يمثّل كتاب «استعادات مقلقة- يوميات غزة: مائة كاتب وفنان يكتبون عن الحرب»، الصادر حديثًا عن الأهلية للنشر والتوزيع في عمّان، بجزأيه وبصفحاته التي قاربت الستمائة صفحة وبما احتشد به من حيوات لاهبة، مستعرة، مرآة صادقة للروح الفلسطينية في أجلى صور عنفوانها، على الرغم من الرماد الذي يجلّل المشهد. ويكفي لإثبات القول بهذا العنفوان أن كتابًا بهذا الحجم قد أُنجز في ظل حرب التمزيق والإبادة التي عرفتها غزة، وبكل ظروفها وتفاصيلها. ومما يستوجب الإشارة هنا وله وثيق الصلة بما تقدم، أن اليوميات والشهادات المتضمنة قد نجحت في وضع قارئها في صميم الأجواء والأوضاع التي كابدها كتابها وبرعوا في نقلها وتصويرها، خاصةً بما يتصل بما هو نفسي وشعوري وبدقائق وتفاصيل لا يمكن التوصل إليها أو حتى تخيّلها بدون الاطلاع على نصوص هذه اليوميات والشهادات، بمختلف المعالجات والمقاربات لموضوعاتها. من هنا فإنها، أي النصوص، حققت واحدة من أهم مزاياها المتمثلة بتفوق الكلمة على الصورة، داحضةً المقولة الشائعة، العائمة أن الصورة تعادل ألف كلمة؛ إذ ليس سوى هذه النصوص وبالكيفية التي أتت عليها ـ والحديث هنا عن الغالبية العظمى منها ـ يمكن لها ترك مثل هذه الانطباعات والآثار الساخنة لدى القارئ. ومصداقًا لذلك يقول عثمان حسين (شاعر): "الكتابة توثّق ما لم تستطع الصورة رصده، كالخوف والقلق والألم والأحلام والكوابيس والخذلان وغيرها من المشاعر والأحاسيس". وهو ما يتفق وقول علاء الغول (شاعر): "هناك أشياء شعورية ونفسية لا تصلها الكاميرا، ولا تبلغها مهارة المخرج".
لا شك في أنّ كتابًا كهذا يأتي ضمن روح المقاومة التي عُرف بها الفلسطيني في ملمحه الثقافي، الملمح الحيوي والفاعل الذي يشاطر هويته الوجودية ككل. وفي هذا الصدد يتحدث معدّ ومحرر الكتاب، عاطف أبو سيف، في مقدمة الكتاب، عن المعاناة عند جمع النصوص والفترة الطويلة التي استغرقها ذلك والظروف الاستثنائية الصعبة التي تم خلالها التواصل مع المساهمين من كتّاب وفنانين في كل غزة من شمالها إلى جنوبها، وعن التحدث مع الكثير منهم في الخيام ومراكز الإيواء، سواء باللقاء المباشر أو من خلال الهاتف أو الإيميل. يقول عن ذلك: "كان الاتصال في مراحل مختلفة صعبًا وعزيزًا، وفي مرات كان عليّ السير لمسافات طويلة، خاصة في مناطق جنوب الوادي حتى ألتقي ببعضهم، ونتحدث ونتناقش في فكرة الكتابة واليوميات...".
تعدّد الأجيال وتَجاورها
من مزايا الكتاب الكثيرة أنّ الأجيال تتعدّد وتتجاور فيه (وتتداخل خبرات اللجوء والنزوح)، كما تشير المقدمة. ولذا لم تكن مرويات نكبة 1948 مقتصرة على ما تمّ تناقله عبر الأبناء والأحفاد من الكتّاب المساهمين، بل أيضًا عبر حضور من شهدَ هذه النكبة، حتى لو كانت ولادته قبل وقوعها بقليل، كما هي الحال مع توفيق أبو شومر (1947 ـ روائي)، والذي هُجرت قريته "بيت طيما"، شمال شرق غزة، على يد العصابات الصهيونية، كما تذكر سطور سيرته لتنتهي به الحال، لاجئًا، في مخيم رفح. عن ذلك يقول في شهادته "في وداع شقتي ورسالة لبابا نويل": "لم أكن أعلم أن اغتيال شقتي وشقة ابني وابنتي سيعيد إليّ ذكرى مهدي الأول المغصوب من المحتلين الإسرائيليين، نعم أصبحت اليوم أكثر قربًا من مهد ولادتي الأول". أبو شومر يختصر معنى البيت أو الوطن في كوب القهوة الذي اعتاد صحبته واقترن لديه بكتابة مقالاته وخطط كتبه؛ فقد شهد هذا الكوب ولادة أربعة منها، لتنتهي به الحال كِسَرًا وشظايا وسط ركام البيت الذي تعرض للقصف. أديب آخر يشاطر أبو شومر سنة الميلاد، هو فايق أبو شاويش (شاعر) المولود في قرية برقة، التي تم تهجير أهلها وتدميرها، ليعيش بعدها طفولته في مخيم النصيرات. يبرع أبو شاويش في استثمار الطاقة الشعرية للغة والاستعانة بتقنية شيء من العبث واللامعقول، في نصه "لحن الحياة"، مضمرًا بذلك أو معلنًا صيحة احتجاج على غرائبية الواقع الذي يشهده واللحظة، بل الزمن الفلسطيني بأسره، منذ النكبة. يقول: "الليل قاذفات قنابل، يُلغي من التاريخ الزمان والمكان". وأيضًا: "هل تعلم أن كلب جارتنا يرتجف من شدة النباح على الطائرات؟ يا للحسرة... أفسدَ اللحظة شيخ تجاوز الستين كان التعب باديًا على وجهه البشوش يسألنا كيف الذهاب إلى رفح، احمرت عيناه من شدة الصلاة، وقبل أن أُجيب أقسمَ بالله أنه ترك أحد أبنائه ميتًا في الشمال، غطاه على سريره، وأقفل باب الشقة خلفه. قلنا مات؟ قال نعم لكنه ما زال حيًا. هكذا اختلف الرواة".
وثمة مَن ولِد بعد النكبة الأولى بقليل، وصولًا إلى مشارف الألفية وما بعدها، في امتداد جيلي إبداعي غزير، متنوع. تتحدث بيسان نتيل (1996 ـ شاعرة) في شهادتها "لا نملك سوى البارحة" عن جدتها التي عاشت النكبة، واختزان ذاكرتها لصوت البراميل الثقيلة التي كانت تُلقى فوق رؤوسهم، متسائلةً كيف غدت جدتها بنت العاشرة والتي خرجت من المجدل مشيًا على الأقدام، من فتاة تلعب مع أختها في الحارة إلى لاجئة في الخيام في حي الشجاعية؟! أقرأ هذا السؤال وأقول ما أصعب الأسئلة التي تبدو سهلة للوهلة الأولى، وهي في الحقيقة لا جواب لها! سؤال يبدو أنه سيتكرر في كلّ آن، بتكرار بواعثه. وفي هذا المعنى المحوري من سيرة الفلسطيني يصبّ إهداء عاطف أبو سيف للكتاب: "إلى حماتي وداد زقوت (التي) أخذتها الحرب في الخيمة خارج بيتها في مخيم جباليا، كما أخرجتها النكبة من بيتها في المجدل". هذا الإخراج القسري هو القاسم المشترك بين كل الكاتبات والكتّاب، حيث الجميع يتحدّر من عوائل مهجرة احتضنتها مخيمات غزة، وقد أضحت مألوفة بأسمائها للعالم أجمع، كالنصيرات وجباليا والبريج وخان يونس وسواها. لذا كان هاجس العودة إلى البيت، حتى لو كان ركامًا، والخوف من تكرار تجربة النكبة في التشريد والإقصاء مسيطرًا على الجميع. وفي مبادرة ذات خبرة وبدت من صميم مهام الكتاب، تمّ توثيق أسماء المدن والبلدات والقرى جميعها التي نزحت منها عوائل هؤلاء الكتّاب واستقرت في غزة، ضمن سطور السيرة لكل واحد منهم.
السمة الإبداعية للنصوص
لا يمكن النظر إلى نصوص الشهادات واليوميات بتنوعها وغناها، وبما تضمنته من حكايات وتأملات، إلّا كإبداع أدبي. فهي ترتفع فوق أن تكون مجرد تأريخ وتوثيق لمشاهدات واستدعاء لذكريات أو تسجيل لمشاعر كتابها، فعلى أهمية مثل هذا الهدف في حالة كحالة غزة وما تعرضت له، إلّا أنها لم تُغفل الفن، فكان لدى كتابها همّ ومسعى، وهو ما يجعل من النصوص المعنية ذات قيمة رفيعة وأكبر من ذاتها، فضلًا عما لعبه كتابها وكاتباتها من دور كشهود على المجزرة، فبدا محتواها امتدادًا لجرح وسيع، مديد لا يمكن الشفاء منه، وكأن ذلك اليوم الذي شهد بداية أعتى فصل من فصول المأساة الفلسطينية أخذ يتمدد على الزمن كله، فلا تُعرف له أو لآثاره نهاية، أو كما جاء في "موت بلا ذنب" لـ محمد عبد الرحمن (1999 ـ كاتب ومصمم غرافيك): "لم أكن أعلم أن صباح السابع من أكتوبر (تشرين الأول) سيكون بمثابة سنة ضوئية. كان صباحًا مختلفًا، لم يستطع أن يُشبِع فينا وهمًا. لم تشرق شمس الثامن من أكتوبر حتى الآن (...) أما عن الحقيقة المؤسفة بعد كل هذا، فلا يمكن أن نُشفى بتاتًا". في هذا الكتاب يغدو الكاتب هو الشاهد والمشهد والشهيد، يقول في هذا المعنى عثمان حسين (1963 ـ شاعر): "الكتابة هذه الأيام سباحة في دماء المذبوحين من الوريد إلى الوريد...". قول كهذا لم يأت على سبيل المجاز بل هو ما كان على أرض الواقع، وبالعودة إلى إحصاءات السنة الأولى من الحرب، على اعتبار أن كل النصوص كما تشير المقدمة قد كُتبت خلال سنة الحرب الأولى (أي منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023 حتى أيلول/ سبتمبر 2024)، فقد بلغ عدد القتلى أكثر من واحد وأربعين ألف والجرحى أكثر من ستة آلاف، ولم يكن الكتّاب أنفسهم أو عائلاتهم، بطبيعة الحال، بمنأى عن هذه المقتلة، فقد وشّحت شارة الحداد صفحات ستة منهم، هم: أحمد الكحلوت، بلال عقل، رفعت العرعير، نور الدين حجاج، هبة أبو ندى، هبة محمد المدهون.
وكانت المصورة والكاتبة فاطمة حسونة (2000) هي آخر من التحق بقافلة الشهداء من الكتاب والفنانين المذكورين، فقد ذهبت ضحية القصف الإسرائيلي هي وعشرة من أفراد أسرتها في 16 نيسان/ أبريل 2025. وكان استشهادها بعد صدور الكتاب. ورغم أن التعريف الرئيس لها في سيرتها كمصورة، إلا أنّ موهبتها في الكتابة بدت متميزة ولافتة، حتى الموضوع الذي اختارت الكتابة فيه وهو الاستحمام، أضفت عليه طابعًا سحريًا، على بساطته وعاديته، في الظاهر. هذا هو معنى أن يكون الكاتب مميزًا ومؤثرًا وذا نكهة خاصة محببة. عدا عن ذلك فقد امتاز نصها بحس استشرافي طاغٍ بموتها. فكانت كمن ينعى نفسه، وهو ما كان حقًا، ويبدو أنها كانت مستهدَفة، لدورها في نشر وتوثيق حرب الإبادة على غزة، وذروة هذا الدور كانت مشاركتها في الفيلم الوثائقي الذي أعدته المخرجة الإيرانية سبيدة فارسي "ضع روحك على كفك وامش" من خلال محادثات مباشرة بكاميرا التلفون بينهما، وقد حقق الفيلم صدى عالميًا، بموت/ اغتيال بطلته بعد 24 ساعة فقط من اختيار الفيلم للمشاركة في مهرجان كان. وكلنا نتذكر تحية الممثلة جولييت بينوش، رئيسة لجنة تحكيم المهرجان، لفاطمة وكلمتها عنها في افتتاح المهرجان في دورته الأخيرة.
فاطمة حسونة المتعددة المواهب، التي كانت تنشد موتًا صاخبًا، وفقًا لعنوان نصها "أريد لموتي أن يكون صاخبًا" قد تحقق لها ذلك عبر إعلان غيابها الصادم في واحد من أكبر التجمعات الفنية والثقافية في العالم. ومما جاء في نصها، والذي يُقرأ بمثابة بيان: "أريد لموتي أن يكون صاخبًا، ولن يكفيني أن يعرف به الأصدقاء فقط، لأنني لم أبذل حياتي لذلك، أريد لكل العالم أن يعرف أن موت الفلسطيني الآن يعني أن ثأرًا ممتدًا سيكبر ويحرق قاتله، وأخاه الساكت عن قتله، والسكين التي حزت رقبته، وأريد لكل العالم أن يعرف أن موتي يعني خسارة العالم نفسه أمامي، أمامنا، أمام نفسه، وأن ما قتلني لم يكن رصاصة ولا شظية، ولا حتى صاروخًا، ما يقتلني كل يوم هو عجزي عن كسر اليد التي تطاولت عليّ وعلى إخوتي...".
سرد ذو حدّين
إذا كانت الكتابة كما يُنظر إليها، في كثير من الأحيان، فعل نجاة فإنها في هذا الكتاب الأنطولوجي تكون النجاة مهمة دائمة. تقول المقدمة: "كل هذه النصوص خرجت من رحم الألم والوجع والانتظار تحت القصف والدمار، وكانت جزءًا من بحث أصحابها عن النجاة عبر الكتابة". لكنها بالمقابل تتحول هنا إلى أداة قتل بيد العدو، في ارتداد على صاحبها ذاته، حين يعدها هذا العدو تهديدًا وجوديًا له يدحض ويفضح سرديته القائمة على التزييف والتحريف وسرقة التاريخ. وإذا كانت شهرزاد رمزًا لتأجيل الموت بالحكي، وإبطاله، فإنّ المعادلة تنقلب مع السارد الفلسطيني، فيكون سرده مَجلبة لموته. يمكن هنا اعتبار مقتل فاطمة حسونة في اليوم التالي لترشيح فيلمها لمهرجان كان، كما مرّ بنا، مثالًا على شهرزاد الفلسطينية التي استجلب كلامُها الموت. كما يحضر مثال آخر بقوة هو الشاعر والكاتب والأكاديمي رفعت العرعير (1979) الذي دأب على فضح ممارسات الاحتلال من خلال مقالاته التي يكتبها بالإنكليزية والتي نشر بعضها في نيويورك تايمز، وفي هذا الاتجاه (شارك رفعت في إطلاق مؤسسة "نحن لسنا أرقامًا" التي تعنى بتدريب الشابات والشبان على كتابة الرواية الفلسطينية باللغة الإنكليزية من أجل تعزيز حضور السردية الفلسطينية بهذه اللغة) ـ المقدمة.
في نص شهادته "قصف بنايتنا" المكتوب بالإنكليزية، بالأصل، يُثبت رفعت بطلان ادعاءات العدو في أكثر من شأن، مثال ذلك ادعاء توجيه تحذيرات إلى السكان قبل القصف، فيقول: "... وفق تقديرات معينة فإنّ إسرائيل لم تصدر تحذيرات مبكرة في قرابة التسعين بالمائة من عمليات قصف البيوت التي نفذتها في الحرب. وهذا يكشف العدد المهول للناس الذين قتلوا ويكشف عدد العائلات التي تم مسحها من السجل المدني بشكل كامل. وعليه وبشكل مباشر فإن تعليمات الجيش للناس بالمغادرة ليست إلّا حيل دعائية. فحين يغادر الفلسطينيون بيوتهم يذهب الكثيرون للمدارس التابعة لوكالة الغوث (الأونروا)، ولكن هذه المدارس تم استهدافها عدة مرات...". وبخصوص محاولات استهدافه يقول رفعت: "لم نعرف لماذا تم استهداف بنايتنا. أصرّت حماتي على أن السبب هو ما أقوم به من الحديث في الإعلام (...) أمي أيضًا عبرت عن نفس الموقف، حين قالت لا تكتب "أشياء" على الإنترنت يا بني، أنت تعرف ماذا أقصد، كما أوضحَتْ". وهذه هي الحقيقة، فقد أُغتيل رفعت العرعير بعد شهرين من بدء الحرب بسبب كتاباته وبسبب حراكه وتأثيره، ولنتذكر هنا أنه كان شديد الحرص على مخاطبة الرأي العام العالمي، ما وجدَ إلى ذلك سبيلًا. ولم يكتف العدو بقتله، فبعد قرابة أربعة أشهر من ذلك تكررت الجريمة باغتيال ابنته "شيماء" في قصف لطائرات الاحتلال، وكانت برفقة زوجها وطفلها في حي الرمال في مدينة غزة، كما يذكر أبو سيف في تقديمه لنص الشهيد العرعير.
أنطولوجيا متعددة المهام
من الصعب اختزال ثراء هذا الكتاب الأنطولوجي بطابعه متعدّد المهام وبفضائله ومزاياه الكثيرة، في عرض محدود الكلمات مهما استطال، لما يستثيره من إعجاب، بدءًا بفكرته وما نجم عنها من تقديم لهذا الطيف الواسع من كتاب وشعراء وفنانين موهوبين، متميزين، مكرَّسين وصاعدين، شمل كلا الجنسين من المُستكتَبين والمختارين، وبالتساوي، في دلالة تعني الكثير (24 كاتبة و 26 كاتبًا) فمن صلب هذه المزايا والفضائل المذكورة، تعريف القارئ العربي بكل هؤلاء، خاصة أولئك الذين لم يتجاوزوا الحدود الوطنية في شهرتهم، على الرغم من أهميتهم. وصولًا إلى تنظيم الببليوغرافيا الشاملة للمساهمين، التي تعطي لمحة محسوبة عن كل مساهم. من خلالها نتعرف أيضًا على كم ونوع الجمعيات والمنتديات والاتحادات والورشات الأدبية والفنية والمؤسسات الثقافية، عمومًا وكل ما له صلة بالإبداعي أو الإعلامي، في قطاع غزة، حتى ليدهش المرء، ممن ليس لديه فكرة عن غزة الثقافية، من حفول القطاع بكل هذا الحراك الثقافي المنظّم والمبوّب والدؤوب والمجتهد، والذي يشكل بالضرورة جزءًا حيويًا وعميقًا من الهوية الفلسطينية عامةً. فلكل ذلك أحرزت هذه الأنطولوجيا الذكية أهميتها الأدبية ـ التأريخية وهدفيتها في تعزيز السردية الفلسطينية وإدامتها في وجه السردية المقابلة بما تعمل عليه الأخيرة من تزييف وتحريف ومحاولات محو واجتثاث الوجود الفلسطيني على كل الصعد، لذا فالكتاب بالمحصلة هو كتاب هوياتي بامتياز. وكم من النصوص والفقرات التي تستجلب الانتباه وتستدعي التوقف لديها وكم من الأسماء التي تستوجب الإشارة، عدا من تم ذكره، للأهمية الفنية لنصوصها وتميزها أو لمحتوى هذه النصوص في ذاته، أو للحالة الاستثنائية للكاتب، كما هو الأمر مع:
(*) أحمد الكحلوت (1995 ـ كاتب/ شهيد): هو واحد من الذين ظهروا على الشاشات في بداية الحرب، عراة ومكبلي الأيدي، بعد أن تم احتجازهم من قبل جنود الاحتلال، وهو ما بيّنه الكاتب في "قلب مليء بالوجع". مما جاء في يومياته: "أنا بخير.../ رضوض في المشاعر/ وكسر في الخاطر/ وبعض خدوش في الذاكرة". قُتل أحمد الكحلوت على يد الجيش الإسرائيلي في الخامس من شباط/ فبراير 2024.
(*) بلال عقل (1998 ـ كاتب/ شهيد): الذي روى طرفًا من المأساة أصبح بدوره مرويًا، يقول في يومية له: "إذا وصلكم خبر استشهادي، فلا تأتوا لوداعي إلّا إذا كنت جسدًا كاملًا كما عرفتموني، أو وجهًا باسمًا يمكن أن يُقبّل، أو يدًا دافئة يمكن أن تُحتضَن، لا أريد لجسدي أن يكون شيئًا آخر في ذاكرتكم، أريد لتراب هذه البلاد أن يحتضنني في الأرض، كُلّي".
(*) نور الدين حجاج (1996 ـ روائي/ شهيد): هو كاتب واعد وموهبة لافتة، وفقًا لتقديم محرر الكتاب. مما كتبه في يومياته: أنا نور الدين عدنان حجّاج، كاتب فلسطيني، وعمري سبعة وعشرون عامًا ولي أحلام كثيرة. أنا لستُ رقمًا وأرفض أن يكون خبر موتي عابرًا، دون أن تقولوا أني أحب الحياة، السعادة، الحرية، ضحكات الأطفال، البحر، القهوة، الكتابة، فيروز، وكل ما هو مُبهج... قبل أن يختفي كل هذا بلحظة واحدة".
(*) تقول هبة أبو ندى (1991 ـ روائية/ شهيدة): "كلما اعوجّ مسار العالم تصحّحه غزة". ويتضح من هذه الجملة حماسها لعملية 7 تشرين الأول/ أكتوبر، وهو ما أكدته نصوصها المختارة. كتبت، في اليوم الأول للحرب: "أحدهم أراد أن يمشي في شوارع بلدته المحتلة... لماذا الجميع دُهش هكذا! ونحن أيضًا: يرونه بعيدًا ونراه قريبًا". يكتب عاطف أبو سيف المحرر في تقديمه لنصوص الراحلة: "لم تُمهل الحرب هبة أبو ندى أكثر من أسبوعين قبل أن تغتالها وهي التي عبرت خلال كتاباتها اليومية على مواقع التواصل الاجتماعي منذ فجر السابع من أكتوبر عن شعورها بالموت وبقربه". مع الوقت يستشعر قارئ يومياتها بيأس الكاتبة، كون هذه الحرب لا تشبه ما عاشته من قبل. تقول: "هذه المرة لا يوجد نمط معين، كل شيء تحت القصف، كل الحروب السابقة تنعصر في هذه الحرب، غزة من شمالها لجنوبها تحت النار بشكل عشوائي وفاجع، حالة من الذبح الجماعي والاغتيال العبثي لكل شي...".
(*) كانت آخر جملة كتبتها هبة محمد المدهون (1980 ـ كاتبة/ شهيدة): "تذكروا، انقلوا عنا للأجيال القادمة القصة الحقيقية، وظلوا ادعوا لنا"!
جدير بالانتشار والترجمة
إلى ما تقدم من تنويه بأسماء ونصوص أو فقرات تبقى الحاجة قائمة إلى الإشارة إلى المزيد منها واستحضارها لدواع إبداعية وفنية أو مضمونية مميزة، مثال ذلك:
(*) يتساءل أحمد عاشور: "كيف يمر الوقت؟ كيف يُحسب؟ هل بالدقائق أو بقطرات الدم؟". وأسماء أبو منسي التي ترقى كتابتها في بعض المقاطع إلى التأمل الفلسفي. وهل يمكن إغفال كاتب مثل أكرم الصوراني، بلونه الكتابي الساخر المميز. يكتب أكرم: "كان يحرص الغزّي على تنفيس شبابيك منزله حتى لا تتكسر أحلامه أمامه، لكن لن يضطر بعد الآن إلى تنفيس شيء؛ فلا شبابيك ولا منازل في المدينة، الخيمة سيدة غزة الأولى".
ونعثر في نص آلاء القطراوي، الأم الجريحة التي فقدت أطفالها الأربعة في مقتلة غزة، على جسد امرأة مسجى في الشارع وهي تمسك بيدها ملعقة وصحنًا فارغًا، وقريب منها دبابة إسرائيلية. وبما أنها مجهولة الهوية كُتب على شاهدة قبرها "امرأة فلسطينية بعباءة سمراء تحمل صحنًا فارغًا وملعقة أمام دبابة إسرائيلية في شارع الرشيد".
وأيضًا هناك أمينة مسعود، وإيمان الناطور، وبسمة الهور التي تكتب عن الضرر النفسي لمتابعة أخبار الحرب. وأيضًا حيدر الغزالي، رغدة حمد، رهام السبع، ريما محمود، سائد حامد أبو عيطة، محمد سعيد الكحلوت، الذي يذكّر بشكلٍ ما بخزان غسان كنفاني، عبر سؤاله "هل سمعت صراخي عزيزي القارئ الشقيق؟". وأيضًا سلمان أسامة أحمد، بنصه المختلف الذي يبعث حزنًا مختلفًا.
كذلك هناك شجاع الصفدي، طلال أبو ركبة، طلعت قديح، عاطف أبو سيف، وقد تحدث عن اغتيال الجيش الإسرائيلي للصحافي والمصور بلال جاد الله، وفي تفصيل آخر لافت يقول: "ينام ناس كثيرون بكامل ثيابهم لخشيتهم من أن يضطروا إلى الخروج فجأة من البيت، أو حتى يكون لبسها كاملًا لحظة الموت. أما النساء فيضعن لباس الصلاة بجوارهن، حتى يتمكن من لبسه بسرعة وقت المصيبة". ويكتب عبد الله شرشرة: "غزة مجرد مدينة على البحر بين صحراء كبيرة تمتد من سيناء إلى النقب، لذلك هي مدينة صحراوية في حقيقة الأمر". ويقول أيضًا: "ثوب الصلاة" هو الزي الرسمي للنساء حاليًا.
وهناك عبد الله تايه، عز الدين شلح، عزة الشيخ أحمد، علا أبو حسب الله، وعلي أبو ياسين وحكايته مع الزنانة، يقول: "كيف المفر والزنانة فوق رأسك تصبّ أزيزها في أُذنيك صبًا. صوتها يتغلغل في كلّ كيانك يدفعك إلى الجنون... تخيل أن تظلّ تسمعه أيامًا وشهورًا متواصلة لا تنتهي مع فارق أن صوت الزنانة أعلى وأعلم، فالزنانة تستطيع تصويرك عاريًا أو كاسيًا، صحوًا أو نائمًا وأنت في الشارع أو أنت مستلقٍ على فراش غرفتك، وهي إن شاءت قتلتك هكذا من دون أن يرف لها جناح، فلديها صواريخها الخاصة".
وأيضًا عون الله أبو صفية، فائقة الصوص، فداء بركة، فداء الحسنات، كريم ستوم، الذي تستحق حكاية نومه في كفن أن يُفرد لها حيز خاص. والإشارة أيضًا تنبغي إلى كمال صبح، محمد أبو كويك، محمد جلال عيسى، محمد أبو عبيد، محمد العُكشية، محمد غنيم، مصطفى النبيه، مي تايه، نادية أبو جياب، ناصر رباح، نجوى شمعون، نعمة حسن، ونصها الجميل، الجريء الذي أبدت في قسم منه جنونًا محببًا! كذلك ثمّة نهيل مهنا وتبادلها الاعترافات البريئة مع ابنتها، وأيضًا هاني السالمي، يسرا الخطيب، يسري الغول، ويوسف القدرة الذي تحدث عن "جمعة" شبه المجنون، الوسيم الذي تعرض لصدمة لا يُعرف سببها فانتهى به الأمر إلى "حراثة" الشوارع. يشبّهه بنجوم السينما وقد صوّر معه الكثير من الفيديوهات على جواله، مفكرًا في مشروع فيلم عنه. لم يكتمل مشروع الشاعر وجمعة الذي انتهى جثة في شارع الأمل برصاص إسرائيلي، كأن بذلك تأكيد لانطفاء المكان بانطفاء شخصية كهذه.
وإذا ما بدا خلال هذه القراءة بعض الفرز والتفضيل في النظر إلى النصوص فإنّ ذلك ينطلق مما هو ذائقي ـ نقدي، وإلّا فإنّ النصوص جميعها جديرة بالإصغاء للناحية المضمونية المجرّدة، لما تنطوي عليه من أبعاد إنسانية، فهي أشبه ما تكون بخزان غضب ودموع وتساؤل، خزان ذكريات وفقدان وخيبات وأحلام ورغبات موؤودة، بغضّ النظر عن نوع المعالجة لما تناولت من موضوعات أو تفاوتت المقدرة في ذلك بين كتّابها. يبقى القول أن كتابًا بهذه الأهمية والحضور الحي في تفاصيله وبما انطوى عليه من جهد كبير ومسؤولية جدير بالانتشار على الصعيدين العربي والعالمي وبالنسبة للأخير يكون ذلك، بطبيعة الحال، من خلال ترجمته إلى أهم لغات العالم الحيّة، في الأقل عبر مختارات منه.
- عنوان الكتاب: استعادات مقلقة... يوميات غزة: مائة كاتب وفنان من غزة يكتبون عن الحرب
- المؤلف: مجموعة من المؤلفين
عن (ضفة ثالثة)