع في الجمال الذي يختلف باختلاف صوره في المحسوسات والمرئيات.

يتحول الغزالي في تصنيفه لمواطن الجمال وسبله، من الجمال المدرك بالحواس المحدود في الزمان والمكان والنفس، الى الجمال المدرك بالبصيرة والفطرة، فحب الجمال يكون بداخل كل نفس سوية متزنة، وتنشأ من حب الله والرسول والتابعين. ويمثل ذلك بالجمال الخالد الباقي لأنه لا يتغير عبر السنين، فجمال المضمون دائم، مستمر وأزلي، ويقول في ذلك: "وهو الحبوب بالحقيقة وليس الجزء الذي لا يتجزأ صورة وشكل ولون يظهر للبصر حيث يكون محبوبا لأجله، إذن الجمال موجود في السيرة الجميلة من غير علم وبصيرة لم يوجب ذلك حبا، فالمحبوب مصدر السير الجميلة وهي الأخلاق الحميدة والفضائل الشريفة وترجع جملتها الى كمال العلم والقدرة وهو محبوب بالطبع، وغير مدرك بالحواس".

من هنا نجد الغزالي قد صنف الجمال الى صنفين: ظاهر وباطن، وأضاف الى الموضوع الجمالي سبل وأدوات إدراكه لهذا الجمال من خلال العقل والقلب والبصيرة التي تمثل وسيلة إدراك جمال حقيقية، لأنها تخاطب العقل والروح والوجدان، ولأنها تامة وكاملة في نظرتها الشمولية للمضمون الجمالي الباطني، لا الظاهري ويقول في ذلك:"فالبصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر، والقلب أشد إدراكا من العين، وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة للإبصار، فتكون لا محالة لذة القلب بما يدركه من الأمور الشريفة الإلهية التي تجل عن إن تدركها الحواس أتم وأبلغ، فيكون ميل الطبع السليم، والعقل الصحيح إليه أقوى".

ويؤكد الغزالي على حب الجمال، وحب تذوقها فإدراك الجمال لديه يمثل قيمة ثابتة منزهة من النفعية وسبلها العملية، فالحديث عن المتعة الجمالية ينشأ بالأساس من خلال الفطرة التي خلقها الله في الإنسان، التي تولد حب الجمال وحب اللذة البصرية لأشكال الكون بصفة عامة دون أن يكون من ورائها منفعة مادية.

يتطرق الغزالي الى منحى آخر في أباد الجمال وهو الإدراك الجمالي النفسي الذي يصنفه الى ثلاث مستويات، تتمثل في الإدراك والوجدان والنزوع، فالإدراك البصري للجمال عنده يولد اللذة التي تولد درجات الجمال لتتحول بالموضوع الجمالي من المحسوس الى المعقول.

من ذلك يتحول حب الجمال الى رتبة الحب الحقيقي ليصبح قيمة كلية، مقترنة بالخالق للجمال والكون الذي يفيض بالحسن وأشكال الجمال على خلقه. فالحسن والجمال هنا يمر من خلال الخالق لهذا الجمال ليمر بقنوات التذوق الجمالي التي تنطلق من الإدراك الحسي والبصري لصور والأشكال لتمر الى العقل ليحللها في مختلف أبعادها الجمالية، لتصبح نفسه نازعة الى تتبع الجميل من خلال عملية التذوق.

جدلية الجمال المادي والجمال الموضوعي لدى التوحيدي:
يصنف التوحيدي الجمال في ثلاث مستويات تتمثل في (الحسن–الجمال-البهاء)، فكل من هذه المفاهيم تدعم الرؤية التوحيدية القائل بنظرية الفيض المتمثلة في كون الجمال نابع من مصدر واحد متمثل في الله، فهو مصدر كل جميل، ومنبع الجمال الكلي، المتصف بالإطلاق الذي ينعكس منه الجمالات الأخرى. ويقول في ذلك: "والعالم السفلي مع تبدله في كل حال واستحالته في كل طرف ولمح، مستقبل للعالم العلوي، شوقا الى كماله وعشقا الى جمال هو طلبا للتشبه به، وتحققا بكل ما أمكن من شكله". يفرق التوحيدي بين الجمال المادي والجمال المثالي ضمن مفهوم الأخلاق ومبادئه، ويتدرج التوحيدي من أبعاد الجمال ومفاهيمه بين الجمال المطلق فالكوني الى الجمال الفني الحسي المدرك، ليؤكد على قيام على جملة من العناصر التركيبية التي تشترط وجود الكمال والتناسب المتمثل في العناصر المكونة للموضوع الجمالي ومدى تناسب أجزائه وتناسق المفردات الجزئية مع الكلية في بنية الموضوع وتكوينه. ويتضح ذلك في قوله: "الجمال هو كمال في الأعضاء وتناسب في الأجزاء مقبول عند النفس".(أبو حيان التوحيدي: الهوامل والشوامل، مرجع مذكور، ص25).

ويتحد قول التوحيدي مع الغزالي وابن سينا في تكوين الموضوع الجمالي، لكن التوحيدي يقسم الجمال أيضا الى صنفين:

- جمال مثالي موضوعي: يصل إليه العقل بالبصيرة ولهذا فهو جمال مطلق لا يتسم بصفة التغير.

- جمال مادي: يقوم هذا البعد على الحواس، ويتصف هذا الجمال بصفة التغير والنسبية حسب الموضوع الجمالي والمتغير الفكري والاجتماعي والتعود البصري والطبيعة البشرية بصفة أعم.

أما في عملية التذوق الفني فقد وضح التوحيدي أن النفس من خلال هذه العملية تنجذب نحو الموضوع الجمالي فتنفعل معه حسيا من خلال ارتياحها الحسي والنفسي للجميل، كما تفعل النفس بادراكات المعقول من خلال البراهين والمعقولات.

بالتالي تسعى النفس الى استنباط الجمال المجرد الذي يتبع الذهن والعقل. يتضح ذلك في قول التوحيدي:"إن التذوق الجمالي هو نوع من أنواع الانجذاب والاندماج والاتحاد بين المتذوق وبين المؤثر الفني، ذلك أن النفس تنزع عن الصور الطبيعية مادتها فتستخلص جماليتها مجردة، وتتحد بها فتصير إياها مثلما تفعل في المعقولات، فالذوق وان كان طبيعيا فانه مخدوم الفكر والفكر مفتاح الصنائع البشرية، كما أن الإلهام مستخدم الفكر ومفتاح الأمور الإلهية".

ونستنتج من ذلك أن نشأة العلاقة الجدلية داخل الموضوع الجمالي تبدأ من النفس لتعود إليها من خلال عملية الانجذاب والتأثر البصري والعقلي والفكري لتستحيل الصورة الفنية مجردة من شوائبها المادية، لتمر الطبيعة الى العقل الذي يقوم بتحليلها لتتحول من الجمال الذي أوكله الله في الطبيعة الى الجمال من منظور إنساني متراوح بين المادي والذهني. فتؤثر الصورة بالنفس لتصل الى درجة التوحد والتماهي بين الموضوع الجمالي ولمتذوق لهذا الجمال والحسن، ويتأكد ذلك في قول مسكويه إجابة عن أسئلة التوحيدي المتعلقة بجمال الصورة الفنية: "تأثر النفس بالصورة الحسنة الى درجة الاندماج والتوحد بين المتذوق والعمل الفني".

ج. علاقة الفكر الجمالي بالتصوف:
الجمال والجلال في فكر ابن عربي:
ترتبط الزخرفة في عملية الاختفاء والظهور بالمفاهيم الصوفية للجمال، إذ يرى (ابن عربي) أن الجمال انطلاقا من البصري المحسوس متدرجا الى الكوني المدرك، وهذه الرؤية تمثل امتزاجا بين الأبعاد الكونية والإنسانية والروحية. وقد ربط (ابن عربي) الجمال بالله نظرا لما اتصف به العالم من جمال، مما يؤثر في القلوب والصور على اعتبارها "لطفا الاهيا" لما تحتويه من وجوه الجمال الإلهي كاللطف والرحمة والرأفة والجود والإحسان، بالإضافة الى أوجه أخرى للجمال وأثره في الصور وهو ما يقع به العشق والحب. يقول بن عربي: "الذي يدرج الراحة من حيث لا يعرف لطف به، فالجمال له من العالم وفيه الرجاء والبسط واللطف والرحمة والحنان والرأفة والجود... فهو الطبيب الجميل فهذا أثره في القلوب".

من هنا يتضح الجمال في أوجه الجليل والجلال المختلفة، وآثاره كعنصر من عناصر الجمال الإلهي وصورة من صوره، فالجلال وأبعاده تمارس تأثيرا على النفس من خلال إضفاء المعنى المجرد العقلي على الصور الحسية الملموسة في صياغتها الإبداعية المحكمة، ويقول في ذلك: "إن الغيبة حالة للقلب يعطيها أثر تجلي جلال الجمال الإلهي لقلب العبد، فإذا سمعت من يقول إن الهيبة نعت ذاتي للحضرة الإلهية، فما هو قول صحيح ولا نظر مصيب، وإنما هي أثر ذاتي للحضرة إذا تجلى جلال جمالها للقلب وهي عظمة يجدها المتجلي له في قلبه، إذا أفرطت تذهب حاله ونعته ولا تزيل عينه".

بمقتضى ذك يتجلى المعنى الشمولي للجمال النابع من الجلال، المتمثل في الجمال الأعلى للجمال المطلق وسبل تأثيره على القلوب وعلى المحسوسات وعلى الصور، وعلى جمال العالم المتمثل في المستوى الثاني من أبعاد التذوق الجمالي، القائم على الدقة والإحكام والكمال، وهي مستويات الجمال المتصلة بجمال الله ولكنه في الآن ذاته جمال عرضي لا يتسم بالإطلاق، ويتجلى ذلك في قول ابن عربي: "ولا شك في أن الجمال محبوب لذاته فإذا انضاف إليه جمال الزينة فهو جمال على جمال كنور على نور فتكون محبة على محبة، فمن أحب الله بجماله والكمال خلقا وإبداعا فانه تعالى يحب الجمال وما ثم جميل إلا هو".

نستنتج من هذه الرؤية الجمالية من منظور الفلاسفة العرب أن هذا المفهوم قد ارتبط بثنائية تقوم على جمال الظاهر وجمال الباطن، وجمال الدنيوي وجمال العالم العلوي، ففرقوا بذلك بين مستويات الجمال النابع من الله خالق هذا الكون، والمنسق له بالحكمة ليتصف بصفة الكمال.

ومن ذلك نبعت ثلاث أوجه في نظرية الفكر الإسلامي للجمال، وهي خلاصة بين الجمال الفكري، والجمال الفني، والجمال الإيماني.

فالجمال عند المفكرين العرب اتخذ طابعا وجوديا بمعنى أنه "من موضوعات الحياة، في مختلف مراحلها، بالنسبة للأفراد والجماعات والطبيعة والله، فالجمال هنا يتخذ شكلا دائريا، فلكيا، بمعنى جوهريته التي هي من صميم الزمان والمكان، ومقصد من مقاصد الخالق في خلقه، وما من قيمة للخير أو الحق إلا وتوصف بالجمال وتهدف إليه، وتنبع من بحره".

وهذا الجمال هو جمال محبوب لذات الجمال، لأنه حسب رأيهم جمال القيم الكلية، وهنا يتعارض هذا المفهوم مع جمالية الشكل المحدود في مستويات جماله بالرغم من أبعاد التناسب بين الأعضاء والتناسق والتوازن التي أوردها التوحيدي والغزالي، فجمال الصورة الفنية بمختلف أبعادها وتوازناتها القيمية والعددية والشكلية، تبقى وسيلة الى بلوغ الجمال الحقيق الذي يفيض به الخالق على صور خلقه وانجازاتهم الفنية.

ويعود ذلك الى نسبيتها ومحدوديتها الجمالية بالمقارنة مع الجمال الباطن النابع من البصيرة، أي العقل والفكر الذي ساهم في إنشائها بالهام الهي، لأنه نبع من الخالق، المتصف بالاستمرارية والوحدانية في الوجود والدوام والكمال، ويتأكد هذا القول مع سمير الصايغ الذي يعتبر "المضمون والموضوع في الجمالية الإسلامية ينتمي الى مطلقات بمعنى مضمون مطلق يود الى التوحيد، وأن المطلق بحسب الفلسفة الإسلامية هو الواحد، فالمضمون المطلق مضمون واحد بالضرورة، ذلك لأن المطلق الحقيقي الوحيد هو الله وحده، هو الحق وحده".

(مساعد تعليم عالي بالمعهد العالي للفنون ولحرف بسليانة. تونس)

المصادر والمراجع:

- ابن سينا: كتاب النجاة، معهد المخطوطات العربية القاهرة 1938، ص79.

- ابن سينا: الإشارات والتنبيهات، مع شرح نصر الدين الطوسي، تحقيق سليمان دينا، القاهرة، دار المعارف، 1985، ص87.

- ابن سينا: الإشارات والتنبيهات، مع شرح نصر الدين الطوسي، تحقيق سليمان دينا، القاهرة، دار المعارف، 1985، ص65.

- الفارابي: السياسة المدنية، تحقيق:فوزي النجار، المطبعة الكاثوليكية، بيروت1978، ص46.

- الفارابي: آراء أهل المدينة الفاضلة، المطبعة المصرية، القاهرة، 1952. ص25.

- ابو حامد الغزالي:احياء علوم الدين، . دار المعرفة للنشر، بيروت، 2000، ص311.

- أبو حيان التوحيدي: الهوامل والشوامل، تحقيق: أحمد أمين -السيد أحمد صقر، مكتبة الأسرة، القاهرة، 2009. ص137.

- أبو حيان التوحيدي: المقابسات، ترجمة، تحقيق: محمد توفيق حسين، دار الآداب، بيروت، 1989، ص58.

- أبو حيان التوحيدي: الامتاع والمؤانسة، تحقيق أحمد أمين، وأحمد الزين، دار مكتبة الحياة، بيروت 1986، ص134.

- سمير الصايغ: الفن الاسلامي، قراءة تأملية في فلسفته وخصائصه الجمالية، دار المعرفة، بيروت، 1988. ص265-266.

- عبد الغني الشال: فلسفة الفنون الإسلامية، بحث ورد في مجلة الدراسات، كلية التربية، جامعة الرياض، العدد الثاني، نوفمبر 1978، ص181.

- روجي جارودي: وعود الإسلام، مكتبة غريب، القاهرة 1976، ص190.

- محمد قطب: منهج الفن الإسلامي، دار الشروق، القاهرة، 1984، ص85.

- محمد كمال جعفر: أصول التربية الجمالية في الإسلام، بحث منشور بكتاب من ثمار الفكر، جامعة قطر، الإصدار الثاني عشر، 1987، ص83

- محمد كمال جعفر: آفاق الانبثاق الإسلامي لفلسفة الجمال والفن، مجلة المسلم المعاصر، العد الخامس، 1976، ص67.

- محي الدين ابن عربي، الفتوحات المكية تحقيق، أبو العلاء عفيفي، دار الكتاب العربي، بيروت –لبنان، 1989.

- عبد الفتاح رواس:مدخل الى علم الجمال الاسلامي، دار قتيبة، سوريا، 1991، ص24.

- علي شلق:العقل في التراث الجمالي عند العرب،، دار المدى للنشر، لبنان، 1985، ص21.

نشر في الموقع بتاريخ: الأربعاء 6 صفر 1434هـ الموافق لـ: 2012-12-19.