يقدم الباحث المغربي هنا الإطار المرجعي لفلسفة أحد أبرز مفكري القرن العشرين، إن لم يكن أبرزهم جميعا، ويعرفنا على المناهل التي ساهم حواره النقدي الخلاق معها في بلورة معالم فكره الفلسفي المغاير، وقطيعته مع أعلام الفلسفة المشهورين قبله، حواره الخلاق مع إضافات سبينوزا وبرجسون ونيتشه.

الإطار الإشكالي والمرجعي لفلسفة جيل دولوز

عبد الصمد زهـور

تقديم: جيل دولوز Gilles Deleuze معالم على حياة(1)
هو ذاك الذي رمى بنفسه من شباك نافدة شقته سنة 1995 بعدما تفاقم مرضه الرئوي ليخلد، والخلود هنا ليس مفعولا بطبيعة الحال للانتحار الجسدي، وإنما هو مفعول لانتحار دولوز الفكري، من حيث هو إشارة إلى الثورة الجذرية التي رفع راياتها على مختلف الفلسفات السابقة عليه، خصوصا تلك التي ضيقت أفق التفكير، حيث سعى إلى التوسيع من رحبة وجوده. هذا التوسيع الذي دفع مشيل فوكو Michel Foucault دفعا إلى الإعلان بشكل صريح، عن كون القرن العشرين سيكون قرنا دولوزيا بامتياز.

ألف دولوز حوالي ثلاثين كتابا ما بين عامي 1953 و 1993. عرفت حياته مسارات متنوعة ومختلفة، فقد كانت ولادته سنة 1925 بباريس، درس الأدب قبل أن ينذر حياته للفلسفة، حيث تعرف على أكبر شراح فردريك هيغل Friedrich Hegel وهو جان هيبوليت Jean Hyppolite، قرأ مؤلفات كل من: جان فال Jean wahl، جون بول سارتر Jean-Paul Sartre، فرانز كفكا Franz Kafka، إدموند هوسرل Edmund Husserl ومارتن هيدغر Martin Heidegger. اشتغل بالتدريس الثانوي وبعدها بمركز الأبحاث العلمية CNRS. ناقش أطروحته حول الاختلاف والتكرار Différence et répétition مع موريس دوغاندياك Maurice de Gandillac، وبالموازاة معها أطروحة ثانوية بعنوان سبينوزا ومشكلة التعبير Spinoza et la problème de l’expression مع فرديناند ألكيهFerdinand Alquié . مارس التدريس بالجامعة الفرنسية، وكان على علاقة بحركة الإعلام حول السجون التي أسسها فوكو إبان الانتفاضات الطلابية. قارب من خلال كتاباته موضوعات متنوعة وفلسفات متميزة. من بين الكتابات:

  • ضد أوديب L’Anti Oedipe، بالاشتراك مع فليكس غاتاري Félix Guattari.
  • ألف مسطح Mille plateaux، بالاشتراك مع غاتاري.
  • ما الفلسفة؟ Qu’est-ce que la philosophie?، بالاشتراك مع غاتاري.
  • المحادثات Pourparlers، بالاشتراك مع كلير برنيي Claire Parnet.
  • الصورة- الزمن L’image- temps .
  • الصورة- الحركة L’image- mouvement.
  • الطية Le Pli.
  • المنهلك L’épuisé.
  • النقد والعيادة Critique et clinique.
  • الاختلاف والتكرار Différence et répétition.
  • التجريبية والذاتية Empirisme et subjectivité.
  • نيتشه والفلسفة Nietzsche et la philosophie.
  • البرغسونيةLe Bergsonisme .
  • صور فيلم فيديو للتلفزة: L’Abécédaire...الخ

يمكن القول عموما أن حياة دولوز الفكرية والفلسفية توزعت بين ثلاث مراحل كبرى:

  • المرحلة الأولى: اهتم فيها بتاريخ الفلسفة، تنتهي بكتابيه "الاختلاف والتكرار" و"منطق المعنى Logique du sens".
  • المرحلة الثانية: انفتح فيها على قضايا سياسية، وتميزت أيضا بلقائه بالمحلل النفسي فيليكس غاتاري، حيث عملا معا على قلب المفاهيم التي رسخها سغموند فرويد Sigmund Freud وجاك لاكان Jacques Lacan، واصدرا فيها أعملا مشتركة مثل "ضد أوديب" و"ألف مسطح".
  • المرحلة الثالثة: توجه فيها نحو الجماليات وقام بدراسات مركزة حول الفن والرسم والأدب والسينما.

خلاصة القول أن جيل دولوز عاش حياة فكرية وفلسفية غنية بغنى كتاباته وتعددها وتنوعها، وباختلاف المواقع التي شغلها. إنها حياة يستحيل على كل واحد منا إدراك حقيقتها كما هي، ليس لأن الأمر يتعلق بتجربة فردية فريدة لا يمكن عيشها أو استحضارها كما تحققت لديه، بل لأن الحس التأويلي كما يقر جيل دولوز نفسه متجذر لدى الإنسان، بشكل يجعله يعالج الموضوعات وقد أضاف إليها ذاته.

سنحاول في هذا العمل أن نقوم بتحديد مبسط للإطار الإشكالي لفلسفة دولوز، وللمرجعيات الكبرى التي تمتح منها فلسفته، ونحن إذ نكتب ما نكتبه لا ندعي له الكمال ليس بسبب المدة الزمنية التي خصصناها له فحسب، بل لأن فلسفة الرجل بصفة عامة فلسفة جذمورية منفلتة عن كل محاولة احتواء، وهو الأمر الذي يمكن أن تتضح معالمه من خلال ما سيأتي.

من العسير جدا أن تخوض غمار قول في فلسفة دولوز. هذا الفيلسوف الذي يمكن القول بأنه قلب التوجه الذي كان سائدا في الفلسفة رأسا على عقب، كما سيتبين بعد محاولتنا تحديد المرجعيات الفلسفية الكبرى التي يمتح منها. إذ يحوي متنه الفلسفي مصطلحات ومفاهيم جديدة تنتمي إلى قطاعات معرفية مختلفة، فنحن نجده يتفلسف بمصطلحات الجغرافيا والسينما والأدب، ويقر في الوقت نفسه بكون الفلسفة متميزة وستظل متميزة عن كل القطاعات المعرفية.

من العسير جدا الخوض في القول عن فلسفته، لأننا أمام فيلسوف لم ترقه سيطرة الأفلاطونية والديكارتية والهيغلية وما جرى مجراها من فلسفات عبر تاريخ الفلسفة. لذلك خاض ضدها حربا ضروسا، محاولا التأسيس لإشكالية فلسفية جديدة ذات مهمة مزدوجة، مكونها الأول القلب، والثاني التأسيس.

نحن هنا إذن لسنا أمام فيلسوف يمكن سبر أغوار فلسفته اعتمادا على الشائع من الفلسفات، بل نحن أمام فتوحات مؤسسة لفلسفة جديدة، وأمام إطار إشكالي مخالف للإطار الذي حكم الشائع من الفلسفات. لذلك لا عجب أن نجد المرجعيات التي تحكم فلسفته هي تلك التي همشت في الفلسفة الغربية. وما تعرض للتهميش إذا ما أردنا معرفة حقيقته بلغة فلاسفة الاختلاف، حيث يعتبر دولوز واحدا منهم، هو على الحقيقة ليس سوى ما تموقع في الظل، من حيث هو المكان المناسب للرؤية الواضحة، إذ ليس بنور ولا أنوار ساطعة ترهق العين فلا ترى في نهاية المطاف شيئا، وليس بعتمة قاتمة ترهق كذلك العين فلا ترى في نهاية المطاف شيئا. إن هؤلاء الذين تموقعوا في الظل هم الذين سيشكلون منطلقا للفتح الذي سيقوده دولوز في الفلسفة. وهو المنطلق الذي يصعب الانطلاق لفهمه، بل على العكس من ذلك فهو المنطلق لفهمهم من أجل فهمه، لأنه يعلن بشكل صريح أنه "من غير المجدي لفكر ما أن يعلن عما أخده وما وجده عند كتاب آخرين، بما أنه لا يجد عند هؤلاء إلا ما وضعه هو نفسه في نصوصهم"(2).

إذن نحن أمام جدة إشكالية وأمام مرجعيات مختلفة عن مرجعيات ما سبق من فلسفات. وهذه الجدة الإشكالية، وهذه المرجعيات، هي صائرة و مُترحلة بالدفق الذي يعتري بساط المحايثة، من حيث هو منطلق التفلسف. لذلك نحن لا ندعي ولا يمكن أن ندعي أننا سنحيط بإشكالية صاحبنا ولا بالمرجعيات التي تنطلق منها فلسفته. ليس لأنها صائرة ومتحولة فحسب، ولا لكون بحث من هذا القبيل لا يمكن أن يفي بهذا الغرض أيضا، بل لأن دولوز نفسه لا يرى في محاولة البحث عن الأصل الموهوم جدوى، فكل بداية هي وسط، ولا يمكن أن تكون غير وسط. رغم هذا وذاك سنبحر فيما سيأتي مع إشكالية ومرجعيات دولوز ولو كان ذلك ضدا عليه. وأملنا أن يكون الاختلاف الذي يعتبر من مؤسسيه فلسفيا شفيعا لنا.

أولا: دولوز والجدة الإشكالية:
الإشكالية ليست سؤالا، ولا يمكن أن تكون كذلك، إلا إذا اكتسب السؤال صفة الإجمال، والسؤال الإجمالي كما يقول موريس بلانشو Maurice Blanchot "هو كل الحركة وحركة الكل .. فهو يقوم على النقص والعوز. ليس السؤال نقصا بما هو سؤال، لأنه على العكس من ذلك هو الكلام الذي يكتمل عندما يفصح عن نقصه وعدم اكتماله"(3). بناء على ذلك نقول أن ما أعطى لدولوز قوته ليس محاولة الإجابة عن الإشكالات التي طرحها، لأن في الجواب شقاء للسؤال، بل الإشكالات الفلسفية العميقة والمتجددة نفسها، التي تجعل من الجواب غير قادر عل التهدئة من روع السؤال من حيث هو باعث بالإشكالية. وهو ما يعبر عنه دولوز نفسه عندما يقول بأن "التفكير على الحقيقة ليس سوى فن توسيع وتدبير الأسئلة"(4). الأسئلة التي يمكن الانطلاق منها لرسم معالم الإشكالية التي حركت فكر دولوز وتبين مواطن الجدة فيها مقارنة بالفلسفات السابقة. وهذا التبين سنحاول تحقيقه من خلال الانفتاح على الأسئلة المختلفة والمتعلقة بالمباحث الكبرى للفلسفة: مبحث الوجود Ontologie، مبحث المعرفة Epistémologie، ومبحث القيم Axiologie.

  1. السؤال الأنطولوجي:

إن السؤال الموجه للإشكالية الأنطولوجية لدى دولوز مرتبط بمدى إمكان الأنطولوجيا بعد نيتشه؛ أي مدى إمكان إيجاد نظرية كلية للعالم في زمن أصبحت فيه الأولوية معطاة للجزئي المنفلت، بشكل ظهرت معه عيبوب المادية الفجة التي تقتصر على الموجود، وظهرت معه كذلك عيبوب المثالية المقتصرة على النظر إلى الوجود كأصل كلي. إن هذا الهم المحكوم بمجموع هذه المفارقات هو ما دفع دولوز إلى التساؤل عن "كيف نتكلم عن العالم الذي هو حي فينا، دون أن نوقفه لنتأمله؟"(5)؛ أي "كيف ننشئ أنطولوجيا للسطوح لا تؤمن بالتعالي ولا بالعمق؟"(6). إن غاية دولوز ليست شيئا أخر غير الانفتاح على الوجود كما هو في دفقه وسيلانه و تعدديته واختلافه وتنافره، من حيث هو يموت ويحي، يتجلى ويتخفى؛ الوجود كما هو على الحقيقة لا كما تنظر إليه الفلسفات المثالية عبر خطاطات معطاة سلفا، ولا الماديات الفجة المعلية من شأن التجربة بشكل متطرف.

بعبارة جامعة كان السؤال المحرك لإشكالية دولوز في هذا المضمار هو: كيف يمكن أن يكون التفلسف أنطولوجيا ممكنا بعد العقم الذي ظهر لدى الفلسفات السابقة المفرغة إما للوجود أو للموجود لكي تنتهي إلى حقيقة ثابتة أساسها المطابقة؟

  1. السؤال الإبستمولوجي.

كان السؤال الذي رسم معالم إشكالية جيل دولوز في هذا المضمار هو: "كيف نبني تصورا في المعرفة دون أن نستند إلى مفاهيم الماهية والجوهر والحقيقة ومعايير الصورة الوثوقية للفكر واستطراداتها الأخلاقية"(7)؛ أي كيف نؤسس لوجود معرفي محايث ونووي يساءل فلسفيا مسلمات الفكر الوثوقي عبر التاريخ من خلال تقويض مفاهيمه ومقولاته؟ استحدث دولوز لهذا الغرض منهجا، هو التجريبية الفوقية أو التجريبية المتعالية، المنطلق والمرتبط بمادية غير وضعية "بحيث لا تكون الحقيقية في النهاية إلا جماع التراهنات التي هي نتائج لفعل (الافتراضي)"(8).

كانت غاية دولوز من وراء هذا الإشكال هي تبيان تهافت القول بموت الفلسفة، فقد دافع عن "حق الفيلسوف بالتدخل في مختلف المعارف- باعتبارها نشاطات تخص الإنسان- لاستقاء مواد منها يُعمل فيها فكره ويستمد المصطلحات والمفاهيم التي يشحذها بما يتناسب مع تفكيره"(9)، من حيث هو تفكير يصبوا نحو طريقة جديدة في التفلسف، حيث لا بحث عن الأصول والكليات والغايات والماهيات، وإنما "أخد الأشياء من الوسط حيث تنمو"(10). لقد رفض دولوز المنطق التحليلي كأساس لتحصيل المعرفة والتفلسف، كما رفض مقولة "العودة إلى..." التي راجت في الحقل الفلسفي. قائلا أن التفلسف لم يمت كما أدعى أهل زمانه وأنه ليس مرتبطا بماضي بل مرتبط بما سيأتي، فمفهوم موت الفلسفة حسبه يحمل فلسفة أكثر من أي وقت مضى.

  1. السؤال الأكسيولوجي.

ترتبط الإشكالية الأكسيولوجية لفلسفة دولوز ارتباطا وثيقا بالإشكالية الأنطولوجية التي تقودنا إلى النظر إلى الوجود كقوة تزخر بالاختلاف والتعدد، وبالإشكالية المعرفية التي تحترم هذا التعدد والاختلاف الأنطولوجي، بحيث لا تنطلق من مقولات الأصل والجوهر والماهية لتحصيل معرفة بهذا العالم. على هذا الأساس ترسمت معالم الإشكالية الأكسيولوجية، من حيث هي مفعول لسؤال "كيف نؤكد إتيقا الرغبة كمسار حي محايث مستقل لا دافع أصلي يحركه وغاية أخيرة يستقصدها؟"(11)، بالغاية خلق فكر إتيقي يؤمن بالحياة كقوة تعددية لا تنطلق من أية مركزية موضوعية أو ذاتية في بناء علاقتها مع ما يزخر به هذا العالم؛ أي "القول بالحياة كأصل وغاية، الحياة كقوة إثبات وفعل شدة تتجاوز الأفراد، وكطاقة خلق تتجاوز الراهن والقائم وتتطلع لإدراك الحدث الأتي الذي لا نستطيع أن نتحمل وقعه"(12).

استنادا إلى ما تقدم يظهر بوضوح أنه لا مجال للتعالي و المفارقة في فلسفة دولوز، ولا مجال للمركزية المفاهيمية أو الفلسفية التي دأب الفلاسفة على ترسيخها من خلال مفاهيم الذات والجوهر والماهية.... ففلسفته "أشبه ما تكون ببيت النمل، أو بالأحرى، بجذمور (RHIZOME) ذي مسارات وخطوط متعددة، لا بداية لها ولا نهاية، وعلينا دائما أن نعالج فلسفة دولوز من الوسط"(13)، لأنها فلسفة وسطية محايثة قائمة على إشكالية مخالفة لإشكالية الفيلسوف الكلاسيكي الذي ينشد حقيقة مطلقة محاولا التأسيس لأفكار أبدية.

إن فلسفة دولوز تظهر بكونها "ميتافيزيقا الفعل Métaphysique de L’acte في مقابل ميتافيزيقا الوجود Métaphysique de L’être"(14). عمودها الفقري هو الاختلاف والصيرورة، فلسفة جذمورية رغبوية، خارجة عن إطار أية مركزية وممتدة نحو جميع الاتجاهات. على هذا الأساس كان من المعقول جدا أن ينتقل الاهتمام مع دولوز من الفلاسفة الذين فرضهم تاريخ الفلسفة، إلى آخرين تميزوا بخصوصيتهم وفرادتهم في هذا التاريخ، فقد عارض ديكارت Descartes، كانط Kant، هيغل، هوسرل وهيدغر، وعارض الفروع المعرفية التي حاولت أن تشغل موقع الفلسفة، كالوضعية المنطقية والتحليل النفسي واللسانيات، وهو ما عبر عنه بشكل صريح قائلا "لقد كان تاريخ الفلسفة على الدوام عاملا سلطويا في الفلسفة وحتى في الفكر، لقد لعب دور المضطهد، كيف تريدون التفكير من دون قراءة أفلاطون وديكارت وكنط وهيدغر، وكتاب فلان وعلان عنهم؟"(15). هذه السلطوية هي التي أراد دولوز تجاوزها من خلال انفتاحه على فلاسفة آخرين بروح تأويلية بشكل جعل منهم مرجعيات لهذا الفكر.

ثانيا: دولوز والمرجعيات الصائرة:
إن دولوز فيلسوف لتاريخ الفلسفة. نظر إلى هذا التاريخ كـ "كيان جذموري وليس شجرة"(16)؛ أي أنه لم ينظر إليه كتاريخ حقب بل تاريخ إشكالات، فعمل بذلك على تحقيق حاضره بإبداع ماضي الفلسفة الغربية الذي ظل مطموسا. هذا الإبداع هو وليد التوليف والمكر الذي نهجه لأجل تشكيل فلسفات مُطوعَة لكي ينهل منها، وهو النهل ذو الطابع الخاص الذي جعل من فلسفته "هي وجود سبينوزا، مفكرا فيه بمنطق برغسون، من أجل قيم نيتشه، أي أنها توليف فلسفي (جغرافي) بين مرجعيات متباعدة تاريخيا"(17). إنه بمتحه من هذه المرجعيات يجسد كيفيات جديدة في التفلسف لا تحتكم لثنائية القبل والبعد، بل يقدم لنا تركيبا جغرافيا عجيبا "يتلازم فيه الإبداع بالتأويل، وتتفاعل فيه القراءة بالمقروء، ويتداخل الفكر بالفن"(18).

إلى جانب سبينوزا، برغسون ونيتشه، انفتح دولوز عل الرواقيين Stoïcisme ودافيد هيوم David Hume ، وعلى رسامين كبيكون Bacon، وكُتاب كـبروست Proust، لويس كارول Lewis CAROLL، بكيت Beckett. وعلى فلاسفة أمثال وايتهد Whitehead، ودنيس سكوت Duns SCOT، وتارد Tard، ورياضيين أمثال Rieman، وسينمائيين كذلك، وانفتح كذلك على لوقريطس Lucrèce، لايبتنز Leibniz وفوكو.

كان له بذلك وقع على فلسفة هؤلاء وكان لهؤلاء وقع على فلسفته. قاوم من خلالهم النزعات الدوغمائية والفلسفات السلطوية والتيارات المناوئة للفلسفة، قائلا "كنا نكتفي بمداخل إلى هيغل وهوسيرل وهيدغر ونتهافت ككلاب صغيرة على مدرسية أسوأ من [مدرسية] القرون الوسطى، لحس الحظ كان هناك سارتر، كان خارجنا [الخارج الذي ينتمي إلينا وليس الخارج الذي يقع في مكان أخر]"(19)، هكذا يضاف إلى هؤلاء سارتر.

إن دولوز يخلق لقاءا بين كل هؤلاء بطريقته الخاصة، مما يجعلهم يشكلون مرجعياته الكبرى. حسبنا في هذا المقام أن نسلط الضوء على ثلاثة يعتبرون محوريين وقد أفرد لكل واحد منهم كتابا خاصا، ونقصد هنا سبينوزا، برغسون ونيتشه.

  1. باروخ سبنوزا والمرجعية الأنطولوجية.

لقد خرج سبينوزا حسب دولوز عن الطابع التجريدي الذي حكم الميتافيزيقا مند أرسطو Aristote، مما جعل من فلسفته فيزياء للوجود "تتحقق فيه الموجودات ككيفيات وليس كماهيات، وكمقادير وليس كقيم، وكاستعداد لـ (الانفعال) الفيزيائي Affection وليس كجواهر متراتبة قيميا وأخلاقيا"(20). على هذا الأساس لا تفكَرُ الموجودات إلا كعلاقات وليس كجواهر. هنا لا يكون لأي موجود حق التعالي على الأخر بشكل يقلب الأنطولوجيا إلى إتيقا؛ أي إيتولوجيا من حيث هي "العلم الذي يدرس كيفيات الوجود وأشكال تحقق الموجودات بما هي قوة وحركة، وعلاقات أثر وتأثير"(21).

بناء على ذلك يصير كل شيء في هذا العالم منتميا إلى بساط المحايثة، وتصير الفلسفة تنظر إلى الموجودات من حيث هي طاقة وشدة وعلاقات، لا من جهة الماهية والمفاهيم القبلية. ويصير الموجود الإنساني نفسه ليس سوى "كيفية وجود Manière d’être "(22)، ويصير ما "يميزني عن الآخرين هو قوتي"(23). على هذا الأساس تصير الإيتقيا السبينوزية مقاومة لكل التصورات الأخلاقية الدينية، وكذلك الناتجة عن التصورات الميتافيزيقية، التي تضع الموجود الإنساني في مرتبة عليا وباقي الموجودات في مرتبة سفلى.

لا يتحقق هذا الوجود من وجهة نظر سبينوزا ودولوز إلا كمفعول للطاقة والقوة المتفردة للفرد عن باقي أقرانه، التي لا تظهر إلا عبر بساط المحايثة. من ثمة لا يكون الله نفسه علة مفارقة أو متعالية بل هو تلك الطبيعة الطابعة المحايثة التي "تعبر عن نفسها في الطبيعة المطبوعة التي تتضمن الطبيعة الطابعة"(24). إن هذه الحيوية والمحايثة والعلائقية التي طبعت فلسفة سبينوزا، هي التي أعجبت دولوز في هذا الفيلسوف، لتجعل منه مرجعا من المرجعيات الكبرى المؤسسة لفلسفته.

وفق هذه النظرة إلى الوجود كوجود علائقي صفته الحيوية والمحايثة، لم يكن أمام دولوز إلا أن يستحضر برغسون من خلاله كتابه "البرغسونية" على اعتبار أن إرثه الفلسفي هو القادر على توصيف ومعرفة خبايا هذا الوجود المندلق.

  1. هنري برغسون دولوزيا.

دولوز وهو يتكلم عن برغسون لا يتكلم عنه كفيلسوف "الصورة السيكولوجية والوجدانية التي تحصره فيها مدارس تاريخ الفلسفة التقليدية"(25)، بل يصير معه رمزا للحيوية المتحررة من الإرث المثالي الذي كان سائدا في الفلسفة، ومن النزوع التيولوجي، معه "يصير فيلسوفا في الاختلاف والمحايثة Différence et Immanence "(26).

أعجب دولوز بدفاع برغسون عن الحدس Intuition كسبيل لـ"إدراك الديمومة Durée كما تتجلى في الموجودات"(27). مع دولوز لا تفهم الديمومة على أساس أنها فعل سيكولوجي بل هي فعل للوجود من حيث هو دفق وسيلان "لا يمكن إدراكه بمنطق الثبات والحساب"(28). بهذا لا تكون الفلسفة التي ينشدها دولوز منطلقا من برغسون سوى تلك التي تكون في ذاتها فعلا حيويا، تعتمد الحدس باعتباره حركة مزدوجة Un double mouvement تربط بين الموجود الفرد والوجود.

  1. فردريك نيتشه وحيوية القيم.

دولوز هو أحد أبرز النتشاويين الفرنسيين المعاصرين، كتب عن نيتشه كتابا وسمه بعنوان "نيتشه والفلسفة"، عبر فيه عن إعجاب شديد بانتصار نيتشه للتأويل وجعله "التجاوز أرقى أشكال الوفاء"(29)، وتنقيبه عن أصول القيم وقيم الأصول، بشكل يكشف عن كون التاريخ ليس سوى تلك "القوى التي تتملك المعاني"(30). سينتقد نيتشه شأنه في ذلك شان تاريخ العدميات المتعاقبة منذ الذميم سقراط Socrate ، مرورا بالوقح كانط، وصولا إلى الحزين هيغل، الذين رسخوا قيما تضاد "قيم الحياة والاختلاف والغُلمة والرقص، أي تضاد ما يجعل من الحياة إلهاما للفكر ومن الفكر إمكانية في الحياة"(31).

هكذا لا يمكن للمعرفة النقدية أن تتحقق إلا بالجينالوجيا، حيث يتم الكشف عن كون القيمة "إرادة قوة متعددة Plurielle تتملك المعنى"(32). ومن ثمة ينبغي أن يكون الفيلسوف مرسخا لهذه الإرادة، من حيث هي العامل الأساس في بسط إمكانات العيش المستقبيلة، المرسخة لإرادة الاختلاف والحياة والقوة، كتعبير عن فعل الموجود المتفرد في هذا العالم. إن دولوز ينتصر لينتشه ضدا على الجدل الهيغلي، النقد الكانطي والتحليل النفسي الفرويدي، المكرس لقيم الحزن والسلب والنفي والعدمية. هذا هو ما أعجب دولوز في نيتشه بشكل يجعله يحتفي به على طريقته الخاصة كما احتفى باسبينوزا وبرغسون بالإضافة إلى هيوم وفوكو وآخرين.

خاتمة القول
هكذا تتبين ملامح فلسفة دولوز كفلسفة للرغبة، من حيث هي إرادة الفعل في الحياة المنسجمة مع منطق التعدد والاختلاف والدفق الذي يعتري بساط المحايثة، ومن حيث هي "خط الانفلات المفتوح Linge de Fuit "(33). فغاية الرغبة ليست إلا ذاتها، فهي لا ترد إلى نقص لأنها ليست لذة، بل إن اللذة إيقاف لها، وهنا نقطة الاختلاف بين دولوز وفوكو، ونقطة الصراع بين دولوز وفرويد وريث الرهبان والكهنوت المحسسين بالعار والخزي. فوحده الفصامي يكشف عن سوءة التحليل النفسي، من حيث هي تلك الاختزال الأخلاقي الشنيع ذو النزعة العائلية "فالناس يهدون بالعالم والسياسية والأعراف وليس الأب والأم Papa- Mama، الناس يهدون بما لم يرونه في حياتهم، وبما يتطلعون إليه ويرغبونه .. العائلة ما هي إلا مكون واحد من مجموع ما يهذي به الأفراد"(34).

إن التحليل النفسي محكوم برؤية ديكارتية تنتصر لوجود ذات واعية بذاتها وبخبايا الموضوع الذي أمامها، وهي ذات المحلل. فالرغبة بما هي جوهر فلسفة دولوز ليست إحالة على المتعة، بل على الصيرورة والدفق الذي مثلنا له فيما سبق برؤية موريس بلانشو للسؤال، إن فلسفة دولوز فلسفة رغبة، فلسفة حب عذري، فلسفة مطالبة مستمرة تقود إلى بسط إمكانات العيش، وإلى التشبث بالحياة ضدا على الموت وإلى إقرار الإثبات ضدا على التشاؤم.

على هذا الأساس نكون قد بينا بعض معالم العلاقات التي تربط دولوز بمن تموقعوا في الظل عبر تاريخ الفلسفة الغربية، حيث متح منهم بطريقته الخاصة المتماشية مع الإشكالية الجديدة، المتجاوزة للعقم الذي أصاب الفلسفة، حتى جعل من التيارات المناوئة لها تدّعي موتها. على هذا وذاك قاد صاحبنا فتحا في الفلسفة أساسه رؤيته لمفاهيم التفكير والحقيقة والوجود الجماعي وانفتاحه على الفن كسبل جديدة لتفلسف ممكن.

 

طالب باحث بمختبر الفلسفة والتراث في مجتمع المعرفة/ جامعة القاضي عياض- المغرب

 

الهوامش

(1) اعتمدنا في التعريف بجيل دولوز وكتاباته ومراحل حياته على مقدمة مترجمة كتاب الاختلاف والتكرار، وفاء شعبان، الصادر عن المنظمة العربية للترجمة ببيروت الطبعة الأولى، أبريل 2009. وكذلك الصفحات الأولى من كتاب جمال نعيم، جيل دولوز وتجديد الفلسفة، الصادر عن المركز الثقافي العربي في طبعته الأولى سنة 2010، ومعطيات من كتاب فلسفة جيل دولوز عن الوجود والاختلاف للأستاذ عادل حدجامي.

(2) Gilles Deleuze, Lettre a Eric alliez, cité in Deleuze une vie philosophie, collection )les empêcheurs de penser en rond(. Paris. 1998. P 243.

نقلا عن: عادل حدجامي، فلسفة جيل دولوز عن الوجود والاختلاف، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى 2012، ص 15.

(3) M. Blanchot, L’entretien infini, Gallimard. Paris. P P 12- 16.

ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، موريس بلانشو، أكثر الأسئلة عمقا، مجلة علامات، الجزء 24، المجلد 6، يونيو 1997، ص ص 80- 84.

نقلا عن: محمد البهاوي، الفلسفة والتفكير الفلسفي، نصوص فلسفية مختارة ومترجمة، الجزء الثالث، إفريقيا الشرق 2012، ص 10.

(4) عادل حدجامي، فلسفة جيل دولوز عن الوجود والاختلاف، مرجع سابق، ص 5.

(5) المرجع نفسه، ص 5.

(6) المرجع نفسه، ص 6.

(7) المرجع نفسه، ص 6.

(8) المرجع نفسه، ص 6.

(9) جيل دولوز، الاختلاف والتكرار، ترجمة وفاء شعبان، مراجعة جورج زيناتي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، الطبعة الأولى، أبريل 2009، ص 8.

(10) المرجع نفسه، ص 12.

(11) عادل حدجامي، فلسفة جيل دولوز عن الوجود والاختلاف، مرجع سابق، ص 6.

(12) المرجع نفسه، ص 7.

(13) جمال نعيم، جيل دولوز وتجديد الفلسفة، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 2010، ص 36.

(14) مجدي عبد الحافظ، موقع العقل في فلسفات ما بعد الحداثة، عالم الفكر، العدد 2، المجلد 41، أكتوبر- ديسمبر 2012، ص 154.

(15) Gilles Deleuze, Parnet claire, Dialogues, Flammarion, Paris, 1977, P 54.

نقلا عن: جمال نعيم، جيل دولوز وتجديد الفلسفة، مرجع سابق، ص 74.

(16) Gilles Deleuze, Parnet claire, Dialogues, Flammarion, Paris, 1991, P P 33 -42.

نقلا عن: عادل حدجامي، فلسفة جيل دولوز عن الوجود والاختلاف، مرجع سابق، ص 12.

(17) عادل حدجامي، فلسفة جيل دولوز عن الوجود والاختلاف، مرجع سابق، ص 13.

(18) المرجع نفسه، ص 11.

(19) Gilles Deleuze, Parnet claire, Dialogues, Flammarion, Paris, 1977, p 53.

نقلا عن: جمال نعيم، جيل دولوز وتجديد الفلسفة، مرجع سابق، ص 74.

(20) عادل حدجامي، فلسفة جيل دولوز عن الوجود والاختلاف، مرجع سابق، ص 57.

(21) المرجع نفسه، ص 58.

(22) المرجع نفسه، ص 64.

(23) Gilles Deleuze, Spinoza philosophie pratique, Op, cit, P : 57/ cours du 09/12/1980.

نقلا عن: عادل حدجامي، فلسفة جيل دولوز عن الوجود والاختلاف، مرجع سابق، ص 64.

(24) جمال نعيم، جيل دولوز وتجديد الفلسفة، مرجع سابق، ص 36.

(25) عادل حدجامي، فلسفة جيل دولوز عن الوجود والاختلاف، مرجع سابق، ص 16.

(26) المرجع نفسه، ص 16.

(27) المرجع نفسه، ص 16.

(28) المرجع نفسه، ص 22.

(29) عادل حدجامي، فلسفة جيل دولوز عن الوجود والاختلاف، مرجع سابق، ص 48. (30) Gilles Deleuze, Nietzche et la philosophie, PUF, Paris, 1997, P 4. -نقلا عن: عادل حدجامي، فلسفة جيل دولوز عن الوجود والاختلاف، مرجع سابق، ص 49.

(31) Deleuze, Nietzche et la philosophie, PUF, Paris, 1997, P 100. -نقلا عن: عادل حدجامي، فلسفة جيل دولوز عن الوجود والاختلاف، مرجع سابق، ص 49.

(32) عادل حدجامي، فلسفة جيل دولوز عن الوجود والاختلاف، مرجع سابق، ص 50.

(33) المرجع نفسه، ص 36.

(34) المرجع نفسه، ص 40.

 

المراجع المعتمدة

المعتمدة مباشرة

  • جمال نعيم، جيل دولوز وتجديد الفلسفة، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى 2010.
  • جيل دولوز، الاختلاف والتكرار، ترجمة وفاء شعبان، مراجعة جورج زيناتي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، الطبعة الأولى، أبريل 2009.
  • عادل حدجامي، فلسفة جيل دولوز عن الوجود والاختلاف، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى 2012.
  • مجدي عبد الحافظ، موقع العقل في فلسفات ما بعد الحداثة، عالم الفكر، العدد 2، المجلد 41، أكتوبر- ديسمبر 2012.
  • محمد البهاوي، الفلسفة والتفكير الفلسفي، نصوص فلسفية مختارة ومترجمة، الجزء الثالث، إفريقيا الشرق 2012.

المعتمدة بوساطة

  • Deleuze Gilles, Lettre a Eric alliez, cité in : G. Deleuze une vie philosophie, collection (les empêcheurs de penser en rond). Paris, 1998.
  • Deleuze Gilles, Nietzche et la philosophie, PUF, Paris, 1997.
  • Deleuze Gilles, Parnet claire, Dialogues, Flammarion, Paris, 1977.
  • Deleuze Gilles, Parnet claire, Dialogues, Flammarion, Paris, 1991.
  • Deleuze Gilles, Spinoza philosophie pratique, Op, cit/ cours du 09/12/1980.
  • M. Blanchot, L’entretien infini, Gallimard. Paris.
  • عبد السلام بنعبد العالي، موريس بلانشو، أكثر الأسئلة عمقا، مجلة علامات، الجزء 24، المجلد 6، يونيو 1997.