يهتم هذا العدد من الكلمة بطرح الذاكرة الفلسطينة ووثائقها الإبداعية في مواجهة أكاذيب الاحتلال الصهيوني الاستيطاني لأرض فلسطين التي تستهدف محوها ويقدم قراءة للفيلم الذي سجل بشاعات ما جرى في جينين.

قراءة في فيلم «حبل الغسيل»

زياد جيّوسي

لا بد من القول بداية أن هذا الفيلم قد أعاد للذاكرة ذكريات إجتياح رام الله صبيحة 29\3\2002، حيث كانت البناية التي تواجدت فيها من أوائل البنايات التي إقتحمها الإحتلال مفجرا أبوابها صبيحة الإجتياح الهمجي، آسرا إياي وزميلا لي حيث وضعونا في قبو بارد أضاف لبرودة الجو بردا آخر، ونحن مقيدي الأيدي وعيوننا مغماة بأشرطة سوداء وقد حولوا البناية لموقع عسكري وحصن يعتصمون فيه ونقطة للسيطرة على قلب المدينة، منتظرين في كل لحظة إطلاق النار علينا، معزولين عن العالم بلا أي نوع من الإتصال، ولا نسمع إلا صراخ الجنود، ولا نشعر إلا بحركتهم، وصوت السلاح، وصوت إطلاق النار، وصوت القذائف في الخارج. لذا كان للأفلام التي تتحدث عن تلك المرحلة أثر خاص في النفس والروح، ومن هنا كانت متابعتي لعرض هذا الفيلم لما له من أهمية نفسية بالنسبة لي بشكل خاص ولمن عاش تلك المرحلة بشكل عام، فهي تعيد للإنسان الذي ينسى كم الذكريات المؤلمة ومواجهة الموت في كل لحظة وتبعث من جديد إحساسا جميلا في الحياة شعرناه بعد أن نجونا من الموت.
يبدأ الفيلم الذي مدته أربعة عشر دقيقة بأصوات إطلاق نار كثيفة في خارج بيت المخرجة التي كانت تسكن في منطقة المقاطعة حيث كانت أخطر منطقة هي ووسط المدينة، فهناك كان مقر الرئيس الشهيد وجرت محاصرته وقصفه وتدمير المباني المحيطة بمقره مباشرة حيث لم يتبق بين القوات المحتلة ومقر الرئيس إلا بعض من الأمتار، وبالتالي كانت المنطقة المحيطة بالمقر من أخطر المناطق على السكان حيث تم إقتحام العديد من البنايات والسيطرة عليها وتحويلها إلى مراكز تحصن للجنود والقوات الغازية ومواقع تمترس للقناصة الذين كانوا يرصدون الطير في السماء. تنقلنا الكاميرا عبر النافذة للمدينة المجتاحة وصوت زخات الرصاص وإنفجارات القنابل، وشمعة يتيمة قريبة من النافذة وبعض من ضوء الشوارع والكآبة التي تخيم على المدينة ناشرة الحزن والخوف في النفوس القابعة خلف الجدران، وصباح آخر من صباحات المدينة وتسلل بعض من النور من بين الغيوم وبعض من أشعة شمس كأنها تقول: لا بد لليل من آخر ولا بد للصباح من إنبلاج مهما طال الليل وسادت العتمة، هدير دبابات نراها تتحرك بقوافل تحرك مدافعها إلى كل الجهات وناقلات مصفحة للجند تطلق نيران رشاشاتها بشكل آلي وجرافات عسكرية ترافق القوافل لتزيل أية عقبات وحواجز تعترض طريق آلات الموت والدمار، كثافة بالنيران وشوارع تخلوا من البشر وسماء تخلو من الطير ومن الفرح.
وفي إنتقال مفاجئ للكاميرا نرى "تسريحة" غرفة النوم ملقى عليها بعض من أدوات التجميل وزجاجة عطر، ملقاة وحدها حزينة فمن يمتلك في مواجهة الموت الوقت والرغبة في التجمل والتطيب ؟؟؟ فالكل ينتظر متأملا أن ينجو من رصاصة تخترق الجدران أو قذيفة تفجر المنزل، ويبقى فوق ذلك كيف يمكن تأمين الماء؟؟ فالماء هو روح الحياة والعديد من المنازل فقدت الماء إما بسبب تدمير خطوط المياه بحركة الدبابات الثقيلة أو بسبب تفجر الخزانات بالرصاص، فلا تمتلك المخرجة كغيرها ممن عانوا العطش وشح الماء إلا أن تفتح البوابة بحذر واضعة وعاءا في الخارج تحت المطر ليجمّع قليلا من الماء يغطي الحد الأدنى من ضرورات الحياة، فتمسح وجهها به فلا مجال لترف الاستحمام، في الوقت الذي بقي الغسيل منشورا في الخارج تحت المطر شاهدا على المأساة والألم، فلا مجال لجمعه وإدخاله للداخل بسبب الخوف من رصاص القناصة، وسيطرة قوات الجيش الاسرائيلي على المدينة بقوة الدبابات والنيران وطائرات الأباتشي في السماء مراقبة النملة كي لا تخرج من بيتها، وفي ظل هذه الأجواء الصعبة والقاتلة للروح قبل الجسد نرى بعض من كتب متناثرة في الزوايا، فالكتاب هو الوسيلة الأجمل لمقاومة الوحدة في انتظار الموت، فنجد الكتب منثورة في الزوايا حيث تنقل المخرجة فراشها للنوم في أكثر من زاوية في محاولة لإتقاء شر الرصاص الذي يمكن أن يخترق النوافذ والأبواب، فلا مجال للحفاظ على النوم في غرف النوم أمام الخطر.
ويبقى السؤال .. هل تمكنت علياء أرصغلي من إيصال فكرتها ونقل الجانب الإنساني من المعاناة للمشاهد ؟؟ أقول نعم قد تمكنت من ذلك وصورت لنا معاناة الإنسان الوحيد في منزل منتظرا الموت أمام جحافل الغزاة لكنه في نفس الوقت يبقى متمسكا في الحياة معبرة عن ذلك بالعديد من اللقطات، فنقلت لنا الهمجية والخوف والمطر والعطش والصمت والفوضى والموت والحياة. تبقى بعض من الملاحظات الصغيرة على الفيلم من وجهة نظري كمشاهد، فالفيلم كان به بعض المشاهد كان يمكن إختصار زمنها ونقل صور أخرى، إضافة لخلل وضع الشمعة قرب النافذة وهذا في المفهوم الأمني يشكل خطرا على ساكن البيت، ونقل مشهد مداهمة في الخارج على أنه مشهد مداهمة منزل وهو مشهد لمداهمة مقر رسمي بدلالة العلم المزروع على السور الخارجي، إضافة لخلو ثلاجة المنزل من الغذاء رغم أن الجميع كان يترقب الاجتياح وينتظره وأحتاط على مواد تموينية، فقد كانت المدينة محاصرة بالدروع والدبابات وليلة الإجتياح كان الكل يعرف أن الليلة هي ليلة الإجتياح المنتظر. رغم هذه الهنات الصغيرة في بعض المشاهد إلا أن المخرجة تمكنت بحس إنساني عال من نقل المشاهد الذي عاش الاجتياح إلى ذكريات الماضي، والمشاهد الذي لم يعشها للشعور بحجم المعاناة الإنسانية لشعب تحت الاحتلال.