ها هي روح التمرد ترد عنقاء الثورة إلى الحياة والتألق، بعد أن حسب الكثيرون أنها ترمدت، واستولت عليها جحافل الظلام، وأجهزت على زخمها مؤامرات الثورة المضادة وأثخنتها بالجراح. وها هو الشعب المصري يكشف عن مدى تغلغل التحضر في حياته، وفي ثقافته البسيطة السمحة والرافضة للتخلف والتردي والظلام.

افتتاحية استثنائية

ميلاد عنقاء الثورة الجديد .. بعنفوانها الباهر

الكلمة

أذهل الشعب المصري العالم من جديد وأبهره (وأبهر حسب «لسان العرب» إذا جاء بالعجب). وأثبت مرة أخرى أن التحضر يسري في بنية تصرفات إنسانه الثقافية ويتخلل كل ثناياها. وأن تحضره العميق هو الذي يفرض عليه الصبر على المكاره والسخرية منها، حتى يظن الجُهّال أنها استكانة أو استهانة. والسخرية عند الشعب المصري لم تكن أبدا استهانة أو تحللا من المسؤولية والرأي بالنكتة، وإنما تعبير راقٍ عن الرفض والاحتجاج، ولابد لمن يعي حقيقة هذا الشعب أن يستمع إليها بعناية.

وبعد أن ظن الكثيرون أنهم استطاعوا إجهاض ثورته، ثورة 25 يناير التي قدمت نموذجا باهرا على التحضر والمطالب البالغة البساطة: كرامة، حرية، عدالة اجتماعية، والتي تنطوي على وعي مضمر، بأن النظام الذي يسود عالم اليوم، أو الـ World-System حسب تنظيرات واليرستين الشهيرة، نظام جائر يحتاج إلى تصويب، وهو الأمر الذي تلقفته منها شعوب العالم ومنظريه. وبعد أن تصور أساطين هذا النظام العالمي أنهم أنهكوا الشعب المصري بمؤامرات الثورة المضادة إبان حكم المجلس العسكري، ثم بتزييف إرادته، وحشرها في هذا الخيار الجهنمي بين شفيق ومرسي. وبعد أن نجحت الثورة المضادة عبر حكم الإخوان في تخليق نظام أسوأ من نظام مبارك من حيث سياساته الاقتصادية والخارجية وتفريطه في الاستقلال الوطني، وتبعيته لمخططات أعداء الشعب المصري. نظام يتذرع لمرارة المفارقة بالشرعية الديموقراطية والانتخابات، وهي في حقيقة الأمر شرعية ديماجوجية وثيوقراطية مقيتة، وأسوأ من هذا كله بأنه يحكم باسم الثورة ويمثلها. بعد هذا كله ها هو الشعب المصري ينهض من جديد، ويقول إن صبره قد نفد، وأن عنقاء ثورته النادرة التي تصوروا أنها ترمدت، تنهض من جديد وبعنفوان أكبر وتحضر أرقى.

فعلى العكس من موجة الثورة الأولى في 25 يناير التي فاجأت الجميع، برغم اختيار الحدس الشعبي موعدها بعناية، يوم عيد الشرطة السنوي، ها هي موجة الثورة الجديدة تخطو صوب المزيد من الرقي وتعلن عن موعدها قبل اندلاعها بثلاثة أشهر. فقد حددت حركة «تمرد» في أبريل الماضي موعدها يوم 30 يونيو، يوم اكتمال العام على حكم الإخوان. وأفسحت لهم المجال لإعادة النظر في سياساتهم الخاطئة وفي تبعيتهم المقيتة لمخطط أعداء الثورة، بينما تتصاعد أعداد الموقعين على استماراتها، وكأنها تجسيد عملي لحلم الشعب المصري وصبره. لكن الإخوان «المظلمين» استهانوا بهذا الإنذار واستمروا في غيهم يعمهون. بينما واصلت «تمرد» جمع توقيعات المصريين حتى أوشك عدد المطالبين بعزل «محمد مرسي» (22 مليون) أن يصل إلى ضعف من انتخبوه (13 مليون). وحينما جاء يوم الثلاثين من يونيو خرج طوفان الشعب المصري بصورة تجاوزت كل ما سبق أن حققته الثورة المصرية المجيدة في موجتها الأولى. خرجت الملايين بصورة لم تحدث من قبل في تاريخ البشرية، ولا حتى في الدول التي يفوق تعدادها تعداد سكان مصر بعدة أضعاف. خرجت مصر عن بكرة أبيها فقد كان في شوارعها حسب تقديرات غربية محايدة أكثر من ثلاثين مليون متظاهر.

وتمسك جل هؤلاء المتظاهرين بالتحضر والسلمية، بالرغم من انشقاق الصف، واستمرار حفنة ضئيلة من المتأسلمين والمتأسلفين، في التظاهر ضد الإرادة الشعبية الكاسحة. وأعلنوا إصرارهم على الاستمرار في تظاهرهم حتى يتحقق مطلبهم برحيل محمد مرسي، ولا أقول الرئيس محمد مرسي، فقد أثبت طوال عام من الحكم لكل مصري يفهم أنه ليس رئيسا لمصر، وإنما مجرد مندوب لمكتب إرشاد جماعة الإخوان «المظلمين» في الرئاسة. وكما فاجأت الثورة المصرية الأولى صناع القرار في مركز النظام العالمي، أي في الولايات المتحدة، التي اجتمع مجلس أمنها القومي 21 مرة أثناء أيام ثورة 25 يناير الثمانية عشر، هاهي الإدارة الأمريكية نفسها التي دافعت سفيرتها الكريهة في مصر، آن باترسون، باستماتة عن الإخوان وعن نظام محمد مرسي الذي استثمروا جهودهم فيه منذ عام 2005 كما اتضح، تشكل مجموعة استثنائية لدراسة الوضع في مصر Egypt Task Force واصلت اجتماعاتها منذ اندلاع موجة الثورة المصرية الجديدة وحتى عاد الرئيس أوباما من رحلته الأفريقية، فاجتمع مجلس الأمن القومي ليومين متواصلين لمناقشة ما يدور في مصر، ولا يزال الأمر مفتوحا أثناء كتابة هذا المقال.

لكن المهم أن تحضر الثورة المصرية ظل يبهر العالم ويحيره في آن. كما أن تعلّم كل القوى في مصر، بما في ذلك المتأسلمين والمتأسلفين، من دروس الموجة الأولى ظل يحير العالم ويربكه. لكنني قبل أن اتناول حيرة العالم وتخبط تصريحاته، أود إبراز بعض العوامل التي ساهمت في تعجيل وصول موجة الثورة لأهدافها. ليس فقط لأن الجميع تعلم من دروس الثورة الأولى، وفي مقدمتهم الجيش الذي تعثر في أحابيل وفائه لمبارك لأيام طويلة دفع فيها الشعب ثمنا فادحا من دماء شبابه وأبنائه الشرفاء، ولكنه بادر هذه المرة للقيام بدوره مما أربك المتأسلمين وحلفائهم الأمريكيين على السواء. كما أن الشرطة قد تعلمت هي الأخرى درس ثورة 25 يناير، وقررت ألا تقف في وجه الشعب، بل أن تحمي ثورته من أي عدوان عليها من كتائب أعدائها المتمرسين على العنف والفاشية. ولكن أيضا لأن هذه الموجة تتم قبل أيام من قدوم شهر رمضان، ولرمضان طقوسه المهمة لدى المصريين. ينجزون كل أعمالهم المهمة قبل قدومه، حتى يكرسونه للعبادة والاستمتاع بطقوسه اليومية والحسية معا. والواقع أن وجود هذا العامل الزمني الضاغط لعب دورا، بسبب تغلغل التحضر في حياة المصريين وريادته لحدوسهم، في ضرورة سرعة الحسم. وهو الأمر الذي فات الكثيرين وقصّر أمد الاحتجاجات، ومكن كل القوى من قراءة خريطتها والاستجابة السريعة لها. وهذا ما حيّر المراقبين الغربيين فيما إذا كان ما جرى ثورة؟ لأن الثورات تستغرق لديهم أياما طويلة، كما هو الحال في ثوراتهم الملونة. أم أنه انقلاب عسكري مباغت، بالرغم من أنه لم يعرف عن الانقلابات العسكرية أنها توجه أولا إنذارات للسلطة لتلبية مطالب الشعب، وإلا فإنها ستضطر للتدخل.

ومع ذلك فإنني لا أملك وأنا أعايش الفرحة العارمة التي يعيشها الشعب المصري بعزل محمد مرسي، والترقب الحذر الذي أعقب بيان القوات المسلحة، والجدل المهم حول البقاء في الميادين حتى تصحيح مسار الثورة أو تركها كما حدث في 11 فبراير، والخوف من لجوء المتأسلمين لأساليبهم المعهودة من عنف وفاشية، إلا أن أبرز وأنا أكتب لمجلة ثقافية أهمية الثقافة في الأمر كله. فالسياسة في وجه من وجوهها العميقة شأنا ثقافيا خالصا. فأنا من الجيل الذي تربى على ارتباط الشأن الثقافي بالشأن السياسي ارتباطا وثيقا منذ بدأت الكتابة في ستينيات القرن الماضي. فلا ثقافة حقيقية، في أي جزء من العالم وفي أي لغة من اللغات، دون رؤية قيمية وفكرية وأخلاقية، وبالتالي سياسية تتخلل كل جوانبها. هذا ما يمكنني الآن الجزم به بعد أن قضيت عمرا في التعرف على ثقافات الشعوب وآدابها. فالثقافة هي التي رادت مسيرة الإنسان العقلية والضميرية منذ صاغ الإنسان المصري قبل أكثر من أربعة آلاف سنة، ما دعاه عالم المصريات الشهير جيمس هنري بريستد بـ«فجر الضمير» وهو عنوان كتابه الشهير، الذي يثبت فيه أن البشرية تدين بجل قيمها الضميرية والأخلاقية، التي كرستها الأديان السماوية فيما بعد، لثقافة مصر القديمة.

الثقافة إذن بما ترسيه من قيم الضمير والعقل هي التي رادت مسيرة الإنسان، وهي التي بلورت ذاكرته التاريخية، وهي التي ألهمت كل مشروعاته الفكرية والسياسية، وكل أيديولوجياته المختلفة. لذلك أود التركيز هنا على الدروس الثقافية لما يدور الآن في مصر، وكيف تستطيع الثقافة أن تلعب دورا في تصحيح مسار الثورة التي أهدرها تآمر العسكر والإخوان عليها في العامين المنصرمين. فلاشك أن كل ما عاشته مصر منذ الثلاثين من يونيو، بل منذ أن أبدع شباب حركة «تمرد» طريقتهم الجديدة والصارمة معا في رفض حكم محمد مرسي، مندوب مكتب إرشاد جماعة الإخوان «المظلمين» في قصر الرئاسة، هو النتيجة الطبيعية لتراكمات تلك الثقافة عبر آلاف السنين، والتي أصبحت الآن جزءا من المكونات العميقة للشخصية المصرية. ولأن هذه الثقافة كما قلت هي التي بلورت الضمير البشري، فإن تجذرها في الشخصية المصرية أعمق من كل محاولات المتأسلمين والمتأسلفين القادمين برؤى وهابية متخلفة وغريبة على مصر لتغييرها. فما أكثر الغزوات الفعلية والفكرية، وآخرها تلك الغزوة التأسلمية القادمة من صحارى نجد، التي تغلبت عليها مصر وقهرتها.

لذلك ليس من قبيل المصادفة بأي حال من الأحوال أن نجد أن مفجري شرارة الثورة المصرية في 25 يناير، ومفجري شرارة موجتها الثانية في 30 يونيو، هم من شباب مصر المتعلم الذي له حظ من الثقافة والمعرفة بأدوات العصر الحديث، وليسوا من سكان العشوائيات الأميين الذين تخوف الكثيرون من أن يفجروا ثورة جياع، أو حتى من المتأسلمين والمتأسلفين الذين صاغ الخطاب الوهابي الجامد أهم رواسي تفكيرهم ومشروعهم. وليس من قبيل المصادفة أيضا أن يكون فعل المثقفين الرافض للهجمة الإخوانية الظلامية على الثقافة، واعتصامهم الذي قارب الشهر في مكتب وزير الثقافة الإخواني لمنعه من «تحجيب» الثقافة أو حجبها، هو شرارة تلك الموجة الثانية من الثورة.

فالثقافة بمعناها العميق، وليس بمعناها الفني والأدبي فحسب، هي التي خلقت هذا الوعي الفطري لدى المصري بأن عليه أن يصبر لأن الصبر شارة على التحضر، وبأن لصبره حدودا في نفس الوقت. وبأنه يعرف متى ينفجر في طوفان بالغ التحضر، كما في تجربة ثورة 25 يناير، وقد صبر المصريون على العسكر حتى ضاق صبرهم، فتآمر العسكر مع الإخوان ومع الأمريكان بعد الثورة على خلق بديل للنظام الذي ثار عليه المصريون، هو حكم الإخوان الذي كشف الشعب المصري أنه لا يختلف كثيرا عن حكم مبارك. وأنه أصبح الذخر الاستراتيجي لأميركا وللعدو الصهيوني على السواء.

فقد نجح الإخوان في أقل من عام في تبديد ميراثهم التضليلي في الواقع المصري. ورفعوا بممارساتهم الغشاوة عن أعين من كان مخدوعا فيهم، وأجهز محمد مرسي بنفسه على شرعيته حينما فسخ تعاقده الذي انتخب بمقتضاه مع الشعب المصري. ليس فقط بالإعلان الدستوري المشؤوم والدستور الإخواني المسلوق، والنهم الشره لأخونة الدولة، والمواجهة المستمرة مع القضاء والمثقفين، ولكن أساسا بتسليمه مؤسسة الرئاسة التي انتخب لإدارتها من أجل مصر، إلى مكتب الإرشاد ليديرها من أجل صالح جماعة مثقلة بثارات تاريخية وأجندات دولية. فالشعب المصري لم ينتخبه من أجل أن يسلم الحكم لمكتب الإرشاد، وإنما من أجل أن يحقق كما وعد أهداف الثورة في الكرامة، وتعني عندي الاستقلال الوطني قبل أي شيء، والحرية والعدالة الاجتماعية. وقد أخل محمد مرسي بشروط هذا التعاقد الانتخابي فسقطت شرعيته، وأثبت بجدارة أنه لا يحكم باسم الثورة بل باسم الثورة المضادة في كل تجلياتها، وإلا لما استماتت السفيرة الأمريكية في دفاعها الفج عنه وعن حكمه الفاشل.

لذلك أدرك الشعب بحدوسه التي رادتها حركة «تمرد» أن عليه أن ينقذ ثورته ممن سلبوها منه ويتاجرون بها وهم يعملون على هدم كل ما تمثله من قيم الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية. ولم يحتج الأمر كما ذكرت ولأسباب حضارية أيضا، الى 18 يوما هذه المرة، وإنما إلى أيام أقل حتى سقط محمد مرسي برغم عناده، وحرص أميركا عليه. ولابد من إدراك الدلالات الثقافية لتغير الإيقاع وحجم الحشود، وقد انعكس هذا التغير في إيقاع الأحداث وفي النقلة الجذرية لما يمكن تسميته بسياسات الصورة. فبدلا من الصورة المتجهمة والمتمترسة خلف التشكيلات السلطوية للمجلس العسكري إبان الأيام الأخيرة من ثورة 25 يناير، هنا نحن نشهد تطورا في المشهد، قل فيه عدد العسكر، وزاد فيه عدد ممثلي المؤسسات الأخرى من دينية ومدنية، وظهر فيه بعض رموز العقل المصري المدني ورموز الشباب والمرأة.

وهي كلها مؤشرات على أن الثورة تتعلم من أخطائها وأن مسيرتها تتقدم. وأنها تعي أهمية ذاكرتها التاريخية القريبة، وأنه دون أن يحتل الشباب دورا، بل ودورا محوريا في إدارة مرحلة ما بعد انفجارتها، فلن تتحقق أهدافها. لأن أهم الدروس الثقافية للثورة هي أن الشباب، وهم أغلبية الشعب المصري الساحقة، هم صناع الثورة ولابد أن يكون لهم دور كبير في إدارة مرحلتها الانتقالية. وأن علينا الحذر وإرهاف العقل النقدي في تمحيص كل ما يطرح علينا من خطط للطريق، لأن الشيطان وهو هنا رديف الثورة المضادة يكمن في التفاصيل، وألا نستسلم لفرح الإنجاز الكبير بعزل مرسي إلى حد تنويم ذاكرتنا التاريخية ونسيان مسؤولية العسكر عما وصلنا إليه. كما لابد علينا أن نرهف ذاكرتنا التاريخية مع تاريخ الإخوان «المظلمين» ولجوئهم للعنف حينما يعييهم المنطق والقانون، منذ أيام مرشدهم المؤسس وتنظيمه المسلح واغتيالاته المتعددة. وهذا هو دور الثقافة والمثقفين في إرهاف العقل والتحذير من مخاطر الانزلاق إلى رمال الثورة المضادة الناعمة. فهم أقدر فئات الشعب على التعلم من الثورة المصرية ومن تحضرها، وأقدرهم على حماية موجتها الثانية من أن تتحول إلى انقلاب عسكري يعود بنا للوراء من جديد.

أما الغرب فإنه لا يدافع عن مصر ولا يهمه أن تنجح ثورتها. لذلك لابد ألا نأبه كثيرا بما يكرره الرئيس أوباما وما تردده من ورائه مفوضية الخارجية الأوربية آشتون، أو وزير خارجية بريطانيا هيج من محفوظات ممجوجة حول الديموقراطية ومطامح الشعب المشروعة، وإنما عليهم التعلم من الثورة المصرية ومن تحضرها. وكما برهنت موجة الثورة الأولى عن أن ثمة خلل في نظام العالم الاقتصادي والسياسي الراهن، تلقفته منها مظاهرات إسبانيا واليونان و وول ستريت، فأن هذه الموجة الثانية لابد أن تدفع العالم لمراجعة تصوراته التقليدية عن ديموقراطية صناديق الانتخاب، وعن دور الشعب، أو الجماهير الصامتة في لعب دور بارز في رسم خريطة مستقبلها. لذلك يجب أن يتعلم الغرب أن ثورة مصر هي غير الثورات الملونة التي استمرأها النظام العالمي الجائر، واستخدمها لصالحه. وأنها أكثر عبقرية من كل مخططات الثورة المضادة وألاعيبها المكشوفة.