تجمع القصة بين أسلوب الحكاية الشعبية، والإفادة من القصص الديني، وتصور لنا واقعا سحريا أقرب إلى حكايات ألف ليلة عن مكائد النساء. فيما يلجأ الكاتب إلى حيلة الحلم، ليسقط من خلاله على الواقع المعيش.

زليخة تتاجر في المكائد

(من الأدب الكردي)

تحســين نافشــكي

ترجمة: سامـــــي الحـــــــاج

 

بعد استئذان صاحب الصيدلية، وبقصد زيارة صديقتي فَـنَـر التي رزقت بتوأم بنات قبل أسبوعين وتقضي إجازة الأمومة في البيت، فقد تناولتُ عباءتي وخرجت.

في رمشة عين وجدت نفسي عند مدخل سوق جَلي(1). كان العجوز المتأنق‌ ببدلته الـ (شَل وشَبْك)(2) البنفسجية وزوج الكوفيات البغدادية والشال على وسطه والذي اشترى مني قبل برهة قليلة حبات فياغرا، يقف كمهرج في مدخل السوق المقابل لحي المزار، على كتفه يتدلى طاووس وديك رومي مربوطان من أقدامهما، يحمل بين كفيه ثلاثة كيلوات من حديد الآهين، يقذفها للأعلى ويتلقفها دون أن يدع أحدها يسقط من بين يديه، وأحيانا يقلبها فوق بعضها وهو ينادي بطريقة تستقطب إليه انتباه المارة:

- هيه.. يا أهالي دهوك، أنا أشتري ألاعيب ومكائد النساء، من يرى في نفسه الجرأة على البيع؟!

وهنا نهض زوجي حليق الشاربين من اتكاءته وإستوى جالساً ووضع الوسادة في حضنه، وعلامات الذهول تتصارع على قسمات وجهه وقال مقاطعاً حديثي:

- ماذا تقولين يا امرأة! وهل مكائد النساء تباع أيضاُ؟!

وبإبتسامة باهتة أجبته:

- يا رجل، أرجو أن لا تتعجل الأمور.

هز الزوج رأسه وظل بصره معلقا بالشفاه التي ما فتأت تتحرك:

- وهكذا يا رجل، لم أتوانى فقلت له:

- تعال أنا أبيع مكائد زليخة!

لحظتئذ وقعت إحدى الكيلوات من بين يديه ورد علي مبتسماً:

- لا أصدق!

- حسنا، إتبعني لترى بعينيك!

وبعد أخذٍ وردّ أتفقنا على أن أعطيه مكيدتين مقابل الطاووس والديك الرومي المعلقين في كتفه. كان يبدو غير مصدق لأنه تبعني مباشرة. واتجهنا لفورنا صعوداً نحو محلة القرج(3).

قبل أن يقاطعني زوجي الذي إحمرّت عيناه في محجريهما، رفعت كفي وقلت:

- إنتظر يا طيب، قلت لك فقط لا تستعجل.

وبهزة من رأسه استجاب زوجي رستم للأمر، فإستأنفت كلامي:

- بين نُصب الأم الحنون والجامع: التفت فجأة على عقبيّ فانسدلت عباءتي وسقطَتْ على كومة مخلل متعفن، ولكني لم آبه للعباءة.

بعد ذلك انعطفت من شارع المخازن واتجهت صوب جسر شْمْكـزَرا، وقبل أن ينتهي فضاء الجسر التفتُ خلفي! كانت عينا العجوز ترمشان في قذاها تحت عباءتي! وقبل أن أقول له يا لك من دجّال بادرني هو بقوله:

- حقا أنتنّ من جنس العفاريت.

- هه! أَوَ لديك كرامات؟

- أسرعي واعطيني المكيدتين ولا تمعني في الحديث!

- لا تتعجل! فقط اتبعني، وقرب معمل الثلج إستلمْ مكائدك ثم إبلع نصف حبة فياغرا على معدة خاوية.

لحظتها وجدت نفسي ونحن نتجول في أزقة وشوارع محلة شيلي.

- حسناً، حسناً إختصري القصة، لقد أهلكتِنِي يا إمرأة!

- قلت لك: لا تستعجل أيها الطيب!

وهكذا، لم تبق دربونة إلا وقُدتُ عجوزي المتصابي فيها لأكثر من مرة جيئة وذهاباً. في وقتٍ ما عرفت أنه قد غرق في عرقه والحرارة تحرق باطن فخذيه.

عندها جئت به الى البيت ورأيته دون عباءتي! قلت له: إن لم تجلب عباءتي حالاً فإنني لن أبيعك أية ألاعيب أو مكائد.

راح يتوسل بين يدي والتمسَ مني الذهاب لكي يبحث عنها، وقبل أن يغادر الدار أخذ الطاووس والديك الرومي المعلقان على كتفه يضحكان عليه ثم أخرجا العباءة من تحت أجنحتهما وقالا له: لا تبكِ يا خالي آدم، نحن أخفيناها!

لم أجد إلا والعجوز ينقلب على قفاه من الضحك! وفي الحقيقة يا رجل لم أتوانى أنا الأخرى من الإمساك بياقته وسحبه إلى غرفة النوم!

- م م.. ماذا؟ ماذا فعلت!؟

- يبدو أنك لا تريد أن تفهمني أيها الطيب!؟

ومرة أخرى كتم الزوج أنفاسه وصفق بكفيه فإستدركتُ الحديث بجرأة أكبر:

- تمددتُ على السرير ورحت أكلمه بلغة الحواجب والعيون التي بدت وكأنها خارجة لتوها من صالون تجميل! ثم أمرته أن يعتلي السرير لكنه استنكر أمري برأس منكّسٍ وقولةِ (أستغفرالله ألف مرة، ولعنة الله على الشيطان) وحاول الخروج من الغرفة. درت حوله بأسرع من الضوء وقطعت عليه الطريق، أقفلت الباب ووضعت المفتاح في جيبي، سحبته من ذراعه ودفعته على السرير كأخفّ من ريشة! ثم مددته عليه ورحت أفرك جسمه برقة تنضح بالرغبة، فإبيضّت عيناه! وجدته يطوق خصري النحيل بذراعيه وأخذ يرش جيدي بقبلاته التي تسيل لعاباً. لا تستعجل يا طيب، أُلجمْ جماح غضبك جيداً، إذ أنني وبعد ذلك وبخفة لاعبي السيرك تخلصت من بين يديه فيما راح هو يلاحقني داخل الغرفة بلهفة الصياد الذي استطعم لحم طريدته، فغدت لعبتنا مثل لعبة القط والفأر. وقبل أن تستحيل أنيابه خراطيم ماصة وعيونه نيراناً ويغدو فمه هوّة الويل، تلبّستُ مرة أخرى ثيابَ قطةٍ مغمضة العينين وبحركاتٍ ولغةٍ ملؤها العشق والهيام طلبتُ أن أستسلم له شريطة أن يتجرد هو من ملابسه قبلي لكي أستكشف إمكاناته!.

أحلفُ برأسك العزيز يا رستمي لم أكد أنتهي من كلامي حتى وجدت الرجل يتحرر من ملابسه بخفة شارلي شابلن وغدا كيوم ولدته أمه، ولكن لسوء حظه يا طيب، في تلك اللحظة طرقتَ أنتَ الباب، فما كان مني إلا أن اطلب منه الإسراع بالدخول إلى خزانة الملابس! إندفع الزوج واقفاً على قدميه غضباً ولكن قبل أن يتجه في سورة غضبه تلك إلى الخزانة، أمسكتُ بطرف سرواله ورفعت رأسي إليه مبتسمة وقلت له:

- فقط إصبر دقيقة أخرى!

وبصمت أبلغ من أية لغة وعيونٍ لم يغادرها الغضب بعد، سايرني زوجي. أفردتُ ملامحَ وجهي أكثر واستدركت وأنا أهز رأسي:

- ولكن أيها الطيب، قبل أن يدخل الخزانة أفقتُ من نومي وقلت في نفسي: الحمد لله لقد كان حلماً!

غطتْ علامات الذهول حمرةَ ملامحَ وجه زوجي رستم وجلس بهدوء إلى جانبي وإرتفع صوته:

- آه يا زلّوخ، لقد أرعبتِنِي ودفنتِنِي بالحياة، أما كنتِ قلتِ منذ البداية إنه كان حلماً؟!

في تلك الاثناء إرتفع صوت المؤذن لصلاة الجمعة، فقلت له:

- قم أيها الطيب وإذهب الى الصلاة واستمع إلى ما سيقوله الملّا في خطبته.

وبعد أن غادر زوجي البيت وتأكدت أنه وصل إلى الجامع، سارعت إلى فتح باب خزانة الملابس وقلت لعجوز الفياغرا:

- هيا أسرع وارتدي ملابسك وأخرج، هذه مكيدة واحدة بعتكَ إياها، وإذا كنت شارياً فإنك سترى الادهى منها!

ما كان من الرجل المرتعش الذي بهتت شفاهه جزعاً إلا أن يسارع في ارتداء ملابسه. كان ينطح الجدران والأبواب في طريقه إلى الخروج، وعند البوابة الرئيسية إلتفتَ إلي وبصوت منخفض تأتأ قائلاً:

- لقد تبتُ من التعامل معك زليخة!

وكان جوابي له، أنني قهقهت في وجهه ضاحكة وقلت له:

- أيها البطل، هذه المرة موعدنا أسواق بانوراما، أو دريم سيتي(4) أما سوق جَلي فإنسه تماماً!

*          *          *

هوامش لا بد منها:

 (1) سوق جَلي: من الأسواق الشعبية في مدينة دهوك التي يباع فيها كل شئ وخاصة الملابس القديمة (البالات) فغدت رمزاً للطبقة الفقيرة.

(2) البدلة الكردية الرجالية، يُنسج قماشها يدوياً ولذلك تكون غالية الثمن وليست في متناول الطبقات الفقيرة.

(3) من المحلات الشعبية في دهوك، وتم تبديل اسمها رسميا إلى زوزان منذ أكثر من عشرين عاماً ولكن العامّة ما زالوا يتداولون الاسم القديم. كانت المحلة عبارة عن مخيم للقرج في ضاحية دهوك الشرقية ولكنها الآن تقع في قلب المدينة تماماً وأُنشأت فيها تقاطعات شوارع معلقة، ولكن لا وجود للقرج فيها..

(4) أسواق بانوراما ودريم سيتي: على العكس من سوق جَلي الشعبي، تعتبر من الواجهات العمرانية الحديثة في دهوك والتي أنشأت في فورة الانفتاح الاقتصادي بعد 2003 وكانت في البداية وجهةَ عائلاتِ الطبقة الغنية.