يقدم لنا الروائي الفلسطيني في هذه الدراسة/ الكتاب تحليلا بينيويا ضافيا لرائعة الطيب صالح التي أصبحت واحدة من علامات نصوص ما بعد الاستعمار. وهو تحليل بنيوي يهتم بتشكلات البنية وحل شفراتها للكشف عن دلالات النص وكوامن ما ينطوي عليه من رؤى ومواقف، من حقائق وأوهام عن الذات والآخر على السواء.

موسم الهجرة إلى الشمال

أو وهم العلاقة «شرق ــــ غرب»

أفنان القاسم

مدخل
يقول الطيب صالح في ندوة عن روايته موسم الهجرة إلى الشمال: «كانت تدور في ذهني أيضًا فكرة العلاقة الوهمية بين عالمنا العربي الإسلامي وبين الحضارة الغربية الأوروبية على وجه التحديد. إن هذه العلاقة تبدو لي، من خلال مطالعاتي ودراساتي، علاقة قائمة على أوهام من جانبنا ومن جانبهم، والوهم يتعلق بمفهومنا عن أنفسنا أولاً، ثم ما نظن في علاقتنا بهم، ثم نظرتهم إلينا من ناحية وهمية.»(1) بهذا القول يحدد الطيب صالح الفكرة الأساسية الكامنة من وراء مشروعه الروائي، ألا وهي: فكرة العلاقة بين العالم العربي الإسلامي وبين الحضارة الغربية الأوروبية، والتي هي علاقة وهمية – حسبما يقول - ذات ثلاثة أبعاد: 1) مفهومنا عن أنفسنا 2) مفهومنا عنهم (الغربيون) 3) مفهومهم عنا.

ومنذ البداية، نلاحظ التعميم التقويمي في لغة وفكر الطيب صالح عندما اعتبر العالم العربي الإسلامي كلاً واحدًا لا يتجزأ، و"نا" كضمير متصل بصيغة الجمع مرادفًا بل وبديلاً لهذا العالم، مقابل الحضارة الغربية الأوروبية أو الغرب ككل واحد غير قابل للتجزيء، و "هم" كضمير متصل بصيغة الجمع مرادفًا بل وبديلاً لهذا العالم، بينما كل المؤشرات في الرواية ستعلن بشكل "فاضح" عن الفكر البورجوازي الصغير للكاتب ورؤيته الأحادية الجانب –وإن جرى التعبير عن هذه الرؤية بصيغة الجمع- وكذلك عجز أدواته الفنية عن استيعاب حقيقة العلاقة القائمة بين "الشرق والغرب"، علاقة سياسية واجتماعية وإنسانية وجمالية وكلامية وفكرية معقدة تتجاوز الشرق أو الغرب كموقع جغرافي أو ككتلة متراصة من البشر لا يربطها رابط إلا الدين: الإسلام في حالة الشرق والمسيحية في حالة الغرب. أو بكلمات أخرى، ما يحيل إليه الشرق من حضارة خاصة، وإن بدا بدائيًا ومتخلفًا، وما يحيل إليه الغرب من حضارة خاصة، وإن بدا متطورًا ومتحضرًا، كتركيبين تعبيريين كلاسيكيين، وكبنيتين متنافرتين غير متزامنتين. وبالطبع يرى الكاتب "العلاقة الوهمية" هذه ليس تحت أشكالها المعقدة كما هي في الواقع، وإنما تحت أشكالها المتوهمة، أشكالها التي في ذهنه، ويحاول إزالة الوهم على طريقته، فكيف فعل؟ وكيف كانت نقيضة العلاقة الوهمية، العلاقة الحقيقية بين الشرق والغرب في رأيه؟ سنجيب على ذلك من خلال الأبعاد الثلاثة للعلاقة الوهمية كما جاءت في النص، والتي يحددها الكاتب بنفسه: 1) المفهوم عن الذات 2) المفهوم عن الغرب 3) المفهوم عن الشرق.

مفهوم الذات/ المفهوم عن الذات
يبدأ التشكل المورفولوجي منذ الصفحات الأولى بعودة الراوي إلى قريته في السودان، «تلك القرية الصغيرة عند منحنى النيل»(2) (ص 5)، «بعد غيبة طويلة، سبعة أعوام على وجه التحديد، كان خلالها يتعلم في أوروبا»(ص 5)، في لندن. وهو يبدأ حديثه، ينطق بـ«عدت إلى أهلي، يا سادتي ...» (ص 5) ليتشكل المنطوق، من ناحية، اعتمادًا من الناطق على العلاقات السردية الشمولية الدائرة حول العلاقة الأساسية بالأهل، الذين هم هنا بمثابة "الذات"، يبثهم حنينه، ويحلم بهم على مدى غربة طويلة لم تبدل من قوة هذه العلاقة: «سبعة أعوام وأنا أحن إليهم وأحلم بهم»(ص 5)، وهذه إشارة أخلاقية أولى إلى "تأصل" (لا نقول تجذر لنجمع بين أصل وأصالة) العلاقة بين الأهل والأبناء، إشارة أخلاقية، وفي نفس الوقت تضمينية لاعتراف الأبناء بفضل الآباء "الدائم" عليهم. ومن ناحية ثانية، ليتشكل عنصرا المنطوق الأساسيان، "أهله" و "غير أهله" الذين هم من المفترض الإنجليز أو الغربيون، ويمكن أن يكون الغربيون من يتوجه بالكلام إليهم، "سادته"، من بين من يتوجه، القراء في لغة التأدب، ولكن لهذا دلالة أخرى(3). هناك تواز سردي بين عنصري المنطوق، وفي نفس الوقت توازن بنيوي، سواء أكان ذلك على المستوى اللغوي بين مُروى عنهم ومُروى إليهم، أو على المستوى الإناسي بين "غربيين وشرقيين".

إذن التغرب، أو ما نفضل تسميته الاغتراب، لم يفعل فعله السلبي على الراوي رغم طول السنين، بل زاده "شوقًا عظيمًا" (ص 5) إلى أهله، وزادهم شوقًا عظيمًا إليه: "فرحوا به وضجوا حوله" (ص 5)، وهذه إنارة للإشارة الأخلاقية التي سبق لنا ذكرها من طرف الأهل الباقين على حب أبنائهم، وإن هجروهم، فالتأكيد على متانة العلاقة بين الأهل والأبناء يأخذ شكلاً ثابتًا خالدًا في بنية معارضة للمتحول/ للمتغير، خاصة عندما يصبح الاغتراب في الذات، وليس اغتراب الذات، تحت صورة «الثلج يذوب في الدخيلة» (ص5) واغتراب العالم الجديد (لندن)، وليس الاغتراب عن العالم الجديد «بلاد تموت من البرد حيتانها» (ص5)، وعندما يقول الراوي واصفًا لحظة اللقاء بالأهل، بالعشيرة كمصطلح دلالي مدغدغ لكل البداوة الألفية الكامنة في الذات: «ذاك دفء الحياة في العشيرة، فقدته زمانًا في بلاد تموت من البرد حيتانها» (ص5)، ويرسم صورة موازية لعالمه النفسي، عالمه الداخلي، «فكأنه مقرور طلعت عليه الشمس»(ص 5). وبين البرد والشمس، لندن والقرية، الفرد والعشيرة، سيقيم تركيبًا دلاليًا سبق لنا دعوته "التوازن البنيوي" للرواية.

ليست غاية الراوي نقض الصورتين (البرد والشمس، لندن والقرية، الفرد والعشيرة)، ولكن الإتيان بتوازيات لغوية وفكرية ونفسية ينفي أحدها الآخر، ومن وراء كل هذا همّ واحد يطارده: متانة العلاقة بالأهل، أو بين الأهل، متانة العلاقة بـ"العشيرة"، فهو ينظر إلى العشيرة من موقعها داخله بعد أن استعاد موقعه داخلها (دفء الحياة الذي فقده)، وتضمينًا حتى ولو ذهب إلى آخر الدنيا (لندن هنا): "تعودت أذناي أصواتهم، وألفت عيناي أشكالهم من كثرة ما فكرت فيهم في الغيبة، قام بيني وبينهم شيء مثل الضباب، أول وهلة رأيتهم، لكن الضباب راح، واستيقظت ثاني يوم وصولي في فراشي الذي أعرفه، في الغرفة التي تشهد جدرانها على ترهات حياتي في طفولتها ومطلع شبابها، وأرخيت أذني للريح" (ص 5). يدعم الكلام هنا مورفيم (كُليمة في علم اللسانيات) الأنا في تشكلها بعد انقشاع الضباب في العالم الحميمي عالم الذات: "أذناي، عيناي، فكرت، رأيت، استيقظت، وصولي، فراشي، حياتي، أذني... إلخ"، ويقلب واقع العلاقة بالأهل من علاقة "طبيعية" إلى علاقة غير طبيعية خلال أو داخل الأنا، فتصبح الأنا صفة للأنانية، صفة لا إنسانية، بل صفة ميتافيزيقية عندما تصغي الأنا إلى الطبيعة: "وأرخيت أذني للريح"، وتجد الطبيعة دومًا من خلالها: "ذاك لعمري صوت أعرفه، له في بلدنا وشوشة مرحة: صوت الريح، وهي تمر بالنخل، وهي تمر بحقول القمح" (ص 5-6). الصورة جميلة، ولكنها خاضعة لمتطلبات الأنا، أنا الراوي، الذي يقرر عندما يقول "أسمع" (ص 6) -أي دومًا من خلاله- هديل أحد الطيور، و "أرى" (ص 6) –أي دومًا من خلاله- النخلة القائمة في فناء دار"نا" (ص 6): "أن الحياة لم تزل بخير" (ص 6). ثم يمر الراوي على علاقته بالعائلة عندما "تجيئه أمه، وهي تحمل الشاي، ويفرغ أبوه من صلاته وأوراده، فيجيء، وتجيء أخته، ويجيء أخواه... إلخ" (ص 6)، ليؤكد بكثير من القدرية والطوباوبة والمثالية: "نعم، الحياة طيبة، والدنيا كحالها لم تتغير" (ص 6). البنية الثابتة الخالدة دومًا المعارضة للتغير للتحول، والعلاقات المتماثلة لهذه البنية، وكأنها علاقة واحدة وحيدة، تحت صور متماثلة.

إذن يسعى الراوي، من خلال صور متماثلة للعلاقة ما بينه والعائلة، ما بينه والأهل، ما بينه والعشيرة، ما بينه والقرية، ما بينه والأرض، ما بينه والعالم، لتأكيد بنية لعلاقة مثالية لولاها لما كانت الحياة "طيبة" والدنيا أكثر طيبًا(!) حتى أنه يقيم نظامًا تكون حال الدنيا فيه ثابتة خالدة عندما يقول "لم تتغير"، ودومًا من خلال "الطيبة" أو مترادفاتها "المرح" "الهديل" "الخير"، تحت معانيها الإيجابية الأخلاقية الأحادية الجانب، ويجعل حدود الدنيا حدود تلك القرية السودانية النائية الصغيرة عند منحنى النيل، عن قصد أو عن غير قصد، بشكل مباشر أو غير مباشر، فليس في النص ما يشير إلى دنيا أخرى، وليس في قصد الراوي ما يشير إلى نقض الحال في لندن، في آخر المطاف الدنيا هناك كالدنيا هنا، الدنيا كمورفيم عام: "الدنيا بخير"، أما إذا صارت دنيا أخرى، كانت لأهلها إيجابية، وهي لهذا السبب تبرر وجودها "الوهمي" في النص وفي الواقع.

ولكن ما يخلخل الأبعاد الساكنة لعلاقة الأهل بالذات – كنا على وشك قول علاقة الذات بالذات، ففي الحالة القائمة هناك تطابقات "عاطفية" من داخل الأنا لا غير- ما يخلخل السكونية السائدة "فجأة" (ص 6)، كما يقول الراوي، حضور رجل "غريب" (ص 6) عن مجتمع القرية المتجانس: "فجأة، تذكرت وجهًا رأيته بين المستقبلين لم أعرفه، سألتهم عنه، ووصفته لهم، رجل ربعة القامة، في نحو الخمسين أو يزيد، شعر رأسه كثيف مبيض، ليست له لحية، وشاربه أصغر قليلاً من شوارب الرجال في البلد، رجل وسيم" (ص6). التشكل المورفولوجي لعنصر المنطوق الأساسي "الأهل" ستتفرع عنه عناصر أخرى ثانوية كالأب والأم والأخ والأخت والمستقبلين ورجال البلد ... إلخ، ولكنها ستفقد أهميتها كدوال دون عنصر دخيل على البنية السردية يؤكد أهميتها كمدلولات، فالرجل الذي لم يعرفه الراوي، ربعة القامة لا طويلها كباقي السودانيين، في نحو الخمسين أو يزيد من العمر، ورغم ذلك شعر رأسه كثيف ومبيض، كل هذه صفات جوهرية مفارقة لعنصر دخيل على عالم القرية، يثير التساؤل، وفي نفس الوقت يدفع إلى الالتفاف من حول "العشيرة" لأجل الوقوف على جواب شاف هو في الواقع الالتفاف من حول العشيرة بحد ذاته، لأن فعلاً كهذا لا يكون إلا بفواعله القادرين على ذلك، ومن القدرة تأتي الأهمية. العنصر الدخيل إذن عنصر متنافر ذو فعلين في آن واحد، يفرّق، ويجمّع، ولكن الراوي لن يلبث أن يحصل على كل المسوغات التي تحفظ لعالم القرية المتجانس وحدته البنيوية واندماجه الوظيفي: «وقال أبي إن مصطفى ليس من أهل البلد» (ص 6)، وفي الحال يتابع الحديث قائلاً: «لكنه غريب جاء منذ خمسة أعوام، اشترى مزرعة، وبنى بيتًا، وتزوج بنت محمود.»(ص 6) أي لا مكان في هذا الفضاء "الخاص" إلا لمن له صفات الأهل، وطالما هم "لا يعلمون الكثير" (ص 6) عنه، يفرضون عليه البقاء "في حاله" (ص 6).

سنعود إلى شخصية مصطفى سعيد، الشخصية الرئيسية في الرواية، لنلقي الضوء على بنيتها الفنية مفصلين كل مستوياتها، ولكننا أردنا أن نستخلص ما أراد الراوي استخلاصه تحت فصل "المفهوم عن الذات"، ألا وهو أن هذه الذات ذات طيبة طوباوية مثالية تقوم "العشيرة" في صلبها بعد أن تصبح "العشيرة" مرآتها، كالنخلة "الضاربة في الأرض" (ص 6) «مثل تلك النخلة مخلوق له أصل، له جذور، له هدف» (ص 6)، ووجود مصطفى سعيد، الغريب، في القرية، هذا الوجود، ستصبح له الدلالات نفسها التي للذات، للعشيرة، للنخلة: الأصل، الجذور، الهدف، بعد أن يشتري صاحب الوجود مزرعة، ويبني بيتًا، ويتزوج من بنات القرية من يتزوج، ومع مر الأيام سيغدو هذا الوجود، وهو الأهم، مألوفًا، بعد أن يتم استيعابه كغريب كمختلف كمنعزل كمورفيم (يعرّف باسمه الصغير "مصطفى")، وسنعود إلى التجانس في مجتمع القرية النائي والبدائي في بنيته وعلاقاته.

مفهوم الغرب/ المفهوم عن الغرب
كان قصد الراوي أن يقدم صورة "إيجابية" لعالم القرية تحت أشكال وسيطة تتراوح بين الوظائف والإشارات، وكانت هذه واحدة من "النوايا" الحسنة للطيب صالح، لكنه يوقع نفسه والعالم المعبر عنه في مأزق تصوره البرجوازي الصغير الذي يفضح من خلال القراءة النقدية المباشرة لما ليس مباشرًا –وليس القراءة النقدية المباشرة لما هو مباشر كما هو لدى بعض النقاد- الهم الفني لديه، ألا وهو الوهم عن العلاقة بالذات، عن طريق أخلاقي أحادي الجانب، ليسقط في الوهم عن العلاقة بالنص، ويبرز قيمًا عامة يمكن أن تكون لكل الناس، مسلمين كانوا أم مسيحيين، بوذيين كانوا أم تاويين، ولكل الأجناس، إنجليز كانوا أم سودانيين، هنديين كانوا أم صينيين، ليست حكرًا على أحد. وفي تعميم القيم، من ناحية أخرى، تثبيت للوهم، وإضفاء نوع من التساؤلات الوهمية عن الآخر، عن الغربيين، عن وحدات سردية ثانوية بالنسبة للوحدة السردية الأساسية "المفهوم عن الغرب":  «هل هم مثلنا أم يختلفون عنا؟ هل المعيشة غالية أم رخيصة؟ ماذا يفعل الناس في الشتاء؟ يقولون إن النساء سافرات يرقصن علانية مع الرجال ... هل صحيح أنهم لا يتزوجون، ولكن الرجل منهم يعيش مع المرأة بالحرام؟»(ص 7)

حقًا "يدهشهم" (ص 7) الراوي حينما يقول لهم: «إن الأوروبيين، إذا استثنينا فوارق ضئيلة، مثلنا تمامًا، يتزوجون، ويربون أولادهم حسب التقاليد والأصول، لهم أخلاق حسنة، وهم عمومًا قوم طيبون» (ص 7)، ولكنه يقدم لنا وصفًا عامًا دومًا لحالة يمكن أن تكون لكل الناس، ولكل الأجناس، كما سبق لنا القول، لتبدو هذه الوحدات السردية ثانوية بالفعل لا أهمية لها، مفصل من مفاصل الروي لا أكثر، وما "الدهشة" هنا إلا لأن أهل القرية لم يزوروا لندن، وفي الزيارة قراءة، إذا عكسنا المثل الفرنسي المعروف، فتزول الأوهام التي يحاول الراوي الحد منها. أي في التجربة المباشرة تنطبق العوالم، ولا تبقى منها إلا "فوارق ضئيلة". وهذه الفوارق تنتهي بدورها عندما يسأله أحدهم: "هل بينهم مزارعون؟" (ص 75) ليجيب: "بينهم مزارعون، وبينهم كل شيء. منهم العامل والطبيب والمزارع والمعلم، مثلنا تمامًا" (ص 7). نلاحظ أنه يقول: "مثلنا تمامًا"، وهذا ما يلغي تمامًا "خصوصية" الخطاب الأخلاقي المستعمل: "أحس أنني لست ريشة في مهب الريح، ولكني مثل تلك النخلة مخلوق أصيل، له جذور، له هدف" (ص 7). لم تعد هناك "خصوصية"، أما إذا بقي شيء منها، فهو باق في العرف الأخلاقي الذي لا ينقض ولا يلغي بل يوافق ويماثل، وكوحدة سردية لا يفعل سوى "ملء" الفضاء السردي، كما يقول رولان بارت.

ولنلاحظ حالاً أننا لسنا ضد أن يكون الإنجليزي كالسوداني مخلوقًا له أصل، وله جذور، وله هدف، ولكننا لا نقبل بالتوازي الأخلاقي العام والضبابي ما بينهما: يجب التحديد في كلتا الحالتين. ومن أجل ذلك، يجب التوظيف، أن يكون التوظيف أساسيًا، التوظيف بالفعل لا بالقول، فعل يؤدي إلى بدائل تتقدم بالروي، بدائل تجيب على تساؤلات أو تعرض لمواقف أو تؤشر إلى احتمالات. ونحن لا نقبل، من ناحية أخرى، أن توظف الصورة "ولكني مثل تلك النخلة، مخلوق له أصل، له جذور، له هدف" كحالة معنوية تنتفي بعد عدة سطور، ففي النفي انتفاء للعلاقة بالذات التي هي هدف فني أساسي للنص، وسقوط في الوهم، مرة أخرى، من جديد.

ورغم "ذكاء" (ص 7) أهل القرية، إلا أن الراوي يؤثر ألا يقول لهم ما يفكر فيه عن الغربيين مبررًا ذلك بـ"خوفه من غروره ألا يفهمون" (ص 7). من ناحية الطبيعة السردية، الوظائف لم تتغير، وكلها تسير في الخط الأخلاقي الأحادي الجانب ذاته، الخط السردي ذاته بما يحتوي عليه من صفات وأحداث. لنقرأ ما يقوله الراوي في الغربيين، بعد أن كوّن فلسفته الخاصة: "مثلنا تمامًا. يولدون ويموتون، وفي الرحلة من المهد إلى اللحد يحلمون أحلامًا بعضها يصدق وبعضها يخيب، يخافون من المجهول، وينشدون الحب، ويبحثون عن الطمأنينة في الزوج والولد. فيهم أقوياء، وبينهم مستضعفون، بعضهم أعطتهم الحياة أكثر مما يستحق، وبعضهم حرمته الحياة. لكن الفروق تضيق، وأغلب الضعفاء لم يعودوا ضعفاء" (ص 7). إنها صفات عامة وفضفاضة، المصطلح كلاسيكي: مستضعفون، ضعفاء، أقوياء، أعطته الحياة، حرمته الحياة، يستحق ... إلخ، يدلي بحركة ميكانيكية تلتغي فيها الدينامية النقضية عندما يقول "أغلب الضعفاء لم يعودوا ضعفاء"! وكل هذا من شأن "الحياة" أو "القدر" أو "المجهول"، "الله" الذي يعطي أو لا يعطي مع الغياب الكامل للمفهوم العلمي للاستغلال. وبالكلام الألسني، هذه الصفات العامة الفضفاضة هي محفزات غير وظيفية لا تدخل في علاقات متبادلة مع نواة (الغرب) الوحدة الأساسية (المفهوم عن الغرب)، فتبقى أحادية الجانب.

هل هذه فلسفة صعبة على أناس القرية "البسطاء"؟ وهل تحتاج إلى من هو ذكي أو من هو مغرور ليفهمها؟ إنها تنهل من نفس الواقع "البسيط" لأهل القرية، وتحاول بشتى الطرق ألا تكسر إطاره حتى ولو تكلمت عن عالم آخر مختلف، أو هكذا يبدو، في طقوسه وعاداته. لهذا كانت الوظيفة التي أرادها الراوي أساسيةً للرويِ ثانوية، توافق الوصف هنا مع منطق الوصف وليس مع المنطق الوصفي الذي من المفترض أن يكون استنتاجيًا وكفلسفة استتباعيًا. وتخاف بنت مجذوب، إحدى شخصيات الرواية، أن يعود الراوي إليهم "بنصرانية غلفاء" (ص 8). وهو، بالفعل، لا يعود إليهم بتلك النصرانية الغلفاء، أي أنه رغم موقفه المدافع "عنهم" (الغربيون) إلا أنه يبقى "شرقيًا". بمعنى أن الروي للراوي عبارة عن "تواصل" نسقي "لخطأ" لا يراه لا يعرفه لا يفهمه بل يتوهم أنه يراه أنه يعرفه أنه يفهمه.

الحقيقة مطلقة والإحساس الحقيقي بالتاريخ غائب
ليدخلنا الراوي في مسألة العلاقة الوهمية بين الشرق والغرب، يأتينا بصورة لمصطفى سعيد الذي يمثل هذه العلاقة الوهمية، كما سنرى، وهو «يستمع في صمت، يبتسم أحيانًا، ابتسامة أذكر الآن أنها كانت غامضة مثل شخص يحدث نفسه»(ص 8)، وفي الحديث إلى النفس إفضاء للذات نحو غرض إزالة الوهم وفهم "الحقيقة" كما ظهرت في النص، الحقيقة الخاضعة للتصور البورجوازي الصغير للعالم، وإن أخذت في البنية السردية للرواية شكل الحقيقة المطلقة: «وكانت تخطر في ذهني أحيانًا أفكار غريبة، كنت أفكر، وأنا أرى الشاطئ يضيق في مكان، ويتسع في مكان، أن ذلك شأن الحياة، تعطي بيد، وتأخذ باليد الأخرى. لكن لعلني كنت أدركت ذلك فيما بعد. أما الآن على أي حال، أدرك هذه الحكمة، لكن بذهني فقط، إذ أن عضلاتي تحت جلدي مرنة مطواعة، وقلبي متفائل، إنني أريد أن آخذ حقي من الحياة عنوة، أريد أن أعطي بسخاء، أريد أن يفيض الحب من قلبي، فينفع، ويثمر، ثمة آفاق كثيرة لا بد أن تزار، ثمة ثمار يجب أن تقطف، كتب كثيرة تقرأ، وصفحات بيضاء في سجل العمر سأكتب فيها جملاً واضحة بخط جريء» (ص 9).

ولكنه لا يفعل من كل هذا شيئًا، وكل هذا يبقى في إطار المحفزات السردية (تعطي بيد، تأخذ بيد، آخذ عنوة، أعطي بسخاء، أزور، أقطف، أقرأ، أكتب) لا المحفزات الفعلية، فلا معنى للتفاؤل، ولا معنى للحب، ولا معنى لكل هذه المشاريع، بل الغالب في الأمر هو القدرية والمانوية والعبثية البدائية في عالم بدائي. وتأتي إشاراته عن إحساسه "بالاستقرار" (ص 9)، وأنه "مهم" (ص 9)، وأنه "مستمر ومتكامل" (ص 9) بطريقة إنشائية على المستوى اللغوي، أما على المستوى الدلالي، فهي أقرب إلى الأماني العابرة منها إلى العلاقات في جدلها مع الحاضر، وحتى علاقته بجده، أي بالماضي، فهي علاقة مستقيمة، علاقة عائمة رغم عمقها: «وأذهب إلى جدي، فيحدثني عن الحياة قبل أربعين عامًا، قبل خمسين عامًا، لا بل ثمانين، فيقوى إحساسي بالأمن» (ص 9). الأمن هنا كمرادف للعلاقة المستقيمة العميقة بالماضي دون تناقضات أو هزات أو وثبات، مما يؤدي بنا إلى الاستخلاص التالي: ألا وهو غياب الإحساس الحقيقي بالتاريخ والوعي به. ويعني غياب الإحساس الحقيقي بالتاريخ تغييب التاريخ وسحقه، فلا زمنية هناك، ولا حتى مكانية هناك، ليصبح الروي ليس لسان الراوي بل لسان التاريخ المغيب، الوهم كبنية وظائفها الأساسية ما هي سوى لحظات اتفاقية.

مصطفى سعيد أو وهم العلاقة بين الذات والآخر

مقدمات
1- مزيج من صورتين
يقدم الراوي مصطفى سعيد على أساس أنه "مزيج غريب من القوة والضعف" (ص 11). لنلاحظ أنه مزيج من حالتين عضليتين أو نفسيتين، أي أنه مجبول من معدنين متوافقين، وإذا ابتعدنا أكثر في دلالات هذه الشخصية كفكرة كرمز كإشارة كعلامة كعادة نقول إنها عبارة عن تركيب "لشرق وغرب" أو "لقلب وعقل"، كما سنرى بالتفصيل في فصل قادم، ألبسهما المؤلف ثوبًا واحدًا، وهذه هي كل الوظيفة الخطابية التي لها. إن غربته عن البلد، عن تلك القرية النائية على ضفاف النيل –ولهذا مدلولات على أنه آت ليس فقط من الخرطوم بل ومن لندن أيضًا، أي أنه الإنجليزي أو الغربي عندما يعتبر غريبًا- نقول إن غربته عن البلد لا تصبح عائقًا أمام إقامته في البلد عندما «لا يبدو منه شيء منفر، وأنه يحضر صلاة الجمعة في المسجد بانتظام، وأنه يسارع بذراعه وقدمه في الأفراح والأتراح» (ص 10)، أي أن في شخصية مصطفى سعيد تزاوجًا بين الغريب والقريب، هو غريب حقًا لكنه يمارس طقوس أهل البلد وعاداتهم، يزور الراوي وقت القيلولة، في وقت غير مناسب، كأهل البلد الذين «يزورونك ظهرًا أو عصرًا، لا يهمهم أن يقدموا المعاذير» (ص 11)، "إنه رجل وسيم... (لكنه) أقرب إلى الجمال منه إلى الوسامة" (ص 11)، "يتحدث بهدوء، لكن صوته واضح قاطع" (ص 11)، "حين يسكن وجهه يقوى، وحين يضحك يغلب الضعف على القوة" (ص 11-12)، "ونظرت إلى ذراعيه، فكانتا قويتين، عروقهما نافرة، لكن أصابعه كانت طويلة رشيقة، حين يصل النظر إليهما، بعد تأمل الذراع واليد، تحس بغتة كأنك انحدرت من الجبل إلى الوادي" (ص 12)... إلخ. حقًا هذا المزيج من صورتين الذي هو مصطفى سعيد يلخص كل الوظيفة الخطابية التي له لكنه لا يضفي على الخطاب إلا توتر السيمنتيم (دلالة اللفظ)، فيظل الأثر محدودًا دون توتر المعنى.

2- السمة اللاعادية
تبدأ السمة اللاعادية لمصطفى سعيد عندما يربط صورته بصورة الجد: "جدك ذاك رجل. ذاك رجل. تسعون عامًا وقامته منتصبة، ونظره حاد، وكل سن فمه، يقفز فوق الحمار خفيفًا، ويمشي من بيته للمسجد في الفجر. هاه ذاك رجل!" (ص 13-14)، ونحن سنعرف، فيما بعد، أن السر كامن في أن "يعيش المرء ويموت ببساطة" (ص 14). بكل هذا التبسيط، ولكن تأكيد الغموض هنا يثير التساؤل، ويدعم السمة اللاعادية لمصطفى سعيد الذي يضفي على نفسه صورة غيبية: "وركبت الباخرة، وأنا لا أعلم وجهتي، ولما رست في هذا البلد، أعجبتني هيئته، وهجس هاجس في قلبي: هذا هو المكان" (ص 14). إنه هاجس نبوي، كما سنرى، إذ لا يلبث أن يقول: "وهكذا كان، كما ترى" (ص 14)، أي أن ما هجس به قد تحقق، فيعلو عن القوم، وينصب نفسه قدرًا: "لم يخب ظني في البلد ولا في أهله" (ص 14). لكن بنيويًا هذه السمة اللاعادية تظل محفزة للوظيفة الخطابية: المزيج بين صورتين، العلاقة بين المروى عنه والمروى له، الرابط بين المتواصل وغير المتواصل لدى الشخصية الرئيسية. إنها سمة وإشارة إلى السمة من بين سمات نفسية أو عاطفية أو جسدية أو أخلاقية أو فلسفية أو جمالية...

3- يقيم القانون
إذن بفضل السمة اللاعادية الملحقة بسمات من بينها قوة الشخصية التي يتمتع بها مصطفى سعيد في لجنة المشروع الزراعي يقيم القانون، ويحظى بطاعة الآخرين له، ففي أمر الذين "يفتحون الماء في حقولهم قبل الموعد المحدد لهم" (ص 16) حتى ولو كان "منهم من هو عضو في اللجنة" (ص 16) يفرض مصطفى سعيد "الخضوع للنظام ... وإلا اختلطت الأمور، وسادت الفوضى، وأن على أعضاء اللجنة خاصة أن يكونوا قدوة حسنة لغيرهم، فإذا خالفوا القانون عوقبوا كبقية الناس. ولما فرغ من كلامه هز أغلب أعضاء اللجنة رؤوسهم استحسانًا، وصمت من عناهم الكلام" (ص 16). الاستشهاد السابق يوضح موقع ومكانة شخصية مصطفى سعيد بين أفراد مجتمع القرية. ولنلاحظ حالاً أن هذا المجتمع قد قُدم في الرواية على مستوى الطبقة العليا من عمدة وتاجر وأعضاء لجنة من أولي الأمر وباقي "الميسورين في البلد" (ص 15)، فمن يقيم القانون، وهذا هو حال مصطفى سعيد، عليه أن يكون شخصًا ذا جدارة، شخصًا من "عجينة أخرى" (ص 16) كما يقول الراوي، إشارة إلى السمة اللاعادية والسمة القوية تحت كافة إشارات "الفلتة" التي كانها مصطفى سعيد كما سنرى في الفصل القادم. أي أن كل هذه "الإيجابيات" السردية ما هي إلا لخدمة الوظيفة الخطابية لمصطفى سعيد في صورتيه السرديتين، في الزمان والمكان السرديين.

4- يقرأ شعرًا إنجليزيًا
هذه أول إشارة واضحة عن صورة الإنجليزي في مصطفى سعيد، وذلك عندما يسكر، فيخلص من صورة السوداني، ليتلو شعرًا إنجليزيًا (ص 17). وقدرته أو لاعاديته تظهر في اللحظة التي يُغَيِّبُ فيها من هم معه في الغرفة: "كأننا نحن الرجال المجتمعين في تلك الغرفة لم نكن حقيقة، إنما وهمًا من الأوهام" (ص 18). إنه يخفي صورة السوداني في اللحظة التي يتقمص فيها صورة الإنجليزي، فتصبح وهمًا، أي أنه بالوهم يخفي الحقيقة. لنلاحظ أننا نقول يخفي ولا نقول يلغي، أما الراوي، فبالحقيقة "يلغي" الوهم، وذلك عندما يلاحق مصطفى سعيد قائلاً: "من الواضح أنك شخص آخر غير ما تزعم. من الخير أن تقول لي الحقيقة" (ص 19)، لتبدأ لعبة الوهم والحقيقة القائمة على نفس المبدأ: مبدأ التوازن والتوافق، وإن حصل إخفاء أو إلغاء صورة للأخرى، فهو إلغاء ميكانيكي يفضي دومًا إلى الموقف الأخلاقي والأحادي من وهم العلاقة بين نقيضين قابلين للانطباق والتماثل. الإشارات التي عن الإنجليزي في مصطفى سعيد ذات مدلولات محيرة: شخص آخر، من هو؟ يقول الحقيقة، لا يقول الحقيقة، لماذا؟ خاصة أن كل هذا يجري قبل الصفحة 20 من الرواية، كل هذه التساؤلات هي في الوقت ذاته دلالات تحث على تفكيك كودات هذه الشخصية، بغض النظر عن مانويتها، ميكانيكيتها.

5- صورتان أحاديتان للعقل والقلب
مصطفى سعيد شخصية مرسومة بدقة آلة ميكانيكية أعمل فيها الكاتب "العقل" بعيدًا عن أية "عاطفة". إنها تشخيص "للعقل"، كما يتصوره الكاتب، ولا نقول شخصية عقلانية، تشخيص "للعقل" أو "للحضارة" كما يتوهمها الطيب صالح، وهي صورة مدانة من طرفه، فهي تمثيل للوهم حسبما يزعم. وكذلك، فإننا سنلمس في مصطفى سعيد قبل عودته (أو توبته) إلى القرية كبديل فضائي مفترض، صورة للقلب أيضًا وهمية حسب الكاتب. وسيقدم مصطفى سعيد في هذه المرحلة التي ستبدأ من قريته إلى المدرسة فالقاهرة فلندن كصورة وهمية للقلب أو للعاطفة كصورة زائفة للشرق كما يراها الطيب صالح في حالة مصطفى سعيد، وعلى أساس أنه علاقة اجتماعية لاعادية –كما سبق لنا القول- لأن العادي سيبقى غائبًا حتى العودة إلى نقطة المنطلق، إلى القرية، كمكان لا بد من الرجوع إليه لإقامة التوازن بين الصورتين في وضع القرية الملائم أو اللاوهمي، كما تدّعي الرواية. إذن لا يوجد إلغاء لإحدى الصورتين على حساب الأخرى عندما تكونان وهميتين أو غير وهميتين، ولن نقول عندما تكونان وهميتين أو حقيقيتين، لأن في كلتيهما، وفي وضعيهما المختلفين، نحن لا نخرج من إطار الوهم حسبما نزعم، وحسبما سنرى في تحليلنا القادم، وسنقف في حالة مصطفى سعيد، خلال رحلته بعيدًا عن القرية، على تأكيد الوهم (العقل) بالوهم (القلب)، لأن الحقيقة هنا، منذ البداية، ملغية. هذا، وقد رأينا، عند عودته إلى القرية واستقراره فيها، أنه يتراوح بين الصورتين، فيحصل إخفاء مؤقت لإحداهما على حساب الأخرى دون أن نتقدم كثيرًا في المعرفة العلمية للحقيقة، لا الحقيقة كما يعرفها الكاتب.

إذن، طالما نحن في حالة من الوهم، فلا بد من قلب للعلاقة، وإضفاء ما يمكن إضفاؤه من السمات والتفاصيل مما هو لا طبيعي ولا عادي أو فوق طبيعي وفوق عادي لصاحب تلك الحالة، فيلجأ الراوي، مصطفى سعيد في الفصل الثاني، إلى التهويل، وهذا دور الحديث بصيغة ضمير المتكلم في النص: "نشأت يتيمًا ... مات أبي قبل أن أولد ببضعة أشهر ... لم يكن لي أخوة ... لم تكن الحياة عسيرة عليّ وعلى أمي ... لم يكن لنا أهل ... لعلني كنت مخلوقًا غريبًا... ليس ثمة أحد يأمرني أو ينهاني ... إنني مختلف ... لست كبقية الأطفال في سني، لا أتأثر بشيء، لا أبكي إذا ضُربت، لا أفرح إذا أثنى عليّ المدرس في الفصل، لا أتألم لما يتألم الباقون، كنت مثل شيء مكور من المطاط، تلقيه في الماء، فلا يبتل، ترميه على الأرض، فيقفز ... إلخ" (ص 23-24).

حتى الآن لدينا وصف عادي لنشأة البطل وشخصيته ونفسيته اللاعادية عندما كان صغيرًا، وكل هذا يدل على تفرده، إنه التضاد أو الضد أو اللاحقيقة، ولكن الوصف ينمو ويحتدم عندما يصير كبيرًا، وذلك لتطوير ما هو لا عادي فيه عندما يجري التركيز على طاقات مصطفى سعيد القاطعة وقدرة عقله العجيبة: "المهم أنني تصرفت بكل طاقاتي لتلك الحياة الجديدة، وسرعان ما اكتشفت في عقلي مقدرة عجيبة على الحفظ والاستيعاب والفهم. أقرأ الكتاب، فيرسخ جملة في ذهني. ما ألبث أن أركز عقلي على مشكلة الحساب حتى تتفتح لي مغالقها، تذوب بين يدي كأنها قطعة ملح وضعتها في الماء. تعلمت الكتابة في أسبوعين، وانطلقت بعد ذلك لا ألوي على شيء. عقلي كأنه مدية حادة، تقطع في برودة وفعالية" (ص 26).

إن الاستعارة الأخيرة التي تتكرر في أكثر من موقع في الحقل السردي: "عقلي كأنه مدية حادة، تقطع في برودة وفعالية" لهي جد معبرة دلاليًا عن سمة هذه الشخصية وجو هذه الشخصية التي لا يقف أمامها عائق: تقطع العلم في برودة وفعالية وإعجاز كالإنسان الآلي الذي يقضم ويهضم ويستوعب عن طريق الأزرار كل ما هو معقد، كل شيء: "كان المعلمون ينظرون إليّ كأنني معجزة، وبدأ التلاميذ يطلبون ودي. لكني كنت مشغولاً بهذه الآلة العجيبة التي أتيحت لي، وكنت باردًا كحقل جليد لا يوجد في العالم شيء يهزني" (ص 26). بالنسبة للقارئ، كما يقول رولان بارت، عليه أن يتعلم كيف يعرف سمة من السمات، جوًا من الأجواء، فالمعلومات تُحْضِرُ معرفة جاهزة، ووظيفة هذه المعلومات، كالوسائط، لهي بالتالي ضعيفة، ولكنها ليست غير ذات قيمة: مهما كان "صممها" بالنسبة لباقي القصة تساعد المعلومة على توثيق الحقيقة المرجعية وزرع الرواية في أرض الواقع.

هذا لا يعني عدم التدقيق في صورة العقل كما جاءت في النص، صورة ذات بعد واحد، فهي مقدمة كصورة "باردة"، وبشكل مناقض لصورة القلب "الدافئة"، أو هي مزدوجة وصورة للقلب "باردة": "كنت باردًا كحقل جليد، لا يوجد في العالم شيء يهزني"! وفوق هذا كله، هي مقدمة من داخل الإطار الغربي، كصورة للعقل الغربي في "بلاد تموت من البرد حيتانها" رغم أن مصطفى سعيد، في تلك المرحلة المبكرة، لم يغادر السودان بعد إلى القاهرة. لكنها تمتلك كمعلومة، بفضل ما يقوله رولان بارت، وظيفة أكيدة ليس على مستوى القصة، ولكن على مستوى الخطاب.

لقد طرحت الرواية "العلم" الذي هو مادة العقل على أساس أنه للغرب منذ البداية: "أول عهدنا بالمدارس أذكر الآن الناس كتنوا غير راغبين فيها. كانت الحكومة تبعث أعوانها يجوبون البلاد والأحياء، فيخفي الناس أبناءهم. كانوا يظنونها شرًا عظيمًا جاءهم مع جيوش الاحتلال" (ص 24). على أساس أن العلم مرادف للاحتلال، هناك انفصام بين عقل المستعمرين وقلب المستعمرين، ولكن العقل يبقى للغرب على الدوام، وإذا ما نهج مصطفى سعيد نهج الغرب، أي نهج العقل، كان غريبًا عن قلبه، لهذا، جاءت صورتاه عن القلب والعقل زائفتين. وعلى هذا النحو، أخذت الاستعارات المشخصة للعقل، في حالة مصطفى سعيد، سمات وطبيعة أهل الغرب، أي أن مصطفى سعيد العربي الأفريقي الأسود ذو عقل أبيض قاطع كحد السكين، كما يقول النص: "طويت المرحلة الأولى في عامين، وفي المدرسة الوسطى اكتشفت ألغازًا أخرى، منها اللغة الإنجليزية، فمضى عقلي يعض ويقطع كأسنان محراث. الكلمات والجمل تتراءى لي كأنها معادلات رياشية، والجبر والهندسة كأنها أبيات شعر. العالم الواسع أراه في دروس الجغرافيا كأنه رقعة شطرنج" (ص 26). لكن مصطفى سعيد كوظيفة خطابية هو شيء آخر، إنه إشارات وسمات ومعلومات تتداخل وتتخارج في وحدات وعلاقات لا تحسم أبدًا إلا من خارج النص، وذلك عن طريقين، الأولى: طريق المروى عنه، والثانية: طريق المروى إليه. الطريق الثانية تخضع للطريق الأولى، والطريق الأولى تخضع لشرط التطور الخاص بالوظيفة الخطابية، بمصطفى سعيد. مرتبة من التطور حاسمة كانت بحله اللغة الإنجليزية، هنا تنفتح للبطل آفاق جديدة من الإعجاز: "وبعد ثلاثة أعوام، قال لي ناظر المدرسة، وكان إنجليزيًا: هذه البلد لا تتسع لذهنك، فسافر، اذهب إلى مصر أو لبنان أو إنجلترا" (ص 26)، فيذهب إلى مصر عن طريق منحة دراسية، ولدى مستر ومسز روبنسن الإتجليزيين.

لنلاحظ أن مصر كانت مكانًا وسيطًا بين السودان وإنجلترا في رحلة "العقل" لمصطفى سعيد، ولكن الإنجليز، كأصحاب لهذا العقل، هم دومًا الذين كانوا من ورائه. لقد كانوا له دون وسيط، وقد رفعوه حتى القمة، بينما ظلت صورة "القلب" الباردة ملازمة إياه، "فلم يكن يحس تجاههم بأي إحساس بالجميل، كان يقبل مساعداتهم كأنها واجب يقومون به نحوه" (ص 27). التكرار "للنموذج" الذي يصنعه الطيب صالح ممل بعد أن صار القارئ يعرف مسبقًا أوصاف هذا النموذج: ناكر للجميل، متكبر، متفضل، متبغدد، متقدقد، متخرئ، متبول... لكن الإشارة إلى الحداثة كابنة للغرب أهم بكثير، واستيعاب هذه الحداثة من طرف ابن الشرق على أكمل وجه. هذه الوحدة السردية المهملة من طرف الطيب صالح أهم بكثير من وحدات سردية أخرى يركز عليها، كالصراع بين الشرق والغرب متمثلاً بشخصية مصطفى سعيد، صراع مجاني، خارج-سردي، ليس صراعًا، لأنه في نهاية المطاف صراع استيهامي، صراع وهمي.

إن توازي الصورتين الوهميتين الاستيهاميتين متواصل، وهو تواز بنيوي في الشخصية وفي الرواية، إذ تقوم العلاقات ببعد واحد، ويتطور العقل ببعد واحد، وكذلك القلب العاجز عن الدق لشدة الجليد. إن صورة القلب هنا عبارة عن قناع كثيف: "حين أرجع بذاكرتي الآن، أراها (أمه) بوضوح، شفتاها الرقيقتان مطبقتان في حزم، وعلى وجهها شيء مثل القناع لا أدري، قناع كثيف، كأن وجهها صفحة بحر، هل تفهم؟ ليس له لون واحد بل ألوان متعددة، تظهر وتغيب وتتمازج" (ص 23). أي دون هوية، في حالة زائفة، ودون استقرار، في أزمة خانقة (صفحة بحر! ما هذا؟) من أزمات اقتصاد السرد.

وإذا ما مضت بالقلب لحظة صوفية، ففي الحلم كسيمنتيم (دلالة اللفظ): "تسكعت في شوارع القاهرة، وزرت الأوبرا، ودخلت المسرح، وقطعت النيل سابحًا ذات مرة. لم يحدث شيء إطلاقًا سوى أن القرية زادت انتفاخًا، وتوتر وتر القوس. سينطلق السهم نحو آفاق أخرى مجهولة. وأنظر إلى دخان القطار يتلاشى حيث تهب به الريح في غلالة الضباب المنتشرة في الوديان. وأخذتني سنة النوم، وحلمت أنني أصلي وحدي في جامع القلعة. كان المسجد مضاء بآلاف الشمعدانات، والرخام الأحمر يتوهج، وأنا وحدي أصلي" (ص 32).

وإذا ما مضت بالقلب لحظة إنسانية، ففي الذكرى كسيمنتيم (دلالة اللفظ): "كان ذلك وداعنا (مصطفى سعيد وأمه) لا دموع ولا قبل ولا ضوضاء. مخلوقان سارا شطرًا من الطريق معًا، ثم سلك كل منهما سبيله. وكان ذلك، في الواقع، آخر ما قالته لي، فإنني لم أرها بعد ذلك. بعد سنوات طويلة، وتجارب عدة، تذكرت تلك اللحظة، وبكيت. أما الآن، فإنني لم أشعر بشيء على الإطلاق" (ص 27). هي صورة مجترة لميرسو كامو في رواية الغريب، وسنرى أن شخصية مصطفى سعيد من بنات أفكار الهذر الوجودي الذي اكتسح الأسواق في سنوات الستين، أي أنها شخصية على موضة عصر التهم العالم العربي فيه إلى حد التقيؤ الكثير مما هب ودب من الترجمات، شخصية خطابية، شخصية جُمَلِيّة، مهارة كلامية.

مفهوم الشرق/ المفهوم عن الشرق
في البنية الفنية لمصطفى سعيد صورتان زائفتان للعقل والقلب حسبما يراهما الكاتب، صورة العقل الممثلة لمفهومنا (التعميم للطيب صالح) الزائف عن الغرب، وصورة القلب الممثلة لمفهومنا (التعميم للطيب صالح) الزائف عن الذات أو لمفهوم الغرب الزائف عنا (التعميم للطيب صالح) من خلال شخصية مصطفى سعيد. إذن التعميم كمنطق هو ما يحدد هذه البنية بكل ما تحتوي عليه من صور وإشارات وعلامات ومعلومات. لكن التعميم المفهومي لا يلغي التحديد الكلامي تحت تعددية حدثية تظل في خدمة التعميم المفهومي، وبالتالي تعددية خطابية ترافق التعددية الحدثية من الكلمة فالجملة فالفقرة فالصفحة فالفصل فكل الرواية، الرواية كبنية شمولية بكل ما فيها من مفاصل ودعامات يكون الفعل، كمكان الفعل، كزمان الفعل، من وراء ملئها، وعن طريق عملية تفريغ للبنية الشمولية نقف على التفاصيل والتوصيفات.

المفهوم «الزائف» للغرب عن الشرق
يتطلب الوقوف على تفاصيل هذا المفهوم وتوصيفاته المضي بعملية تفريغ للبنية الشمولية كما سبق لنا القول، وهذه العملية تمضي بدورها بتفريغ للبنية الخاصة بمصطفى سعيد، ولا بد للتفريغ هذا من أن يلجأ إلى التعددية الخطابية للأحداث المتعلقة بهذه الشخصية، كحدث التعلم. المثل الأول: يقول لمصطفى سعيد من أخذه إلى المدرسة: "حين تكبر، وتتخرج من المدرسة، وتعين موظفًا في الحكومة، تلبس قبعة كهذه" (ص 24-25). لنفهم من تفاصيل المفهوم "الزائف" للغرب عن الشرق ما يلي: ليست المدرسة، كمرادف للعقل الغربي، فقط هي التي ستؤدي إلى السلطة في عهد الاستعمار، بل وسيأخذ المتخرج منها شكل أصحابها الإنجليز بارتدائه قبعة على شاكلتهم. المثل الثاني: يقول لمصطفى سعيد ناظر المدرسة الإنجليزي: "هذه البلد لا تتسع لذهنك، فسافر" (ص 26). الانجليز دومًا هم الذين يقيّمون قوة عقله حسب معاييرهم لا معايير البلد التي تتدانى إلى مستوى أقل بكثير من المستوى الذهني لمصطفى سعيد. نسوق مثلاً ثالثًا يتعلق بحدث القطار عندما كان مصطفى سعيد في القطار إلى القاهرة، وقال له أحد الرهبان كممثل للمسيحية، وبالتالي للغرب: "إنك تتحدث اللغة الإنجليزية بطلاقة مذهلة" (ص 28). وهذا مديح يحوي الدهشة والإعجاب لا يمكن التعبير عنه مجانًا. إنها الصورة التي يراها الإنجليز، وهي في نفس الوقت معلومة تعبر عن حالة خاصة، عن حالة شاذة، حالة مصطفى سعيد الذي لا تتسع البلد لذهنه وإعجازه، لهذا كانت صورة زائفة في رأس الغرب عن الفرد، وذلك على المستوى الشخصي لمصطفى سعيد.

أما عندما يصبح مصطفى سعيد صورة عامة للشرق، وهي دومًا من دافع مفهوم الغرب "عنا"، فهي أيضًا زائفة، ولكن ما يجدر ملاحظته أن الغرب، في المستويين الخاص والعام، يبقى "مسحورًا" بالشرق، وما تريد أن تخلص الرواية إليه أن سحره هذا هو غير حقيقي، وبالتالي، أن مفهومه عن الشرق هو غير حقيقي. ولنعط مثلاً على ذلك عن طريق حدث الحب في علاقة مصطفى سعيد بآن همند: «كانت صيدًا سهلاً لقيتها وهي دون العشرين، تدرس اللغات الشرقية في أكسفورد، كانت حيية، وجهها ذكي مرح وعيناها تبرقان بحب الاستطلاع، رأتني فرأت شفقًا داكنًا كفجر كاذب. كانت عكسي تحن إلى مناخات آسيوية، وشموس قاسية، وآفاق أرجوانية، كنت في عينيها رمزًا لكل هذا الحنين» (ص 34). الشرق أو مصطفى سعيد هنا صورة "لفجر كاذب"، معلومة أخرى لتأكيد الزائف في مفهوم الغرب عن الشرق، ولكن على الرغم من ذلك –وربما بسبب ذلك- آن همند تسعى من وراء الصورة الكاذبة إلى الانتحار، وهذه إشارة هامة لزيف العلاقة هذا صحيح إلا أنها أحد تفاصيل البنية الخاصة بالشخصية الرئيسية.

لنعط مثلاً ثانيًا على ذلك من حدث الحب عبر علاقة مصطفى سعيد بشيلا غرينود: «خادمة في مطعم في سوهو بسيطة حلوة المبسم، حلوة الحديث. أهلها قرويون من ضواحي هل. أغريتها بالهدايا والكلام المعسول، والنظرة التي ترى الشيء، فلا تخطئه. جذبها عالمي الجديد عليها. دوختها رائحة الصندل المحروقة والند، ووقفت وقتًا تضحك لخيالها في المرآة، وتعبث بعقد العاج الذي وضعته كأنشوطة حول جيدها الجميل» (ص 38). لنلاحظ أن مصطفى سعيد في حالة آن همند قد استعمل الصورة المشدود الغرب فيها إلى الشرق لغاية في صدره، ألا وهي اصطياد فتاة دون أن يهتم بالنتائج، الانتحار هنا. كما أنه، في حالة شيلا غرينود، قد لجأ إلى نفس الطريقة، وتحت نفس الصورة لعالمه "الجديد عليها"، دون أن يبالي بالنتائج عندما يقول: «دخلت غرفة نومي بتولاً بكرًا، وخرجت منها تحمل جرثوم المرض في دمها. ماتت دون أن تنبس ببنت شفة» (ص 38).

ولنلاحظ أيضًا "نقاوة" الفتاتين الغربيتين أمام "زير النساء الشرقي" الذي هو "جنوب يحن إلى الشمال والصقيع" (ص 34)، ولكن في حنينه جنون الشرق ربما، جنون الشخص، وجنون الفكر، إنه يقدم على علاقاته دون وازع من ضمير، وهذا امتداد لصورة القلب "الباردة".

نعطي مثلاً ثالثًا على ذلك من حدث الحب عبر علاقة مصطفى سعيد بإيزابيلا سيمور، علاقة قامت، كالعادة، حسبما «يصور مصطفى سعيد الأشياء بشكل غريب» (ص 42): «أجل، بيتنا على ضفة النيل تمامًا بحيث أنني كنت إذا استيقظت على فراشي ليلاً، أخرج يدي من النافذة، وأداعب ماء النيل حتى يغلبني النوم» (ص 43)، وستصل العلاقة بإيزابيلا سيمور "النقية" إلى الانتحار مثل سابقتيها.

إذن، في التركيب التعبيري للبنية الخاصة بالشخصية الرئيسية غرابة الصورة التي تشد الغرب، عبر الحالات الثلاث الأولى، إلى الشرق، وهي صورة مرافَقَة "بعطف مسيحي" (ص 41)، تجاه "مخلوق بدائي عادي" (ص 42). أما في الحالة الرابعة، حالة جين مورس، فهي صورة مضادة لما سبق رؤيته في حدث الحب، ليس هناك عطف مسيحي بل صلف وحقد وبرود، بعد أن تنقلب "النقاوة" إلى "دنس" و "عهر". ومن ناحية مصطفى سعيد، عجز وتعب واستسلام. جين مورس تنظر إليه مثل "ثور همجي لا يكل من الطراد" (ص 37)، "آلة صماء" (ص 32). وهو ينظر إليها مثل "سراب لمع في صحراء" (ص 33)، أي في حالة ما أن يبلغ عقل الغرب ويتحضر سيغدو آلة صماء، وستظل البدائية في حالته باقية سواء أكان الحب هو المكرس نحوه أو الكره، وهو سيرتبط بامرأة على أساس أنه "الحقيقة" وهي "السراب" (تنقلب الأدوار) ولكن، في هذه المرة، من موقع العاجز والمقهور. تنقلب الأدوار بشيء من البلبلة في العالم السردي بين الدوال والمدلولات وفي العالم الواقعي بين الأسباب والمُسَبَّبات، لهذا تموت جين مورس قتلاً بخنجر مصطفى سعيد دون أن تنتحر كالأخريات. في هذا الفصل، هو لا يسعى وراء وضع حد للعلاقة الزائفة القائمة، وإنما ليثبت "رجولته"، وهذه سمة للشرقي مستهلكة، وليحاول أن يرد عليه، بالتالي، دون أن ينجح، الشعور بالكرامة. هو يقتلها "اعتذارًا" لأكذوبة حياته (ص 33)، كما يقول، لكنه لا يحدد معنى حياته، حتى بعد عودته إلى القرية. وكل ما سبق يجري بنيويًا عن طريق إفراغ البنية، ولولا هذا الإفراغ لما كان الفهم، فهم المفهوم "الزائف" للغرب عن الشرق، فالإشارات والعلامات والمعلومات والصور هي في الواقع أدوات وظيفية للقراءة، للفهم، لا يتم الكشف عنها إلا بطرق وظيفية في النقد، في التحليل.

المفهوم «الحقيقي» للغرب عن الشرق
تبعًا لما سبق، تحاول الرواية أن تطرح بدائل ما هو وهمي من إشارات وعلامات ومعلومات وصور في العلاقة الشمولية بين الشرق والغرب، وعلى مستوى مفهوم الغرب عن الشرق، وذلك من خلال العلاقة الخصوصية القائمة بين مصطفى سعيد من جهة ومسز ومستر روبنسن من جهة ثانية، الإنجليزيين اللذين استقبلاه في القاهرة، وعنيا بأمره في المدرسة وفي الشارع وفي البيت إلى أن غادر القاهرة إلى لندن.

على المستوى الخاص للحدث القاهري، هناك شعور صادق من طرف الإنجليزيين (أو الغرب) تجاه مصطفى سعيد، حتى أن مصطفى سعيد يقول عن مسز روبنسن إنها: "تضحك بمرح، وتحنو عليّ كما تحنو أم على ابنها" (ص 30). إن سمة "المرح" واحدة عند مسز روبنسن وآن همند، وكذلك "الحنان"، ورد فعل مصطفى سعيد تجاه الاثنتين هو أيضًا واحد، إذ كانت "الشهوة" ما يشعر به تجاه آن همند أو تجاه "أمه" مسز روبنسن. في حالة مسز روبنسن العاطفة فطرية وعفوية وأكثر صدقًا وأخلاقية، على الأقل لم تتحول مسز روبنسن إلى عاهرة في فراش مصطفى سعيد كآن همند، وعندما حكموا على مصطفى سعيد في الأولد بيلي بالسجن سبع سنوات «لم يجد صدرًا غير صدرها يسند رأسه عليه» (ص 29). إنها صورة ذات تفاصيل هامة عن امرأة ذات قلب كبير، ولكنها في دلالاتها الشمولية صورة نجعية لقلب الغرب تجاه الشرق ستتحول، على المستوى العام للحدث القاهري، إلى وصال والتحام بين القلبين عندما تصبح مسز روبنسن القاهرة أو القاهرة هي: "... وأحسست أن القاهرة، ذلك الجبل الكبير الذي حملني إليه بعيري، امرأة أوروبية، مثل مسز روبنسن تمامًا، تطوقني ذراعاها، يملأ عطرها ورائحة جسدها أنفي، كان لون عينيها كلون القاهرة في ذهني، رماديًا، أخضر، يتحول بالليل إلى وميض كوميض اليراعة" (ص 29). يقول "كوميض اليراعة"، كمرادف للعلم، وبالتالي للعقل، بينما كل الوقت، تحاول مسز روبنسن إبعاده عما هو "جاد"، إبعاده عن عقله: "أنت يا مستر سعيد إنسان خال تمامًا من المرح" (ص 29). وتقول أيضًأ: "ألا تستطيع أن تنسى عقلك أبدًأ؟" (ص 29).

وكأن ذلك شرط لحقيقة الشرق، "للانسجام" (ص 30): مسز روبنسن والقاهرة، ولكي "يحسن مستر روبنسن اللغة العربية ويعنى بالفكر الإسلامي والعمارة الإسلامية" (ص 29)، كل هذه اهتمامات لها طابع الشعر والزهد والتصوف، أي طابع "القلب"، حسب المعنى المستعمل في الرواية، ولكنها علاقة أحادية، إذ مقابل التآلف والالتفاف الغربي –ما ترمز إليه شخصيتا مستر ومسز روبنسن- مع و حول الشرق، إلا أن هذا الشرق، في شخصية مصطفى سعيد، "لم يحفل بالحب الذي أسبغاه عليه" (ص 39)، فلا بد، بالتالي، من انكسار للعلاقة، ولو ظاهريًا، إذ لا يلبث مصطفى سعيد أن يغادر القاهرة دون أن يحزن أو يلوي على شيء: "كان كل همه أن يصل إلى لندن، جبلاً آخر أكبر من القاهرة، لا يدري كم ليلة يمكث عنده" (ص 30). كل طموحه أن يصعد جبلاً أكبر من الآخر مطاردًا دومًا بعدم الشعور بالمعروف، والطواف في الوهم، وعدم الاستقرار، حتى في عالم الشعر والموسيقى الغربي (ص 39)، المقدم هنا كصورة إيجابية للغرب، نجده لا يشعر بشيء: "ثلاثون عامًا وأنا جزء من كل هذا، أعيش فيه، ولا أحس بجماله الحقيقي..." (ص 40). يقول لا أحس ولا يقول لا أريد، لأن لا إرادة له في الحقيقة، إنه من صنع غيره كما سنرى لاحقًا.

أنا لست عطيلاً أنا أكذوبة
الحدث اللندني حدث مهول فيه الحب والكره والعلم والمعرفة والانتحار والقتل، تفاصيله كثيرة، وهو في حد ذاته بنية داخل البنية داخل البنية، ونقصد بالبنية الثانية بنية مصطفى سعيد وبالبنية الثالثة بنية الرواية. لا يوجد تبادل بينها وإنما التنافر هو الذي يوحدها، وأكثر ما يدلل على ذلك حدث المحاكمة. خلال محاكمة مصطفى سعيد يتطور مفهوم الغرب عن الشرق في تنافر موحد للبنى الثلاث، لأن لدينا هنا المفهوم الرسمي، متمثلاً برأيين، الرأي الأول للمدعي العمومي السير آرثر هغنز، والذي هو "عقل مريع" (ص 35)، وهو من تعلم مصطفى سعيد القانون على يديه في جامعة أكسفورد، والرأي الثاني للبروفسور ماكسويل فستركين، هو أيضًا أستاذ لمصطفى سعيد، الأول كان ضده، والثاني كان معه. الأول أعطاه صورة "مريعة لرجل ذئب" (ص 36)، والثاني جعل منه "عقلاً عبقريًا دفعته الظروف إلى القتل" (ص 36). إنهما رأيان رسميان مختلفان متنافران ومعبران في آن واحد عن صورتين للشرق كلتيهما أكذوبة.

«هذا المصطفى سعيد لا وجود له، إنه وهم، أكذوبة. وأنا أطلب منكم أن تحكموا بقتل الأكذوبة» (ص 36). هذا ما كان مصطفى سعيد يريد أن يصرخ به عاليًا في قاعة المحكمة دون أن يفعل. ولهذا دلالات عدة منها: تواصل الأكذوبة يتوقف على صانعها الذي هو العقل الغربي (أساتذة مصطفى سعيد في أكسفورد). لهذا، لم يقتل الأكذوبة فيه، عندما قتل جين مورس، بل جاء فعله "اعتذارًا". الأكذوبة ستتواصل طالما هي من صنع العقل الغربي الذي جعلها على صورته "عبقرية"، وإذا ما اختلفت الآراء في أمرها، فلأنها خرجت عن اللاعادي الرسمي إلى القتل كفعل لاعادي غير رسمي وبربري بعيد عما هو "حضاري". وللخروج من المأزق، "حوّل بروفسور فستركين المحاكمة إلى صراع بين عالمين كان (مصطفى سعيد) إحدى ضحاياه" (ص 37). إنهما عالم العقل وعالم القلب، وليسا عالم التحضر وعالم التخلف، كما يوحي النص إليه للوهلة الأولى، أي نقل المحاكمة إلى مستوى غير حقيقي، مستوى كاذب لإنقاذ الكذبة. وكذلك في أن يصبح مصطفى سعيد الضحية تعميق أكثر للأكذوبة، لهذا، يصرخ مصطفى سعيد دومًا في سره: "أنا لست عطيلاً أنا أكذوبة لماذا لا تحكمون بشنقي فتقتلون الأكذوبة؟" (ص 37). وهو يصرخ في سره لأنه يعرف أن لا فائدة من الصراخ جهرًا وعلانية إذ سيجد له العقل الغربي مخرجًا، وهو يصرخ في سره أيضًا لأنه لا يريد أن يكون عطيلاً، فلا يستطيع. حقًا هو قاتل ديدمونة (جين مورس) لكنه ليس قاتل نفسه، ولا يمكنه أن يكون قاتل نفسه، إنه وهم نفسه المتواصل بإرادة أخرى، بإرادة تصبح قدرية بالنسبة له، فيوقع (هو أو الطيب صالح) المأساة في نمطها الكلاسيكي الميلودرامي، ولا نقول في نمطها الكلاسيكي الشكسبيري، التي هي نقض لواقع وتعميق لعلاقة هي في أساسها معقدة، حتى أن "العقل"، في حالة مصطفى سعيد، يأخذ منحى "القلب"، أي أن هناك انقلابًا للأدوار كسيمنتيم (دلالة اللفظ) لا غير.

وهناك انقلاب للتراجيديا كسيمنتيم (دلالة اللفظ): "غرفة نومي صارت ساحة حرب، فراشي كان قطعة من الجحيم، أمسكها، فكأنني أمسك سحابًا، كأنني أضاجع شهابًا، كأنني أمتطي نشيدَ عسكريّ بروسيّ. وتفتأ تلك الابتسامة المريرة على فمها، أقضي الليل ساهرًا، أخوض المعركة بالقوس والسيف والرمح والنشاب، وفي الصباح أرى الابتسامة ما فتئت على حالها، فأعلم أنني خسرت الحرب مرة أخرى" (ص 37). وانقلاب للأسطورة كسيمنتيم (دلالة اللفظ): "كأنني شهريار رقيق، تشتريه في السوق بدينار صادف شهرزاد متسولة في أنقاض مدينة قتلها الطاعون" (ص 37). وانقلاب للواقع كسيمنتيم (دلالة اللفظ): "كنت أعيش مع نظريات كينز وتوني بالنهار، وبالليل أواصل الحرب بالقوس والسيف والرمح والنشاب" (ص 37).

لنلاحظ أننا نقول انقلابًا للتراجيديا وانقلابًا للأسطورة وانقلابًا للواقع لأن الحدث الجاري يجري على الهامش، وعلى مستوى التشبيه، أي في حقل اللغة التي لا تعكس الواقع لتبنيه بقدر ما "تفتته"(4). ولا تلبث شخصية مصطفى سعيد أن تصبح واحدة من شخصيات "الساينس فيكشن": "رأينا الجنود يعودون، يملؤهم الذعر، من حرب الخنادق والقمل والوباء. رأيتهم يزرعون بذور الحرب القادمة في معاهدة فرساي، ورأيت لويد جورج يضع أسس دولة الرفاهية العامة. وانقلبت المدينة إلى امرأة عجيبة، لا رموز ونداءات غامضة، ضربت إليها أكباد الإبل، وكاد يقتلني في طلابها الشوق، غرفة نومي ينبوع حزن، جرثوم مرض فتاك العدوى أصابتها منذ ألف عام، لكنني هيجت كوامن الداء حتى استفحل وقتل" (ص 38).

هذه شخصية فوقانية حقًا تحت ثوب قشيب من الكلمات بارع "التركيب"، شخصية مريضة ومُمرضة في آن واحد، عاجزة ومُعجزة في آن واحد، غريبة ومُغربة في آن واحد، شخصية هي حقًا غير حقيقية(5)، من وهم، فليكن، ولكن، هل تصل بنا إلى الحقيقة، إلى حقيقة العلاقات في المدينة حسب المصطلح الفلسفي القديم؟ إلى حقيقة العلاقات بين المدنية والهمجية: "مدينة ضربت إليها أكباد الإبل"؟ نحن لا نقف على شيء من هذا، وإنما على أن "الحكمة القريبة المنال التي تخرج من أفواه البسطاء هي كل أملنا في الخلاص. الشجرة تنمو ببساطة، وجدك عاش وسيموت ببساطة، ذلك هو السر" (ص 45). أين هو ذلك السر في حقيقة الصراع، والذي يُلقى في طيات مصطلح أخلاقي فضفاض وعام كمصطلح "البساطة"؟ ونحن بإمكاننا أن ندحض "بساطة الجد" هذه عندما نعلم أنه سافر في شبابه إلى مصر، وجمع المال، وعاد ليشتري أرضًا، ويبني بيتًا، ويزرع شجرًا بكده وتعبه، لا ب "البساطة"، بل بكد وكدح الجد سر "البساطة"(6). ولا يكتفي الراوي بنقل "البساطة" إلى قيم منتزعة من جذرها الصراعي بل ويجعل المستقبل متوقفًا على عالم طوباوي في زمن لن يأتي: "ولكن إلى أن يرث المستضعفون الأرض، وتسرح الجيوش، ويرعى الحمل آمنًا بجوار الذئب، ويلعب الصبي كرة الماء مع التمساح عند النهر، إلى أن يأتي زمان السعادة والحب هذا، سأظل أعبّر عن نفسي بهذه الطريقة الملتوية" (ص 45).

حقًا إن مصطفى سعيد عبارة عن "طريقة ملتوية" لعلاقة لا يوجد فيها ما يربطه بعطيل، إنه أكذوبة ليست صحيحة، أكذوبة لملء البنية.

الراوي كيف يرى العالم؟
هل هو نقيض م. س. أم مكمله أم صورة عنه؟
يجب توضيح لمن لم يقرأ موسم الهجرة إلى الشمال، أن الراوي شخصية من شخصيات الرواية، وليس لسان حال الكاتب، يختفي الكاتب في ثوبه، ويجعله يقول ما يريد قوله، وبوصفه شخصية من شخصيات الرواية، أخذ بعدًا خاصًا به ككل الشخصيات الروائية، وساهم في التأثير علينا كمُروى لنا. لهذا سيضع تحليلنا البنيوي في اعتباره هذا البعد الخاص من بين أبعاد أخرى تشكل هوية كل شخصية روائية، وبكلام آخر الأهمية السردية –أهمية الروي أليسه راويًا؟- التي لا تنفصل هنا عن الأهمية الحدثية، لأنه فاعل للروي وفاعل للفعل، فنجمع بين غريماس وبروب، على اعتبار أن موسم الهجرة من الشمال نصًا حديثًا (رواية) ونصًا قديمًا (حكاية)، وهذه ناحية أخرى من نواحي النقد لا تتعلق بتحليلنا.

بناء على ما سبق، باعتبار أن الراوي شخصية من الشخصيات ذات أبعاد خاصة بها، سيكون في قلب الأفعال فاعلاً لها ومشاركًا فيها وبالتالي مؤثرًا فينا تبعًا لدوافع نفصلها كالتالي: بعد أن يعلن الراوي عن غرق م. س.(7)، مع أنه "يجيد السباحة" (ص 49)، يشككنا في غرقه، فنحسب أنه اختفى كي يذهب إلى "جبل آخر" (ص 28)، حسب تعبير لم. س. نفسه، يحط عنده الرحال، ويبدأ فصلاً آخر من فصول مغامراته، ومن هنا دافع الريبة، وبعد أن يقرن الراوي غياب م. س. ب "ليلة قائظة من ليالي شهر يوليو" (ص 49)، أي في الصيف الساخن بينما هو "جنوب يحن إلى الشمال والصقيع" (ص 34)، يتركنا ساهمين، ومن هنا دافع الغرابة، وكذلك بعد أن يقرن الراوي هذا الغياب بفيضان النيل "وكان النيل قد فاض ذلك العام أحد فيضاناته التي تحدث مرة كل عشرين أو ثلاثين عامًا" (ص 49)، يجعلنا نتساءل، ومن هنا دافع اللاعادية، حيث تصبح هذه الفيضانات "أساطير يحدث بها الآباء أبناءهم" (ص 49)، ليصبح م. س. في القرية –كما كان في لندن- التعبير عن كل هذا بنيويًا، وليأتي اختفاؤه تسويغًا للاعادية في حدث سيصبح من ذاكرة أهل القرية وخيالاتهم التي لن تتأخر عن إسباغ نهاية أو بداية لكل هذا عندما نقرأ: "أخلدوا إلى الرأي أنه لا بد قد مات غرقًا، وأن جثمانه قد استقر في بطون التماسيح التي يغص بها الماء في تلك المنطقة" (ص 50)، علمًا بأن هناك "جثثًا حملها الموج إلى الشاطئ... لم تكن بينها جثة مصطفى سعيد" (ص 50)، أي أن التماسيح قد اختارت ألذ جثة لأسنانها، ألا وهي جثة م. س.، هي دون غيرها، ويا للعجب! دافع الغرابة مرة ثانية. من هنا، يؤكد الراوي على اختفاء لاعادي، وموت لاعادي، ورأي لأهل القرية لاعادي، لتأكيد بالتالي أن: "مصطفى سعيد لم يحدث إطلاقًا، وأنه فعلاً أكذوبة أو طيف أو حلم أو كابوس ألم بأهل القرية تلك ذات ليلة داكنة خانقة، ولما فتحوا أعينهم مع ضوء الشمس لم يروه" (ص 50)، وهو رأي للراوي لاعادي، دافع اللاعادية دومًا، لأن م. س.، وحسب النص، لم يفعل ما هو مشين للقرية، إذن لماذا يصبح كابوسًا لها؟ دافع الريبة من جديد. إن الراوي، كفاعل وكمشارك وكمؤثر، وبكل بساطة كشخصية روائية، لا يفعل سوى أن يقوم بدوره، من خلال كل هذه الإرهاصات، التي هي إرهاصاته بشكل من الأشكال، وذلك للإجابة على السؤال التالي: "هل كان من المحتمل أن يحدث لي ما حدث لمصطفى سعيد؟ قال أكذوبة، فهل أنا أيضًا أكذوبة؟" (ص 52). لندخل، عن طريق مباشر، في كنه تصوره الأخلاقي الأحادي للعالم، هذا التصور الخاص بسلسلة أفعاله ومواقفه كما سنرى، ولنكتشف تأرجحه بين صورة نقض ساذجة لم. س. أو منطبقة.

صورة نقض ساذجة لمصطفى سعيد
بينما كان "الشمال" لم. س. يمثل "البلاد التي تموت من البرد حيتانها" أو "السراب البارد"، كما نفضل القول، يصبح "الشمال"، في حالة الراوي، شمالاً تأتي منه النسمات المنعشة المزيجة من رائحة الأرض والشجر: "... فمضيت أتسكع في شوارع البلد الضيقة المتعرجة، تلامس وجهي نسمات الليل الباردة التي تهب من الشمال محملة بالندى، محملة برائحة زهور الطلح وروث البهائم ورائحة الأرض التي رويت لتوها بالماء بعد ظمأ أيام، ورائحة قناديل الذرة في منتصف نضجها، وعبر أشجار الليمون" (ص 50-51). صحيح أن أزقة البلد الضيقة المتعرجة تذكر بأزقة لندن، واختلاط الروائح فيها، وإن اختلفت، هي ذاتها في العاصمة الإنجليزية، أي أن هناك صورة واحدة لمكانين مختلفين، لكن الموقف منها هو الأهم، والموقف، في حالة الراوي، هو موقف دومًا أخلاقي أحادي، أمام الموقف اللاأخلاقي والأحادي لم. س.، فها هو عندما "يمر ببيت ود الريس... يسمع زوجته تصرخ باللذة، ويحس بالخجل لأنه اطلع على أمر لم يكن من حقه أن يطلع عليه" (ص 51). وكذلك "لم يكن يحق له أن يظل يقظًا يتسكع في شوارع البلد، وبقية الناس في أسرّتهم" (ص 51). إنه ينطلق من موقف يبدو معارضًا لعادات أهل البلد وتقاليدهم (تسكعه، سماعه لصراخ اللذة، يقظته في الليل دون الناس) ولكنه يجعل من أثر هذه العادات والتقاليد أثرًا وجوديًا، فينوء بعبئها، لينتهي التعارض بين موقفه منها وموقفه فيها، بينما ظل عليها م. س. خارجًا، حتى ما بعد عودته، وهذا ما يفسر اختفاءه.

في التحليل البنيوي، شخصية الراوي وشخصية م. س. هما بالأحرى علاقتان حسب تودوروف، الأول علاقة ما هو أخلاقي في النص، والثاني ما هو لاأخلاقي، فتنتزع عنهما الصفة الأحادية التي هي موقف من الموقف، موقف الناقد بفكره العلمي من موقف المؤلف بفكره المثالي. لهذا سننظر إلى الشخصيتين كعلاقتين، أو، وهما في قلب الفعل، وسنحللهما دون فكرة مسبقة وحكم مسبق. بناء على هذه النظرة المنهجية إلى الشخصية كعلاقة، يربط الراوي إحساسه بالخجل الذي "اعتراه حين سمع مناغاة ود الريس مع زوجته... (ب) تلك الصورة التي رسمها مصطفى سعيد... فخذان بيضاوان مفتوحتان" (ص 52)، أي أن تلك صورة "رذيلة" لم. س.، وما حدث للراوي كان صدفة. ومن ناحية أخرى، يحاول أن يُظهر نفسه مرتبطًا بجده ارتباطًا كليًا، وهذا هو المستوى الأعظم للموقف الأخلاقي، على عكس م. س. الذي يرى السر في "البساطة"، وذلك لما "يصل عند بيت جده، فيسمعه يتلو أوراده استعدادًا لصلاة الصبح. ألا ينام أبدًا؟ صوت جدي يصلي، كان آخر صوت أسمعه قبل أن أنام، وأول صوت أسمعه حين أستيقظ" (ص 52)، بمعنى أنه هو أيضًا، كجده، "لا ينام أبدًا"، وإلا كيف عرف بذلك؟ إنه الراوي، ولكنه الشخصية الحية، وكأن الروي هذا شرطه.

ويبتعد الراوي كعلاقة أكثر عندما يقول عن جده: «وهو على هذه الحال لا أدري كم من السنين، كأنه شيء ثابت وسط عالم متحرك» (ص 52)، أي أن الجد الضمير، والراوي البصيرة، البصيرة متحركة، والضمير ثابت، حتى أن البلد يصبح له صورة: «البلد الآن ليس معلقًا بين السماء والأرض، ولكنه ثابت، البيوت ثابتة» (ص 52) أي بعد لا ارتباط البلد بشيء (معلق بين الأرض والسماء) "يثبت" كالضمير الذي لا يتزعزع، فينقلنا بذلك من موقف لاحقيقي إلى موقف لاحقيقي، وكل ذلك ليبالغ من "أصالة" البلد، ومن "أصالته" مقابل "عدم أصالة" م. س.، وخاصة عندما يتساءل: "قال إنه أكذوبة، فهل أنا أيضًا أكذوبة؟" (ص 52). ليجيب الجواب القاطع: "إنني من هنا" (ص 52). وإذا ما اعترف دون أن يقصد بأنه "عاش معهم على السطح لا يحبهم ولا يكرههم" (ص 52)، نجده يضيف بشكل "قاطع" «كنت أطوي ضلوعي على هذه القرية الصغيرة، أراها بعين خيالي أينما التفت» (ص 52-53)، فها هو ينقلها معه، كشخصية، كعلاقة، أو فيه، ليلغي أنه "عاش معهم على السطح" (ص 52)، وليقول لنا أنا علاقة مزدوجة، أما م. س.، فعلاقة مفردة، يرى القرية بعين خياله بطريقة تختلف عن طريقته، والمقصود، بالطبع، تأكيد ازدواج العلاقة لديه، وبالتالي اختلافه عنه. ومن منطلق الاختلاف بين الراوي وم. س. تبدأ جملة من التبريرات العلائقية:

1- منطق التبرير فيما يخص غربته عن القرية
«أحيانًا في أشهر الصيف في لندن، إثر هطلة مطر، كنت أشم رائحتها. في لحظات خاطفة قبيل المغيب كنت أراها، في أخريات الليل، كانت الأصوات الأجنبية تصل إلى أذني كأنها أصوات أهلي هنا» (ص 53).

2- منطق التبرير فيما يخص دراسته
«صحيح أنني درست الشعر، بيد أن هذا لا يعني شيئًا. كان من الممكن أن أدرس الهندسة أو الزراعة أو الطب. كلها وسائل لكسب العيش» (ص 53).

3- منطق التبرير فيما يخص أصله وفصله
«الوجوه هناك، كنت أتخيلها، قمحية أو سوداء، فتبدو وجوهًا لقوم أعرفهم، هناك مثل هنا، ليس أحسن ولا أسوأ. ولكنني من هنا، كما أن النخلة القائمة في فناء دارنا نبتت في دارنا، ولم تنبت في دار غيرها» (ص 53).

4- منطق التبرير فيما يخص الاستعمار ومصيره
«وكونهم جاءوا إلى ديارنا، لا أدري لماذا، هل معنى ذلك أن نسمم حاضرنا ومستقبلنا؟ إنهم سيخرجون من بلادنا إن عاجلاً أم آجلاً كما خرج قوم كثيرون عبر التاريخ في بلاد كثيرة» (ص53).

في الأمثلة السابقة، التبريرات العلائقية تأخذ منحى أهم من الشخصيتين م. س. والراوي، وذلك من خلال المسند اليه، القرية وأهل القرية، بشكل مباشر أو غير مباشر، والمرعب في الفقرة الأخيرة أن الراوي كمسند "لا يدري لماذا جاء المستعمرون إلى بلاده"، وأنه يرمي بهاجس الحرية، الذي هو هاجس مصيري وتاريخي، على تبعة السؤال الساذج واللاتاريخي: "هل معنى ذلك أن نسمم حاضرنا ومستقبلنا؟" ويؤكد خروج المستعمرين الحتمي، ولكن "القدري"، أي، فيما معناه، لنرض بهم، وبمصيرنا البائس الحالي، لأنهم في الغد، وبقدرة قادر، سيخرجون (كذا)، من خلال منطق لاتاريخي، ووعي مثالي للعلاقة المعقدة القائمة بين مستعمِر ومستعمَر، بين مستغِل ومستغَل، بين قامع ومقموع، حيث يتحول التاريخ إلى تسوية إرث ما بين طرفين دون إحساس بالذنب ولا بالجميل: "سكك الحديد والبواخر والمستشفيات والمصانع والمدارس ستكون لنا، وسنتحدث لغتهم دون إحساس بالذنب ولا إحساس بالجميل. سنكون كما نحن، قوم عاديون، وإن كنا أكاذيب من صنع أنفسنا" (ص 53).

إنه منطق سكوني (سنكون كما نحن) يرى "أننا كنا أكاذيب من صنع أنفسنا" (التعميم للطيب صالح وقد أخذ دور الراوي فانتهى هذا كعلاقة مؤقتًا)، أي إلقاء كل شيء على تبعة الذات لا الوسط الخصوصي ولا الظرف السياسي والشرط الاجتماعي وكل باقي العوامل الموضوعية التي هي الحاسمة في تشكيل النفس و "صنعها". وهذه ليست مرحلة من مراحل وعي الراوي، كما يمكن أن يتصور البعض، بل حالة ثبات للاوعي حتى آخر الرواية، حالة ثبات للمحاور الدلالية، يحددها رولان بارت بالإبلاغ، بالرغبة (أو بالبحث)، بالاختبار (أو بالتجرية). الإبلاغ في "ستكون لنا" لن يتم، لأنه يعنى القعود عن فعل أي شيء، والرغبة في ما "سيكون لنا" لن تُشبع، لأنها تتوقف على المستقبل، والاختبار في "كنا أكاذيب من صنع أنفسنا" ينم عن تجربة ليست أكيدة بسبب شَرطيتها (وإن).

الصورة المنطبقة
تنطبق العلاقة م. س. كصورة على العلاقة الراوي كصورة من وقت إلى آخر، ويعبر الراوي عن ذلك بالقول: "مات مصطفى سعيد منذ عامين، ولكنني ما أفتأ أقابله من حين إلى آخر. لقد عشت خمسة وعشرين عامًا، وأنا لم أسمع به، ولم أره. ثم، هكذا فجأة أجده في مكان لا يوجد فيه أمثاله. وإذا بمصطفى سعيد رغم إرادتي، جزء من عالمي، فكرة في ذهني، طيف لا يريد أن يمضي في حال سبيله" (ص 53-54). إذن اللقاء هنا انطباق، وهو انطباق نموذجي في دلالاته، فم. س. يشكل جزءًا من عالم الراوي وذهنه رغم إرادته، أي أن الراوي عبارة عن علاقة مفتوحة لم. س.، ويأخذ اللقاء هنا شكل المطاردة، كالقرية للراوي عندما كان في لندن، إنه هاجس نفسي عميق، وفي الوقت ذاته، عالم قائم، إي أن انتحار م. س. أو غرقه غير حقيقيين. لكن الملفت للنظر لسانيًا، امتلاء الراوي بم. س.، وإلا ما معنى الانطباق، والانطباق علاقة بنيوية تملأ الأخرى، وفي نهاية المطاف، بنية تملأ بنية، وذلك حسب قواعد ثلاث برأي رولان بارت: الإبدال، التعدد، العجز.

يحاول الراوي أن يبقي على الانطباق ناقصًا ليتواصل دون أن يكتمل، من خلال الإبدال داخل بنيته، إبدال م. س. بم. س. آخر، فيسقط في الشك: "وإذا إحساس بعيد بالخوف، بأنه من الجائز ألا تكون البساطة هي كل شيء. مصطفى سعيد قال إن جدي يعرف السر. الشجرة تنمو ببساطة، وجدك عاش، وسيموت ببساطة. هكذا، لكن هب أنه كان يسخر من بساطتي؟" (ص 54).

الشك عنصر محوّل في بنية الراوي، ولكن إلى أين سيؤدي كعنصر فكري؟ هذا هو الأهم. وهل سيقلب رأسًا على عقب الاستنتاجات السابقة التي توصلنا إليها؟ إنه يعتبر نفسه "بسيطًا"، ولكنه ليس واثقًا، إذ يقول "من الجائز ألا تكون البساطة هي كل شيء"، وهذا شيء جيد، ثم لا يلبث أن يلغي الشك، ويدخل في العجز عن طريق صورة مكررة لم. س. يرسمها للراوي موظف متقاعد يلتقيه في القطار، صورة "غير عادية" (ص 55) عن م. س. "النابغة" (ص 55) "المعجزة" (ص 55) من له فعل السحر على الأشياء والناس والزمان، شخصية فوق الطبيعة وفوق العلم، صورة مكررة ولكن من زاوية جديدة ليكون التعدد للصورة الواحدة، فتكون النتيجة غير ما يوده الراوي، إذ كما قال م. س. البساطة هي كل شيء، والسخرية في شأنها كانت أبعد ما يكون عنه: على الانطباق أن يكون كاملاً.

إن ولع الراوي بكل ما له علاقة بم. س. (كنا على وشك القول بكل ما له علاقة بالعلاقة دعمًا لتحليلنا) وإصغاءه الشديد للحكايا التي عنه يدخلانه في حالة من العجز، فيسعى إلى مكان مريح إلى جانبه: «وصمت الرجل برهة، فأحسست برغبة شديدة في أن أقول إنني أعرف مصطفى سعيد، وإن الظروف ألقت بي في طريقه، فقص عليّ، ذات ليلة مظلمة قائظة، قصة حياته، وإنه قضى آخر أيامه في قرية مغمورة الذكر عند منحنى النيل، وإنه مات غرقًا، وربما انتحارًا، وجعلني أنا دون سائر الناس وصيًا على ولديه» (ص 56).

لنلاحظ الجملة الأخيرة: "وجعلني أنا دون سائر الناس وصيًا على ولديه"، لنؤكد الأهمية التي يسبغها الراوي على نفسه من موقعه إلى جانب م. س.، وكأنه م. س. ثان (التعدد). وبينما هو هنا جزء من عالم م. س.، كان م. س.، في بداية هذا الفصل، جزءًا من عالم الراوي (الإبدال)، لكن في البنية التي تجمعهما لم يعد هناك انطباق لصورتين ولعالمين، بل صورة لشخص واحد ولعالم واحد تخضع إحداهما للأخرى (العجز)، نوع من الطباق لغويًا. وسؤال الشاب السوداني الذي يحاضر في الجامعة له حين أزال الصورة الزائفة التي رسمها لم. س.: "هل أنت ابنه؟" (ص 60)، هذا السؤال يؤكد التماهي بين الشخصين (الإبدال)، حتى ولو بقي التعبير عن ذلك دون تفسير غير طيف يعرض للراوي(التعدد): "وفي الخرطوم أيضًا عرض لي طيف مصطفى سعيد بعد محادثتي مع المأمور المتقاعد بأقل من شهر كأنه جِن أطلق من سجنه، سيظل، بعد ذلك، يوسوس في آذان البشر ليقول ماذا؟ لا أدري!" (ص 58). بالطبع، لا يدري (العجز).

ورغم ذهابه إلى الطبيعة، إلى الحقيقة: "وتذكرت أيضًا أنني حين خرجت من بيت مصطفى سعيد تلك الليلة، كان القمر الماحق قد ارتفع مقدار قامة الرجل في الأفق الشرقي... " (ص 58)، أي رغم خروجه من الصورة، فهو لا يستطيع أن يخلص من أثر "الوهم" المعادل لم. س. عليه، لا يستطيع أن يخلص منه كعلاقة: "... كان القمر الماحق قد ارتفع مقدار قامة الرجل في الأفق الشرقي، وإنني قلت في نفسي إن القمر مقلم الأظافر. لا أدري لماذا خيل لي أن القمر مقلم الأظافر؟" (ص 58). هو لا يدري لمطاردة الوهم له، أو العجز، والمعبر عنه بصورة القمر اللاعادية السابقة المعبرة عن الإبدال والتعدد.

عبر المحاور الثلاثة، تعدد إبدال عجز، تنبني شخصية الراوي و شخصية م. س. وكأنهما شخصية واحدة، فهاتان الشخصيتان تخوضان غمار الروي من حدث إلى حدث، ومن فعل إلى فعل، وتتحددان بمشاركتهما في الفعل والحدث، في الوصف والتذكر. عندما يتذكر الراوي ما قاله م. س.: "إن القاضي قبل أن يصدر عليه الحكم في الأولد بيلي قال له: إنك يا مستر مصطفى سعيد، رغم تفوقك العلمي، رجل غبي! إن في تكوينك الروحي بقعة مظلمة، لذلك، فإنك قد بددت أنبل طاقة يمنحها الله للناس: طاقة الحب" (ص 58). عندما يتذكر يمارس التذكر ليفهم التفوق العلمي لم. س.، وليربطه بطاقة الحب التي لديه، وما "نقض" غباء م. س. بذكاء الراوي، أو البقعة المظلمة في تكوين الأول الروحي بالبقعة المضيئة في تكون الثاني الروحي، هذا "النقض" ما هو سوى التعبير عن الوصول إلى "نقاء" الصورة وانطباق محاورها الثلاثة، إبدال تعدد عجز، فكأنها محور واحد خارج حدود الزمان والمكان، تصبح الأشياء فيه غير حقيقية، والناس كلهم، وليس الراوي فقط، صورة لم. س.: "هكذا في لحظة خارج حدود الزمان والمكان، تبدو له الأشياء، هو الآخر، غير حقيقية، يبدو له كل شيء محتملاً. هو أيضًا قد يكون ابن مصطفى سعيد أو أخاه أو ابن عمه" (ص 60).

نمطان من التفكير المثالي
يحاول الراوي، من خلال تبادلية بين الاختلاف والانطباق، أن يأتي بنمطين من التفكير، محورهما، بالطبع، م. س.، أحدهما لسوداني وآخر لإنجليزي، معتبرًا أنهما "كانا يقولان كلامًا مثل هذا، ويضحكان على مرمى حجر من خط الاستواء، تفصل بينهما هوة تاريخية ليس لها قرار" (ص 64). الاستشهاد السابق، وإن أوحى "برفع الكلفة" بين السوداني الأسود والإنجليزي الأبيض، وبالموقع الواحد، أي بالانطباق من ناحية، ثم بالاختلاف من ناحية، عندما قال "تفصل بينهما هوة تاريخية ليس لها قرار"، في الواقع، ليست هناك أدنى هوة سيميائيًا تفصل بين الاثنين المعبرين عن نمطين من التفكير المثالي. يعطي "السوداني" صورة زائفة لم. س. ودومًا من خلال لغة التهويل السائدة: "مصطفى سعيد كان أول سوداني تزوج بإنجليزية، بل إنه كان أول سوداني تزوج بأوروبية إطلاقًا. أظن أنكم لم تسمعوا به، فقد نزح منذ زمن، تزوج في إنجلترا، وتجنس بالجنسية الإنجليزية. غريب أن أحدًا هنا لا يذكره، مع أنه قام بدور خطير في مؤامرات الإنجليز في السودان في أواخر الثلاثينات. إنه أخلص أعوانهم. وقد استخدمته وزارة الخارجية البريطانية في سفارات مريبة في الشرق الأوسط، وكان من سكرتيري المؤتمر الذي انعقد في لندن سنة 1936. إنه الآن مليونير، يعيش كاللوردات في الريف الإنجليزي" (ص 59). ينفي الراوي، بالطبع، هذه الصورة الزائفة، عندما يرسم صورة لم. س. في القرية، ولكن الأهم من هذا ما يقوله "الإنجليزي" فيه: "وهنا تدخّل الرجل الإنجليزي، وقال إنه لا يدري صحة ما قيل عن الدور الذي لعبه مصطفى سعيد في مؤامرات السياسة الإنجليزية في السودان، الذي يعلمه أن مصطفى سعيد لم يكن اقتصاديًا يركن إليه" (ص 61). صحيح هناك اختلاف بين الرأي الأول والرأي الثاني، بينما هناك "انطباق" عندما ننتقل من صورة للسياسة زائفة لم. س. (رسمها السوداني) إلى صورة للاقتصاد زائفة لم. س. (رسمها الإنجليزي): "كان ينتمي إلى مدرسة الاقتصاديين الفابيانيين الذين يختفون وراء ستار التعميم هروبًا من مواجهة الحقائق المدعمة بالأرقام" (ص 61).

ومقابل الصورة الاجتماعية الزائفة لم. س. (رسمها السوداني) من عين السوداني للإنجليزي: "أول سوداني تزوج بإنجليزية... إلخ" (ص 59)، لدينا صورة اجتماعية أخرى زائفة لنفس الشخصية (رسمها الإنجليزي) ولكن من عين الإنجليزي للسوداني: "يظهر أنه زير نساء. خلق أسطورة من نوع ما. الرجل الأسود الوسيم المدلل في الأوساط البوهيمية. كان، كما يبدو، واجهة يعرضها أفراد الطبقة الأرستقراطية الذين كانوا في العشرينات وأوائل الثلاثينات يتظاهرون بالتحرر. يقال إنه كان صديقًا للورد فلان ولورد علان. وكان أيضًا من الأثيرين عند اليسار الإنجليزي... إلخ" (ص 62).

للخلط في الصورة هدف سيميائي، فم. س. عبارة عن خطوط متقاطعة بين البوهيمي والأرستقراطي واليساري واليميني، وهو في كل هذا :واجهة للتحرر" لا غير. لكن من الملاحظ على مستوى نظام الشخصيتين توافقهما في الاختلاف، وبالتالي توافقهما في الانطباق الذي يصل الراوي إليه ضمنيًا داخل رحم الروي، ويترك الإنجليزي يتجول فيه، ذاهبًا من رأي حول م. س.: "لو أنه تفرغ للعلم لوجد أصدقاء حقيقيين من جميع الأجناس، ولكنتم قد سمعتم به هنا. كان قطعًا سيعود، وينفع بعلمه هذا البلد الذي تتحكم فيه الخرافات" (ص 62)، إلى رأي حول البلد وأهله: "ها أنتم تؤمنون بخرافات من نوع جديد، خرافة التصنيع، خرافة التأمين، خرافة الوحدة العربية، خرافة الوحدة الإفريقية. أنكم كالأطفال تؤمنون أن في جوف الأرض كنزًا ستحصلون عليه بمعجزة، ستحلون جميع مشاكلكم، وتقيمون فردوسًا. أوهام. أحلام يقظة. عن طريق الحقائق والأرقام والإحصائيات، يمكن أن تقبلوا واقعكم، وتتعايشوا معه، وتحاولا التغيير في حدود طاقاتكم" (ص 63).

ودائمًا ضمنيًا في "التمنطق" السيميائي السابق يرمي الراوي إلى الانطباق، وبكلام آخر إلى التشابه، بينه كبنية وبين م. س. كبنية، بينه كعلاقة وبين م. س. كعلاقة، بينه كصورة وبين م. س. كصورة، في عرضه للاختلاف، للتباين، ودون أن يشاء إلى إبراز ما هو سلبي في دلالاته: عدا عن الخلط بين ما هو خرافات وأوهام وطلاسم وبين ما هو آمال قومية ومطامح سياسية واجتماعية هناك دعوة لاعلمية -رغم أن القائل يدعو إلى التفرغ للعلم- إلى ما يسميه "الحقائق والأرقام والإحصائيات"، وكأنه يريد أن يقول للسودانيين: كونوا واقعيين وارضوا بما أنتم عليه وبما يمكنكم فعله "في حدود طاقاتكم" التي هي محدودة أساسًا. وبالطبع، سينبري السوداني، بنفس الطريقة واللغة، مفندًا آراء الإنجليزي، بينما يخلد الراوي إلى أفكاره قائلاً: "ما جدوى النقاش؟ هذا الرجل –رتشارد- هو الآخر متعصب. كل أحد متعصب بطريقة أو بالأخرى. لعلنا نؤمن بالخرافات التي ذكرها، ولكنه يؤمن بخرافة جديدة، خرافة عصرية، هي خرافة الإحصائيات" (ص 63).

وهكذا ينقلب تحليل العلاقات بين مستعمِر ومستعمَر بين مستغِل ومستغَل بين قوي وضعيف إلى نوع من التعصب وإلى تلاعب بالكلام، وأي كلام كان، وبدلاً من تحديد العوامل نجدنا نسقط في تعميم المواقف: المنطق اللاعلمي لهذه المواقف، والتصور الأخلاقي في الاقتصاد السياسي، والاختلاف المثالي في الانطباق البنيوي، وكل ذلك على مستوى الحشو وثرثرة "مثقفين" فيما بينهم.

الثنائية الأخلاقية المهيمنة
يلعب الراوي دورًا أساسيًا كمرسل للروي في بنية موسم الهجرة إلى الشمال، وم. س. إذا كان البطل الأساسي للرواية، فبفضل الراوي بدوره الأساسي كمرسل للروي كما قلنا، وكمُضَمِّن للخطاب، كل ما قيل في م. س.، كل ما قاله م. س.، يرقى إلى المستوى الثاني للتأويل بفضل كلام الراوي، وما يتضمنه من إشارات وعلامات وصور ومعلومات، المحاور الكلامية كالمحاور الفكرية كالمحاور الجمالية، باختصار كل منطق الروي الذي هو المنطق الروائي. ومن منطق التقسيم المثالي: شرق/غرب، خير/شر، صالح/طالح، طيب/سيء، أو التوفيق المثالي بين شرق وغرب، خير وشر، صالح وطالح، طيب وسيء... إلخ، يأخذ الراوي بعرض فلسفته عن الكون والحياة: "الدنيا تسير باختيارنا أو رغم أنوفنا" (ص 65) "وأنا كملايين البشر، أسير، أتحرك، بحكم العادة في الغالب، في قافلة طويلة تصعد وتنزل، تحط وترجل. والحياة في هذه القافلة ليست كلها شرًا" (ص 65).

إذن، أول ما يوحي التضمين الخطابي أن هناك عملية "صعود ونزول" أو تحرك بينهما وفق العادة فحسب، أي بشكل ميكانيكي، وفي قافلة طويلة ليست الحياة فيها شرًا كاملاً ولا خيرًا كاملاً، هي جمع بين الاثنين حتى وإن انقسمت ما بينهما. هناك من يختار وهناك من لا يختار: "بعضنا يصلي جماعة وراء الشيخ، وبعضنا يتحلق حلقات يرقص ويغني ويصفق" (ص 65-66). أي ما بين غير مُفحش ومُفحش! وتصبح للطبيعة الصفة الأخلاقية الثنائية المهيمنة: أبيض وأسود "وحين يبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود نقول... إلخ" (ص 66) حر وبرد أو فجر وليل: "أشباح الليل تتبخر مع الفجر، وحمى النهار تبرد مع نسيم الليل" (ص 66) جنوب وشمال أو غرب وشرق: "النهر بعد أن كان يجري من الجنوب إلى الشمال ينحني فجأة في زاوية تكاد مستقيمة، ويجري من الغرب إلى الشرق" (ص 66)... إلخ.

يتلقى المرسل إليه الروي، أي القارئ، الرسالة التي يتضمنها، أي الرواية، من المرسل، أي الراوي، فيفهم كل هذا، ربما، ولكن لم يكن قصد الراوي أن يفهم القارئ كل هذا كما تم عرضي له. في الواقع، الراوي طرف في لعبة الكلام، وليس كل الأطراف. يحصل أن يكون الراوي كل الأطراف في الكتب المقدسة، لكن موسم الهجرة إلى الشمال ليست كتابًا مقدسًا. قلنا إنه بنية وإنه علاقة وإنه صورة، ونقول إنه موضوع فلسفي وأخلاقي، ودون أن يعرف ما يشي به رويه، كلامه بعبارة أخرى، بكونه مطارَدًا بثنائية أخلاقية، من داخل الصفة الواقعية التي له. أما م. س.، فالثنائية الأخلاقية تطارده من داخل الصفة الميتافيزيقية التي له، -هو كلي الوجود كما رأينا- وذلك عندما أمكنه أن يصبح في أي مكان وفي أي واحد من البشر، ومع هذا، يحاول الراوي نفيه من فكره، ليس بإرادته على نفسه بل بإرادة الروي عليه: "لكن أرجو ألا يتبادر إلى أذهانكم، يا سادتي، أن مصطفى سعيد أصبح هوسًا يلازمني في حلي وترحالي" (ص 65). هو ينفيه من فكره أو في فكره، ولكنه يبقى موجودًا في مكان آخر داخل هذا الفكر أو خارجه، يبقى موجودًا في الروي.

في الواقع –يقول رولان بارت- ليس المشكل أن نستبطن أسباب الراوي ولا التأثيرات التي يلحقها الروي بالقارئ، يجب وصف الكود الذي عَبره يستدل عليه الراوي والقارئ طوال الرواية نفسها. عبر الكود الذي هو م. س. نستدل على أنه كلي العلم رغم غيابه: "إنني أترك زوجتي وولديّ وكل ما لي من متاع الدنيا في ذمتك، وأنا أعلم أنك ستكون أمينًا على كل شيء" (ص 69). ها هو يعلم كل شيء مسبقًا. وهو كامن في المستقبل مع أنه صار ماضيًا، إذ أنه، حسب أهل القرية، مات غرقًا، وما طلبه إلى الراوي الاهتمام بزوجه وولديه إلا محض شكليات، أولاً لأن الراوي وم. س. كليهما واحد، وثانيًا لأن ما يقوله م. س. سوف يقع: لا يريد لولديه أن يسافرا كما فعل، وأن ينشآ نشأة غير عادية كنشأته: "جَنِّبْهُما مشقة السفر، وساعدهما أن ينشآ نشأة عادية، ويعملا عملاً مفيدًا" (ص 69). وعندما نتساءل كيف؟ فلا بد أن يأتينا عبر الكود الجواب المثالي التالي: "إذا نشآ مشبعين بهواء هذا البلد وروائحه وألوانه وتاريخه ووجود أهله وذكريات فيضاناته وحصاداته... إلخ" (ص 70)، وكأن كل مسافر سيتنكر لكل هذا، وكأن كل هذا هو شرط للنشأة "العادية". إنها فكرة مكررة على طول الرواية تؤرق الراوي، وتبعث على الأرق، صورة للكود الذي هو الراوي الآن ثنائية للعادي واللاعادي، للرثاء والبطولة (ص 70)، للبقاء والذهاب (ص 70)، للرحيل والاستقرار: "ذاك النداء البعيد لا يزال يتردد في أذني، وقد ظننت أن حياتي وزواجي هنا سيسكّنانه" (ص 70). ومن موقع "الكل العالِم"، يقول الكود الذي هو م. س.: "إنني أعرف بعقلي ما يجب فعله، الأمر الذي جربته في هذه القرية، مع هؤلاء القوم السعداء" (ص 71). هل حقًا هم سعداء؟ هؤلاء الكود الذين هم أهل القرية البائسة النائية على ضفة النيل؟ وكيف هم سعداء؟ وما معنى السعادة هنا؟ هذه الفكرة التي كان يرددها المستعمرون والتي تقول لفهم الكود المعني هنا، أهل القرية، والوقوف عليه من كل جوانبه: أتركوهم في حالهم الذي اعتادوه، إي في بؤسهم، فهم لا حاجة بهم إلى "التقدم"، إنهم سعداء في هذا الوضع، و "الحضارة" سوف تقلقهم وتقض مضاجعهم! ومن خارج الكود –وما ذلك إلا للعودة إلى داخله- هي الفكرة التي دافع عنها توفيق الحكيم في كل إنتاجاته فيما يخص "الفلاح الفرعوني السعيد"! وأين هم الفلاحون في موسم الهجرة إلى الشمال؟ يراهم الراوي من بعيد ككود كرحالة أو كسائح في باخرة تمخر الماء: "الرجال صدورهم عارية، يلبسون سراويل طويلة، يقطفون أو يزرعون حين تمر بهم الباخرة كقلعة عائمة وسط النيل، يرفعون قاماتهم ويلتفتون إليها برهة ثم يعودون إلى ما كانوا فيه" (ص 66). الباخرة كقلعة، الكود الذي هو متحصن فيها، وهم كبشر سريعي العطب وقد أخذ كود أهل القرية بعده الإنساني، صورة عابرة، وربما الصورة الوحيدة غير المشفرة لهم في الرواية. ومن موقفه كعلاقة أخلاقية أحادية يتساءل: "هل هؤلاء الناس الذين يطلق عليهم "الفلاحون" في الكتب؟ لو قلت لجدي إن الثورات تصنع باسمه والحكومات تقوم وتقعد من أجله لضحك" (ص 68). وككود أصم لا يعطي الجواب الذي من الجدير إعطاءه.

العجز الكودي هنا معبر للغاية، فالراوي عبر هذا العجز يعيد إنتاج نفسه، ليعلم القارئ ما يجهله:

أولاً: جد الراوي ليس من الفلاحين الذين تصنع الثورات باسمهم، إنه يحتل مكانًا على صدر ما نسميه البورجوازية الفلاحية الصغيرة أو المتوسطة، والتي، حسب موقعها هذا، لها مصلحة في ترك الأمور على عواهنها: "كل الذين يفلحون فيه يجيئون إلينا مرة كل عامين أو ثلاثة بجماهيرهم ولواريهم ولافتاتهم يعيش فلان ويسقط فلان. كنا مرتاحين أيام الإنجليز من هذه الدوشة" (ص 68). كمان! إنهم سعداء في هذا الوضع! بينما الانتخابات تعبير عن الديمقراطية. على الأقل، هو لا يفضح "ديمقراطية الأنظمة المشرقية". الكود هنا لا يتجاوز مستواه المرجعي، لهذا كانت المعلومات حوله جافة أرشيفية.

ثانيًا: الراوي لا يحدد الكود الذي هو بصدد استكشافه ويفكك بل يعمم ويحزم: "وبالفعل يمر بنا جمع من الناس على لوري قديم وهم يهتفون: عاش الحزب الوطني الديمقراطي الاشتراكي(8)! هل هؤلاء الناس الذين يطلق عليهم "الفلاحون" في الكتب؟" (ص 68). التعميم هنا واضح، والتحزيم غامض، فتذهب معاني "كالثورة" و "الديمقراطية" و "الاشتراكية" هباء. صحيح هناك اشتراكيون زائفون، ولكن هناك اشتراكيون حقيقيون، كما يقول كود أهل القرية عند تفكيكه وتحديد عناصره، والروي لا يتضمن العلامات الخاصة بكل عنصر، حتى أنه لا يُعنى بمعنى "الحكومة"، منحى وبرنامجًا وتوجهًا واتجاهًا، فيرمي الجميع في سلة واحدة، ويملأها بالكودات، وكل هذا بدافع تلك الثنائية الأخلاقية المثالية المهيمنة، وفي بنية موسم الهجرة إلى الشمال، هذه الثنائية الأخلاقية المثالية المهيمنة هي القوة الدافعة للإبلاغ، كما يقول جاكوبسون.

دور مصطفى سعيد
القديم والجديد والجنس العربي
حسب العالم الألسني بنفنيست، تتحدد اللغة باللفظ، هذا اللفظ ينتج وحدات، هذه الوحدات هي الشكل، والمعنى هو دمج هذه الوحدات في وحدات أعلى منها. إذن ما يقوله الراوي عن م. س.: «مصطفى سعيد كان يحضر الصلوات في المسجد بانتظام. لماذا كان يبالغ في تمثيل ذلك الدور المضحك؟» (ص 68)، هذا القول عبارة عن وحدة لفظية، بدمجها في وحدة أعلى منها، وحدة المعنى، نرى أنه يلقي عليه بكل إرهاصات المذنب "سلبًا" أم "إيجابًا"، ويجعل منه دمية متحركة أو حجرًا في لعبة الروي يقوده كما يشاء ويرضى. وبكلام آخر، عن طريق الإشارات الشكلية يبوح بما لا يُرى من معانٍ، ويلعب لعبة التشويق، بين التوتر والتمدد، توتر الإشارات، وتمدد المعاني، وذلك على مدى الروي، فيتساءل وحده ثم يجيب وحده دون أن يطلب إليه أحد ذلك: "هل جاء إلى هذه القرية النائية يطلب راحة البال؟ لعل الإجابة في تلك الغرفة المستطيلة ذات النوافذ الخضراء. ماذا أتوقع؟ هل أتوقع أن أجده جالسًا على كرسي وحده في الظلام؟ أم أتوقع أن أجده معلقًا من رقبته بحبل يتدلى من السقف؟ والرسالة التي تركها في ظرف مختوم بالشمع الأحمر متى كتبها؟" (ص 69). وحدة الروي التي يقدم الراوي بها م. س. لا تُبدي في إشاراتها الشكلية الدور المضحك لهذا الأخير، لأن م. س. لم يسع إلى دور مضحك في حياته، وإن كان هذا الدور ميكانيكيًا، فالنهاية التي اختارها، ألا وهي الاختفاء الملغز، هي نهاية تراجيدية، وليست ميلودرامية، كما يدعي الراوي: "إذا كان مصطفى سعيد قد اختار النهاية، فإنه يكون قد قام بأعظم عمل ميلودرامي في رواية حياته" (ص 71). إذن بين الوحدة الشكلية الأولى والثانية هناك ما يدعى ألسنيًا عِوَج أو تحرّف أو تفاوت هناك اختلال في التوازن، وهذه هي طريقة تمدد وحدات المعاني على طول الرواية، وبكلام آخر عن طريق الاختلال الشكلي يكون الشكل الروائي، وبالتالي يكون المضمون بما يحويه من معانٍ.

بناء على ما سبق، سنفسر ما يُروى على اعتبار أن كل استشهاد نقدمه هو في حد ذاته وحدة شكلية ووحدة مضمونية عن طريق الإشارات في الأولى نصل إلى المعاني في الثانية، وهذه الطريق في تحرّف واختلال دائم وإلا ما كان التوسع في المعاني والوقوف على المضمون الروائي. إذن، فيما يخص اختفاء م. س. نقول: إن لهذا الاختفاء الملغز، أو الرحيل المفاجئ، معنى حياتيًا، معنى تراجيديًا، وما هو ميلودرامي هنا: الصورة التي يرسمها الراوي عن الرحيل، وليس الرحيل ذاته. الصورة الواحدة في صورتيها الاثنتين (1) جنوبًا (2) وشمالاً. (1) "وإذا كان الاحتمال الآخر هو الصحيح، فإن الطبيعة تكون قد منت عليه بالنهاية التي كان يريدها لنفسه. تصور عز الصيف في شهر يوليو العتيد. النهر اللامبالي فاض كما لم يفض منذ ثلاثين عامًا. الظلام يصهر عناصر الطبيعة جميعًا في عنصر واحد محايد، أقدم من النهر ذاته، وأقل منه اكتراثًا، هكذا يجب أن تكون نهاية هذا البطل" (ص 71). "إنما هل فعلاً النهاية التي كان يبحث عنها؟ لعله كان يريدها في الشمال، الشمال الأقصى، في ليلة جليدية عاصفة، تحت سماء لا نجوم فيها، بين قوم لا يعنيهم أمره، نهاية الغزاة الفاتحين" (ص 71).

ويربط الراوي غياب أو اختفاء أو هرب أو رحيل أو مقتل أو موت (كل هذه الاحتمالات) يربطها بلحظة عدم الحكم على م. س. بالموت حين محاكمته، هذه اللحظة التي اعتبرها مؤامرة ضده من طرف "المحلفين والشهود والمحامين والقضاة (ص 71) ليحرموه من "لذة" الموت التي لقيها أخيرًا في النيل! وكان موقف الكولونيل همند، والد آن همند التي انتحرت بسبب م. س.، أي الممثل للكولونيالية العسكرية، موقفًا مجسدًا لمؤامرة العفو عنه تلك، عندما لم يجزم في أن م. س. قد كان سببًا في انتحار ابنته، فأخذ صورة العدل من ناحية: "هذا هو العدل وأصول اللعب كقوانين الحرب والحياد في الحرب، هذه هي القوة التي تلبس قناع الرحمة" (ص 71)، وأخذ صورة الخير من ناحية ثانية: "حتى الكولونيل همند الذي كنت أتوسم فيه الخير، ذكر زيارتي لهم في الفصول في لفربول، وأنني تركت في نفسه أثرًا حسنًا" (ص 72) بينما المعنى الضمني "للخير" هنا هو "الشر"، فقد كان م. س. يطمع في أن يدينه، وبالتالي، في أن يكون الحكم عليه بالموت. وفيما يخص "عدالة" الكولونيل، لم يكن في قصده ذلك، ولكن ذلك كان في قصد الراوي الذي يفرض على القارئ وجهة نظره، وجهة نظر الروي في امتداده وانحرافه.

إنه يفرض على القارئ وجهات نظره (بصيغة الجمع، فللروي وحداته المضمونية) وتوجهاته (بصيغة الجمع، فللروي وحداته الشكلية)، فها هو، بعد كل ما رواه عن م. س.، يحاول أن ينفي ملاحقته له، وبالتالي ملاحقته للقارئ، أم يظنه حجرًا للروي كم. س. بين أصابعه؟ وها هو بعد كل الرموز "الإيجابية" التي ألصقها بالقرية وأهلها، في محاولة منه لإزالة الوهم عن النفس، يسقط في الوهم، ويُسقط القارئ معه: "هنا تبدأ أشياء، وتنتهي أشياء، ومنطقة صغيرة من هواء بارد رطب يأتي من ناحية النهر، وسط هجير الصحراء، كأنه نصف حقيقة وسط عالم مليء بالأكاذيب. أصوات الناس والطيور والحيوانات تتناهى ضعيفة إلى الأذن كأنها وساوس، وطقطقة مكنة الماء المنتظم تقوي الإحساس بالمستحيل" (ص 73).

ولكن لا بد من مخرج بنيوي أمام الإحساس بالمستحيل، الإحساس بالوهم الذي هو م. س. ذاته كإحساس ملازم للراوي، ودور منشط أو مثبط للوهم، لا بد من مخرج استعاري عن طريق صورة كلاسيكية للنهر الذي يعني الحياة: "والنهر، النهر الذي لولاه لم تكن بداية ولا نهاية، يجري نحو الشمال، لا يلوي على شيء، قد يعترضه جبل، فيتجه شرقًا، وقد تصادفه وهدة من الأرض، فيتجه غربًا، ولكن إن عاجلاً أو آجلاً يستقر في مسيره الحتمي ناحية البحر إلى الشمال" (ص 73). صحيح النهر هنا كصورة كلاسيكية هو الحياة، ولكنه في إشاراته ودلالاته صورة مصطنعة يحكمها "الشمال"، الموقف الأخلاقي الأحادي من العلاقة شرق-غرب، وحتمية التوجه نحو الشمال: صورة تجاور صورة تجاور صورة، صور خَطية (تسير في خط مستقيم كالنهر في مسيره الحتمي) صور خَطية في منطقها.

مقارنة بين «القديم» و«الجديد»
ليس هناك فصل –كما يبدو للوهلة الأولى- بين إشارات "القديم" وإشارات "الجديد"، فكأنها إشارات واحدة تجزأت إلى اثنتين عندما يعود الراوي دون كلل إلى مقارنات مثالية بين "القديم" و "الجديد"، بين "الأصيل" و "الدخيل"، ليس لنقض "القديم" في الحالة الأولى بل لتأكيده، ولا لنقض "الدخيل" في الحالة الثانية بل لتأكيده، وبين "الدخيل" و "القديم" يقيم مدلولاته: "الدنيا لم تتغير بالقدر الذي نظنه، تغيرت أشياء، طلمبات الماء بدل السواقي، محاريث من حديد بدل محاريث الخشب. أصبحنا نرسل بناتنا إلى المدارس. راديوهات. أتومبيلات. تعلمنا شرب الويسكي والبيرة بدل العرقي والمريسة، لكن كل شيء كما كان" (ص 103). إذن، الشكل في دواله فقط ما تغير، أما المضمون، فقد بقي على حاله، وربما كان في الأمر شيء من الحقيقة، وذلك على المستوى الوظيفي، فالوحدات الخاصة "بالجديد" على علاقة بواقع قائم، لكن الراوي لا يبحث عن الأسباب بقدر ما هو مأخوذ بالمسوغات، ولصالح "القديم" المتمثل في جده، وفي كل ما يعود إليه: "وقفت عند باب دار جدي في الصباح، باب ضخم عتيق من خشب الحراز، لا شك أنه استوعب حطب شجرة كاملة، صنعه ود البصير... ولكنه لم يعد يصنع مثل باب بيت جدي، بعد أن اكتشفت الأجيال اللاحقة من أهل البلد أبواب خشب الزان وأبواب الجديد، يجلبونها من أم درمان" (ص 74).

في الاستشهاد السابق، على المستوى الوظيفي دومُا، تُشكل الوحدات الخاصة "بالقديم" كلاً واحدًا لا يمكن فصلها عن بعضها عن طريق الإدخال الوحداتي الخاص "بالجديد" مقارنة بين باب الجد المصنوع من خشب الحراز الغالي والذي يندر وجوده وبين الأبواب المصنوعة من خشب الزان وأبواب الحديد الرخيصة "الحديثة"، وذلك لتأكيده علاقة الجد بما هو غال وأصيل من الشجر، وبالتالي لتثمين علاقته بالأرض حيث تشكل داره جزءًا منها: "هذه الدار الكبيرة ليست من الحجر ولا من الطوب الأحمر، ولكنها من الطين نفسه الذي يزرع فيه القمح، قائمة على أطراف الحقل تمامًا، تكون امتدادًا له" (ص 75).

إنها الصفة الشكلية للروي، المسار الشكلي للروي، في تحرف واختلال دائم، كما سبق لنا القول، ولأجل أن نرى  طرفًا آخر من المضمون في توسعه الدائم: أشياء الجد، أو بالأحرى، ما يمتلكه الجد، ومصطلح الامتلاك في محله بعد أن تبرجز وبنى دارًا "لها غرف كثيرة مختلفة الأحجام، بنيت بعضها لصق بعض في أوقات مختلفة، إما حسب الحاجة إليها أو لأن جدي توفر له شيء من المال لم يجد وسيلة أخرى ينفقه فيها" (ص75). إن أشياء الجد تصبح ميزانًا للغرور أو التواضع، صفة تركيبية للغة قبل أن تكون تعبيرية: "ارتفاع السرير عن الأرض، في زعم جدي، من الغرور، وقصره من التواضع" (ص 75). تصبح استمرارًا لحركة قديمة: "تخيلت جدي جالسًا على فروة صلاته، وفي يده مسبحته من خشب الصندل، تدور في حركة دائبة كقواريس الساقية" (ص 75). تصبح ترمومترًا ضد الطقس: "دار متاهة، باردة في الصيف، دافئة في الشتاء" (ص 75). تصبح إعجازًا ضد الزمن: "إذا نظرت إليها (إلى دار الجد) من الخارج، دون عطف، أحسست بها كيانًا هشًا لن يقوى على البقاء، ولكنها تغالب الزمن بشيء كالمعجزة" (ص 76). وتتكرر الأسطوانة دائمًا عن ارتباط الجد وداره بالحقل: "هذه الدار مصيرها مرتبط بمصير الحقل... " (ص 76). ولكن الزمن هنا يقف، لأنه متوقف على شخصية "البطل الأوحد"، فنحن لا نراه كعلاقة اجتماعية، ولا في علاقاته بغيره من الفلاحين، إننا نراه كعلاقة فوقانية، كحالة فريدة، ومن خلال علاقاته بعدد من الفلاحين المتبرجزين و "المهووسين" كما سنرى، ولغويًا كعلاقة لغوية، كتركيب جُمَلي (من جملة)، لكل جملة عدة اتجاهات يقف عند نهايتها الجد كنقطة التقاء.

يطغى الجد على اختلال الروي، فكأنه الاختلال عينه، وقد أخذ صفته، وغدا الامتداد لما تحمله وحداته من معانٍ، لتصبح أشياؤه ميزانًا بين التقشف والترف: "رائحة تذكرني بتقشف جدي في الخشب، وترفه في لوازم صلاته" (ص 76). تصبح فخارًا ومدعاة للزهو: "وهو يفتخر خاصة بمسبحته لأنها من خشب الصندل، ويداعب حباتها، ويمسح بها وجهه، ويستنشق رائحتها" (ص 76). تصبح تميمة يطرد بها الشيطان: "وكان إذا غضب من أحد أحفاده ضربه بها (بالمسبحة) على رأسه، يقول إن ذلك يطرد الشيطان" (ص 77).

ويصل الراوي عن طريق الوحدات المتجاورة السابقة إلى هذه الخاتمة الأولى: "وهذه الأشياء جميعًا مثل غرف داره، والنخل في حقله، لها تاريخ قصه عليّ جدي مرارًا وتكرارًا، في كل مرة يحذف شيئًا ويضيف شيئًا" (ص 77). في نيته أن يعطي أهمية لتاريخ القرية من خلال جده بينما يقدم تاريخًا خاصًا بجده، تاريخًا "فريدًا" (ص 77) "لكيان عميق" (ص 77) وُجِدَ وقت وُجِدَت الأرض (!)، أي لا تاريخًا. ويصل الراوي عن طريق الوحدات المتجاورة السابقة إلى هذه الخاتمة الثانية: "نحن بمقاييس العالم الصناعي الأوروبي فلاحون فقراء، ولكنني حين أعانق جدي أحس بالغنى كأنني نغمة من دقات قلب الكون" (ص 77).

(1) في "نحن" وكذلك في "هم" (مقاييس العالم الصناعي الأوروبي) تعميم وديماغوجية وسكونية وغباء ذهني للراوي. إنها افتراضات تظل دائرة في الفلك الوظيفي للدوال وليست تأكيدات من طرفنا.

(2) بأي حق يتكلم عن الفلاحين الفقراء، ويعتبر نفسه واحدًا منهم، وهو الموظف الكبير في الحكومة؟ وهو لا موقفًا ولا ممارسة معهم أو منهم. إنها افتراضات تظل دائرة في الفلك الوظيفي للمدلولات وتصاغ على شكل سؤال من طرفنا.

(3) من عملية التسويغ المتبعة، في حالة جده، يريد الراوي القول إن كل غنى جده هذا لا شيء أمام "العالم الصناعي الأوروبي"، إذن، هو، بالنسبة إلى ذلك العالم "فقير" ماديًا، أما روحيًا، فهو "غني"، أغنى من الأوروبيين أنفسهم، وهذا ما يفسر إحساس الراوي بالغنى عند معانقته لجده. لا افتراضات هنا، وإنما استنتاجات من داخل منطق الوحدات الخاصة بالجد، وذلك للتوضيح السردي والتعميق الدلالي. ويصل الراوي عن طريق الوحدات المتجاورة السابقة إلى هذه الخاتمة الثالثة: "إنه (الجد) ليس شجرة سنديان شامخة وارفة الفروع في أرض منت عليها الطبيعة بالماء والخصب، ولكنه كشجيرات السيال في صحارى السودان، سميكة اللحى، حادة الأشواك، تقهر الموت لأنها لا تسرف في الحياة. وهذا وجه العجب! إنه عاش أصيلاً رغم الطاعون والمجاعات والحروب وفساد الحكام" (ص 77).

هنا لا حاجة إلى التوضيح والتعميق وقد أخذ الراوي على عاتقه هذه المهمة بطريقة تفخيمية هذا صحيح، لكنه يقوم بدوره كراوٍ، يروي، خاصة هنا، يكمل ما روى، بل وأكثر، يصوغ. هذا التعبير "فساد الحكام" يتكرر في أكثر من موضع، يعيد صياغته، لا يهم أن يضعه بمعناه الأخلاقي و "فك عتب" لا غير، لأن المسألة ليست مطروحة بالنسبة للراوي على أساس الصراع الاجتماعي وإنما على أساس الروي في تحرفه وامتداده الدائم، ومن خلال هذا الامتداد، الذي هو امتداد في المعنى، في هذا الامتداد المنحرف، يأخذ "الحكام" مكانًا إلى جانب الطاعون والمجاعات والحروب بمعناها التجريدي. وبنفس طريقة التهويل التي "صاغ" فيها م. س.، "يصوغ" جده وكيان جده. في حالة م. س. قدح، كصفة للروي لا أكثر، وفي حالة الجد مدح، كصفة للروي لا أكثر، وفي هذه الحالة ما قصده إلا إعطاء البديل، ولكنه لا يعطي البديل بقدر ما يعطي التسويغ، وفي التسويغ بعض المفارقات "العجيبة". إن وجه العجب، عبارة محببة للراوي، في صورة الجد المكرورة عن "الخير"، فنحن لا نرى فيه إلا ما هو "إيجابي"، ومدعاة ذلك الموقف الذاتاني والأناني للراوي، ذاتاني وأناني كشخصية حية لا كشخصية غير حية، شخصية افتراضية، شخصية "فيكشن"، والقائم على "الزهو"، وهو يأخذ بعدًا شوفينيًا أحيانًا من أبعاد المعنى، أو عنصريًا أحيانًا، فضاءان مضافان هما، بنيويًا، ليسا أساسيين إلا من ناحية علاقتهما بالراوي الشخصية الحية.

الجنس «العربي»
تحت هذا الباب، تسيطر الشخصية غير الحية للراوي، وكأن لدينا راوي الراوي، إنها إرادة مضمون الوظائف التي تجعل من الراوي متفرجًا، وبالتالي ناقلاً للروي، فيرتدي ثوب الطيب صالح، أو الطيب صالح يرتدي ثوبه، فالطيب صالح هو من يرسم الصورة التقليدية "للعربي المنكاح"، ويقدمها بتلذذ واضح، رغم محاولته الميكانيكية لنقضها بصورة تقليدية أخرى "للعربي النقي". الأولى عبرت عنها شخصية ود الريس، والثانية شخصية الجد، وفي كلتا الحالتين بقيت المرأة "جارية" للرجل لا حقوق لها. إن لمن المفترض أن يكون هذا هو وضع المرأة السائد في المرحلة المعبر عنها فنيًا، لكن كل محاولات الراوي (الطيب صالح) في "الدفاع عنها" تذهب سدى، لأنها تبقى رهن عادات وتقاليد المرحلة، بل وجزءًا منها، فيضيع العامل المحفز للروي سدى.

الصورة الأولى "للعربي المنكاح" في حكاية ود الريس: «وبعد، يا حاج أحمد (الجد) أركبت البنت أمامي على الحمار، وهي تفلفص، وتتلوى، وبالقوة جردتها من جميع ثيابها حتى أصبحت عارية كما ولدتها أمها، كانت فرخة عديلة من جواري بحري بلغت توها. النهد يا حاج أحمد كأنه طبنجة، والكفل إذا طوقته بذراعك لا تصل حده. وكانت مدهنة ومدلكة جلدها يلمع في ضو القمر، وعطرها يدوخ العقل، ونزلت بها إلى منطقة رملية وسط الذرة، ولما قمت عليها... إلخ» (ص 78). يتابع الراوي وصفه لود الريس: «وواضح أن ود الريس يدرك ذلك، وقد سمعت أنه كان في شبابه آية في الحسن، وأن قلوب الفتيات كانت تخفق بحبه قبلي وبحري، أعلى النهر وأسفله. كان كثير الزواج والطلاق، لا يعنيه في المرأة أنها امرأة، يأخذهن حيثما اتفق، ويجيب إذا سئل: الفحل غير عواف» (ص 82).

من الملاحظ هنا أن الأحداث الخاصة بم. س. في تتاليها قد جرى تعليقها إلى حين، وهذه صفة جديدة من صفات الروي في تحرّفه واختلاله، إنه يمتد دومًا، ويمتد تبعًا لوحدات مضمونه، وليس فقط تبعًا لوحدات شكله، حتى ولو أوقفنا تركيبه التعبيري الكلي   على فواعله (الشخصيات)، على وظائفه الكبيرة، كالتي تنتج عن الصعود التدريجي للوحدات الوظيفية، كما يقول رولان بارت. لهذا كان تركيز الروي على ود الريس، وكان الرجل عبره هو الأجمل، تخفق قلوب الفتيات بحبه، وكل الفتيات في كل مكان، وليس العكس، وهو يأخذ المرأة كموضوع نكاح فقط، ليبدو الجنس كمرادف للفحولة. وإذا كان هناك نقد لهذا، فهو خارجي، لأن الطيب صالح (وليس الراوي) يبدو متعاطفًا مع ود الريس، حتى وإن لم يكن متفقًا معه.

الروي هنا يلخص ما في رأس الطيب صالح، المرأة كموضوع نكاح تبدو مجسدة في شخصية بنت مجذوب، التي يتعاطف معها الراوي أيضًا إلى حد الإعجاب، وذلك عندما يجعلها تقول متلذذًا هو لا متلذذة هي: "عليّ الطلاق يا حاج أحمد كنت حين يرقد زوجي بين فخذيّ أصرخ صراخًا تجفل منه البهائم المربوطة في مراحها في الساقية... عليّ الطلاق، كان عنده شيء مثل الوتد حين يدخله في أحشائي لا أجد أرضًا تسعني. كان يرفع رجليّ بعد صلاة العشاء، وأظل مشبوحة حتى يؤذن آذان الفجر. وكان حين تأتيه الحالة يشخر كالثور حين يُذبح... إلخ" (ص 79).

إذا كان هناك إحساس بأن للمرأة دورًا في عملية الجنس (كنت حين يرقد زوجي بين فخذيّ أصرخ صراخًا...)، فهو لمتعة الرجل ولذته لا غير (يشخر كالثور حين يُذبح)، أي أنها شيء للاستهلاك، موضوع نكاح لا يستقبل فقط بل ويعطي شروط الاستقبال: هيمنة الرجل وقدرته وطاقته واستعباده إلى آخر الخطاب الرجولي السائد، نحن ما يهمنا كيف تم الروي في امتداده، بفم راوٍ واحد او بأفواه عدة رواة، على أن يترك الروي انحرافه من ورائه، صورة العربي المنكاح من ورائه، ليصل بنا إلى صورة أخرى، صورة مقابلة في السياق الذي نحن فيه. الصورة المقابلة "للعربي المنكاح"، الصورة الملوثة لأصحاب "الأرض" هي صورة العربي النقي، أو صورة الطهارة لأصحاب "الجنة"، وهو الجد: "حاج أحمد هذا طول اليوم في صلاة وتسبيح كأن الجنة خلقت له وحده" (ص 81).

يقول الجد: "الحق لله أنني كدت أتزوج في مصر، المصريون ناس طيبون، ويحفظون العشرة، والمرأة المصرية تعرف قيمة الرجل. تعرفت برجل تقي في بولاق، كنا نلتقي دائمًا في صلاة الفجر في مسجد أبو العلاء. دخلت بيته، وتعرفت على أهله. كان أبو بنات، عنده ست بنات كل واحدة تقول للقمر قوم وأنا أقعد محلك. بعد مدة قال لي: "يا سوداني أنت رجل متدين وتحفظ العشرة خليني أزوجك بنتًا من بناتي. الحق لله يا ود الريس نفسي مالت إلى البنت الكبيرة. لكن بعدها بقليل جاني تلغراف بوفاة المرحومة أمي، فسافرت في الساعة والحين" (ص 86).

أهم ما في الوحدة السردية السابقة أنها دال ومدلول في آن واحد، تلخص نفسها بنفسها، وتجمل هوية الجد: هو طيب والناس في مصر طيبون، هو تقي ولا يتعرف إلا على الأتقياء، ومكان التعارف المسجد، وفوق هذا، في صلاة الفجر، حتى ولو كان الطقس باردًا والنوم خير من الصلاة، وهو جميل لا يستأهل إلا من هي بمقامه من البنات كالقمر في جمالها، ويأتيه أبوها –وهذا شيء ضد القاعدة- يعرض عليه الزواج من ابنته بدلاً من أن يطلبها هو، ولكنه من دافع مثاليته "العظمى"، يترك الناس الطيبين في مصر، وفتاة كالقمر، ومصاهرة الأتقياء، أي يترك ما هو مثالي إلى ما هو أعظم مثالية عندما يستلم برقية تعلمه بوفاة أمه، فهو فاضل ابن أمه "الفاضلة" (ص 86). صورة النقاء هنا المفعمة بالفجيعة والميلودرامية ليست كاملة إلا من ناحية كونها صورة شخصية، إذ يقول الجد لود الريس: "أظنك كنت رجعت ومعك امرأة. هذا هو كل همك. أنا رجعت، ومعي المال، فاشتريت الأرض، وعمرت الساقية، وطهرت أولادي" (ص 85). صورة ليست لأحد آخر غير الجد، وبشكل ضمني "العربي النقي". لأن قوة المال تشوهها، وهذه الفلسفة البديلة لإحدى الشخصيات، شخصية بكري، الواقفة إلى جانب الجد ضد ود الريس: "أنت يا ود الريس مجنون، رجل كبير لكن ما عندك فهم، النسوان نسوان، في مصر أو السودان أو العراق أو واق الواق. السوداء والبيضاء والحمراء كلهن سواسية" (ص 86).

فلسفة متخلفة تعتبر المرأة "ثقبًا" يُقذف فيه، هذا من ناحية ود الريس، أما من ناحية الجد، فالوظيفة تختلف، لأن المعايير البنيوية في حالته تختلف، ولكن ود الريس هو الذي يظل في قلب التمدد والتحرف الروائيين، فتفشل مهمة الراوي (الطيب صالح، سبق وأوضحنا لماذا) في عرضه للصورة النقية المتمثلة بالجد "الطاهر" مقابل الصورة الملوثة المتمثلة بود الريس "الفاسق". ويغطي فشله عن طريق قدرته السردية ككلي العلم عندما لا يساوي فقط ما بينهم بل ويحدس مستقبل البشرية معطيًا لنفسه من الأهمية –كالعادة- الشيء الكثير: "ونظرت إليهم، ثلاثة شيوخ وامرأة شيخة، ضحكوا برهة على حافة القبر، وفي غدير يحلون. غدًا يصير الحفيد أبًا والأب جدًا، وتستمر القافلة" (ص 88). ويقول ود الريس: "أستغفر الله العظيم. أيام نقضيها على وجه الأرض، وبعدها ربنا يفعل فينا ما يشاء" (ص 88). يقارن الجنس بالغيب، ويصبح الجنس وحده الحقيقي، القدر الأرضي! وهذا هو المستوى "الرويي" الجواني بعد مستويي الوحدات الشكلية والوحدات المعنيية (من معنى) التي تلفها.

هنا، يحاول الراوي (الطيب صالح) إدخال عنصر آخر إلى جانب عناصر الروي السابقة ليداوم الروي على مساره، وليتوافق الروي في مساره، وذلك من خلال علاقته بحسنة بنت محمود، زوجة م. س.، فيضع صورة العربي النقي، صورة الجد (الفصل السادس) مقابل صورة العربي المنكاح، صورة ود الريس، الذي يتزوج من حسنة عنوة، فتقتله، وتقتل نفسها. من المفترض أنه بذلك يريد أن يصل إلى تأكيد هيمنة "الشر" على "الخير" في العالم، وفي هذا نقد لصورة النقاء في الجنس على أنها عاجزة، ويجدر تغييرها أو تمزيقها. وربما على العكس، يريد القول إن حسنة صورة مزدوجة للجنس الشرقي والغربي: "اتحدت الصورتان في ذهني... فخذان بيضاوان مفتوجتان في لندن، وامرأة تئن تحت ود الريس الكهل. امرأة نبيلة الوقفة أجنبية الحسن" (ص 92)، وهي، بالتالي، "شيء ليس موجودًا حقيقة" (ص 92) مثل زوجها م. س.، ولأنها أكذوبة، رغم أنها أكذوبة خيّرة، قُضي عليها بالموت، أما الحقيقة الخيّرة، الجد ومعه الراوي، فهي الباقية!

كل ما سبق عبارة عن علامات تساعد الناقد على التحليل، وفي الروي علامات ذات حدين، تفك وتربط، كما رأينا، بين صورتي النقاء والتلوث اللتين يحاول الراوي من خلالهما أن يرد الكذبة، في واقعة أخرى، إلى حقيقتها، عندما يعود في ذاكرته إلى م. س. أثناء محاكمته، ويجعله يقول: "أنا لست عطيلاً، أنا أكذوبة!" في صفحة 98 بعد أن سبق وجعله يقول: "أنا لست عطيلاً، أنا أكذوبة! في صفحة 37، أي أنه يعكس الأدوار، فيأتي م. س. الإنجليز غازيًا: "إنني جئتكم غازيًا في عقر داركم" (ص 98) بينما، في الحقيقة، العكس هو الصحيح، كما تقول العلامات الفاكة الرابطة، لكن في قلب الحقيقة وصول بالجنس المنكاحي على الطريقة العربية إلى التفسير السياسي التالي: إنني أنا الراكب الحقيقي وإن كنتُ المركوب! أي أنني مستعمر لكم –على طريقتي التي هي جنسية- كما أنتم مستعمرون لي –على طريقتكم التي هي سياسية- فلا تنم عن ذلك سوى مقامرة لغوية لا غير على حساب علامات الفك والربط.

ما يهمنا في هذا الباب عبر علامات الفك والارتباط هو الموقف من المرأة: "النسوان نسوان" (ص86) "الرجال قوامون على النساء" (ص 101) "المرأة يلزم لها الستر" (ص 89) "وحين ترقد على البرش الأحمر بعد صلاة العشاء، وتفتح فحذيها، يشعر الرجل كأنه أبو زيد الخلالي" (ص 84). المرأة-الموضوع-الشيء-المتعة في عوالم الرجل إبي زيد الهلالي. حقًا الجنس شيء ضروري للمرأة وللرجل في آن واحد، كحاجة إنسانية، كدفء، كإحساس بوجود الآخر، كأخذ وعطاء بالتساوي، كحب متبادل، وطفولة بالغة، ومداعبات ساخنة. وفي العملية الجنسية وصول، وتجدد، ومتعة متعددة الجوانب، وليس الانتهاء، والاهتزاز، والقمع البطريركي، والاغتراب في الجسد وعن الجسد، وهذا هو المستوى البراني المقابل للمستوى الجواني الذي سبق لنا الحديث عنه، تتفرق فيه العلامات، فتعجز عن الربط والفك، يفلت التضمين، ويكون التفسير قسريًا لعناصر لا تتواصل مع بعضها في بنية الروي.

وما يهمنا في هذا الباب أيضًا، ما يدعوه غريماس "النظير"، الإشارة ومضمونها، موقف الراوي (الطيب صالح) كإشارة من هذا العالم البطريركي، ومدى تحالفه كمضمون لهذا الموقف، أو على الأقل، تعاطفه مع المرأة: "لكنني الآن أسمع صوتًا واحدًا فقط، صوت بكائها الممض" (حسنة الشابة تبكي لأنها لا تريد الزواج من ود الريس الكهل)، نقول تبسيطًا ما نقول، لأن الأمر أعمق: "ولم أفعل شيئًا. جلست حيث أنا بلا حراك، وتركتها تبكي وحدها لليل حتى سكتت" (ص 98). وفي مكان آخر، ينتقد وضع المرأة في عالم الرجل، نقده هو الإشارة: "لكن ود الريس الذي يبدل النساء كما يبدا الحمير... إلخ" (ص 99). يقارن النساء بالحمير حقًا بلهجة مرة، ولكنه لا يقف في موقف المدافع عنها كمضمون لهذا النقد، إنه لا يتضامن مع حسنة بالفعل. وبدلاً من أن يقوم "بثورة" ضد الأمر الواقع، الثورة كإشارة، تقوم الثورة كمضمون للأمر الواقع: "بغتة تدفق من ود الريس غضب جنوني لم أكن أظن أنه من طبيعته. ثار ثورة عارمة، وقال شيئًا... إلخ" (ص 100). وعند انهزاميته كإشارة يفسر ذلك بالواجب كمضمون: "أهل البلد كلهم يلهجون بحمدك، لأنك تقوم بالواجب نحو أولاد مصطفى سعيد، رحمه الله، خير قيام" (ص 102). يقول نحو الأولاد ولا يقول نحو حسنة، نحو المرأة، رغم أن "الواجب" هنا يشملها. ولماذا كل هذا؟ "أنت تعرف نظام الحياة هنا. المرأة للرجل، والرجل رجل حتى لو بلغ أرذل العمر" (ص 102).

نظام حياة متخلف للبورجوازية الفلاحية الصغيرة حتى لو بلغت أرذل العمر، نظام من النظائر الذي تتنافى فيه الإشارات ومضامين هذه الإشارات. وكنظير من الممكن أن تكون الإشارة وسياقها، ما يشد الراوي (الطيب صالح) بالمرأة كإشارة عطرها والفانتزم حولها كسياق: "وأحسست بعطرها ليلة أمس، وتذكرت الأفكار التي نبتت في رأسي بشأنها في الظلام" (ص 107). وعندما يشار إليه بإنقاذها من ورطة مصيرية بالزواج منها كإشارة يرفض، ويعتبر ذلك "مزحًا" (ص 106) كسياق، بينما يفسر حبه لها كإشارة بأنه "ليس معصومًا من جرثومة العدوى التي يتنزى بها جسم الكون" (ص 107) كسياق، فالاستعارة هنا "جرثومة العدوى" تشير إلى الحب، ونحن نتساءل، هل الكون مريض بالحب كإشارة أم أن الحب هو التعبير عن إنسانيته كسياق؟

حول الفصل الأخير
من الملاحظ أننا قمنا بتحليل بنيوي، وإذا قلنا بنيوي، فنحن لا نفصل البنية عن الموضوعات التي تحبل بها، البنيوية كأداة تحليل، وليس كإيديولوجيا، وهي من هذه الناحية قابلة للتطبيق في كل زمان ومكان، وهي من هذه الناحية منفتحة على كل زمان ومكان، وعلى أدوات التحليل الأخرى التي من الممكن أن يلجأ الناقد إليها إضافة إلى البنيوية. وبخصوص (موسم الهجرة إلى الشمال) نحن لا نظن أننا سنقول أكثر مما قلناه بسبب الأفكار المكررة التي لا وظيفة لها سوى أن تعيد التشكل عبر خطاب اعتمد التطويل وليس التعميق أو التطوير أو حتى التشويق بعد أن قذف الراوي بكل أوراقه على طاولة القارئ منذ الصفحات الأولى، فما بقي سوى التلاعب اللغوي لا غير. على الأقل، هذا ما يتعلق بالستة فصول الأولى من العشرة التي تحويها الرواية. وفيما يخص الفصل الأخير، حين يدخل الراوي النهر، ولا يريد الغرق أو الاختفاء، على طريقة م. س.، وفي فعل كهذا كل البعد التراجيدي يكمن، نسمعه يقول: «طول حياتي لم أختر ولم أقرر. إنني أقرر الآن أنني أختار الحياة» (ص 170) مقولة مقولات الوجودية تُستعمل كعامل تنظيري –ككل المقولات في الرواية برأينا- إنه لا يختار الحياة بمعناها الصراعي والإنساني، ولكنه سيختار –إذا ما اختار حقًا- حياته كسلطوي: «سأحيا لأن ثمة أناس قليلين أحب أن أبقى معهم أطول وقت ممكن، ولأن عليّ واجبات يجب أن أؤديها» (ص 170). الأناس القليلون الذين يحبهم منهم جده ومحجوب، الأول يعبر عن "الأصالة" الساكنة في الماضي السحيق، والثاني عن "الحداثة" المحدودة بواقع عاجز أو مستديم، أما واجبات الراوي، فهي واجباته تجاه عمله كمفتش لدى السلطة، أو تجاه ولدي م. س. وأولاده الذين سيكبرون على شاكلة آبائهم، وإن اختلفت أشكالهم، وهذا شكل من أشكال الانسجام الاجتماعي، أما على مستوى الانسجام "الرويي"، فقد تراوح ذلك بين شد وجذب لا ينتهي، وربما كان ذلك صفة من الصفات العامة لموسم الهجرة من الشمال.

إن اختياره –إذا ما اختار حقًا اختياره الحر كما يقول جان بول سارتر- للحياة التي "لا يعنيه إن كان لها معنى أو لم يكن لها معنى" (ص 171) هو اختيار صدفوي، "عرج بنيوي" –كما يقول رولان بارت- لأنه كاد يغرق أراد العيش لأجل أن "يحيا بالقوة والمكر" (ص 171)، كلام يذكرنا بشهرزاد ونيتشه، مقولة النظير دومًا، وهذا الموقف موقف مبدئي للسلطوي المتشبث برباط عنقه والأناني، ولا يوجد رمز لهذا أقرب ولا أبعد من أنوف النقاد السلطويين الذين يريدون أن يوحوا بذلك دون أن ينجحوا، فمشاريع الراوي المستقبلية كلها شخصية، وما يسميه "قرار الاختيار" (ص 170) كان مدفوعًا إليه بسبب دوامات النهر الأقوى، أي أنه لم يختر الحياة حقيقة، وإنما لخوفه من الموت، ولقلقه، ولرعبه، ولتشبثه بالحياة التي اختيرت له، يصرخ: "كأنه ممثل هزلي يصيح في مسرح: النجدة! النجدة!" (ص 171)، فإذا كان المتفرجون من السلطويين الصغار أو الكبار، مدوا له يد العون حتمًا لإنقاذه، وإذا كان المتفرجون من الأشقياء والملعونين، عملنا على أن يعوا حقيقته الزائفة، ليغرق، وهم يقهقهون، "فالممثل الهزلي" لا يُكتب له النجاح إلا إذا ما أثار الضحك.

خاتمة
(1) نريد أولاً وقبل كل شيء أن نؤكد، مرة أخرى، التمايز بين شخصية الطيب صالح وشخصية الراوي أو شخصية مصطفى سعيد، وإن كانت الشخصيتان الأخيرتان إنتاجًا للطيب صالح، فهما إنتاج البنية الفكرية التي ينتمي إليها الطيب صالح الروائي، وليس الطيب صالح في شخص ذاته، الطيب صالح الصديق، ولا الطيب صالح "العبقري" –كما يدعي الكتاب السريع الذي كتب عنه- وهو إذا كان عبقريًا لرواية، فللرواية السلطوية لا "العربية" كما هو دأب السلطويين على الإشهار والتعميم. إن البنية الفكرية التي ينتمي إليها الطيب صالح هي بنية فكر وعقل السلطة التي هيمنت على حركة التحرر الوطني والاجتماعي العربية عند صعودها، من مواقع أخلاقية وقومية واجتماعية إصلاحية، كانت في زمنها تمثل خطوة متقدمة عما سبقها في عهد كان السودان والعالم العربي يختنق في قبضة الإقطاعية –أو في قبضة جزء منها- بالتحالف مع الاستعمار، لهذا السبب، يبقى الطيب صالح عنصرًا وطنيًا، وليس "ابنًا للغرب"، أو "ابنًا للإمبريالية"، كما يمكن أن يتخيل المغرمون بهذا المصطلح، فنواياه الحسنة أكيدة، لكن النوايا شيء، والواقع المتغير والمتطور وكذلك قوانينه شيء آخر، والوقوف على تغير الواقع وتطوره، أي الوعي به، هو الأساس. إن الوعي الحقيقي بواقع المجتمعات العربية وبعلاقاتها بالمجتمعات الغربية لم يكن –في زمن الرواية- إلا وعيًا "أخلاقيًا أحاديًا"، وعيًا مثاليًا، متقدمًا في زمانه، متخلفًا في زماننا، وقد انكشف عجز السلطة  في الأوقات العصيبة التي مرت فيها حركة التحرر الوطني والاجتماعي العربية، وانفضحت "برامجها"، وبعد حرب لبنان وحصار بيروت 1982 غدا من الضرورة التاريخية إقصاؤها عن القيام بدور القيادة. إذن، يمكن أن تكون المادة السردية متقدمة أو متخلفة بالنسبة لزمنها، ولكن مقياس هذا التقدم وذاك التخلف هو دومًا أدواتنا النقدية ورؤيتنا نحن العلمية للعالم التي تفضح رؤية النص أو تتكامل –ولا نقول تتماهى- معها، وفي كلتا الحالتين الهدف هو التعميق.

(2) لقد كان نقدنا للرواية المباشر اعتمادًا منا على اللامباشر فيها، أي أننا نقول مباشرة ما يقوله الكاتب لامباشرة باحثين في النص تحت الرؤية العلمية للعالم. وبما أن النص يحتوي على رؤية للعالم أخرى مثالية، جاء نقدنا نقضًا، فابتعدنا عما يسمى "التماهي" بين النقد ومادته، وهذه طريقة مكرورة لدى فيصل دراج(9) وزملائه، وقمنا بالتفسير البنيوي التحتي، أي المتعامل مع النص على أساس الثالوث العلمي: طريحة نقيضة حصيلة، والذي يقبل التأويل في بعض الحالات على أساس أن يكون جزءًا من التحليل العام ومدعمًا له لا دخيلاً عليه، ولم نقم بالتفسير السكوني الوصفي الذي يقول مباشرة ما يقوله النص مباشرة، تفسير يسقط فيه النقاد السلطويون عربًا كانوا أم عجمًا، ماركسيين كانوا أم قوميين(!)، ولم نسقط في التشطيحات والتنظيرات والتفلسفات، وليس هذا حال فيصل دراج فقط، بطل ميتافيزيقيا المعنى، بل وإلياس خوري أيضًا في كل كتاباته وتنظيراته وحتى خاطراته –كدنا نقول قاطراته- عن حرب لبنان الغامضة غموض كاتبها الذي لم يهضم أو يستوعب بعد مادة الكتابة، بالطبع كتابته. هذان الناقدان "الماركسيان" السلطويان، ولكن على الخصوص، الناقدة يمنى العيد(10)، وعلى الخصوص مرة ثانية، دراستها عن موسم الهجرة إلى الشمال في العدد الثالث/ الرابع من مجلة (الطريق) 1981، التي تقول فيها ما تريده هي أن تقوله لا ما يريد النص أن يقوله، فالكاتبة تلصق تصورها "الشيوعي" على تصور الطيب صالح، وتجعل من شخصيات الكاتب شخصيات واعية لزمنها، سواء أكان هذا الزمن "سلبيًا" في حالة الرواي، أو "إيجابيًا" في حالة مصطفى سعيد، ما يقصده الطيب صالح، بل ولا تستطيع بنيته الفكرية إلا أن تنتج وبشكل أحادي العكس تمامًا. هذا ما ندعوه التدخل الفوقي للناقد الذي يقول ما يريد هو أن يقوله –فالراوي حالة "إيجابية" "حقيقية" معارضة للحالة "السلبية" "الوهمية" التي هي مصطفى سعيد (في ص 112 تصل العيد إلى أن اللاغريب –أي الراوي- هو الوهمي والغريب هو الحقيقي) وفي كلتا الحالتين الحقيقة تبقى غائبة، لأن الحقيقة المقدمة هي الحقيقة الكاذبة، ولأن الراوي ومصطفى سعيد خارج "الفصاء الروائي" –كما تسمي ذلك الناقدة- هما وهمان يكمل أحدهما الآخر ولا ينقضه. ولهذا السبب، يبقى السرد الروائي عاجزًا عن إنتاج دلالاته ذات الجذور في الواقع الموضوعي القائم. ووعي الشخصيات هنا لا يصبح وعيًا تاريخيًا سلبيًا –نلح على مصطلح التاريخي السلبي- إلا إذا جرى نقضه من خلال عملية تفضح بنية فنية، وبالتالي اجتماعية عاجزة، وتكشف عن آفاق جديدة، سيتأكد فيها الوعي التاريخي الإيجابي الحقيقي. إن المسألة ليست في "تملك الوطن" (ص 105) يا يمنى العيد، ولكن في كيفية التملك الذي هو هنا ميلودرامي لا "مأسوي" (ص 105) في حركة أحادية لا "حركة صراع" (ص 105) دون "دينامية" (ص 105) في العمل الروائي بقدر ما فيه من ميكانيكية، و "نمو" (ص 105) إلى الوراء معاكس للنمو السردي. إن العيد تقوم بتحليل المباشر في النص، وتبتلع، عند استعمالها لمصطلحي "شرق" و "غرب"، بكل التعميم والتعتيم اللذين يحملانهما، كل أوهام الطيب صالح، وهي إن أكدت على "زمن لا تاريخي" (ص 108)، وهذا صحيح، فهي تجعله طرفًا في صراع "دينامي" هو غير موجود أساسًا، أي أنها لا تفصل بين موقف النص من التاريخ وموقفها هي "الماركسي" من التاريخ، وما استنتاجاتها (ص 122) إلا استناجات يمنى العيد الشخصية، نقول مرة أخرى "كماركسية"، تقذفها بالطيب صالح وعيًا وممارسة كتابية، فتثقل بها هامته. إنها لا تفعل أكثر من أن تُسقط أفكارها على النص، تُسقط وهمها، وعندما يقوم التحليل على خطأ باسم العلم والموضوعية، يتحول ما هو لا علمي ولا تاريخي ولا حقيقي إلى علمي وتاريخي وحقيقي، وبالتالي إلى عمل جبار ورائعة من الروائع! ما الفرق، إذن، بين هؤلاء النقاد "غير الحُمر" الذين يجعلون من الطيب صالح "عبقريًا"، وهو، بالفعل "عبقري" لهم، وبين يمنى العيد الكاتبة "الماركسية"؟ لا شيء في التحليل الأخير، لأن الماركسية هنا "غير حمراء"، أي لم تحطم بعد كل أو بعض ما تبقى من سلاسل الموقع الطبقي الذي تنتمي إليه.

(3) أخيرًا نريد أن نؤكد، مرة أخرى، أنه إذا ما اعتبرت هذه الرواية "رائعة"، فهي رائعة من روائع الأدب الذي تنتمي إليه، والذي هو في انحطاط متواصل. وما كان نقدنا إلا لنقض مثل هذا النوع من المضامين الروائية ذات الوعي الخاص بها لصالح الأخرى ذات الوعي العلمي الحقيقي لا المشوَّه ولا المغلوط ولا المزيف أو الدوغماتي، حتى نعطي رواية ناجحة، ولن تكون بالفعل ناجحة إلا إذا كان الروائي متمكنًا من استعمال أدواته الفنية التي لا بد أن تكون على مستوى عال من التقدم والنضج: نضج للرواية كنوع أدبي كوني عام، يتجاوز المحلية المقيدة، ذي مضمون خاص إنساني عميق.

 

مراكش

 

هوامش
1 ندوة اشترك فيها الطيب صالح، محي الدين صبحي، خلدون الشمعة: الطيب صالح روائيًا وناقدًا، مجلة الموقف الأدبي، عدد 4-5، دمشق 1973، ص 53.

2 الطيب صالح: موسم الهجرة إلى الشمال، الطبعة الثالثة عشرة، دار العودة، بيروت 1981.

3 هناك احتمال ثالث: "سادته" هم أولئك الذين يجعلون من العلاقة وهمًا سواء أكانوا عربًا أم بريطانيين، وهم أولو الأمر، مع ملاحظة أن المقصود هنا الرواي كإحدى شخصيات الرواية، وليس الطيب صالح.

4 وهذا موقف مبدئي في الكتابة للطيب صالح عبر عنه في ندوة السوربون: انظر الطيب صالح: تفتيت العالم لعيسى السعيد، مجلة الكرمل، عدد 9، قبرص 1983.

5 يخاطب مصطفى سعيد نفسه ب "يا مستر مصطفى سعيد... " ص 43 كأنه إنسان آخر. إنه يكذب عن "وعي"، يويف نفسه عن "وعي"، ونحن نستعمل كلمة "وعي" بمعناها التبسيطي لأن الوعي في حالة مصطفى سعيد غير موجود، إنه حالة غير تاريخية في زيفها، وعند محاولة نقضها لزيفها، لأن في المحاولة تأكيد لحالة تاريخية أسيرة لعلاقة العجز والقوة بين قطبين تجمعهما إرادة مباشرة.

 6 سوف ندعو الجد لاحقًا البورجوازي الصغير أو البورجوازي المتوسط، وهذا لا ينفي عنه سمة الكدح أو الكد قبل وصوله إلى هذا الموقع.

7 ابتداء من هنا سنقصر استعمالنا لمصطفى سعيد على الحرب الأول من اسمه (م. س.)، ونحن، بذلك، نؤكد ناحيتين: اختزال هذه الشخصية اللاحقيقية، ثم نقضها لنقض الكاتب لها، وبقائها في عالم الوهم، وإبقائها لعالم الوهم، وذلك عندما اعتبرها وهمًا للعلاقة شرق-غرب، وحاول إزالتها لغرض "تطهير" العلاقة، بينما أبرزها "ملوثة" في بنيتها، في تكوينها، وفي طريقة "التوفيق" السياسي والاجتماعي المعبرة عنها.

8 في صفحة 68 يسخر من هذا الحزب، وفي صفحة 101 يمتدحه! في صفحة 68 يسميه "الحزب الوطني الديمقراطي الاشتراكي"، وفي صفحة 101 يسميه "الحزب الوطني الاشتراكي الديمقراطي"، أي أنه يقدم ويؤخر بين ديمقراطي واشتراكي دون اهتمام أو تدقيق، ولهذا دلالة على علاقة الطيب صالح "الهشة" بالسياسة، فنحن لا نعتقد أن في المسألة خطًأ مطبعيًا محتملاً.

 9 نذكر، على سبيل المثال، مقالة فيصل دراج –وكل مقالاته- حول كتاب الجابري "الخطاب العربي المعاصر" المنشورة في مجلة اليسار العربي عدد أكتوبر 1983 باريس، والتي نقلتها جريدة البيان المغربية الصادرة في 25/10/1983. ومن ناحية أخرى، هذا لا يعني أننا نؤيد المفكر المغربي محمد عابد الجابري في أطروحاته.

10 لقد اخترنا النقاد الثلاثة السابقي الذكر بصفتهم كانوا يتزعمون ما يسمى "النقد الماركسي" قبل حرب لبنان وحصار بيروت، والذين كانوا، بشكل مياشر أو لا مباشر، جزءًا من الإيديولوجيا "الثورية" السائدة، إيديولوجيا أدت إلى الهزيمة، وهم لا يزالون يواصلون الكتابة بنفس الطريقة، دون حشمة، وكأن الحرب لم تقع، وإن وقعت، فليس لها إلا المدلول الميتافيزيقي في دفاترهم.

11 كل ما له علاقة بأساطين البنيوية مجلة كومينيكاسيون عدد 8.