تكشف هذه المقالة عن أهمية دراسة المجلات الأدبية العربية، وخاصة في مرحلة النهضة الأولى أواخر القرن التاسع عشر وحتى النصف الأول من القرن العشرين. حيث لعبت المجلة الشهرية دورا أساسيا في تخليق مناخ من الجدل الحر والنقاش الفكري الذي يمحص الكثير من المفاهيم الأساسية والضرورية لبلورة صيغ جديدة للتفكير والتعبير معا.

بحثا عن الصورة التي شكلها الغرب في الثقافة العربية

كتاب إيطالي إستشراقي يرصد نقاشات مفكري النهضة حول علاقات لا تزال ملتبسة

عـلي عـطا

 

"لا يوجد شيء أكثر فاعلية لمعرفة الحياة الثقافية للعرب من قراءة الصحف، بخاصة المجلات الأدبية التي مثلت دائماً مجالاً لا بديل عنه للمفكرين للتعبير عن أفكارهم". هكذا استهلت المستشرقة الإيطالية إيزابيلا كاميرا دافليتو، تقديمها للترجمة العربية لكتاب "الغرب في الثقافة العربية من 1876 إلى 1935". الكتاب من تأليف ماريا آفينو، وترجمه عن الإيطالية إلى العربية حسين محمود ولمياء الشريف (المركز القومي للترجمة – القاهرة). ولاحظت دافليتو أن نشر الأعمال الغربية مترجمة إلى العربية، أثَّر في الحياة الثقافية للعرب، مشيرة إلى أنه من خلال التحليل الدقيق لأربعة من أهم المجلات في فترة الإحياء والنهضة، قدمت لنا المؤلفة صورة بانورامية شاملة للحياة الثقافية لدول مثل مصر وسوريا ولبنان، في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وفي الواقع – تضيف دافليتو - عبَر مثقفو ذلك الوقت عن مصالح عالمية، وكانوا مهتمين بشكل خاص بما كتبه الأوروبيون؛ إذ كانوا يقرأون ويوثقون ويختارون الأعمال المراد ترجمتها، وحاولوا من خلال التقارير والمراجعات والملخصات وترجمات الأعمال الغربية الكبيرة نشر فكر "الآخر"، الذين كانوا يرغبون في مواجهته.

ورأت دافليتو أنه نتيجة لهذا الواقع الثقافي الجديد، انطلق نقاش حيوي بين المحافظين والمجددين وبين مؤيدي الحداثة والتقليديين، المعنيين بالتأثيرات الثقافية واللغوية، وأيضاً السياسية والاجتماعية للثقافة الغربية على العالم العربي. وأوضحت أنه إذا كان هناك ازدهار للمجلات السياسية والقومية والاجتماعية والثقافية في جميع أنحاء الشرق الأدنى، فإن هذا لا يرجع فحسب إلى الدور الكبير للترجمة، ولكنه يُعزى أيضاً إلى نشاط النشر مع ميلاد مئات من دور النشر، التي هدفت إلى تسليط الضوء على الأدب القومي، من خلال الترابط مع الآداب الأخرى، وبصورة خاصة مع روح أولئك الذين يتطلعون إلى المستقبل بحرية من دون تصورات مسبقة.

بيروت والقاهرة ودمشق

أما المؤلفة فقد لاحظت في مقدمة الكتاب أنه منذ منتصف القرن التاسع عشر تقريباً، اكتسبت بيروت ثم القاهرة، وبشكل تدريجي، هويتهما بوصفهما مركزين للثقافة العربية، وأصبحت القاهرة، على وجه الخصوص، وبعد فترة طويلة من الركود الثقافي الذي استمر بداية من عام 1870، نقطة مرجعية للمثقفين من جميع أنحاء العالم، أو على الأقل العالم العربي الشرقي، وبدأت فترة مملوءة وغنية بالاختمار الثقافي والأدبي.

ومن أجل تتبع تطور الجدل القائم حول العلاقة بين الثقافة العربية والثقافة الغربية، والتي تطورت بفضل انتشار الأدب الغربي في العالم العربي، عمدت آفينو إلى فحص المجلات التي صدرت في منطقة الشرق الأوسط اعتباراً من نهاية القرن التاسع عشر، واختارت هذه المنطقة؛ "لما مارسته من تأثير لا شك فيه على النهضة العربية، والتي انطلقت من هناك وعمَّت بعد ذلك سائر أنحاء الشرق العربي"، بحسب ما ذكرته في مقدمتها للكتاب. أما دور المناطق الأخرى فقد "اقترب من الصفر، أو كان مقتصراً على جهود فردية لمفكرين التقطتهم صحف مصر أو لبنان". وراعت المؤلفة اختيار المجلات "القادرة على توفير رؤية أوسع لحالة الثقافة القومية العربية وتطلعات المثقفين العرب في تلك السنوات". وتحقيقاً لهذه الغاية، لم يؤخذ في الاعتبار "سوى بعض الدوريات الأكثر ثقة، والتي لم تعبر بشكل ما عن وجهة النظر الرسمية لكل اتجاه وتوجه فكري فحسب، لكنها تركت المجال لجميع القوى الموجودة على الساحة".

أربع مجلات

وهذه الدوريات هي: "الهلال" (ما زالت تصدر حتى اليوم)، "المقتطف"، "الجامعة"، و"المقتبس". ولاحظت المؤلفة أن الدوريات الثلاث الأولى حاولت تقديم رؤية واسعة ومفصلة للمشهد الثقافي في السنوات التي حدَّدتها الدراسة. وأوضحت أن تلك المجلات اكتسبت مكانة كبيرة في المجال الأدبي بحيث يتاح للباحث من خلال فحصها أن يفهم توجهات الثقافة العربية خلال فترة النهضة. وظلت جريدة "المقتطف" التي تأسست عام 1876، كما لاحظ الباحث راؤول مكاريوس "المجلة الثقافية العربية الأولى على مدار ثلاثة أرباع القرن". ثم أصبحت "الهلال" التي تأسست عام 1892 نقطة مرجعية للمثقفين في المنطقة، حيث وجدوا فيها مكاناً جاهزاً للترحيب بأفكارهم، وعلى رغم عدم تمتع جريدة "الجامعة" 1899، بحياة طويلة مثل "المقتطف" و"الهلال"، إلا أنها أظهرت خلال عمرها الذي لم يتجاوز العشر سنوات، اهتماماً كبيراً بالأدب والثقافة الأوروبية، الأمر الذي جعل من فرح أنطون (مؤسسها) رائداً لنشر الثقافة الغربية في العالم العربي، وهو فضلٌ اعترف به بعض المهتمين، وأنكره بعضهم الآخر. لذلك تم تحليل مجلة "الجامعة" باعتبارها "عملاً جديراً بالثناء قام بالترويج للمجال الأدبي". أما في ما يتعلق بـ "المقتبس"، فقد كان اختيارها "إلزامياً بطريقة معينة"، بحسب وصف المؤلفة التي لاحظت أنها "كانت المجلة المرموقة الوحيدة، وإن لم تكن المجلة الوحيدة بشكل مطلق التي تنشر في دمشق في تلك السنوات. لذلك تمت دراستها لأنها – كما تقول آفينو- كانت تحمل صوت المثقفين في المنطقة السورية اللبنانية في أوائل القرن العشرين.

بانوراما ردود الأفعال

وتقدم المجلات المختارة صورة شاملة إلى حد ما لما كان عليه نشر الأدب الغربي في العالم العربي، بخاصة لأنها ظهرت في هذا السياق، "لتكون أكثر انفتاحاً وسرعة لجهة تقديم المستجدات الناشئة من الخارج مقارنة بالمجلات الأخرى". وفي الوقت ذاته تقدم لنا هذه المجلات بانوراما أكثر وضوحاً لردود الأفعال التي أثارها هذا النشر (وبخاصة حركة الترجمة) في الأوساط الثقافية في تلك السنوات، مفسحة المجال للمحافظين ومؤيدي الحداثة للتعبير عن أفكارهم. وكان لإدخال أنواع أدبية جديدة (الرواية والقصة والمسرح) مختلفة عن الأنواع التقليدية، آثارٌ دقيقة على اللغة. ومن ثم فتحت الحركة الهائلة للترجمة العلمية والأدبية نقاشاً حول الحاجة إلى صياغة كلمات جديدة وتحديث اللغة.

جاءت الدراسة في ستة فصول: "لقاء الشرق والغرب في القرن التاسع عشر"، "المجلات الأدبية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين"، "نشر الأدب الغربي"، "ترجمات الأعمال الغربية في المجلات الأدبية"، "ترجمة وتطور اللغة العربية"، و"الترجمة في النقاش الفكري". ولاحظت المؤلفة أن عدداً كبيراً من الأعمال الغربية المترجمة والمقترحة على الجمهور من خلال النشر العربي، إلى جانب الاهتمام المتزايد بالأدب الأوروبي، أثارت ردود أفعال بعض المثقفين والكتاب الذين أظهروا خوفاً عميقاً من هذه الظاهرة التي عرفت من خلال بعضهم بـ "التفرنج" والذي كان سينتهي بحرمان الثقافة العربية من هويتها الخاصة، والأمر الخطير فيه هو وجود أنواع أدبية كلاسيكية، وفي مقدمتها الشعر، يتم التعبير فيها عن الطبيعة الأصيلة للعرب.

مناقشات حيوية

في جميع المجلات المختارة، وبصورة خاصة في "الهلال"، كانت المناقشات حيوية بين أعضاء المجموعتين اللتين كانت تهيمنان على المشهد الثقافي في ذلك الوقت، وهما: الحداثيون أو المجددون، والمحافظون. وكانت علاقة الثقافة القومية مع الغرب قيد المناقشة دائماً، "كما كانت طرق وخصائص وحدود التأثير بالنسبة إلى الحداثيين شرعية تماماً، بل كانت مرغوبة حقاً لدعم تطور الأدب العربي، بينما كان المحافظون يرفضون ذلك". كان مصطفى صادق الرافعي من أولئك الذين عارضوا بشدة الأطروحات التي صاغها سلامة موسى عن الطبيعة الغربية للعرب والعلاقة العميقة بين الثقافتين العربية والغربية. وتدخل طه حسين غير مرة للتحذير من تجاوزات الرافعي إزاء الحضارة الغربية. وفي عام 1922، أكد اللبناني أنيس المقدسي وجود حضارتين متميزتين وقام بتحليل العناصر المميزة لكل منهما. واعتمدت الحضارة الغربية في تصور المقدسي على ثلاثة أركان هي: العلم والنظام الاقتصادي، وروح التعاون، وكان هذا العامل الأخير هو الذي "ضمن نتائج رائعة للغربيين: لقد تعاونوا مع بعضهم البعض في ضوء الأهداف التي حددوها لأنفسهم، وهذا أعطاهم سبيلاً للتقدم". وكانت الحضارة الشرقية، بحسب المقدسي تقوم على "المدنية الروحانية التي لم تنشأ على مبادئ المادة، بل ظهرت وامتدت وسمت بالعواطف وسادت على العالمين بالدين" (ص243). بينما فضَّل منصور فهمي، بدلاً من الحديث عن الشعوب، تقسيم البشرية إلى مجموعتين: شرقية وغربية. وأصرَّ فيليب حتي عام 1925 على وجود حضارة شرقية وأخرى غربية، ونفى وجود اختلاف بيولوجي أو فطري، كما ادعى بعض الغربيين (من بينهم ألفريد تينيسون وروديارد كيبلينغ) "من أجل تبرير نظرياتهم العنصرية وإضفاء الشرعية على السياسة الإمبريالية للقوى الغربية".

نعيمة والبستاني وزيدان

ومن جانبه اعتبر ميخائيل نعيمة أن "العلامة على الجهل المطلق تتمثل في الرغبة في البحث عما ينقص الإنسان الذي يطمح إلى الكمال. الشرق فقط هو من له القدرة على تحديد هذا الهدف النبيل المسبوق الذي يدعو إليه جميع البشر". وعلى رغم أن نعيمة محسوب ضمن الحداثيين، إلا أنه تبنى الموقف الأكثر نقداً للغرب؛ "الذي يقوم وجوده على أساس بحث عقلاني وعلمي، ليست لديه حقيقة لتعليم الشرق، ولكن فقط تخمينات صالحة لفترة زمنية محدودة، حتى يتم استبدالها بتخمينات علمية أخرى، حيث أن الشرق هو مستودع الحقيقة، لأنه أسس وجوده على الإيمان الديني". أما جورجي زيدان فقد أكد أن ترجمة سليمان البستاني للإلياذة إلى اللغة العربية ضمنت ما أسماه "النهضة الأخيرة"، في سياق نهضات سابقة حققها العالم العربي.

ويبدو أن البستاني مع هذه الترجمة كان يلبي رغبات العديد من المثقفين العرب في تلك السنوات، الذين كانوا مؤمنين بأن حركة الترجمة الحديثة كانت لها مهمة ملء الفراغ الذي تركه مترجمو العصر العباسي، "الذين تجاهلوا التراث الأدبي اليوناني الكبير". وزيدان نفسه، يسرد في مقال نشر عام 1896 الكتب الغربية التي اعتبرها ثمينة، والتي تضمن ترجمتها المزيد من الإثراء للأدب العربي، وتضمنت بالتحديد رائعة هوميروس الذي أطلق عليه زيدان وصف "أستاذ جميع الشعراء". ورأى زيدان أن ترجمة عيون الشعر الغربي من شأنها أن تضمن مزيداً من التألق والازدهار لفن الشعر، وبخاصة الملحمي منه، ويمنح حياة جديدة للقصيدة العربية بفضل الأغراض الجديدة الأصيلة التي ستدخل عليها، معتبراً أن الهدف الأهم بالنسبة إليه هو "المعرفة التي يمكن اكتسابها من خلال هذا الشعر، المعرفة بعادات الأمم التي ولد هذا الشعر من رحمها، وتراثها وأحوالها التاريخية والجغرافية".

طه حسين وسلامة موسى

وعندما قارن طه حسين بين الحضارة اليونانية والثقافة العربية الجاهلية، لاحظ أنه في كلتا الحالتين كان هناك دور أساسي يلعبه الشعر والشعراء، من حيث تأهيل دولهم للتقدم والتطور الفكري الذي حدث تباعاً من خلال تحفيز النشاط العقلاني. ورأى سلامة موسى في تراث اليونان الثقافي سر تفوق الغربيين في جميع القطاعات، وفي كل مظهر من مظاهر الروح الإنسانية. لقد كانت دراسة اليونانيين هي التي غرست في الغرب حب البحث في الأدب والعلوم والدين الذي دفعهم لتحرير أنفسهم من الثقافة العقائدية التي ظهرت في العصور الوسطى. سمحت لهم حرية النقد أيضاً بتحرير أنفسهم من خرافات الماضي، والتمرد على الروابط التي فرضتها القوة الدينية على البحث والعودة إلى اعتبار الإنسان مقياساً لكل شيء.

وخلص سلامة موسى إلى أن دراسة النصوص اليونانية الكلاسيكية "هي وحدها التي ستعطي الإنسان العربي الشعور بكرامته، وهو ما لم يسبق له مثيل في العصور القديمة، وسيؤدي به إلى تأكيد حقه في الحرية في جميع المجالات، الحرية التي كانت الفرضية التي لا غنى عنها لتقدم المجتمع". كانت النتيجة الثورية - تقول المؤلفة - التي لا مفرَّ منها بالنظر إلى الافتراضات التي توصل إليها سلامة موسى، أنه إذا أراد المرء أن ينشئ أدباً عربياً حديثاً بنفس أهمية الأدب الأوروبي، يجب بناؤه على الأدب اليوناني، مع نبذ الارتباط بالثقافة العربية الكلاسيكية"! بالنسبة إلى موسى أيضاً فقد كان حتمياً إقامة مثل هذه العلاقة مع الثقافة اليونانية، بحيث يمكن استخدامها أساساً لبناء الثقافة العربية الحديثة.

8888888888888888888888

ينجح هذا الحوار/ التأمل/ الشهادة عن الكاتبة العراقية المرموقة وعوالمها في استنطاق الكاتبة، والكثير من رواياتها الكاشفة عن رغبتها في أن يدير السرد حواره المستمر مع الماضي، ومع ما يدور للإنسان العربي خاصة من مآسي وأحزان في عالم رجراج ومتغير باستمرار.

 

عالية ممدوح: لم أتصالح يوما مع أي نوع من الهزائم

تسعى إلى كتابة سيرتها روائياً وتصف نفسها بـ"أرملة الصحة المضللة"

لنا عبد الرحمن

الاثنين 24 أكتوبر 2022

 

حمل عام 2022 للكاتبة العراقية عالية ممدوح نتاج ثمار رحلتها الطويلة مع الكتابة. مع بداية العام صدرت الترجمة الفرنسية لروايتها "التشهي"، التي منعت من التداول عند صدورها بسبب حساسية موضوعها، كما أنها من الروايات التي تتحرك على مساحات تاريخية طويلة منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، وجدار برلين وانهيار اليسار. ومن خلال هذه التغيرات طرحت "التشهي"، فكرة فلسفية حول العجز، عجز الرجل عن إيجاد ما يبرهن عن هويته البيولوجية، وعجز الفرد عن تحقيق طموحات سياسية واجتماعية كبرى، بدت في مرحلة ما قابلة لأن تكون أمراً واقعاً، لكنها انتهت بالإخفاق.

يحضر الغوص عميقاً وراء فكرة "الإخفاق" أو "العجز"، في معظم روايات ممدوح، بصيغة أو بأخرى، وكانت ذروة تجلياته أيضاً في روايتيها "الأجنبية" و"التانكي". في "الأجنبية" كان العجز يتجسد مع مواجهة المنفى واللغة الغريبة، وفي "التانكي"، حضر بوضوح انكسار المثقف العربي أمام امتحان الوطن الذي يطرد أبناءه.

السخرية المريرة:
تكتب صاحبة "المحبوبات" بنوع من السخرية المريرة والحادة، تستدعي مفارقات وتدمج بين أكثر من قضية محورية، واضعة أبطالها أمام المرايا التي تخفي اللعنات. في كتابتها نرى بطلاتها مثل "هدى" الوقحة والمقاتلة في "حبات النفتالين"، و"صبيحة" في رواية "الغلامة" التي هُدر دمها، فهي تجاوزت الحدود المسموح بها في المرجعيات جميعاً، و"سهيلة أحمد" في "المحبوبات"، ثم "عفاف أيوب" في "التانكي"، التي اختارت التمرد والاختفاء. إنها أرواح تتناسخ عابرة جميع الأجناس الأدبية والسياجات، ومخربة في طريقها الموانع، تقودها حرية فكرية لا حدود لها إلا في محاولة البحث عن الحقيقة المخاتلة.

في الحوار مع عالية ممدوح، التي أصدرت حتى الآن تسع روايات، كان التساؤل أولاً عن رواية "التشهي" المثيرة للجدل، وكيف للعجز المطروح في الرواية أن يتقاطع الآن مع التحولات الحياتية الكبرى التي تمتحن فكرة الذكورة والأنوثة، فتضع كليهما على المحك، مع وجود صدامات جندرية واضحة، بخاصة في الغرب.

توضح قائلة "ذكرت في مناسبات شتى وأنا أعيد مطالعة (التشهي) التي صدرت في عام 2007، أنها بدت لي كمحرقة للجثث، وقد تلاطمت فيها أفكار ومفاهيم ونظريات في الأيديولوجيا التي تقوضت، واللغة المعرضة للاندثار، والحب المغرر به، ثم حضرت رائحة العطن والانحلال الآتية من الوطن الذي كان يحتضر كما هو البطل (سرمد برهان الدين)، الشخصية المركزية في الرواية. فنياً لم أقف أمام محاولات تصنيفي كروائية لتنظيرات نقدية في الذكورة والأنوثة، لهذه الرواية ولعموم ما كتبت. (التشهي) رواية تتحدث عن مهزومي التاريخ، وأنا ابنة لم أتصالح يوماً مع أي نوع من أنواع الهزيمة على أكثر من صعيد. فكرة اختفاء العضو الذكري لسرمد وهي الأدق فكرياً، وليس العجز ولا الإخصاء، لأنه يضللنا بمرض عضوي. إنه يتوازى مع اختفاء المدن والأوطان، بمعنى أنه لم يعد البلد مقياساً للوجود، وإنما الشك به بسبب الإبادات الجماعية لأجيال عراقية وعربية وثقها كتاب أميركيون قبل أي روائي عربي أو عراقي.

كان عليَّ استخدام سقوف مرتفعة من السخرية المرة لكي أجعل من (سرمد) وباقي الشخصيات في مقدورهم التخفيف من الخذلان المميت. فالمحزون الحقيقي كسرمد الذي امتلك الكثير من الهزء من حاله لم يعد يعرف أين سيتوقف كل هذا الإذلال لجميع ما حدث له وللعراق، ومتى".

ثمة تركيز على بؤرة الذات نجده في كتابة عالية ممدوح، يتشكل جوهره عبر طرح أسئلة وبسط تجارب حقيقية تقدم الهزيمة بلا استحياء، في كتابة يمكن اعتبارها مراجعة عميقة للواقع والاختيارات الفردية بخاصة مع رواية "التانكي" التي لاقت نجاحاً ملحوظاً. هذه الرواية مكتوبة مثل سائر روايات ممدوح عبر تقاطعات حياتها مع أشخاص عرفتهم عن كثب، ولكن في "التانكي" ثمة حضور تخيلي مدمج مع عتاب تاريخي ثقافي، وهذا الأخير بدا أكثر تأثيراً في النص. فهل يمكن القول إن هذه الرؤية تشكلت بعد سنوات من الاغتراب المكاني والزماني في باريس؟

وحشية بشرية

تقول عالية ممدوح في هذا الصدد "أود أن أوضح أن التانكي هو خزان معدني للمياه، وقد يشير إلى وحشية القلب البشري، وربما هو خزان كوني قد تجمع فيه أدلة على شرور العالم الواقعي، كما أن التانكي ربما يصلح أن يكون صيغة قضائية أو قانونية تنظم لنا بعض الحقوق. ومقابل هذا قد تزهق لنا أرواح دول تامة، وقد أبدع الناشر الشاعر خالد الناصري بالغلاف، والذي أصرت عليه الدار الإسبانية، أن يكون غلافها أيضاً، لحمولاته الفكرية المتعددة. المرة الأولى أستعين باستحضار شخصية حقيقية هو الصديق والمعماري العراقي الجليل معاذ الألوسي، لكي يرفع عني حظر نقل جميع شخصيات «التانكي» إلى فردوسه المذهل - المكعب - دار سكناه الذي دمر أجزاء منه المارينز والميليشيات الطائفية. لقد ظهر لي - مكعبه - في كتابه الأخاذ (شارع حيفا) أن المكعب ذلك يصلح أن يكون (برج بابل) حديثاً وعاصمة للغرام والجمال والفنون والموسيقى والرسم. كانت (عفاف أيوب) الشخصية الأساسية في الرواية تريد كما أراد غوته (أن تتحول حياتها إلى عمل فني) ولكن بأي ثمن".

لعل الاقتراب من القضايا الواقعية يدفع إلى التساؤل عن التخييل الروائي في كتابة عالية ممدوح. تقول "ما زلت أتربص بحالي وبالدرجة الأولى بالتالي بجميع الشخصيات التي استهوتني جداً، على الخصوص، تلك التي تعلن عن هشاشتها وتبرمها بلا تردد، وهي مقاتلة حد انقطاع النفس. تأرجحت شخصياً بين فشل وإخفاقات لا حصر لهما، ونجاحات نادرة، فالنجاح سحر مميت. كان جورج باتاي يسمي نفسه (مسّاح الكارثة). في المعنى الضروري الذي يخصني إذا سمحت قدرتي الصحية الهشة، القيام بمسح تفكيكي سردي للطبقة السياسية والحزبية في جانبها الفاحش والبذيء والخائن. أرى الكتابة لليوم هي أعلى مراحل الدعم الذاتي، ونحن نعتقد جزافاً أننا نستحضر الشخصيات الروائية، ونستقبلها بالبشاشة المطلوبة، لكن بعد كل هذه الأعوام من محاولات التأليف أرى أن من يمسك بتلابيب المؤلف هي الشخصية الروائية. البطل الروائي يمثل السلاسة التي حافظت وتحافظ على جميع المؤلفين وعبر التاريخ. إنهم الذين يحترمون حرمة البيوت أو يهتكون قانون القمع والقهر. وما الروائي إلا إحالة لتلك الشخصيات التي تحولت إلى عائلات ومساكن وبيوت تسكنها هذه المؤلفة أو ذاك المؤلف، ولولاها لتعرض جميع كتاب هذه المعمورة للبطالة. الروائي رمزياً ونتيجة الخيلاء والغطرسة يعتقد أنه الوالد الروحي والبيولوجي لهذه الشخصية أو تلك، ولا يعترف بأنه مجرد نفر من الحاشية".

تجربة المدن

أسأل عالية ممدوح عن المدن، التي عاشت فيه وتأثرت بها، وأثرت في كتابتها، فتروي "لم أكتب عن بيروت أسطورة العزيمة، مدينة اللذائذ المتواصلة والمتع المتوالية في جذوتها وجنونها، وهي معلمتي الأولى بجميع الأسماء التي تعرفت إليها، وصارت بالتالي مقدمات في تاريخي الشخصي والثقافي. فيها أغرمت وتزوجت وأنجبت ولدي الوحيد، وفيها واصلت دراستي العليا لولا الحرب الأهلية. لا يمكن أن تضبط على هذه المدينة جملة صحيحة نافعة أو بليغة فهي تتجاوزها. لم يتسن لي الكتابة عنها حتى الآن، ولا عن الرباط، التي قلت عنها في أحد الحوارات، وليغفر لي الأصدقاء المغاربة الأعزاء، إنها أسأم عاصمة عربية. باريس وضعتها في أعلى البرج الكافكوي في كتاب (الأجنبية) وصولاً إلى لندن".

كانت عالية ممدوح قد بدأت بكتابة نص روائي - سيري، فهل ما زالت الكتابة تمضي بها صوب هذا المرفأ؟ تجيب "عدت لأوراقي في روايتي التي توقفت عنها بعد محنتي الصحية الجديدة والقديمة في وقت واحد. وضعت اليد كما يقال على أنواع من الاستغاثات من المرض، فهو يهتك أسرارك ويفتك بثباتك الصوري، ويغويك إن كنت قادرة على إعادة اكتشاف ذاتك. فالمرض القادر الوحيد على تقديم مشروع استكمال ما بدأته أثناء الصحة الكذوبة، فسخرت من حالي وأنا أطلق عليها اللقب اللطيف، أنت أرملة الصحة المضللة".