صداقة ندِّيّة عميقة واختلافٌ وخلافٌ مشروعان!

عز الدين المناصرة

قبل أكثر من أربعين عامالً، فوجئنا للمرة الأولى، بظهور نصوص شعرية لشعراء فلسطينيين، قادمة من منطقة (فلسطين 48)، منهم: محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زيّاد. كان ذلك في العام 1966م، حين نشرتْ مجلة الأفق الجديد في القدس، هذه القصائد، وكان أول من نشرها الصحفي الراحل إبراهيم أبو ناب، أي قبل أن ينشر غسّان كنفاني كتابه عن هؤلاء الشعراء.

وفي المقابل، كان معين بسيسو يعيش في غزّة، وكانت كتلة أخرى، من الشعراء قد ظهرت مع ميلاد منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1964م، منهم: عز الدين المناصرة (القاهرة)، ومحمد القيسي (عمّان)، وأحمد دحبور (دمشق)، ولاحقاً في أوائل السبعينيات، انضمّ مريد البرغوثي لتيار منظمة التحرير في القاهرة.

وقبل العام 1967م، عام الهزيمة، كان الصحفيون صنفونا إلى فرعين: شعر المقاومة في الجليل، وجماعة الأفق الجديد في القدس، أو (جماعة حيفا، وجماعة القدس). طبعاً، كان ممنوعاً علينا أن نلتقي بشعراء حيفا، لأنهم كانوا ينتمون إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وكانت المعرفة بإسرائيل، من اختصاص أجهزة الأمن العربية، لهذا كانت بيروت السبعينات، هي المحطّة الوحيدة، التي التقى فيها الشعراء والمثقفون الفلسطينيون، في ظل منظمة التحرير الفلسطينية. 

شعراء الثورة في بيروت
وهنا بدأ مصطلح شعراء الثورة، يحلّ تدريجياً، محلّ شعراء المقاومة، دون أن يُلغيه، خصوصاً بعد أن انضمّ محمود درويش إلى منظمة التحرير، في العام 1973م، حين التحق ببيروت قادماً من القاهرة، كذلك عز الدين المناصرة، ومعين بسيسو. كنا نحن الثلاثة، أقرب إلى يسار حركة فتح بقيادة الشهيد ماجد أبو شرار. وكان شعراء آخرون، أقرب إلى التيار القومي، الموالي للعراق وليبيا، بقيادة الأمانة العامة لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين، آنذاك.

وقد حدثت بعض المناكفات بين مثقفي اليسار والفلسطنة، وبين مثقفي التيار القومي، حتى العام 1978م. تأثرت الثقافة الفلسطينية بالمزاج الثقافي اللبناني، وكان محمود درويش، وعز الدين المناصرة، هما الأقرب إلى هذا المزاج، حيث اختلطا بالمثقفين اللبنانيين في حياة شبه يومية، بعيداً عن عزلة جمهورية الفاكهاني . كان محمود درويش، يعشق بيروت في أعماقه، قبل أن يعلن عن هذا العشق لاحقاً في قصيدته المعروفة، وكنت أشاركه هذا العشق، ولم تستطع الحرب الأهلية أن تُقلّل من درجة هذا العشق. وأنا هنا، أنقل حرفياً، بعض ما كُتب عن هذه العلاقة مع بيروت:

أولاً: قال الصحفي اللبناني نبيه البرجي (صحيفة القبس الدولي، لندن،13/ 8/ 1987م): هؤلاء الآن، ليسوا في بيروت، التي لم تعد معملاً للعقل، ولا للقلب: نزار قباني، أدونيس، محمود درويش، عز الدين المناصرة (آهِ يا جفرا!)، وإسماعيل شمّوط، وغادة السمّان... أين فلسطينيو التيه الذين كانوا القضية، مرسومة بالكلمات وبالغيوم وبجذوع الأشجار. كانت بيروت آنذاك، بيروت العقول الجميلة، الأيدي الجميلة، حين كانت إشبيلية.

ثانياً: فلسطين لها مركز الصدارة في الشعر العربي الحديث، وبيروت كانت هي الحاضنة، يكفي أنّ شاعريها: محمود درويش وعز الدين المناصرة، هما في طليعة الخريطة الشعرية الحديثة، (أحمد فرحات، مجلة فلسطين الثورة، 20/8/ 1987م).

ثالثاً: بعد نزار قباني وأدونيس، جاء إلى بيروت ثلاثة شعراء، ساهموا في تشكيل ملامح بيروت الشعرية : جاء محمود درويش (العكّاوي)، وعز الدين المناصرة (الخليلي)، في العام 1973م، وجاء سعدي يوسف (البصري)، في العام 1979م، مما ساهم في تحوّل جذري في خريطة الحداثة الشعرية (محمود شريح، صحيفة النهار، صيف 1990م، بيروت).

رابعاً: كانت بيروت، مُنقذاً لقضية فلسطين، وأحدثت تحوُّلاً في ممارسات قادتها ومناضليها، لا بل في أدبها الحداثي المقاوم: غسّان كنفاني، محمود درويش، عز الدين المناصرة، وغيرهم. لقد انتشرت فلسطين شعرياً وفكرياً في بيروت، وما تزال منتشرة وراقية ومستمرة (رياض فاخوري، صحيفة النهار، 28/ 5/ 1998م).

حصار بيروت، 1982م.
اقتنصت هذه الأقوال، لأدلل على مركزية عشق مثقفي فلسطين لبيروت، والعكس صحيح. كانت بيروت تجمعنا، وبعد أن عشنا أجمل ذكرياتنا في بيروت، تفرّقنا في المنافي بعد حصار بيروت في العام 1982م، الذي عشناه ساعة بساعة ويوماً بيوم.

وبقيتُ أنا ومعين بسيسو على صلة يومية بدرويش خلال الحصار: نأكل معاً، ونشرب معاً، ونسهر معاً، في منزل محمود وفي أماكن أخرى.

غادر معين مع ياسر عرفات إلى تونس، وغادرتُ بيروت على ظهر السفينة اليونانية شمس المتوسط، يوم 1/9/ 1982م، إلى ميناء طرطوس بحراسة الطائرات الفرنسية، وأخذنا الأشقاء السوريون إلى معسكر للجيش السوري يبعد حوالي ثلاثين كيلومتراً عن دمشق، ومنحوني بطاقة مُرحَّل . ثم غادرت إلى الأردن، لكنّ السلطات الأردنية، أبعدتني مع زوجتي وطفلي إلى تونس، بتاريخ 10/12/ 1982م.

وحين التقيت بدرويش في تونس، سألته عن سبب تأخره في بيروت، فقال لي بالحرف: لم أكن أريد مغادرة بيروت إلى الأبد، لكن دخول الجيش الإسرائيلي إلى بيروت، أجبرني على الرحيل . وأضاف: باختصار، ساعدني مروان حمادة في مسألة الخروج . ثم التقينا في المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، في شباط 1983م، وكان ياسر عرفات قد وجّه دعوة خطية لأربعة شعراء لإلقاء قصائدهم في المؤتمر، هم: درويش، والمناصرة، وبسيسو، ودحبور. لكنني فوجئت بمنعي من إلقاء قصيدتي حصار قرطاج، من قبل عرفات نفسه، وكان السبب أن بعض الوشاة قد أبلغ أبا عمّار، أن قصيدتي، عبارة عن هجاء في القيادة الفلسطينية. وهكذا، ألقى محمود درويش قصيدته الشهيرة مديح الظلّ العالي، التي أعتبرها نهاية مرحلة سياسية وشعرية معاً، بالنسبة لشعر درويش.

مدينة قسنطينة، 1986م.
في العام 1986م، كنت أعيش في الجزائر، بعد أن تركت تونس، إثر مأساة الانشقاق في حركة فتح، وكان درويش في باريس، وقد اتصل بي اتحاد الكتاب والتراجمة الجزائريين في مدينة قسنطينة، التي كنت أستاذاً بجامعتها، مستنجدين، وقالوا لي: لقد اتصلنا بدرويش في باريس من أجل إحياء أمسية في مسرح المدينة، لكنّه قال لنا: اتصلوا بعز الدين، فإن وافق على قدومي، جئت!

ضحكت، وقلت لهم: هذه علامات سيميائية فلسطينية لا تفهمونها! واتصلت به، قلت له: أيها اللئيم، والله إني أحبّك! فضحك، ووافق على المجيء. وهكذا استقبلته في مطار قسنطينة مع ممثل منظمة التحرير الفلسطينية، يوم 3/12/ 1986م، وأحيا أمسية شعرية مُبهرة، حيث حشد حزب جبهة التحرير الجزائرية حشداً ضخماً، وحرصتُ أن أحرّك طلبتي في الجامعة، حتى فاض المسرح بالجمهور، مما استدعى المنظمين، تركيب ميكروفونات إضافية في الساحة. وغادرنا محمود مشرقاً وسعيداً ومبتهجاً.

وكان الوشاة، قد فسّروا له بيتاً في قصيدتي حصار قرطاج (1983م)، على أنه يعنيه: كرملي من دم الأنبياء وكرملُهُ من ورق، لكنّه لم يعاتبني، ولم أعاتبه. والتقينا لاحقاً في العام 1988 في تونس في مهرجان شعري، شارك وشاركتُ فيه، بمناسبة ذكرى معين بسيسو، وتناولنا الغداء معاً، بصحبة أصدقاء مشتركين، أغلبهم من السياسيين، وكان يعرف مدى احتقاري لبعض السياسيين، لهذا مارس محمود النميمة البيضاء، حين كان يوشوشني بأسلوبه الاختصاري الساخر، منتقداً فسادهم.

ثمّ التقينا بعمّان العاصمة الأردنية منذ العام 1992م، بعد أن سُمح لي بالعودة إلى عمّان بقرار من الحكومة الأردنية. وكان محمود يميل إلى العزلة في منزله في منطقة عبدون، وكنت منشغلاً بالعمل في جامعة القدس المفتوحة. وهكذا كنا نتقابل أحياناً في جاليري الفينيق، وكانت السيدة سعاد الدباح، صاحبة الجاليري، قد اختارتني مع عبد الوهاب البيّاتي (أبو علي)، مستشارين للشؤون الثقافية في الجاليري، دون أيّ مقابل ماديّ.

ذات مرّة قالت لي السيدة: إن فناناً بحرينياً، يرغب في أن يكون افتتاح معرضه في الفينيق، برعايتك، أنت ومحمود درويش، ولكن الفنان خائف أن لا يوافق محمود. قلت لها: اتركي الأمر لي.

وهكذا افتتحت محمود درويش وأنا، المعرض، وقال محمود ساخراً لسعاد: قضيتِ على الرجل، حين استدعيت شاعرين، بديلاً من وزيرين، فنحن لا نملك المال لشراء لوحات! 

تخلّصتُ من شاعر، فجاءوا لي بشاعر آخر
جلسنا بعد الافتتاح في زاوية من زوايا الجاليري، وعاد عشقنا لبيروت، يحرّك أشجاننا. قال محمود: هل تذكر نكتة صبري جريس (مدير عام مركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت)، وروى للأصدقاء الجالسين الحكاية: عندما عاد عز الدين من صوفيا، في العام 1981م، حاملاً درجة الدكتوراه في الأدب المقارن، لم يكن أمامي فرصة لتعيينه مديراً لتحرير مجلة الكرمل، لأنه تأخر في صوفيا، فعينتُ الصديق الياس خوري، وعيّنت سليم بركات سكرتيراً للتحرير، ولأنني كنت أعرف أن أبا عمّار، قد رفض توقيع قرار تعيين عز الدين في مركز الأبحاث، لأنه شاغب على الختيار، فقد تشاورت مع بلال الحسن (رئيس تحرير شؤون فلسطينية )، ليكون عز الدين سكرتيراً لتحرير شؤون فلسطينية، لكنّ صبري جريس عندما وقّع القرار، قال جملته الشهيرة: تخلّصتُ من شاعر ـ يعني محمود درويش ـ فجاءوا لي بشاعر آخر! .

وفي العام 1978م، فرح درويش فرحاً عظيماً، عندما تزوجتُ في بيروت من فتاة فلسطينية (والدها من عكّا، وأمّها لبنانية)، فعلق محمود قائلاً: ذهب إلى صوفيا، لكنه تزوج عكّاوية، وهكذا طبّق الشعار الفلسطيني: من الجليل إلى الخليل . وكنت أروي لمحمود آخر النكت عن الخلايلة في فلسطين، التي كانت تصلني طازجة، فيقهقه من أعماق قلبه. 

ثمّ ماذا جرى يا جورج
المرة الوحيدة التي تجاهل فيها ياسر عرفات، محمود درويش، كانت عندما أقام محمود فترة قصيرة في باريس، حيث كان يكتب في مجلة الوطن العربي، فجاء محمود إلى بيروت، وجئت من صوفيا إلى بيروت، والتقينا في مجلس عرفات، بحضور قادة الحركة الوطنية اللبنانية، ولم تكن الجلسة رسمية. كان معين بسيسو يعرف أن أبا عمّار غاضب عليّ وعلى محمود لأسباب كانت معروفة، لهذا حاول ترطيب الطقس، مخاطباً عرفات: محمود جاء من باريس، وعز الدين جاء من صوفيا . عندئذ حيّانا عرفات، تحية مفتعلة، والتفت إلى جورج حاوي، وقال له: ثمّ ماذا جرى يا جورج! . قال لي محمود: دعنا ننسحب، فانسحبت معه. قال محمود: وصلتُ قبل يومين، وفي جلسة مثل هذه الجلسة، ولكنها فلسطينية خالصة، حيّاني أبو عمار مخاطباً: إزايّك يا أبو عبد الله، جرى إيه في التموين، فقلت له: اسمي يا أبو عمّار، محمود درويش . فاعتذر اعتذاراً مصطنعاً: لقد تخربطتُ بينك وبين (أبو عبد الله)، فانسحبت.

وظلّ محمود يردد لي ساخراً، ونحن نمشي في الروشة : طثمّ ماذا جرى يا جورج... 

الربيع الفلسطيني في باريس
شاركت مع محمود درويش وفدوى طوقان في الربيع الفلسطيني في باريس، أيّار 1997م، وأقمنا في فندق واحد (لوتسيا). هو أقام أمسية شعرية في (جامعة الصوربون)، وأنا وفدوى أقمنا أمسية شعرية في مسرح موليير، ثم توزّعنا على المدن الفرنسية، وكانت حصتي هي غرونوبل، وبوردو. ثم عدنا إلى الفندق نفسه: نأكل ونشرب ونسهر معاً. وعندما عدنا إلى عمّان، أصبحت أتردد على منزله أكثر. وكان يتصل أحياناً هاتفياً، ليسمعني بعض الإطراء لقصيدة لي، أو مقالة. وظلّت علاقة الصداقة والأخّوة في الشعر تتعمق حتى كانون الثاني 2000م، حيث حدثت القطيعة فجأة.

رحل شاعر فلسطين الكبير محمود درويش (9/ 8/ 2008م )، ودفنه السياسيون في رام الله، وبقيتُ طيلة أسبوع، أتلقى العزاء بالهاتف من المثقفين العرب من بيروت والقاهرة وتونس والجزائر ولندن وباريس وفلسطين والأردن، بمنزلي في عمّان، رغم معرفة بعض هؤلاء المثقفين بالقطيعة.

لم أذهب لوداعه في مطار ماركا بعمّان، لأشهد حفل التأبين، لأنّ الأمر كان خارجاً عن إرادتي، فقد كان حفل التأبين، مقتصراً على السياسيين الفلسطينيين والأردنيين، الذين اغتصبوا دور المثقفين في تأبين زميلهم، مثلما اغتصبوه في رام الله. كذلك، فأنا لا أستطيع الدخول إلى فلسطين لأنني ممنوع من ذلك. 

لا فراغ بعد درويش
كتب أحدهم في صحيفة عربية: شعر محمود درويش أهم من فلسطين، ولو كان محمود حيّاً لصفع هذا المدّعي على قفاه. وكتب آخر يعلن وفاة الشعر الفلسطيني الحديث بعد محمود درويش، وأنّ درويش أهم من المتنبي، وقال ثالث: لقد بدأ الفراغ في الشعر الفلسطيني . وسألتني إحدى الفضائيات الشهيرة (مساء 10/ 8/ 2008م)، إذا ما كنتُ المرشح لخلافة درويش، وحول هذه الخزعبلات أقول:.

أولاً: لستُ خليفة درويش، لأنني زميله في الشعر، وليس درويش هو المتنبي، ولست أنا امرأ القيس، وليس هناك فراغ بعد درويش، ولا خلفاء لدرويش في الأدب، وليس محمود درويش وحده هو صانع أسطورة الفلسطينيين، بل شاركه آخرون في صياغة هذه الأسطورة، كما اعترف هو بنفسه.

ثانياً: محمود درويش، هو محمود درويش، أي أنه استثنائي، له مدرسة شعرية خاصة، كذلك كانت لي طريقتي الشعرية الخاصة، المختلفة عن شعر درويش، وهناك مشتركات حول فهم جوهر الشعرية، وقد كنت زميله في الشعر طيلة أربعين عاماً، ولا تناقض، وهو كان يعترف بذلك.

ثالثاً: أما الحديث عن الفراغ المفترض (بعد درويش)، بالقول المكرور: سيترك فراغاً لا يمكن أن يملأه أحد، فهذا يدلّ على سذاجة، للأسباب التالية:.

1 ـ شعر محمود درويش نفسه سوف يستمر، وبالتالي: لا فراغ .
2 ـ شعر زملاء درويش الذين قمعتهم السلطة الفلسطينية، وهم شركاؤه في الشعر، سوف يملأ الجزء المتبقي من الفراغ، أعني النماذج العليا، في الشعر الفلسطيني، فموت نزار قباني مثلاً، لم يترك فراغاً، لكي يُعبئه درويش.
3 ـ أُخمّنُ أن درويش، بلغ أقصى ذروة في تجربته الشعرية، وأنّ جماهيريته مستمرة، بعيداً عن افتراض لا معنى له الآن، يقول: لو بقي حياً، لحصل على جائزة نوبل، لأنّ دوريش نفسه كان ينكر أنه يعمل سراً من أجل الحصول على نوبل، فقد كان يعرف شروط نوبل غير الثقافية، أهمها: لن يحصل أيُّ شاعر فلسطيني على نوبل، إلاّ بعد توقيع اتفاق سلام نهائي مع إسرائيل!

ولهذا، فإن شريحة مهمة من جماهيره، ستظل تتذكره، وبهذا تساهم في تعبئة الفراغ المفترض، كما أن القوى السياسية، التي دعمت جماهيرية محمود أثناء حياته، ستواصل الادّعاء أنه كان يكتب لها خصيصاً، رغم أن شاعرية درويش، أهم فعلاً بكثير من ادعاءات السياسيين. وبالتالي، فإنّ الثقافة الفلسطينية، باقيةٌ بمحمود درويش وبزملائه. 

صيغة: درويش وزملاؤه
أسّس لهذه الصيغة، سياسيون فلسطينيون، كانت مصلحتهم السياسية البحتة تقتضي ذلك، لكنّ هذه الصيغة الاختصارية، ظلمت زملاء درويش من الشعراء الذين شاركوه في تأسيس الحداثة الشعرية الفلسطينية منذ العام 1964م، وحتى الآن، حيث شُطبت الأسماء، وبقيت الصيغة التجريدية الاختصارية: درويش وزملاؤه، وهي صيغة غير عادلة. الإشكالية هي أن بعض النقاد غير العارفين بتاريخ تطور الحداثة الشعرية الفلسطينية، تبنوا هذه الصيغة دون مُساءلة، انطلاقاً من مصالحهم الشخصية. زملاء درويش هم: عز الدين المناصرة (بيروت)، سميح القاسم (فلسطين 48)، أحمد دحبور (سوريا)، مريد البرغوثي (القاهرة)، وغيرهم من الأحياء. ومعين بسيسو (بيروت)، فدوى طوقان (نابلس)، محمد القيسي (الأردن)، وتوفيق زيّاد (فلسطين 48) من الراحلين. والمرجعية في كل ذلك، هي الأعمال النصيّة لهؤلاء الشعراء. أمّا مسألة الشهرة وأسبابها، فهي مسألة أخرى، يتداخل فيها الشعري مع السياسي، وهي ليست مقياساً دقيقاً للأحكام، وإنْ كان الجمهور يتأثر فعلياً بوسائل الإعلام، وأدبيات الأحزاب، والسلطة.

بهذا المعنى، كان درويش وما يزال، هو الأكثر شهرة، لأسباب عديدة، ليست كلها شعرية، وليست كلها سياسية. أمّا أن يُقال إنّ شهرة درويش، شعرية محضة، فهذا غير صحيح، ويؤكد هذا كميّة السياسيين الذين رثوه في أسبوع وفاته، لأنهم كانوا ينظرون إليه كسياسي وكشاعر يفيد السياسي. وهنا أُصحح بعض الأقوال، بقول ما أعتقد أنه يمثل الحقيقة:. 

شعر مقاومة، أم شعر معارضة واحتجاج!
أولاً: كان محمود درويش، عضواً في الحزب الشيوعي الإسرائيلي، حتى خروجه في العام 1971م، من شمال فلسطين، نحو المنفى طوعياً. وقد شكّلت الفترة (1966 ـ 1971م)، شهرته الأولى عربياً، وهي شهرة سياسة ـ شعرية، تحت عنوان: شعر المقاومة.

وقد تمّ الاعتراض على المصطلح (شعر المقاومة)، من قبل: الناقد المصري غالي شكري، والشاعر أدونيس، والشاعر الفلسطيني يوسف الخطيب، الذين رأوا فيه : شعر معارضة واحتجاج على التعسُّف الإسرائيلي، أي أنه شعر معارضة ضمن النظام الإسرائيلي نفسه، وبالتالي، فهو ليس شعر مقاومة . وفي المقابل، روّج لمصطلح شعر المقاومة، آخرون، مثل: الروائي غسّان كنفاني، والناقد المصري رجاء النقاش، والسياسي الصحفي أحمد بهاء الدين، الذي روّج أيضاً لفكرة الدولتين (إسرائيل وفلسطين) في مجلته المصرية المصوّر.

طبعاً كانت هذه الفكرة، مرفوضة جماهيرياً. والمفارقة هي أن الأحزاب الشيوعية العربية المقموعة من حكوماتها آنذاك، تحالفت مع الحكومات للترويج للفكرة.

كنا نحن (زملاء درويش) بشكل عام، أقرب إلى رفض فكرة الاعتراف بشرعية دولة إسرائيل. هنا أصبح محود درويش، رائجاً إعلامياً، لأنه أقرب إلى فكرة الاعتراف، بل هو يؤمن بها إيماناً حقيقياً. وأصبح السياسيون، يرون فيه جسراً للحوار مع الإسرائيليين. 

موسكو، القاهرة، بيروت
ثانياً:
غادر محمود طوعياً إلى موسكو، ثمّ القاهرة. ثمّ انضمّ في العام 1973م في بيروت إلى مؤسسة منظمة التحرير الفلسطينية. ومعنى ذلك أنه أصبح من شعراء الثورة : عز الدين المناصرة، معين بسيسو، أحمد دحبور، مريد البرغوثي، محمد القيسي، خالد أبو خالد.. وهم الشعراء الذين آمنوا بالكفاح المسلّح. لكن قيادات فصائل المنظمة، كانت ترى في درويش وسميح القاسم، جسراً للحوار مع الإسرائيليين، وتزامن هذا مع صعود ثقافة السلام منذ منتصف السبعينيات في منظمة التحرير الفلسطينية، رغم ولادة جبهة القبول، وجبهة الرفض. هنا دخل درويش في معركة سياسية مع سميح القاسم، في العام 1974م، في الصحافة اللبنانية والفلسطينية، وتمّ إيقاف المعركة بعد بيان شهير، وقّعه كلّ من ماجد أبو شرار، عز الدين المناصرة، أنيس صايغ، بلال الحسن، منير شفيق، إسماعيل شمّوط، أحمد خليفة، صبري جريس، غانم زريقات، إبراهيم العابد، عصام سخنيني، فريد الخطيب (صحيفة السفير اللبنانية، 16/ 10/ 1974م). وكان معين بسيسو قد وقف مع درويش في هذه المعركة الكلامية، بينما كنت مع موقّعي البيان، الذين رأوا أن هذه المعركة، لا جدوى منها، والمستفيد الوحيد منها، هو إسرائيل. كنت آنذاك، المحرر الثقافي لمجلة فلسطين الثورة، الناطقة بلسان منظمة التحرير. 

نظرية التحميل
كان محمود، ينشر قصائده في مجلة فلسطين الثورة، وكان يقرأ لي هذه القصائد قبل نشرها، ويُصغي بتواضع حقيقي لملاحظاتي. وظلّت قصائد درويش، تثير جدلاً بين النخبة الثقافية، لكنّ أوّل قصيدة له أثارت إعجاب جمهور واسع، هي قصيدة بيروت (1981م)، التي ألقاها في مهرجان الشقيف الشعري، في قاعة اليونسكو، كما ألقيت قصيدتي كيف رقصت أمّ علي النصراوية في قاعة الويست هول بالجامعة الأميركية، مع سعدي يوسف ومعين بسيسو، والشاعر الإسباني كارلوس ألباريث. وقد كان هذا الترتيب من فعل الأمانة العامة لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين بالتشاور مع درويش نفسه. طبعاً اعترضتُ على هذا الترتيب المسبق، لأنه كان يفترض تمييزاً مسبقاً لدرويش، انطلاقاً من نظرية المنبرية . هنا حظي درويش بجمهور وصل تعداده إلى 1500 شخصاً، بحضور ياسر عرفات. أما جمهور الويست هول، فقد بلغ الألف شخص، بحضور صلاح خلف (أبو إياد). وهنا تذكرتُ أنني ألقيتُ شعراً، أمام عشرة آلاف في ستاد رياضي مكشوف في مدينة الزرقاء الأردنية، وألقيت أمام خمسة آلاف شخص في ندوة خاصة بي في مدينة المفرق الأردنية في العام 1972م. وهكذا ولدتْ نظرية التحميل في العام 1981م بالتحديد، وهي نظرية صاغتها قيادة ومؤسسات الثورة الفلسطينية، أي أنّ فلاناً، يحمل جمهوراً من ألفين، وأن فلاناً يحمل جمهوراً من ألف شخص، وطوّرها درويش لاحقاً لصالحه، ونجح في ذلك، بمساندة من ياسر عرفات ومستشاريه، ثمّ طوّرها في ظل السلطة الفلسطينية، ولكن: ما طبيعة هذا الجمهور: هنا ندخل في باب المسكوت عنه، والمختلف عليه، لأن هذا الجمهور كان جمهوراً سياسياً. 

وزير الثقافة الحقيقي
ثالثاً: عُيّن محمود درويش، عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني (برلمان المنفى)، وعُيّن مديراً لمركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت، ورئيساً لتحرير مجلة شؤون فلسطينية، ورئيساً لتحرير مجلة الكرمل، ثمّ رئيساً للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين في العام 1987م، لكنّه جمّد الاتحاد، تماماً لصالح اتفاق أوسلو . ثمّ عُيّن عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ودخل رام الله، تحت سقف اتفاق أوسلو، وهنا أحبُّ التأكيد على أنه عاد إلى رام الله تحت شروط أوسلو. وأحبّ التأكيد أن راتب محمود درويش، كعضو في اللجنة التنفيذية، انقطع لثلاثة شهور في العام 1993م، ولكنّ هذا الانقطاع، لم يمسَسْهُ وحده، بل شمل كل المثقفين الفلسطينيين.

آخر موقع لي في منظمة التحرير، هو رئيس قسم اللغة العربية وآدابها ـ جامعة القدس المفتوحة، التابعة للمنظمة (1991 ـ 1994م)، وقد انقطع راتبي ثمانية أشهر كاملة. وكان القصد من قطع الرواتب (على الأرجح)، الضغط على مناضلي منظمة التحرير من أجل تمرير اتفاق أوسلو. نعم، كان محمود، مثقفاً مُدلّلاً لدى قيادة السلطة الفلسطينية في رام الله، بل كان وزير الثقافة الحقيقي منذ نشوء السلطة وحتى وفاته، قياساً على زملائه في الوطن والمنفى. وكان محمود رئيساً للجنة تحكيم جوائز فلسطين التقديرية في الآداب والفنون، حيث تجاهل بعض زملائه من الشعراء، ومنح الجائزة لمن يستحقون، ولمن لا يستحقون. 

الحوار مع المثقفين الإسرائيليين
رابعاً:
كان درويش يؤمن بالحوار مع المثقفين الإسرائيليين، إيماناً حقيقياً، ولم ينقطع الحوار معهم حتى وفاته، فقد كانوا يرون فيه محاوراً، وخصماً، وصديقاً، كما عبّر أحد هؤلاء الإسرائيليين بعد وفاته، وعندما كنت أحاور درويش في منزله بعمّان، حول عدم جدوى الحوار، وكان يعرف أنني ضدّ الحوار معهم، كان يميل إلى الشكوى من عدم صدقيتهم.

لقد تُرجمت مجموعتان شعريتان لدرويش إلى العبرية، ترجمها الفلسطيني محمد حمزة غنايم، ومعنى ذلك أن الإسرائيليين، كانوا وما يزالون ضدّ ترجمة الأدب الفلسطيني إلى العبرية، لأنّ الفلسطينيين، هم الأعداء الحقيقيون بالنسبة لهم.

خامساً: كان محمود درويش علمانياً، وكان يميل إلى السياسة البراغماتية لحركة فتح، مع يسارية مرنة، لهذا كان موقفه سلبياً من حركة حماس، وقد كتب مقالة نشرتها صحيفة الحياة اللندنية، ضدّ حركة حماس، أذاعها تلفزيون فلسطين الرسمي يوم وفاته، خمس مرّات. ومن الطبيعي أن ترثيه جماهير حركة حماس، بشيء من البرود، وأن تستولي على مراسم دفنه، السلطة الفلسطينية وحدها. ومن المؤسف أنّ درويش رحل عن عالمنا في ظل هذا الانشقاق الكبير حول مفهوم المقاومة، خصوصا أنه كان شاعر المقاومة . 

ليته عاتبني، ليتني عاتبته
سادساَ:
ذات مرّة، قلت ردّاً على سؤال استفزازي لقناة الجزيرة الفضائية: درويش، شاعر كبير، لكنّه ليس الشاعر الأوحد للشعب الفلسطيني . هنا قامت قيامة أنصار درويش، وأرسل محمود، صديقاً مشتركاً بيني وبينه، ليقول لي: محمود يحبّك، ويعتبرك واحداً من أهم ثلاثة شعراء فلسطينيين، قلت للصديق المشترك: لا أريد هذا الحبّ السرّي!. كنتُ غاضباً من تسريبه لإحدى الصحف، مصطلح عصابة المناصرة!!، التي تقف وراء اتهامه بالحوار مع مثقفين إسرائيليين في رام الله!!، لأنني كنت في بيروت في ذلك الأسبوع بالتحديد، وتبيّن لي لاحقاً، أنّ الذي سرّب ذلك البيان هو (م.ق)، وليس عصابة المناصرة!!، وأنّ (م.ق) كان قد زار جامعة فيلادلفيا، حين كنت في بيروت. وربّما كانت الصداقة النديّة مع محمود، هي سبب الخلاف. ليتني عاتبتُه، ليته عاتبني.

كتب د.فيصل درّاج، الذي قابل درويش في منزله قبل سفره إلى أميركا، يوم 25/ 7/ 2008م، كتب مقالةً بعنوان آخر لقاء مع محمود درويش، نشرته أخبار الأدب المصرية (17/ 8/ 2008م)، وقد جاء فيه أنّ درويش قال له حرفياً إنه: عبّر عن تقديره لأعمال عز الدين المناصرة الشعرية، وأعمال مريد البرغوثي في طوره الأخير .

وكانت الروائية الأردنية سميحة خريس، قد كتبت ما يلي: خارج الأغلبية الرديئة في الشعر الثوري، بقي المتميزون الموهوبون، أصحاب الملامح الشعرية الخاصة، أمثال: محمود درويش، وعز الدين المناصرة، ومريد البرغوثي (صحيفة الرأي، 15/ 6/ 2000م).

وكتب صالح القلاّب، وزير الثقافة والإعلام الأردني الأسبق: هؤلاء هم شعراء الشعب الفلسطيني: محمود درويش، سميح القاسم، عز الدين المناصرة، أحمد دحبور، مريد البرغوثي، وإبراهيم نصر الله (صحيفة الرأي، 23/ 10/ 1999م). وكتب مؤلفو كتاب الأدب الفلسطيني، الصادر عن جامعة القدس المفتوحة في فلسطين، في العام 2003م، حرفياً ما يلي: حركة الشعر العربي الحديث في فلسطين، كما تكشف عنها، تجربة كل من: محمود درويش، وعز الدين المناصرة، غنيّة ومتنوعة، وتستوعب اتجاهات وأشكالاً متعددة، فهما، أي المناصرة ودرويش، يشكلان حالة شعرية ناضجة ومتطورة باستمرار، وقد ارتقيا بالقصيدة العربية إلى آفاق متقدمة . 

خلاصة
إذن، محمود درويش شاعر عربيّ كبير لا خلاف في ذلك، وقد فهم جوهر الشعرية فهماً عميقاً، وترك منجزاً شعرياً نوعياً ضخماً. تأثر حتى أول الثمانينيات بشعر: نزار قباني، وعبد الوهاب البيّاتي، وسعيد عقل، وأدونيس، وتأثر بشعر بعض زملائه الفلسطينيين، فهو: مُلخّصاتي عظيم وذكي، لكل التقلبات الشعرية العربية الحديثة. أما مواقفه السياسية، وهي ليست منفصلة عن شعره، فيمكن الاتفاق والاختلاف معها. ويمكن تقسيم شعره إلى مرحلتين: الأولى (1964 ـ 1984م)، والثانية (1986 ـ 2008م)، وقد توهّج في المرحلتين.. وكان ذكياً حين وظّف السياسة والسياسيين لصالح الترويج لشعره، وتحريك صورته إعلامياً، ونجح نجاحاً مُبهراً. أما ترجمات شعره إلى اللغات الأجنبية، فقد كان تأثيرها محدوداً، ومحصوراً في المثقفين الأجانب الذين تعاطفوا مع قضية فلسطين. وأخيراً، فإنّ ما يسعدني هو أنني كنت على علاقة صداقة عميقة معه، ولم أكن من أصدقاء اللحظة الأخيرة، أعني أصدقاء الخدمات المتبادلة، حيث كان درويش يميز بين من يسميهم ساخراً الصحابة، وبين المرسلين . 

المصدر: الملحق الثقافي لجريدة الراي الأردنية