ترتقي الشاعرة المصرية الأماكن الوعرة من الذاكرة، تلتقط اليوميات الدالة التي يتواشج فيها الفردي بالتاريخي في فسحة مترامية الأطراف. تقول خلاصة المرحلة في الآفاق المدينية التي قادت خطاها نحو تجارب بكر ومعارف جديدة، والمؤسسة الثقافية من خلال أحوالها وفعلها والصور الأنثى التي تتشظى من مرقدها.

المدينة

إيمان مرسال

ربما كان الالتحاق بجامعة عتبة مضمونة منذ الطفولة، لم يكن حلماً ولهذا لم يحتمل الشك، يمكنني الآن أن أدرك غرابة ذلك لأن عدد الفتيات اللواتي التحقن بأي تعليم فوق المتوسط في قريتي لم يتعدّ أصابع اليد الواحدة. فتيات مدرسة المعلمات كنّ يبدين أكثر أنوثة وكن يتزوجن بمجرد التخرّج، لي خالتان رأيتهما طالبتين بتلك المدرسة في المدينة، تلبسان التنانير القصيرة وتضعان الألوان الغامقة فوق الجفون على طريقة سعاد حسني، كانتا تعقصان شعرهما في شنيون عالٍ أو تلمانه في ذيل حصان. بنات الجامعة الثلاثة واللواتي ينتمين كلهن لعائلة أمي أيضاً، كن مختلفات؛ بشعر قصير وبناطيل "رجل الفيل" من الديولين أوالترافيرا مع قمصان رجالية تصل في جرأتها لدرجة أن تكون مربعات وليس وروداً. تأخرن في الزواج بشكلِ جعل التعليم الجامعي يرتبط في ذهني بالعنوسة.

الجامعة تعني المدينة، أو على الأصح مشروع التحاق بالمدينة. أول ما رأيت من جامعة المنصورة كان مستشفاها؛ أكثر من مرة ذهبت في طفولتي مع جدتي لأمي لنزور مريضاً أو مصاباً في حادث. أكثر من مرة كان يمكنني أن أنظر من شباك عنبر ما وأرى طلبة وطالبات كليات الطب بمعاطفهم البيضاء يقفون أو يتمشون في الفناء. لا أتذكر رؤية أيٍ من المرضى الذين زرتهم مرة ثانية، كانوا يموتون؛ كان المستشفى الجامعيّ هو الخطوة التي تمهد للموت. المدينة كانت بالنسبة لي مجموعة من المحطات الحية تبدأ بمحطة القطار وبتمثال أم كلثوم، بشارع السكة الجديدة حيث محلات الملابس والأحذية ومكتبة الشامي والهيئة العامة للكتاب، بالكورنيش الذي يأخذك إلى المستشفى والجامعة وبكافتيريا المستشفى حيث الاستمتاع بساندوتش جبنة رومي مع زجاجة كوكاكولا صغيرة، ولكن في سنة 1983 وبصدفة عجيبة أصبحت مدينة المنصورة هي مكان كل ما أحب والأفق الوحيد لما كنت أسميه بحكمة بالغة الحياة.

ذهبت في يناير 1983 وأنا طالبة بالصف الثاني الثانوي إلى قصر ثقافة المنصورة، كان معي ديواني الأول مطبوعاً بالآلة الكاتبة، كنت قد أصبحت شاعرة في مدينة دكرنس حيث مدرستي وفي رأي أبلة سميرة مدرسة اللغة الفرنسية وقارئتي الأولى جاء الوقت لأفتح نافذة جديدة. في مكتب بالطابق الثاني قال لي موظف اسمه أستاذ عبد المجيد: اقرأي. تنحنحت وشربت ماء وبدأت أدخل في مزاج قراءة الشعر، اخترت قصيدة اسمها "عندما أبكي غروبي" وأطلعته بفخر عليها مطبوعة في مجلة "الحصاد" وهي نشرة أدبية مستقلة ومروعة في إخراجها الفني كنت أصدرها مع شعراء من مدينة دكرنس. كانت القصيدة مؤثرة بالنسبة لي بالطبع وبعد عدة سطور دخلت موظفة محجبة ومقطوعة الأنفاس يبدو أنها تحتل المكتب الآخر في الغرفة، كانت تشتكي من أنها لم تشتر أي سجادة من المعرض لأنهم حرامية ورفعوا الأسعار، وبعد محادثة بينهما، التفت لي الموظف وقال: أكملي يا أستاذة. لممت أوراقي بغضب قائلة له أنه لا يحترم الأدب! شخص لا أعرفه كان قد راقب نهاية المشهد، فقدّم نفسه لي على أنه "وجيه عبد الهادي"، قصاص وروائي من سندوب ويعمل في سنترال تليفونات المنصورة، أخذني إلى الخارج وقال لي: "هو فيه حد أهبل يروح يقرا شعر لموظفين في قصر الثقافة؟" كان رجلاً قصيراً و طيباً ويشبه أقاربي في القرية، لم أصدق تماماً أنه كاتب؛ ربما كان لديّ تصور ما أن الكتّاب لا يجب أن يبدوا طيبين ولا أن يلبسوا صنادل مفتوحة في الأماكن العامة

مشيت بحذاء النيل مع الأستاذ وجيه، تجاوزنا كوبري طلخا عن يميننا ثم مسرح المنصورة القومي عن يسارنا لندخل خلفه إلى شارع صغير ونتوقف أمام مكتب له ثلاث سلمات في مواجهة المسرح مكتوب على بابه: "مكتب النقل البطيء". في الداخل قابلت الأستاذ فؤاد حجازي لأول مرة، استمع إلى قصائدي باهتمام وأعطاني كيساً من البلاستيك مليء بالكتب التي كان قد أصدرها في سلسلة "أدب الجماهير"، كتب لي أيضاً أول اهداءات أتلقاها على روايتيه "الأسرى يقيمون المتاريس" و "نافذة على بحر طناح". كان ذلك اليوم بداية علاقة مختلفة بالمدينة، سحرتني قصة حجازي الذي لم يكمل دراسته في كلية الحقوق بسبب نشاطه السياسي الشيوعي، ثم بسبب أسره في حرب 67. أغيب عن المدرسة يوماً كل أسبوعين وآتي للزيارة، لم أذهب إلى عمل حجازي يوماً إلا وكان هناك، يجلس صبوراً بملابس مكوية، يتوقف عن حديثه ليعطي رخصة أو يخلص مخالفة عربة كارو ــ ذلك ما يُسمى بالنقل البطيء ــ لزبون لا يعرف القراءة والكتابة ويرتدي جلباباً متسخاً عادة، ثم يعود بعد ذلك ليتحدث عن ماركس أو تشيكوف أو عن كوارث الانفتاح الاقتصادي وكامب ديفيد. لم يكن هناك من عمل، المكتب للقراءة والكتابة وشرب الشاي مع الضيوف والنشطين السياسيين.

قدمني حجازي إلى أفراد وجماعات من محبي الكتابة والقراءة، من أعضاء التنظيمات المعروفة والتي تحت الأرض، أعارني عشرات الكتب من الأدب الروسي المترجم وتحليلات مجتمعات ما قبل وبعد الرأسمالية. بفضله عرفت روايات صنع الله ابراهيم وعبد الحكيم قاسم ومجلة "أدب ونقد" و"الثقافة الجديدة". بكرم بالغ كان يقوم بدور الدليل، الدليل الذي سيصنع مني كاتبة "ملتزمة" بقضايا الوطن والناس. من مكتب النقل البطيء تسارع انخراطي في أنشطة كثيرة منها "لجنة مناصرة الشعب الفلسطيني" في حزب التجمع، وربما كان أهم من ذلك مقابلتي لمهندسة شابة اسمها هالة إسماعيل والتي كانت مع رفيقة أخرى اسمها ثريا عبد الراضي تحلمان بمشروع مجلة نسائية يسارية اختارتا لها اسم "بنت الأرض" فانضممت إليهما بدون تردد. باختصار وقبل أن ألتحق بكلية الآداب جامعة المنصورة في 1984، بدت الجامعة حُجة لأعيش ولأمارس كل هذه النشاطات التي أحبها، بينما لم يكن لفكرة دراسة الأدب العربي نفسها سبب منطقي.

لعل وعي شخص ما باختلافه عن الآخرين هو أول عتبات وعيه بذاته، لكن أن تكون مختلفا ليس له قيمة مستقلة. الآخرون على كل حال يساعدونك بدأب على اكتشاف اختلافك عنهم وعليك وقتها أن تنفي ذلك كتهمة أو تفخر به كميزة أو أن تتعامل معه فقط كواقع .. أفكر أن أحلام أبي كان لها دور كبير في حبي للمدينة وما تقدمه لي منذ ذلك العمر المبكر: أبي الريفي الذي ظل أبي الشاب لأنه يكبرني بأقل من عشرين عاما، حصل على شهادة متوسطة أورثته الندم، يصدق أنه كان يمكن أن يكون شخصا ناجحاً لو اختلف الشرط. ومثل آلاف غيره ممن صدقوا أن التعليم هو الباب الوحيد للنجاة، بدأ في استثماري مبكراً بتعليمي حروف العربية وأنا في الثالثة. موت أمي جعل الاستثمار يتضاعف بحجم التضحية التي قدمها لتربيتنا. أصبح التفوق الدراسي عزاء. التشجيع على القراءة من أجل التميز. الاشتراك في المعسكرات الطلابية تنمي روح المنافسة. لم يكن ذلك يتطلب أن أشارك في الأعمال المنزلية أو أتعلم الطبيخ. كان لابد من فصلي عن تلك الصديقات اللواتي سيتزوجن مبكراً لأنهن لسن من ذوات الطموح. قدم لي أبي حرية خارج شروطها التاريخية؛ لا يهم أن أعود من المنصورة وحدي في المساء طالما أنني كنت هناك لأحضر ندوة، يدعو الكتاب الشباب للشاي حتى نخطط لمجلة الحصاد –تأمل العنوان– ويشتري نسخاً لزملائه بفخر.

أظن أن تلك العلاقة بالمدينة والتي سبقت التحاقي بالجامعة هي مما جعلني أتصور أنني "مختلفة" وأن اختلافي واقع يجب ممارسته. بمجرد أن تصدق أنك مختلف ستبحث عن مختلفين مثلك. عادة ما تتصور أنهم أشباهك. يتكون سرب دون أن تنتبه. لتمارس دوراً داخله، تنتمي لشيء، تحمي نفسك من القطيع الذي في خيالك. في حالتي كان التنظيم السياسي والجمعية النسائية وجيتوهات الكتابة: كان الخروج من هذه الأسراب أقسى كثيرا من الخروج من العائلة.

وهم دراسة الأدب العربي
تفوقي الكبير في الثانوية العامة (القسم الأدبي) كان هو العقبة الأولى في التحاقي بآداب المنصورة والتي كانت تسمى "كلية الكعب العالي" حيث كان لها صورة كلية يلتحق بها البنات المترفات ممن لا يمثل العمل بعد التخرج ضرورة لهن. أصرّ والدي الذي كان يرى في التعليم الطريق الوحيد لحياة أفضل لمن هم مثلنا أن ألتحق بإحدى كليات القمة كالإعلام أو السياسة والاقتصاد في القاهرة أو على أسوأ تقدير قسم اللغة الانجليزية بكلية التربية في المنصورة حتى أجد عملاً بمجرد التخرج. قبولي بإعلام القاهرة ثم تحويلي لقسم اللغة الانجليزية بتربية المنصورة ثم إصراري على الوصول لكلية الآداب وقسم اللغة العربية وآدابها تحديدا .. كل هذا أدى إلى تأخري في إدراك المقلب المحترم الذي اخترته بكامل براءتي. منذ دخولي قاعة المحاضرات ورؤيتي لزملاء السنوات المقبلة وإحساس هائل بالاحباط لم يغادرني. دراسة اللغة العربية لم تكن أبداً اختيار معظم هؤلاء الزملاء، فكل من لم تؤهله درجاته في اللغات الأجنبية للالتحاق بأقسامها، أو ظن أن فرص العمل أكثر توفراً في هذا القسم منها في أقسام مثل الاجتماع وعلم النفس وجد نفسه هنا. طلاب اللغة العربية كانوا يسمون بـ "الفلاحين" وكأن الأقسام الأخرى لا يلتحق بها إلا أبناء المدينة. بنظرة عابرة على قاعة المحاضرات كان يمكن أن يعرف المرء أن هذا القسم يفوق عدد طالباته طلابه، وعدد محجباته سافراته، وعدد فقرائه مستوريه.

بالطبع لم يكن طه حسين ولا سهير القلماوي اللذان طالما استمعت إلى أحاديثهما في الراديو أساتذة في القسم، وكانت فكرة دراسة الأدب آخر ما تنمّ عنه المناهج الدراسية. لكن خبرة الاحباط كانت أعمق من كل ذلك السراب؛ أتذكر الذهاب إلى مكتب تصوير مغطى بأكوام التراب في شارع الجلاء لشراء الملازم الدراسية التي كان يلخص فيها الأساتذة المناهج ويبيعونها بأسعار باهظة من أجل زيادة دخولهم المنخفضة، أتذكر مكتبة الكلية التي لم أفلح مرة واحدة في إيجاد أي كتاب بها، ناهيك عن استعارته منها. أتذكر تقسيم الأدب العربي طبقاً لتصور مستشرقي القرن التاسع عشر: دراسة الأدب الجاهلي في السنة الأولى، الأموي والعباسي في السنة الثانية، عصر الانحطاط في السنة الثالثة ثم بعد ذلك تصل إلى الأدب الحديث؛ لم يكن هذا المدعو "حديث" يضم حتى كاتباً مثل نجيب محفوظ أو شاعراً مثل بدر شاكر السياب، كان هناك اختيار كأنه مقصود للأكثر رداءة مما كتب في مدرسة الإحياء من شعر وتجاهل تام لما كتب منذ أواخر القرن التاسع عشر من نثر. عرفت بعد ذلك أنه كان ممنوعاً تدريس الكتّاب الأحياء حيث يجب أن يكون الكاتب ميتاً أولاً لأن الموت أوالتاريخ ربما هو ما يحدد القيمة النهائية لعمله.

عندما أفكر في نشاطي الطلابي السياسي وكل المظاهرات التي شاركت فيها ضد أمريكا واسرائيل وأمن الجامعة والجماعات الاسلامية ــ التي شهدت قمة ازدهارها في ذلك الوقت ــ وعندما أتذكر مجلات الحائط التي سهرت عليها من أجل حرية المرأة أو يوم الأرض الفلسطيني أشعر بالعبث؛ لا لأن هذه الأشياء لم تكن تستحق الغضب بل لأنه كانت هناك أسباب متوفرة للغضب اليوميّ لم يفكر أحد في صياغة أية جملة عنها أو اعتراضاً عليها؛ مثلاً لم يكن يوجد حمّام للبنات في كلية الآداب! كان من العاديّ أن تدفع نقوداً لدخول حمام الأساتذة سراً، أو أن تذهب الطالبة إذا كانت مقتدرة إلى إحدى الكافيتيريات القريبة. كانت عادة كافتيريات معتمة من الداخل كأنها تبيع شيئاً غير الطعام والشراب، حيث يجلس رجال كبار السن مع سكرتيراتهن الصغيرات، ويكون على الطالبة أن تشتري شيئاً أولاً قبل أن يفتح لها بوابة النعيم في حمّام عادة ما يلخص قبحه حداثة الثمانينيات. كان هناك آلات تصوير في مكاتب ضيقة لا تعمل أو تشعر عندما تنظر إليها أنه من الأفضل أن لا تعمل، وانتظار أساتذة من المفروض أن يصلوا من القاهرة أو الاسكندرية أو طنطا ولا يصلون. أتذكر أني رأيت الدكتور محمد السباعي، الأستاذ الشهير في تدريس اللغة الفارسية، أقل من خمس مرات طوال الأربع سنوات التي كان من المفروض أن يعلمنا فيها. كان هناك طالب دراسات عليا يأتي كدوبلير له بدون اعتذار ولا مقدمات، وكان ينطق الفارسية برقة عربية مسبّلاً صوته في اتجاه الطالبات.

وصل إلى فصلنا في السنة الثانية طالب روسي أشقر، لا أعرف أي قدر أرسله إلى هذه الخرابة من أجل إكمال معرفته التي كانت أفضل منا كثيراً باللغة العربية. كان لحضوره دور في أن يمارس الأساتذة خفة دمهم على لكنته، وكان هدفاً لدخول الجنة عند الكثير من الطلاب الذين يمشون خلفه في كل مكان ليقنعوه بدخول الإسلام لأنه الدين الحق. بعد شهرين أو ثلاثة بدأ هذا الطالب يجلس في آخر المدرج، ويصرخ في أي شخص يقترب منه، بدأ يأتي بملابس متسخة وشعر طويل وبعيون لم تنم، وخيل إليّ أنه لم يعد أشقر كما رأيناه أول مرة. ذات يوم اختفى من الكلية ولم نره أبداً بعد ذلك.

مرة كنا نتدافع إلى فصل قاعة المحاضرات عندما شعرت بطالبة خلفي تصرخ بفزع أن أنتظر، وقف خلفنا طابور من الطلاب يتفرجون؛ قوة عمياء شبكت الأنسيال الذهب بشراشيبه وأحصنته وجِماله وجنيهاته –كان ذلك موضة ذلك الوقت– المربوط حول معصمها الأيمن في خيوط التريكو الزرقاء فوق كتفي الأيسر، لعدة دقائق كانت طالبات ما يساعدن في تسليك خيط الذهب من خيوط الصوف، كانت النتيجة مروعة بالنسبة لي فقد تم عمل خرم محترم في كتف البلوفر ولم تعتذر صاحبة الذهب بعد أن استردت ثروتها.

محمد المخزنجي
بعد أن قرأت رشق السكين، ورغم أن كثيرين من شيوعيي المدينة والجامعة كانوا ينتقدون محمد المخزنجي باعتباره "ليس شيوعياً" ولا "مناضلاً"، أصبح حلمي أن أقابله. في يوم من بداية دراستي في السنة الثانية، انتظرنا في ساحة الجامعة أن يأتي أستاذ ما لمحاضرة ما ولم يأت. ذهبت لأتمشى في شارع الثانوية في اتجاه النيل وفجأة وبدل من أن أدخل على الكورنيش يميناً اتجهت يساراً ثم يساراً آخر لأدخل إلى بوابة مستشفى الأمراض النفسية بالمنصورة. على البوابة سألت الحارس عن دكتور محمد المخزنجي وسمح لي بالدخول، ومن شخص لشخص وجدت نفسي في فناء مليء بالنزلاء.

كان هناك امرأة في ثلاثيناتها تغطي شعرها بشال أحمر، جاءت في اتجاهي لتسألني عن محمود. بعد ذلك سأراها مرات في زيارات تالية وهي تمشي في دوائر لتعيد نفس السؤال على كل من ينظر إليها. في طرف الفناء كانت هناك غرفة صغيرة تشبه غرفة التليفون في دوار عمدة، وفي هذه الغرفة التي تحتوي على مكتب بسيط وكرسي واحد كان يجلس الشخص الذي سيزرع بداخلي الشك في فكرة الأيديولوجيا النهائية والمتماسكة، ربما بدون قصد.

قابلت المخزنجي في لحظة من حياته كان قد عبر فيها كل التجارب التي يمكن أن تقدمها مدينة كالمنصورة لكاتب مثله، ربما نفس التجارب التي كنت أهفو لمعيشتها: الانخراط في النشاط السياسي ثم الانسحاب منه بوعي، الرهان على الحب ثم التسليم بخسارته، تحمل مسؤلية الأسرة حتى تصل لبر أمان ما ثم اكتشاف وهم وجود هذا البر، رعاية مرضى نفسيين قليلي الحيلة في مستشفى المنصورة والتورط في قصصهم ومحبتهم لسنوات ثم اكتشاف الرغبة في ترك هذا الجنون والذهاب لمكان آخر. كنت في التاسعة عشر من عمري، ممتلئة بالأمل ليس في المستقبل وحسب بل ربما في أن يكون لي دور ما في تغيير العالم، فتاة موزعة بين آباء وزعماء ونصوص وهويات ومتأرجحة بين السياسة والأدب بينما كان هو الذي يكبرني بأكثر من ستة عشر عاماً يمارس هوايته الوحيدة ككاتب بل وككاتب وحيد بامتياز.

منذ أول لقاء بيننا عرفت أنني أحب أن أكون معه، وأنه يقدم لي هدايا لم يقدمها لي أحدٌ من قبل: متعة الارتباك أمام أسئلة وليس اجابات، متعة الحكي وليس التوجيه، متعة الضحك وليس الاتفاق في الرأي والهدف. مرة عاكسني جنود يجلسون في أحد عربات الأمن أمام باب الجامعة وأنا في طريقي إلى مكتبه في المستشفى، وصلت إليه في سمت الفيمنست الغاضبة بآراء عن تخلف الجنود وجهلهم، ابتسم مقترحاً أنهم لابد ينتظرون بملل في الحر منذ الصباح وعندما يرون بنتاً جميلة وصغيرة فمن حقهم أن يعبروا عن السعادة  مرة أخرى كنت أقول له باستياء أن زميلين شيوعيين اكتشفا أن زعيماً طلابياً شيوعياً في كلية الطب لا يعرف بنود البيان الشيوعي! فقال لي ولماذا يكون على أي أحد أن يحفظ بنود البيان الشيوعي؟

قدمني المخزنجي لقراءات كثيرة لم يكن ممكناً في ذلك السياق أن أتعرف عليها وحدي منها ماركيز وناتالي ساروت وأدجار آلن بو وشعراء السبعينيات وغيرهم. كان أول من جعلني أشعر بمجرد قراءة قصيدة أمامه أين تكمن ادعاءات الكتابة، وأن انتبه بشكلٍ طبيعي لأهمية الحذف والبعد عن التقعر والقواميس ولكن الأهم من ذلك هو الشعور بالأمان من مجرد أنه يعيش في نفس المدينة، شعور بالطراوة وبنضارة الأشياء كان يتلبسني عندما نلتقي.

لم يعاملني المخزنجي أبداً كحبيبة محتملة. أعتقد أن أمانته الشخصية واحساسه الأخلاقي بالمسؤولية عن فتاة وصلت لحياته في لحظة خاطئة، متأخرة أكثر من اللازم، صغيرة أكثر مما يجب، جعلاه أيضاً مرتبكاً بين تقديم أبوة روحية حيث يقف مني على مسافة من الوعي والخبرة بالحياة وبين ممارسة صداقة كان من الصعب إثبات نديّتها. ذات ظهيرة أخذني إلى مكان لطيف على نيل طلخا للغداء، كانت تلك هي المرة الوحيدة التي أذهب معه لمكان كهذا. ولا أظن ذلك كان يمكن أن يحدث إلا لأنه جهز حقائبه بالفعل للسفر إلى كييف في نفس الأسبوع، ولأجل غير مسمى. يومها وضعت الكحل لأول مرة في حياتي ولم أكن أعرف كيف أقوم بذلك باتقان. عندما جاء الحساب توترت لأنه سيدفع ذلك المبلغ الكبير من وجهة نظري وأنا عادة أدفع حسابي كفتاة "ماركسية مستقلة" في أي مكان أذهب إليه. غطيت توتري بالضحك: "أنا ماليش دعوة". سفر المخزنجي إلى كييف كان بداية شعور خفيّ بالفقد وأحياناً باليتم خلال السنتين المتبقيتين لي في الجامعة. رغم انخراطي في الكثير من الأحداث وتصور الكثيرين أنهم يحبونني وتحولي إلى مصدر إلهام في قصائد كانت تبدو مهمة في ذلك المشهد الأدبي –بالطبع ليس من أجلي بل بسبب قانون الندرة الذي كان سيجعل أية فتاة في مكاني تحظى بالانتباه والتميز– فلم أدخل في أية علاقة عاطفية حتى تركت المنصورة. بدوت محمية بذكرى حبيب غائب، ومحصنة ضد أية رغبة في الدخول في تجارب. في تلك الفترة بدأت أمارس هواية المشي من مبنى الكلية إلى مستشفى الأمراض النفسية ومنها إلى الشارع الذي تسكن فيه أسرته قرب وسط المدينة. كنت أمشي ممتلئة بحضور المخزنجي وباحثة عن علامات وجوده في الطرقات.

انخراط في الجماعات
فشل ما توقعته من تعلم أو معرفة داخل الجامعة وغياب المخزنجي من حياتي كان قوة طاردة دفعتني للانخراط أكثر في نشاطات شتى سأنسحب بالتدريج منها فيما بعد. نادي أدب جامعة المنصورة والذي تعرفت عليه منذ سنتي الجامعية الأولى كان نتاج مشهد أدبيّ ثريّ في المدينة وكان أيضاً ساحة صراع أيديولوجي بين الجهاد والشيوعيين من ناحية وبينهما معاً ضد ما يسمى بـ"أمن الجامعة" من ناحية ثانية. لقاءات هذا النادي كانت تتم كل يوم خميس في الحادية عشرة ظهراً، كان هناك طاولة كبيرة وأنيقة يمكن أن يجلس حولها أكثر من عشرين شخصاً وكانت قاعة الاجتماع نفسها فسيحة ومرتبة ولها شبابيك زجاجية كبيرة يمكنك أن ترى منها الأشجار وأحواض الزهور من ثلاث جهات. كان التيار الإسلامي يمارس معاييره الأدبية من خلال شخصية أساسية لها حضورها وتأثيرها في الجامعة كلها خلال منتصف الثمانينيات؛ محمود الزيات والذي كان طالباً في كلية الهندسة منذ سنوات طويلة وكان غنياً لدرجة أنه لم يكن يهتم بالتخرج. الزيات كان منخرطاً في تنظيم الجهاد كمُنظر وفيلسوف، وكان يمشي وحوله هالة تبدأ من غموض النظارة الشمسية التي يرتديها في كل مكان، ولا تنتهي بمريديه الذين يقرأون نصوصهم وعيونهم على تعبيرات وجهه، ولا بهدوئه وقصائده الجميلة وصوته الرخيم وبيت له وحده في وسط المدينة يتردد عليه المهمومون والمأرّقون في أي ساعة من الليل.

كان هذا الأب الروحي لفلول من الكتّاب الشباب في منتصف ثمانينيات المنصورة هو أحد الألغاز التي قابلتها في تلك السن الصغيرة؛ ورغم التحذيرات الكثيرة من شيوعيي المرحلة الذين يرون أنني أنتمي لهم بألا أقترب من هذا الشخص البتة، بدأت صداقتي الغريبة به من تقارب ذوقنا الشعري رغم اختلافنا البين في كل شيء آخر. لقد كنت أشك بسبب انتقاءاته وتحيزاته للشعر في هويته المنَظمة سياسياً ودينياً من الأساس. كان يخيل لي أن لديه حياة أخرى غامضة وفي خلال سنة وجدت نفسي مشتركة معه في برنامج قراءة مكثف يبدأ بسيد قطب والمودودي ويشمل الكثير من الأوراق والأبحاث الجهادية النظرية التي لم تكن تخلو من ذكاء وتماسك. ادعى الزيات –أو هكذا أظن الآن– أنه يقرأ الماركسية عبر استعارته لكتب كثيرة مني. كان ذلك يرضي غروري باعتبار أن نقاشاتنا متكافئة، وأن كلينا يبحث عن شيء ما. تطورت نقاشاتنا حول ما نقرأه سريعاً إلى صراع خفيّ بين الجهاديين والشيوعيين حول استقطاب رفيقة أو أخت ممكنة. لم "أرتد" عن قناعاتي ولم تبدُ علامات الإيمان عليّ وبالطبع لم يكن مطروحاً أن يحدث له ذلك، وتحولت تلك الصداقة إلى حرب معلنة بيننا، كما بين طابورين من المدعمين للطرفين. أصبح يقضي وقته في فناء كلية الآداب رغم أنها تقع خارج الحرم الجامعي حيث توجد كلية الهندسة وأصبح له عيون إذا غاب لتتابع وتحوّل حياة أي طالب يتحدث مع الشيوعيين أو يقترب منهم إلى جحيم.

مؤكد أنني أتحدث عن زمن آخر يبدو خيالياً في 2010 ولكنه كان واقعاً ويومياً في 87 و88 من القرن الماضي. أتذكر لحظة الوصول للجامعة وكأنها استعداد لمعركة ممكنة بالأيدي والأظافر إذا لزم الأمر. مرة قطع أحد الاسلاميين مجلة حائط لي بمجرد ما أن أتممت تعليقها، في المرة الثانية وقف الزيات يحرس مجلتي التالية مدافعاً عن حرية التعبير ومشجعاً فلولاً من أتباعه ليكتبوا ويعلقوا أقذع الشتائم بجانبها. لعب دوراً في تجييش كل الطلاب المتأسلمين ضدي في انتخابات اتحاد طلاب الكلية في السنة الرابعة، وأصبح مستحيلاً عليّ أن أدخل نادي الأدب الذي ذهبت إليه آخر مرة في بداية ذلك العام مع نبيل القط وعبد المنعم الباز فوجدنا رجالاً ملتحين وقويي البنية وفي يد كل منهم قصيدة لابد أن الزيات نفسه قد كتبها لهم. استمر بعض الليبراليين والشيوعيين في مواجهة أسلمة نادي الأدب بتفانِ حيث رأوا أن مهمتهم الأساسية منع تأثير هذا الزعيم على القادمين الجدد. وبدأت في سنتي الجامعية الأخيرة أنسحب من الصراع مع الأعداء إلى التعالي عليهم. أتذكر أن أكثر الكلمات التي كانت على لساني في تلك الفترة كانت من قبيل "متخلف"، "رجعي"، "عفن".

بعد التخرج بسنوات كان الزيات قد مر بتجربة السجن التي غيرته كثيراً بطريقة ليس هنا مجال لوصفها. كنت أعيش في القاهرة بقلق يختلف عن سنوات المنصورة. تقابلنا مرات كأصدقاء ليس لديهم قناعات يموتون من أجلها ولا رغبة في استقطاب عضو جديد لتنظيماتهم السياسية. بدأت أكتشف خفة دمه وبعض آلامه التي تظهر في حسه السوداوي المتهكم على نفسه وعلى العالم. معرفتي بالزيات كانت واحدة من تجاربي الهامة في سنوات الجامعة، كانت طريقتي في أن أكون مستقلة نسبياً عن الأخوة الشيوعيين، أن أجرب شيئاً لا يخلو من خطورة على مسئوليتي الشخصية، وكانت أول تجربة عزل وأذى لا تخلو من قسوة مررت بها من أجل ما كنت أعتقد أنه "قناعاتي". لا أستطيع أن أحدد الآن ماذا كانت تلك القناعات، ما أهميتها؟ إلى أي حد شغلت ساعات وأياماً وسنوات؟ ولكن لابد أنها كانت هناك. ربما، على أي حال، كانت تستحق النضال من أجلها.

بيت لي وحدي
التحاق طلاب من قرى ومدن بعيدة بالجامعة كان يعني أن أمامهم عدة اختيارات – ربما كلمة "اختيارات" غير دقيقة لأنها لم تكن ترتبط فقط بالمزاج الشخصي بل بالوضع الاجتماعي والطبقي؛ إما السفر اليومي بين بيت الأهل والجامعة حيث المواصلات العشوائية على الطرق الزراعية والحوادث والانتظار تحت المطر أو في الحر لساعات أحياناً، أو السكن في المدينة الجامعية وتناول وجباتها الرديئة والالتزام بالتواجد تحت نظر المشرفين في الثامنة مساء وعدم الاقتراب من المظاهرات أو إظهار التدين الشديد لأن نتيجته المباشرة هي الطرد من جنة الدعم الحكومي. كان هناك بعض الطلاب ممن عندهم المال والشجاعة ليشتركوا في إيجار شقة مما يسمح لهم بحرية التعرف على المدينة، ويجعلهم مسئولين عن طعامهم وأوقات عودتهم. الصدفة وحدها جعلتني خارج هذه الاختيارات؛ لقد عشت سنواتي الجامعية في شقة لي وحدي في الدور الرابع من عمارة مكونة من خمسة أدوار تقع على بعد دقائق مشي من كلية الآداب. كان خالي المدرس يعيش مع أسرته في شقتيّ الدور الثاني وتعيش خالتي المدرسة أيضاً وأسرتها في شقتيّ الدور الثالث، وكانت الشقة الوحيدة المؤجرة في بيت أسرة أمي تقع أمام شقتي وتسكنها سيدة في العشرينيات مع ابنها الذي اسمه وحيد بينما الدور الخامس مغلق في انتظار أن يكبر أولاد الخال أو الخالة ويتزوجوا فيه.

بيت لي وحدي في سنوات الجامعة كان خبرة مؤثرة في شخصيتي وعاداتي ومعاناتي في المستقبل من الحياة مع آخرين. لم يكن للأمر علاقة بـ "الحرية"؛ بالطبع كانت هناك رقابة سكان الأدوار السفلى، عندما أتأخر عن التاسعة في اجتماع بنت الأرض أو بالذهاب للسينما، في المشي على الكورنيش وشرب الشاي في مقهى أدريانا أو في قراءة شعرية أرمي حجر صغير في شباك غرفة أميمة ابنة خالي حتى تفتح نور البلكونة فأعرف أن الطريق أمان حيث خالي في الشقة الأخرى أو في الخارج. عندما تطفيء النور أو تفتحه لتطفئه يكون عليّ أن أتمشى بعض الوقت حتى تأتي الإشارة بأن الوقت مناسب للدخول. مرة ذهبت مع بنات بنت الأرض (هالة اسماعيل وثريا عبدالراضي) إلى القاهرة منذ الصباح؛ كان يوماً لا يُنسى قابلنا فيه عبدالعزيز جمال الدين في مقهى علي بابا، كنا نعرفه بسبب مجلته مصرية وكان يساعدنا متبرعاً في الإخراج الفني لمجلة بنت الأرض، وقابلنا سناء المصري في مقهى آخر وكانت أول مرة أتعرف عليها وبعد ذلك حضرنا ندوة في شارع ضريح سعد في جمعية نوال السعداوي النسائية وعدت للبيت حوالي الحادية العشرة مساء فرميت حجر صغير في شباك بنت الخال وأضيء النور فدرت حول البيت ووضعت المفتاح في بوابة المبنى كالمعتاد .. وجدت خالي أمامي ينتظرني وعلى وجهه تعبير: "عرفت أفعالكن أيتها الخائنات."

إذا وضعت هذه الرقابة وبعض المواجهات الحادة مع خالي جانباً، إذا تناسيت ذلك الرعب من التخبط في قطة نائمة في سلام أثناء صعود السلالم ليلاً، فتلك الشقة كانت إحدى هدايا السماء التي لا تتوقعها فتاة في وضعي. أتذكر سعادة لصق رسومات على الحائط والجلوس في البلكونة في ساعات الليل أستمع إلى الموسيقى حيث مصابيح الشارع الممتد والمحلات التي تغلق بالتدريج، الاستيقاظ في الصباح بكآبة خفيفة لم يكن ليخدشها إفطار عائليّ أو الاضطرار للحديث مع أحد. كان يمكن أيضاً ترك كتاب مفتوح على الأرض أو قصيدة لم تكتمل على السرير.

أخوة الأدب
بدأنا نُدعى لنقرأ في قرى ومدن صغيرة، وما زلت أذكر بهجة التجمع في مبنى كلية أو أمام بوابة الجامعة: السؤال عن المواصلات، الميكروباسات المجنونة على طرق زراعية، وجلوسي منكمشة بين رجال– شباب من الشعراء؛ كنت أبدو دائماً بينهم كأخت صغرى ليس لحجمي وحسب ولكن ربما –أظن الآن– أن التوتر المكتوم بسبب "الجندر" كان يتم تحويله إلى أخوة أدبية وتضامن سرب صغير ضد قطيع العالم الخارجي الذي كان بالضرورة غير أدبي. أتذكر الوصول لمكان القراءة معاً وكأننا فرقة موسيقية؛ إحساس لطيف بروح "العازفين" فيما بيننا. كان من يدعونا عادة طالب آخر في الجامعة وله في السياسة أو الأدب أو كليهما، لكن وللصدق، كان يحدث ان نتواطأ أحياناً مع طالب وجيه في قومه، يريد أن يُحضر شعراء إلى مضيفة أو نادي شباب قريته وأن يعزمنا على طعام دسم في بيت والده. ذهبنا إلى أماكن لم أر بعضها بعد ذلك: بدواي، أجا، بلقاس، المحلة، المنزلة، ديم الشلت .. كيف لم يستوقفني أني البنت الوحيدة عادة وأبداً؟

في مساء يوم جمعة كنا مدعويين إلى نادي شباب منية النصر، كان حماسي كبيراً لتلبية دعوة هشام قشطة الذي كنت قد تعرفت عليه منذ سنوات. ولكن كانت خطوبة ابنة خالي أميمة التي هي صديقة طفولتي في نفس اليوم. بعد تردد قررت الذهاب إلى الندوة!  لابد أن تياراً ما كان يجرفني بعيداً عن صديقات الطفولة، فحين حضرت فرح نفس ابنة الخال بعد ذلك بعام فوجئت بأنني فقدت مكاناً كنت أشغله قبل ذلك والآن نسيت وجوده: لم تسألني العروس عن رأيي في الفستان أو المكياج، لم أكن قادرة على المساهمة في احترام الطقوس أو المجاملات. أنوثة صديقات الطفولة في حميمية الحكي والاشتراك في تفاصيل الحفل وفي الرحلات الدؤوبة إلى متاجر السكة الجديدة ازدهرت واستقرت بينما أنا خارجها. لديّ صورة من هذا الفرح. أبدو فيها بنظارة سميكة وقوام منحن قليلاً، وجهي ليس واضحاً بسبب انعكاس الفلاش على زجاج النظارة.

وصلت إلى منية النصر مع شعراء أذكر منهم محمود الزيات ومحمد عبدالوهاب السعيد وأحمد الخضري وآخرين. كان في انتظارنا هشام قشطة وفنان تشكيلي يساريّ التوجه يحتفل بافتتاح معرضه الأول في نفس القاعة اسمه عاطف وبدأ ألم عنيف يضرب بطني. في نادي الشباب حيث لا فتاة غيري، بدأ الكابوس بإدراك أنها بداية الدورة الشهرية. ادعيت الصداع حتى أذهب إلى صيدلية وأشتري فوطاً صحية لكن أحد الشعراء الحنونين أصر أن يأتي معي لأني لا يجب أن أمشي وحدي في مدينة غريبة، وبعنف لعله بدا غير مبرر صممت أنني لا أريد منه أن يصحبني. مؤكد أنه كان مرعباً مجرد تخيل أن أخاً في الأدب يراني أشتري شيئاً كهذا. مشهد آخر في الكابوس بدأ بعد أن عدت ظافرة بالفوط مخبأة في قعر الحقيبة: لا يوجد حمام في نادي الشباب، فقط مبولة شديدة القذارة وبابها لا يغلق. بعد نجاحي في حماية البنطلون من أية بقع دموية محتملة ظل أصدقائي يسألونني عن الصداع فأقول من قلبي: الحمد لله. بدا الصداع ولا يزال مقبولاً أكثر من آلام البطن. أقل سرية، وبالتأكيد أقل أنوثة وسط إخوان الأدب.

 

(نشر النص في العدد العاشر من مجلة أمكنة)