يفند الكاتب العراقي هنا بعض الاتهامات التي وجهت إلى الرواية، أو بعض التفسيرات التي ألحقتها بعدد من المقابسات الشكسبيرية، كاشفا عن جوانب متعددة وخاصة من منظور التحليل النفسي للشخصيات في هذه الرواية الجميلة المفتوحة على الكثير من التأويلات، والتي ستظل قادرة على مدنا بأكثر من قراءة.

«موسم الهجرة إلى الشمال» .. والمقابسات الشكسبيرية

ناجح فليح الهيتي

قرأت وأنا وتلميذ في مرحلة الدراسة المتوسطة كتابا للأديب اللبناني الراحل فؤاد سليمان عنوانه (درب القمر) كتب مقدمته الأديب الكبير الراحل ميخائيل نعيمة وكانت عن عجيبة الحرف كيف أن الحروف تترابط مع بعضها وتشكل الكلمة، وكيف أن الكلمات تتآلف فيما بينها فتشكل الجملة، وكيف تقوم الجمل بنقل الصور المادية والحسية الى القارئ، وما تخلفه في نفسيته من اثر. وقد قادتني المقدمة والكتاب إلى الشاعر نزار قباني وديوانه (الرسم بالكلمات) وقادني ديوانه الرسم بالكلمات الى رواية (موسم الهجرة الى الشمال) والى اللغة التي كتب بها الطيب صالح روايته ورسم فيها البيئة والشخصيات بدقة مبدعة، ونفذ بها الى الدواخل والحالات النفسية لتلك الشخصيات ببراعة فائقة. فكأني به يمتطي فرسا عربية أصيلة يمسك زمامها بيده، يسيرها حيث يشاء ويوقفها أين أراد. كأنه أبو الطيب المتنبي راكبا حصانه في شعب بوان أو في صحراء الأرزن مع عضد الدولة واصفا الصيد ومنشدا أرجوزته اللامية المشهورة التي مطلعها:

ما أجدر الأيام والليالي           بان تقول ما له وما لي

تذكرت ذلك واسترجعته حين انتهيت من قراءة ما كتبه الاستاذ صلاح نيازي عن رواية (موسم الهجرة الى الشمال) على صفحات ثقافات إيلاف وعلى صفحات ينابيع العراق الثقافية بعد أكثر من أربعين عاما على نشرها أول مرة والذي ضمن ما كتبه حسب اعتقاده حقيقتان وملاحظات قاربت السبع صفحات من القطع الكبير .إن معلوماتي عن الطيب صالح انه درس العلوم في بلده السودان، ومارس التدريس فيه بعد تخرجه، قبل أن ينتقل إلى بريطانيا ويدرس في إحدى جامعاتها، ويحصل على درجة علمية أخرى، اعتقد أنها كانت في فن القيادة أو الإدارة أو التنظيم ويعمل في الإذاعة البريطانية. كما أني أرى أن الرواية لم تتخذ الأجواء السودانية المحلية ذريعة لان أحداثا هامة منها قد جرت في تلك البيئة، وأصحح أن من كان يلقب مصطفى سعيد (الانجليزي الأسود) زملاءه في الفصل الدراسي إعجابا به وحقدا عليه وليس أهل القرية . اما ان الرواية مشحونة بالثقافة الاوروبية ولا سيما المسرحيات الشكسبيرية فأريد ان اوضح شيئا واقول: إن التوربينات المولدة للطاقة الكهربائية تدار بقوة الشلالات أو بقوة مياه السدود المبنية على الأنهار، وهى امتداد متطور لدواليب الماء والطواحين المائية التي كانت تدار بقوة المياه في الزمن القديم، وان العجلة الموجودة الآن في السيارات والقطارات والطائرات هي امتداد متطور أيضا للعجلة الآشورية، وأن في الحياة بديهية معروفة مفادها (ليس هنالك شيئ وجد من العدم)، وان هذه البديهية تنطبق على العلوم مثلما تنطبق على الآداب والفنون والفلسفة والعلوم الانسانية الاخرى، وقد سمعت معنى هذا وانا غلام صغير يردده احد المذيعين، حين كان يقدم برنامجا ثقافيا من احدى الاذاعات، مرافقا للّحن المميز للبرنامج بكلام موزون ومقفى قائلا :

 يا صاحبي تعجبا لملابس              قد حاكها من لم يمد لها يدا

 كل الثياب يحول لون صباغها         وصباغ هذا حين طال تجددا

أما ان الملاحظات ليست دراسة للرواية بقدر ما هي تتبع لأبطال بعض الروايات الاغترابية وكيف تكيفوا للعيش بأوروبا، وكيف تفاعلوا مع بيئاتهم الاصلية، فاقول: ان قراءتي للملاحظات قد بينت انها لم تتمكن من تتبع ذلك، ولم تستطع الافصاح عنه وايضاحه، لان الاغتراب موقف من الحياة، وهو لا يعني التغرب، وقد يؤدي التغرب إلى الاغتراب في حياة بعض الناس، وقد لا يؤدي التغرب الى الاغتراب في حياة البعض الآخر، وقد تكون حياة بعض الناس اغترابا وهم يعيشون في اوطانهم بين اهلهم وذويهم واصدقائهم، ومن أراد تتبع الشخصيات الاغترابية قام بدراسة منهجية نفسية لأبطال تلك الروايات وحلل شخصياتها من الناحية النفسية وبين ما كانت تعانيه من امراض نفسية، أو ما كانت تشعر به من مركب نقص، كما فعل الراحل الدكتور علي كمال الاخصائي في الطب النفسي في دراسته القيمة (المتنبي والنفس )المنشورة في العدد الرابع من مجلة افاق عربية في كانون الثاني 1977، على الرغم مما بذله الدكتور كمال من جهود مضنية لإعداد الدراسة واكمالها. لأنه قام بتحليل شخصية المتنبي من خلال قراءة ودراسة شعره، لعدم وجود سيرة ذاتية مكتوبة عن حياة المتنبي، وللغموض الذي يحيط بحياته الخاصة، ولبعد الفترة الزمنية التي عاش فيها عن زمن اعداد الدراسة بما يزيد على الألف عام. بينما تفصح الرواية بشكل تام عن شخصياتها وتصف احوالهم النفسية بدقة وتوضح البيئة السودانية المحلية والبيئة الانكليزية التي جرت احداث الرواية فيها. وان الرواية كتبت في فترة زمنية قريبة يمكن للدارس او المتخصص معرفتها والاحاطة بها جيدا والكتابة عنها.

واني ادعو المتخصصين في الآداب وفي علم النفس وفي الطب النفسي لدراسة (التقابل والتعارض) في شخصيات رواية موسم الهجرة الى الشمال (مصطفى سعيد –الراوية )، (جين مورس- حسنة بنت محمود)، (ام مصطفى سعيد--مسزز روبنسن(، (الشيخ احمد –ود الريس ) وغيرها من الشخصيات المتقابلة المتعارضة، كما ادعو لدراسة اجتماعية تتناول البيئة السودانية المحلية والبيئة الانكليزية، او بشكل اوضح دراسة العائلة السودانية والعائلة الانكليزية، وبكلمة ادق دراسة التماسك العائلي في المجتمع الزراعي السوداني، ودراسة التفكك العائلي في المجتمع الصناعي الانكليزي، والقيم والعادات السائدة اجتماعيا في كلتا البيئتين وآثارها على شخصيات الرواية، أي دراسة التقابل والتعارض في البيئتين، وساقدم هنا دراسة موجزة لشخصية مصطفى سعيد وشخصية الراوية، متخذا الخطوات التي اتبعها الدكتور علي كمال في دراسته لشخصية المتنبي منهجا اتبعه (على الرغم من اني لست اخصائيا نفسيا)، واقيس شخصية كل منهما بمقياس ايزانك لقياس الشخصية، وابين الخصائص النفسية البارزة لكل من الشخصيتين مركزا على شخصية مصطفى سعيد، وما كان يعاني من الناحية النفسية، وموضحا اثر العوامل التي ادت الى تكوين شخصيته ومحللا ما كان يشعر به من مركب نقص وما عاناه في حياته من ازمات نفسية كان لها الاثر في تكوين شخصيته وسلوكه في حياته اللاحقة.

 

 

في الشكل دائرتان صغيرة وكبيرة، يقطع كل منهما في الوسط قطران متعامدان، ويقسم كل منهما الى اربعة اقسام، يضم كل قسم من الاقسام الاربعة في الدائرة الصغيرة مزاج من الامزجة الاربعة التي قال (جالينوس) انها تمثل امزجة الانسان، اما الدائرة الكبيرة فان كل قسم من اقسامها الاربعة يحتوي قسما من اقسام الدائرة الصغيرة اضافة الى خصائص ثمانية تتوافق مع طبيعة المزاج في الدائرة الصغيرة، ويقسم القطر الافقي الدائرة الكبيرة الى قسمين اعلى واسفل، يحتوي القسم الاعلى على خصائص الشخصية غير المتزنة كما يشير القطب الاعلى، ويضم القسم الاسفل إلى خصائص الشخصية المتزنة كما يشير القطب الاسفل، كذلك يقسم القطر العمودي الدائرة الكبيرة الى قسمين ايمن وايسر، يضم القسم الايمن خصائص الشخصية الانبساطية كما يشير القطر الافقي في نهايته اليمنى، ويضم القسم الايسر من الدائرة الكبيرة خصائص الشخصية الانطوائية كما يشير القطر الافقي في نهايتها اليسرى، وعند القيام بقياس الشخصية تكون الخصائص الغالبة او الاكثر عددا هي التي تحدد شخصية الانسان.

وعند تطبيق ما في الرسم على شخصية مصطفى سعيد نجد ان 12 خصيصة او سمة من مجموع 16 تميل الى عدم الاتزان (نشيط، اندفاعي، متقلب المزاج، عنيف، غير مستقر، هادئ، غير اجتماعي، كتوم، متشام، متصلب، ، قلق، مزاجي)، في حين ان 7 خصاص من مجموع 16 تميل الى الاتزان في النصف الاسفل من الدائرة (طموح، متحدث، ذو حيوية، القابلية القيادية، سلبي، حذر، موثوق به) اما الصفات والخصائص التي ترجح انه ذو شخصية انطوائية فهي 10 خصائص من مجموع 16 (مزاجي، قلق، متصلب، متشائم، كتوم، غير اجتماعي، سلبي، حذر، موثوق به، هادئ)، اما خصائص شخصيته الانبساطية فهي 9 خصائص من مجموع 16 (غير مستقر، عنيف، متقلب المزاج، اندفاعي، نشيط، طموح، متحدث، ذو حيوية، القابلية القيادية) وهي خصائص نجد انها لا تنقص الا خصيصة واحدة عن خصائص شخصيته الانطوائية.

ومن ذلك يتبين ان مصطفى سعيد يجمع في شخصيته خصائص متعددة من الامزجة الاربعة وكلها ذات تأثير في نفسيته، الا ان الغلبة تكون للخصائص الاكثر عددا عند القياس، فهو يمتاز بشخصية غير متزنة انطوائية لكنه يجمع في شخصيته خصائص مهمة كثيرة من خصائص الشخصية الانبساطية وخصائص لا باس بها من خصائص الشخصية المتزنة، وعند تجميع وقائع من احداث الرواية تخص حياته للقيام بتحليل نفسي لشخصيته، فاني اجد انه مقطوع من شجرة، عاش طفولة شقية خالية من العطف والحنان، مات ابوه قبل ان يولد، لم يكن له اخوة او اخوات، لم تكن علاقته بأمه، علاقة طبيعية كما وصفها هو، شخصان التقيا صدفة وسار كل منهما في طريق. اختلافه عن اقرانه كما قال ايضا لا يتأثر بالعواطف مثل كرة المطاط، شعوره بالحرية وهو صغير وفرحه بها لعدم وجود رقيب يحاسبه، انعزاله عن زملائه في المدرسة وتعاليه عليهم رغم تقربهم منه لتفوقه ونبوغه في دروسه، ما قالته امه حين اخبرها بسفره الى القاهرة، هذه حياتك وانت حر بها، ان شئت بقيت وان شئت سافرت. وداع امه له بلا عواطف، لا احضان، لا قبل لا دموع، استقبال مسز روبنسن له في القاهرة، تقبيلها له، شم رائحتها، اشتهائه لها جنسيا وهو ابن الثانية عشرة من العمر، كبت ذلك في نفسه.

وصف مسزز روبنسن له انه خالي من المرح، ما قالته زميلة له اثناء دراسته في القاهرة كانت قد احبته، انك لم تعرف الحب في حياتك انك الة صماء. تآلفه مع البحر اثناء سفره الى بريطانيا، شعوره بانه باللامكان وان البحر في تقلبه يشبه القناع الذي كان يغطي وجه امه في حديثها معه، شعوره بالفرق في حياته في بريطانيا بين المثل والمبادئ التي كانت تنادي بها وبين واقع استعمارها للشعوب ونهب خيراتها، أصابته بشرخ نفسي أي انه اصيب بانفصام فكري سببه ما درسه او تعلمه في الكتب والجامعة. وبينما كان يجري في الواقع المعاش. فالف كتبا مناهضة لافكار الانكليز، اقتصاد الاستعمار، الاستعمار والاحتكار، الصليب والبارود، اغتصاب افريقيا، فهو لم يحب الانكليز، كذلك الانكليز لم يحبوه، حديث ريتشارد عنه في الخرطوم انه شخصية غير موثوق بها علميا. التعويض بالجنس عما كان يشعر به نفسيا وما عاناه من كبت جنسي، رائحة ايزابلا سيمور تشبه رائحة مسزز روبنسن، عدم تألمه او شعوره بالحزن حين سمع بموت امه، وهو يمارس الجنس مع امرأة. جين مورس، احتقارها له، اهناتها المتكررة له، مطاردته لها ثلاث سنوات، زواجه بها، عدم إعطاء نفسها له، تعذيبها له اهاناتها له في رجولته، كما قال كنت صيادا فاصبحت فريسة. خيانتها له اقرارها بالخيانة الجنسية وتحديها له قائلة ما انت فاعل، قاضاها الثمن، قتله لها، الحكم عليه بالسجن ثمان سنوات، رجوعه الى السودان بعد انقضاء مدة الحكم، العيش في قرية والعمل في الزراعة، زواجه، انجابه استمرار شعوره بالاغتراب، انه ليس من اهل القرية، لا اقارب له فيها رغم زواجه.

شعور اهل القرية انه غريب عنهم رغم مشاركته لهم في عاداتهم وتقاليدهم، وعدم تخلفه عنهم، حديث الشيخ احمد عنه لحفيده (الراوية) حين سأله عنه، كره التجار له لتنظيمه المشروع وتوفير البضائع وخفض الاسعار وزيادة راس مال المشروع، حنينه الى الماضي، احساسه بالفرق بين المجتمع المنظم في بريطانيا، وبين مجتمع القرية الخالي من النظام. شعوره بانه الاحسن والأجدر، كان يجمع في حديثه مع الراوية بين الضعف والقوة وظهور الطيف الساخر عند الكلام على درجة الدكتوراه التي حصل عليها الراوية، اختفاؤه متعمدا حين وجد من يعتمد عليه ويقوم برعاية اسرته، وصيته وما جاء فيها عن ولديه مكررا، جنبهما السفر ما استطعت.

من هذه الوقائع والاحداث نجد ان مصطفى سعيد كان يشعر بمركب نقص لكونه مقطوع من شجرة، وانه لم ينل ما ناله غيره في صغره من الاطفال من حب وحنان في ظل اسرة، كما لازمه منذ الصغر شعور بتضخم الانا، لتفوقه ونبوغه دراسيا، وعانى كبتا جنسيا في حياته واصيب بانفصام في بريطانيا. فاتخذ الجنس تعويضا لما يعاني منه نفسيا، وهذ ما يذكر بالدكتور جيكل والسيد هايد الشخصية المزدوجة المعرفة بالسينما، والذي كان يمارس المهنة الإنسانية الطب ويقوم بقتل النساء تعويضا عما عاناه من حرمان الحب والحنان في فترة من حياته. والحقيقة ان ما ذكرته جعل مصطفى سعيد شخصية لا تتمتع بالاستقرار، لا في حياته في بريطانيا فحسب، بل في السودان بعد رجوعه وتكوين اسرة مما جعله يتخذ قراره بالاختفاء.

اما شخصية الراوية، فعند قياسها بمقياس ايزانك نجد ان 10 خصائص من مجموع 16 تدل انه شخصية متزنة، و9خصائص من مجموع 16 توضح انه شخصية انبساطية، ولا اريد ان اتوسع بتحليل شخصيته كما فعلت مع مصطفى سعيد واترك ذلك لدارس غيري بتحليل شخصيته، لكني اكتفي بالقول انه عاش تغربا اثناء دراسته في بريطانيا، وكان يحن الى أهله وأصدقائه في بلاد تموت من البرد حيتانها، عاد اليهم بعد انهاء دراسته وحصوله على اعلى درجة علمية، مارس عمله بعد تعينه بصورة اعتيادية، ذو شخصية مستقرة، متوافق مع بيئته ومحيطه، لكن لا يمكن ان يكون خالي الهموم، وانه خالٍ من الأمراض النفسية بشكل تام، مثله مثل اي انسان موجود في الحياة

لا أدري لماذا يذكرني ما جاء في الملاحظات حول رواية موسم الهجرة الى الشمال بما فعله الاقدمون مع ابي الطيب المتنبي حين وجدوا معنى بيت واحد في قصيدة كاملة له نسبوه لشاعر مغمور لم ينتبه اليه المتنبي، وقد يكون لم يسمع به، فاتهموه بالسرقة والفوا الكتب عن سرقاته وأقامو الدنيا واقعدوها، لكن جميع ما كتبوا ذهب ولم يبق منه شيئا وبقي المتنبي شاعرا لا يدانيه احدا يقطع الزمن بخطوات حثيثة منذ اكثر من الف عام، متجاوزا زمننا الحاضر ومتوغلا في الزمن المستقبل الاتي .

تريد الملاحظات ان تؤكد حقيقة ان الطيب صالح كان تحت تأثير مسرحيات شكسبير حين كتب روايته وتبدأ بمسرحية عطيل بعد تعرف مصطفى سعيد على ايزابيلا سيمور وسؤالها له عن جنسه، فاجابها :انه مثل عطيل عربي افريقي، وتضيف الملاحظات :هذه بالضبط الطريقة المختبرية، وكأن المراحل يولد بعضها بعضا، وردا على هذا اقول :ان الطيب صالح استعمل اقصر الطرق على لسان بطل روايته مصطفى سعيد ليعرف بنفسه، لأن عطيل مسرحية كتبها شكسبير، يعرفها الانكليز قراءة في الكتب وممثلة على المسرح، فبدل ان يجيبها انه من السودان وقد لا تعرف هي السودان، واين يقع؟ اجاب انه مثل عطيل عربي افريقي لأنه متأكد ان الانكليز اكثر معرفة بعطيل من السودان، اما الطريقة المختبرية والمراحل مواد كيمياوية يولد بعضها بعضا، فاني ارى ان هذا التشبيه غير موفق وغير دقيق، وارى ان التشبيه الأدق والأكثر توافقا هو التشبيه بنظرية هريشمان (للنمو الاقتصادي المتكامل للقطاعات)، لان النمو في قطاع معين يحفز ويسبب نموا في قطاع اخر، ولما كانت القطاعات الاقتصادية مترابطة مع بعضها فان نموا في قطاع معين يولد نموا في قطاع اخر، وهكذا تنمو جميع القطاعات كما تنمو الاعضاء جميعا في الجسد الواحد.

يرد تساؤل في الملاحظات هل تعبير اوتارها المشدودة صيغة عربية متوارثة؟ ويذكر التعبير بمسرحية مكبث وبوتر الليدي مكبث، واجيب بنعم انها صيغة عربية متوارثة واسال الم يكن (اختلط الحابل بالنابل واشتبك الامر) مثلا عربيا وعجز بيت الحطيئة (اعطي القوس باريها) مثلا عربيا ايضا، وهل يطلق النبل بدون شد وتر القوس؟ ألم يصنع العرب آلة الرباب وآلة القانون والعود؟ ألم يكن لهذه الآلات اوتار، ولكل وتر مفتاح يشد العازف الاوتار بهذه المفاتيح، قبل العزف على الآلة.

وعن قتل جين مورس الذي يعتبر مأخوذا من مسرحية عطيل، فاني ارى ان مصطفى سعيد شخصية عربية عاش طفولته حتى البلوغ في ظل قيم تختلف عن القيم الانكليزية، وان جين مورس عذبته واهانته في رجولته، وكانت تخونه متعمدة متحدية، فقتلها لأنه عربي، اراد ان تكون له وحده كما قتل عطيل ديدمونة، وقال مبررا قتلها: لقد تعبت من مشاركة الفقراء لي بها .

وعن المقابسات الشكسبيرية الاخرى، التصورات النهرية: جاء في الملاحظات ان الانهار عند شكسبير رمزا للموت، وتقتبس من الرواية، الطائر يا مصطفى سعيد وقع في الشرك، النيل ذلك الافعى قد فاز بضحية جديدة، اود ان اوضح ان هنا تعبيران، الاول الطائر وقع في الشرك يعني ان مصطفى سعيد فاز بضحية جنسية جديدة، والثاني ان مصطفى سعيد هو النهر او النيل والمعنى هنا لا يجنح للموت بقدر ما يجنح للجنس، فليس مصطفى سعيد إله تقدم له العذارى اتقاء الفيضان، او خوفا من انتقامه وهذه هي لغة الطيب صالح في روايته، واني اسال، هل كانت الشاعرة الشعبية (فدعة) المعروفة في جنوب العراق وهي لا تعرف القراءة والكتابة متأثرة بما كتبه شكسبير في مسرحية مكبث؟ حين قالت تصف معركة اقاربها وعشيرتها :

يخوضون خوض الماي بالدم

والشاف عركتهم تندم

او هل كان الشاعر البدوي في شمال العراق في منطقة سنجار متأثرا بما كتب شكسبير حين عزف على الرباب، وانشد قصيدة وصف بها معركة وقعت بين عشيرتين؟ منها:

عفية البو وتيوت سيلوا سنجار بدم

وعجزت السواق من نقل الزلم

اما تأثر الرواية بلازمة تتكرر، ان مصطفى سعيد اكذوبة لا وجود له، او طيف او كابوس، فأقول :ان استعمال الطيب صالح لهذه اللازمة من باب نفي لشيء توكيد لوجوده، وعن غرق الراوية كما وصفه الطيب الصالح في الرواية، فان المشهد مألوف لكل من عرف السباحة في الانهار الكبيرة، وانهكه التعب وشدته دوامات الماء، وهو في حالة اعياء، لان الخوف من الموت يشل الجسم، لكن استعمال العقل بالسيطرة على الجسم وحركته والسباحة مع التيار بعد الخروج من دوامات الماء التي تشكل كتلة تدور يبعث النشاط في الجسم ويخلص الانسان من الغرق. وعن الخرافات العربية القديمة والقوى الخفية التي تحرك شخصيات مسرحيات شكسبير وما هم الا تجسيد لأفكار.

إن ما جاء في الملاحظات ينفي ان يجنح خيال الطيب الصالح في البداية الى ذلك لكن تساؤلا يرد: هل بالمثل ثمة قوى خفية في موسم الهجرة إلى الشمال، وما مصطفى سعيد و سواه الا اوعية تتجسد فيها معتقدات بعينها، أو هم وسائط لنقلها؟ وردي على هذا إن أورد شيئا من التراث واعلق عليه، ادعى الشاعر ابو السري سهل بن غالب الخزرجي معاشرة الجن وعاش فيهم وصاهرهم وعرف علومهم وروى اشعارهم وعرف انسابهم وقبائلهم وكتب كتابا عنهم، واشاع انه اخذ البيعة منهم للأمين بن هارون الرشيد وليا للعهد فحظي عنده وعند امه زبيدة وعند الرشيد بحظوة، وكان يكتب شعرا وينسبه الى الشياطين والجن لكن الرشيد قال له (ان كنت رأيت ما ذكرت فقد رأيت عجبا، وان كنت لم تر فقد وضعت ادبا)، ومن قول الرشيد يتبين انه لم يصدق رواية ابو السري ابو سهل بن غالب الخزرجي، وما ينسبه للشياطين والجن، من شعره منذ اكثر من الف ومائتي عام، ، فكيف بالطيب صالح الذي درس العلوم، وعاش في بريطانيا وشهد عصر التكنولوجيا وارسال سفن الفضاء والاقمار الصناعية تدور حول الارض ان يصدق بالخرافات والقوى الخفية.

إما ان للطيب صالح تصورا فلسفيا للتاريخ خاص جدا، وهذا اعطى الرواية بعدا جغرافيا وعمقا تاريخيا في اعماق النفس، فاني أرى ان الطيب صالح لم يتطرق الى هذه الناحية ولم يكن له تصورا فلسفيا للتاريخ لكن له نظرة انسانية شمولية يرى فيها ان البشر سواسية في أي مكان من العالم، وان العدل يجب ان يسود، وألا يكون هناك غالب ولا مغلوب، كما انه لا يؤمن بعامل واحد يتحكم في بني البشر، يؤثر على نفسياتهم واوضاعهم، بل هو يروج للرأي القائل ان جميع العوامل مجتمعة هي التي تؤثر على الانسان وتكوينه (العامل الاقتصادي، العامل الجنسي، العامل النفسي، العامل الجغرافي، العامل الديني، العامل الاجتماعي، العامل الثقافي، عوامل الوراثة الداخلية، عوامل الوراثة الخارجية) وغيرها من العوامل الاخرى، لكن يجب أن توجه هذه العوامل مجتمعة عبر طريق العلم والدراسة الانسان لخدمة اخوانه من بني البشر، وليس استعبادهم ونهب خيراتهم. وعن فشل الأوروبيين في صناعة انسان شبيه لهم من بلدان اخرى، فأقول انهم فشلوا في تغيير عامل واحد من العوامل المؤثرة في الإنسان وجعله مشابها لما يعتنقون وهذا ما ذكر عن حملات التبشير التي كانت تأتي الى جنوب العراق في بداية القرن الماضي، فقد كان المبشرون يجمعون الناس ويقدموا لهم المساعدات، ويلقوا عليهم المواعظ لتنصيرهم واقناعهم بترك ديانتهم الاصلية الإسلام، واعتناقهم الديانة المسيحية، وبعد انتهاء الموعظة كان المجتمعون يرددون بصوت واحد (صلوات على محمد وعلى آل محمد).

وعن تعبير يا سادتي على لسان الشخصية الثانية في الرواية (الراوية) اصبح صوتا تاريخيا فأقول: ان من يكتب لا يكتب لنفسه، وإنما يكتب لنفسه وللأخرين، واورد ما قاله غيري (ان تقييم الرواية العربية بمقدار ما تحقق من تصور للواقع العربي المعاصر من تناقضاته واتجاهاته المتضاربة)، وعن تشبيه الراوية بالنخلة رمزا للأرض وغيرها من الرموز، وان الطيب صالح وضع هيكل الفلسفة التي بنيت عليها الرواية وما تلك الفلسفة الا موقف من الماضي، فأقول :أن هذا التحليل لا يستند على دليل، لكن الطيب صالح كتب عن بيئة احبها وعرف شخصياتها وصورها ورسمها بلغة عربية رائعة، ولم يكن له فلسفة أو موقف من الماضي فهو لا زال مقيما في الغرب يمارس نشاطه هناك، واما ما ذكر ان مصطفى سعيد مخلوق طورت مواصفاته في مختبر انكليزي حسب مواصفات خاصة، فهذا راي مخالف لما جاء في الرواية لان قتل مصطفى سعيد جين مورس وما شهد به زوج ايزابيلا سيمور في المحكمة يبين خطأ هذا الرأي وعدم صحته .

يرد في الملاحظات مقطع مقتبس من الرواية يعلق عليه :في المقطع مفاتيح لا تفتح للأسف أي باب من ابواب :شخصية مصطفى سعيد، واود ان اسال أليست المجتمعات العربية مجتمعات ذكورية وان المرأة فيها ظل للرجل؟ وهل ننسى زوجة احمد عبد الجواد فيما كتبه الراحل نجيب محفوظ؟ واما ما ذكر لو أن الرواية درست دراسة سياسية لكشفت عن ثراء عميق وانها رواية ذهنية، فاني اوضح هنا ان الرواية لم تكن رواية سياسية بالدرجة الاولى، لكنها رواية اجتماعية نفسية تحمل في طياتها لمحات سياسية، اما انها رواية ذهنية فأريد ان اذكر بما قام به استاذ عراقي تخرج في اكسفورد، ورجع الى العراق في اواخر السبعينات من القرن الماضي بصحبة زوجته الانكليزية التي عينت مدرسة في كلية اللغات في بغداد، حين قام بقتلها وحكم عليه بالسجن، واعتقد ان الكثير من العراقيين يعرفون ذلك. اما أن الرواية لا تأتي بهذه الموهبة لو كان مؤلفها احادي اللغة والثقافة، فأقول ان كتبة الرواية العربية المميزة امثال نجيب محفوظ، عبد الرحمن منيف، جبرا ابراهيم جبرا، حليم بركات، الياس خوري، حنا مينا، الطاهر وطار، سهيل ادريس، رشيد بو جدرة، صنع الله ابراهيم، فضيلة الفاروق وغيرهم كانوا يتقنون لغة ثانية ومطلعون على ثقافات اخرى، لكن لا بد لي ان اذكر ما قاله الروائي الجزائري رشيد بوجدرة في مقابلة اجريت معه ان للقران الكريم وألف ليلة وليلة اثرا كبيرا في كتابة رواياته إضافة إلى الثقافات الاخرى.

وعن المقابسات الاجنبية حول حاسة السمع فأقول :ان العرب اشتهروا منذ القدم بحفظ الشعر والأنساب وتدريب الاصوات على الغناء، ولا اريد ان استشهد بكتب التراث العربي لكني أقول ان تحفيظ القران وتعليم التلاوة واصول التجويد كان يتم عن طريق السماع، ولا زال يتم لمكفوفي البصر، كما أن حفظ المقام العراقي وانتقاله من جيل إلى جيل حتى وصل إلينا كان عن طريق السماع، وقصة الشاعر أبو العلاء المعري وحفظه ما قاله من جاء يسال عن جاره بالفارسية وإبلاغ جاره لما قاله السائل معروفة، ولا اريد أن استشهد بشواهد اخرى لكن لا بد لي من ذكر ما قاله الشاعر بشار ابن برد وهو مكفوف البصر لإعطاء صورة واضحة :

يا قوم اذني لبعض الحي عاشقة                 والاذن تعشق قبل العين احيانا

قالوا بمن لا ترى تهذي فقلت لهم        الاذن كالعين تعطي القلب ما كانا

كما ان عرب الصحراء يميزون اصوات الحيوانات المختلفة ويعرفونها ويعرفون القادم من وقع خطاه، كذلك أهل القرى يعرفون اصوات الطيور وصوت الريح وحفيف الشجر وصوت الماء في وقت الفيضان وخرير الماء في السواقي واصوات الحيوانات المختلفة واصوات الرجال والنساء ويميزونهم عند سماعها قبل رؤية أصحابها

أما عن حاسة الشم فان العرب على معرفة تامة بها منذ القدم، وما قاله حسان ابن ثابت مادحا إلا تأكيدا لذلك :

بيض الوجوه كريمة انسابهم              شم الانوف من الطراز الاول

وقول بن الملوح

تنسم من شميم عرار نجد                        فما بعد العشية من عرار

كما ان الزوج يعرف رائحة زوجته ورائحة ملابسها، ويقال ان الدراسات الحديثة وجدت ان ما يشد الطفل الى أمه بعد الولادة رائحتها، وان التزاوج بين الحيوانات المختلفة يتم عن طريق الشم خاصة الكلاب، وان للأشجار روائح تختلف عن بعضها البعض كما هي في الأزهار، وللحقل رائحة مميزة حين يسقى بالماء وللأرض رائحة خاصة عند سقوط المطر .اما ان تنوب حاسة الذوق في الأدب العربي عن حاسة الشم، من قبل «تذوقون العذاب» فان الذوق هنا لا يعني حاسة الذوق بل يعني حاسة اللمس لقوله تعالى في سورة النساء «ان الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ان الله كان عزيزا حكيما».

اما عن لوحات الطيب صالح ورسم صوره بالكلمات فهي معروفة ومألوفة لمن عاش في الريف وسلك طريقا في الصحراء مسافرا ليلا او نهارا، واني لا انفي ان الطيب صالح استفاد من التكنلوجيا الحديثة في السينما تصويرا واخراجا وتقطيعا في كتابة روايته، لكن عبقرية الطيب صالح تبرز في استعمال اللغة وتطويعها بنقل ما يراه ويشمه ويسمعه وما يحس به بدقة، واختم مقالي بما قاله الراحل جبرا ابراهيم جبرا في مقابلة اجريت معه ومع الراحل الدكتور عبد الرحمن منيف حول مستقبل الرواية العربية نشرت في العدد السابع من مجلة آفاق عربية في آذار 1977 حين قال ماجد السامرائي الذي اجرى المقابلة بعد اجابة الاستاذ جبرا «هنا نستطيع القول ان الرواية هي بمثابة خبرة كاتبها في الحياة وفي الثقافة»، فاجاب الاستاذ جبرا «لا الرواية ليست خلاصة خبرة كاتبها فحسب ... وانما هي خبرة من خبر الحياة أولا، لكنه ايضا أوتي موهبة هائلة، فاذا لم تكن هناك موهبة لن يكون ثمة فن، مهما اشتدت خبرة الكاتب في الحياة وفي الثقافة».

ملاحظة: ظن الأستاذ صلاح نيازي بعد نشر مقالي في ملاحظة ذيل به مقاله (حاسة الشم في مسرحية هملت) نشر على صفحات /ايلاف في 28/10/2007اني اجهل تفسير بيت حسان بن ثابت الذي استشهدت به ردا على مقاله، ناسيا المثل الشعبي الذي يستعمل في صيغة الذم (هذا خشمه عالي )او (هذا انفة) واعتقد ان الانكليز يستعملون الانوف الكبيرة أو العالية ايضا، لذلك فسرت البيت تفسيرا حديثا لا كما يفسر قديما ان الاباء والشمم تعني الكبرياء وانما عنيت به الانف الأقنى اكمالا لصورة الوجه الذي رسمه الشاعر لما يلعبه الانف في اعطاء الصورة الجمالية للوجه وكونه حاسة الشم، اضافة الى الاستشهادات الاخرى التي اوردتها وبينت ان حاسة الشم ليست عند الانسان فقط وإنما لدى الحيوانات ايضا وخاصة الكلاب .