من أهم ما يميز القصة القصيرة، حديث الذات، حتى لولم تتكلم. فيستخدم الكاتب المصري السارد العليم، ليقتحم حياة الوحدة التى تعيشها إمرأة، باعد الموت والغربة بينها وبين من كان يجب أن يكونوا سندها، عندما يكبر السن وتعجز القدرة البدنية والمادية، عن الوفاء بأبسط أمنيات الحياة.

شرايح ومسامير

أحمد الباسوسى

 

دارت الأرض دورتها، توقفت مع منتصف النهار في شارع السودان، المرأة خمسينية، ورغم ذلك تبدو مقوسة الظهر، تدفع جسدها المترهل بصعوبة في الهواء الساخن، مشيتها عرجاء بطيئة تكنس تراب الرصيف بثوبها الاسود الفضفاض، تتكئ على عصى معدنية قديمة، عيونها الضيقة الباهتة مغلفة بزجاج نظارة سميك يحمله شمبر بلاستيك رخيص، رأسها مرفوعة الى السماء كأنها تتفحص حمأة شمس غاضبة.

 حركتها على الأرض بطيئة للغاية، لكن تبدو متحدية للزمن وللايام التي تكومت بشراسة فوق كاهلها.

 العرق الذي تفصد من جبينها ارهق ما تبقى من عينيها، وصعب من اهتزازات جسدها البدين الذي أصبح عبئا لايطاق.

حلمها الذي تطارده الآن وهي تضرب بعصاها الأرض في الدنيا الساخنة ان تتحرر من سجن الجسد المعتل وآلامها التي تصاحبها ليل نهار. حلمها الوحيد في الحياة ان تتخفف من قسوة الجسد عليها وان تقف أمام حوض المطبخ مثل زمان منتصبة القوام من دون آلام، تصنع طعامها، تغسل المواعين، وتنظف منزلها بيسر، وتخرج للسوق بحرية وتناكف الباعة وتمرح معهم وتشتري اشياءها بنفسها.

آلام العمود الفقري والمفاصل اهتاجت عليها فجأة منذ سنوات، وفي اعقاب وفاة الزوج  ودفنه خارج البلاد.

 البنات تزوجن، الولد هج، والوحدة قاتلة رغم التفاف بعض الأقارب والصديقات.

 في مستشفى الجامعة فحصها طبيب شاب وسيم الطلة والملامح، ابتسم لها، اخبرها "انتي في حاجة الى عملية جراحية تخلصك من كل تلك المتاعب"، ابتهجت، ثم اغتمت، "لكن معييش فلوس يادكتور"، اتسعت ابتسامة الواثق  والتي التقطتها عيناها بسرعة اراحتها جدا "موش هاتدفعي فلوس، فقط ثلاثة الآف ثمن الآشعة والفحوصات، والفين عشان فحص الكورونا، والشرايح والمسامير والعملية علينا، وانا منتظرك يالا تعالي بسرعة".

قلبها الواهن استعاد عافيته فجأة، تراقص على نغمة فرحة التحرر من سجن الجسد الواهن أخيرا، خرجت من باب العيادة، نزقة، متخففة، تردد مع نفسها بصوت كاد صداه ينفلت من بين اسنانها " خمسة الآف يمكن تدبيرهم من أي مكان ربنا يهون وأقدر امشي".

كأنها تتحرك الآن في المستقبل، بوابة مستشفى الجامعة خلفها، وأمل الخروج من سجن الجسد العليل يلوح أمامها  بخمسة الآف جنيه.

 سيارة الميكروباص الأجرة وقفت أمامها، ساعدوها في الصعود بعصاتها، لا تزال منتشية بفرحة الأمل، وصورة الطبيب الباسم تتملك كيانها لاتريد ان تفلتها.

صفير الهاتف لايتوقف، انتبهت، خرجت من نشوتها. على الطرف الآخر ابنتها الكبرى، اجابت وكانت في حالة فريدة من النزق "انا في الطريق، راجعة حالا، الدكتور قال لي هاتمشي وتبقي كويسة، لازم لك عملية ونركب لك شريحتين وشوية مسامير وترجعي زي الأول، انا نفسي اعرف امشي كويس واطبخ وانظف البيت، قال لي العملية والشرايح والمسامير ببلاش  بس هاتدفعي ثلاثة الاف للتحاليل والاشعات والفين للكورونا، وهامشي وهابق كويسة واعرف اشتغل في البيت"،

 طال الحديث مع الابنة القلقة وطالت الفرحة والنشوة  لمجرد ظهور الأمل بالافراج  والتحرر.

 توقفت السيارة، انزلوها بصعوبة الى أرضية الشارع، لايوجد مكان خارج عن نطاق سيطرة الشمس المحرقة، انتحت جانبا، ارادت ان تستند خلف جدار، أو ان تجلس فوق حجر في مكان مظلل تتخفف قليلا من اوجاع الجسد وقد عادت بعد تراجع الفرحة والنشوة.

 الجسد لايزال صامدا. استدارت برأسها حواليها يمينا ويسارا  مثل رادار  يرغب في التقاط بقعة سحرية للراحة، الناس حولها يفرون بسرعة من الصهد، لا احد يراها، لا احد يهتم، فشل الرادار في التقاط بقعة سحرية للراحة، لكن لم تفشل اذناها من التقاط صوت الهاتف الذي كانت رناته تتابع بتوالي، استخرجته من باطن جيب العباءة السحيق، كف يدها متشبث بما اوتيت من قوة برأس العصى التي تتكئ عليها، والكف الأخرى قابض على الهاتف الصغير تحاول حشره داخل اذنها الواهنة لعلها تتسمع شيئا مريحا.

مع الصوت على الجانب الآخر توافقت ضربات قلبها الذي تحاول السيطرة عليه بأدوية الضغط مع عقرب الساعة الذي يلهث فوق معصمها لا يلوي على شيء.

 لم تكن اﻷمنية بالراحة تتمثل في أشباح الناس اللذين يتحركون حولها في تجهم وعدم اكتراث مثل دمى بلاستيكية جامدة بقدر ما كانت عوالم تلتمع داخلها ومضات من الرغبة واشتهاء الأيام.

 الصوت  على الجانب الآخر كان لأحدهم قبل ان يهج في صبح يوم عاصف قبل خمس سنوات في أحد القوارب التي تمخر عباب الموت والمجهول الى ايطاليا، ابنها الوحيد فوق اربع بنات، حيلتها الذي خرجت به من الدنيا، لكنه خرج من دنياها بمجرد ان اكتمل نمو شاربه بعد معركة هائلة مع ايامه ومع الجميع،

عاش مستسلما لخيالاته وأحلام اليقظة وامنياته التي لاتتحقق سوى فوق وسادته.