يقيم القاص العراقي عالماً غريباً لشخصيته المحورية عراقي يجد نفسه في أمريكا ليعيش تجربة طريفة وهو يحاول إيجاد سكن فيلتقي بأمريكي فندخل عالم القاع ولغته السوقية التي تثير الضحك والطرافة وتوازي المعنى.

شياطين نيويورك وأشباحها

أحمد كاظم

بلا شك أنها مفارقة مؤلمة ، حينما كنت أعيش في الناصرية وهي مدينة متخلفة بكل المقاييس، كنت أتوق للعيش بمدينة كبيرة ومتحضرة ، أحلم بباريس وأتنهد، أحلم بروما ونيويورك ومدريد، دون أن أعرف أو أفكر للحظة كيف سأعيش هناك، كيف أتفاهم مع الناس؟ أين أسكن ومن أين لي المال لأنام مع الشقراوات وأتبادل معهن أقداح النبيذ الغالي؟ وحينما دار الزمن دورته وجدت نفسي صدفة أعيش في نيويورك، أصابني الرعب فأخذت أحلم بالعودة إلى الرحم القديم. أحلم بكوخ في قرية نائية من قرى الناصرية، أرعى الأغنام وأقتات على التمر واشرب من الآبار، عليّ أن أعيش هنا. بحثت طويلا عن منزل رخيص بعيد عن المدينة، حتى وجدت ضالتي في إعلان بجريدة، اتصلت بالرقم فوصلني صوت واهن تبينت أن صاحبه رجل كبير بالسن. بمجرد أن سألته عن البيت قال - من أي بلد أنت ؟.

قلت:

 - من العراق.

صمت الرجل لدقيقة ثم قال:

- المنزل قديم ومتهالك ويحتاج إلى ترميم .

قلت:

- سأحاول إصلاح ما أقدر عليه .

- أنا أعرف أنكم شعب كسول ، لكني سأجرب ، تعال لرؤيتي غداً.

استأجرت سيارة تاكسي للوصول إلى المكان الذي بدا لي خارج أمريكا حيث استقبلني الرجل العجوز ذاته الذي كلمته في الهاتف.

قال بمجرد أن رآني: - هذا أنت أيها الجرذ ؟

كان بديناً ومرحاً، لم تكن تبدو عليه أية علامات كراهية رغم لسانه البذيء.

قال: - تعال معي أيها النغل العراقي، هذا المنزل ابن القحبة يحتاج إلى عمل كثير ، لن أطالبك بإيجار إذا عملت جهدك ونكته جيداً.

كان المنزل مخيفاً ، بناء قديم مخلوع الأبواب والشبابيك ومغطى بأكمله بالنباتات المتسلقة والأحراش والأدغال، شعرت بالخوف وأردت العودة

قال وكأنه حدس ما أفكر به:

- لو كنت مكانك لما رفضت العرض، أنا عجوز فاسق ولا أستطيع نيك كل هذه الأحراش النغولة ، هناك في المستودع كل ما تحتاج من أدوات وعدد كما أن هناك بندقية صيد قحبة ، لا تخطيء أي طيز في هذا الكون الخايس، يمكنك صيد الغزلان ذوات المؤخرات السمينة في أوقات فراغك، وإذا لم تجد ما تطلق عليه النار اقتل نفسك ونكون بذلك قد خلصناً العالم من عراقي نغل.

ثم صافحني بحرارة وهو يقول:

- نيك روحك زين في حفرة الخراء هذه .

أدار محرك سيارته وقبل أن يغادر قال:

- ما أسمك؟

قلت: 

- سعيد

قال:

- ما معنى سعيد ؟

- فرحان.

- ابن القحبة، لا يبدو عليك أية علامة من علامات السعادة ، أنا يدعوني الناس العم (دوفوس)، اسم شرير ولامع ، أحبه كقحابي، الآن وداعاً يا سعيد ، سأعود بعد شهر لأرى طيزك.

بعد أن غادر انتابتني نوبة شريرة من الضحك، دخلت إلى المستودع وأنا أقهقه ، كنت أريد أن أرى البندقية وأطلق النار على الهواء والأشجار أو على آي شيء يتحرك. كان المستودع مليئاً بالأطعمة المعلبة والفواكه واللحوم المجففة وأدوات الشغل والأخشاب والمسامير والمناشير، وبداخل صندوق وجدت البندقية تستقر هناك مع عدد وفير من الخراطيش. قلبتها وأنا اشعر بسعادة غامرة، أنها قديمة ربما تعود لجد العجوز دوفوس، ربما قتلت هذه البندقية العديد من الهنود الحمر، لكنها كانت بحالة جيدة، ثقيلة وأخمصها صنع من خشب (الاوك) وفيه زخارف جميلة تصور قروداً يطاردها صقر، الصقر في هذه البلاد مقدس، إياك أن تطلق النار علي الصقور، سيأخذونك إلى السجن ويعاملونك دون رحمة، في السابق كانوا يعلقون من يقتل صقراً على الشجرة مع الزنوج الفارين، أما اليوم فلا احد يقتل صقراً، أن رأيت صقراً سأقتله نكاية بالسافل البذيء "دوفوس". ألقمتُ البندقية خرطوشين وملأت جيوبي بالعتاد وأخذت أتجول بالجوار. المنزل بعيد جداً عن المدينة والأسواق، لا أحد بالقرب مني. تسكعت بالمكان الموحش. مشيت لما يقرب من الخمسة كيلومترات حول المكان، فلم أر أي شيء سوي الأشجار والأحراش ونهر صغير يجري به الماء بسرعة، عدت إدراجي إلى المنزل وتطلعت به جيداً، انه يحتاج إلى جوقة عمال مهرة، وأنا مجرد عراقي كسول كما يظن دوفوس. رتبت غرفتي ونظفتها من الغبار وبيوت العناكب وفرشتها وأصلحت الباب والنوافذ ثم جلست في الشرفة والى جانبي بندقيتي العزيزة كواحد من أحفاد الكاوبوي بانتظار هندي أحمر. كنت اشعر بسعادة غامرة، أنا حر أخيراً، وهل هناك شيء أجمل من الحرية، سأقضي حياتي هنا وان شعرت بالملل سأطلق النار على رأسي وأخلص العالم من فم يحتاج إلى طعام، سأوفر لقمات لطفل جائع في أفريقيا. عند المساء أشعلت ناراً وطبخت عليها عشائي كأجدادي القدماء أصحاب الهور والمشاحيف والجواميس حينما يعودون من يوم عمل شاق. أخذتُ أغني مثلهم (أون)، أنين يأتي حتى وأنا في قمة السعادة والنشوة، أنين موجع أيقظ حيوات المنزل القديم، أعاد الروح لساكنيه القدامى، أجداد النذل دوفوس، رعاة البقر العنيفين، فرأيت أو هكذا بدا لي راعي بقر مع كلبين يرافقانه يتجه نحوي في الظلمة. كان أول درس تعلمته في غربتي هو أن لا أثق بالغرباء، لا آكل من طعامهم ولا أريهم ما بجيبي ولا أبوح لهم بشخصيتي، وضعت إصبعي على الزناد وزعقت.

- من هناك؟

لا تخف، أنا دوفوس الصغير، جئت لأطعم الجد.

كان شاباً في العشرين من عمره، طويلا ووسيماً وازرق العينين يشبه دوفوس الأب حينما كان شاباً، تحدث الولد مع الكلبين الضخمين.

- انه صديقنا الجديد

اقترب الكلبان مني وأخذا يلعقان أصابع قدمي.

قال وهو يبتسم:

- أنهما يرحبان بك ، أعجبتهما ملوحة قدميك.

ثم دخل إلى المنزل. هل هناك من يشاركني السكن، لماذا لم يخبرني دوفوس البذيء؟ انتظرت طويلا حتى يغادر وعندما يئست دخلت إلى المنزل فوجدته في المطبخ يجلس مع رجل عجوز أكل عليه الدهر وشرب.

قال العجوز الهرم – لا فرق بينه وبين الهنود الحمر .

- كلا يا جدي

- انه عراقي.

- لا افهم.

- انه زنجي أذن؟ اسمع غداً سنذهب لصيد الهنود سأعطيك دولارات مقابل كل رأس.

ابتسم الشاب وقال:

- أن جدي مخرّف ، لا عليك منه .

قال العجوز:

- صدقني أن لم نقتلهم سيقتلوننا .

- اسكت أيها العجوز؟

- سترى ما يحدث الليلة، ربما سيهاجموننا عند الفجر، كن يقظاً يا كاوبوي.

دخلت إلى غرفتي واستلقيت على الفراش. عند الفجر سمعت إطلاق نار كثيف ينطلق من المنزل. رفعت رأسي بحذر وألقيت نظرة إلى الخارج، رأيت العجوز الهرم وقد أعتمر قبعة ووضع سيكارا بزاوية فمه وهو يركض بخفة في كل الاتجاهات ويطلق النار، وحينما رآني قال بهمس:

- كاوبوي ، كاوبوي، تعال هنا وساعدني بقتل هؤلاء المتوحشين.

ثم مد يده بجيب بنطاله وأخرج دولاراً فضياً وقذفه ناحيتي

- سأعطيك مثل هذا على كل رأس.

قلبت الدولار الفضي بأصابعي، انه يعادل مئة دولار في زمننا هذا.

قلت - نعم يا كولونيل ، انا من يحمي ظهرك.

أشهرت بندقيتي على صقر يحوم حول المكان وأطلقت عليه النار نكاية "بدوفوس" السافل. هوى الصقر وسقط بين الأشجار، قفزت وأنا أهلهل وأصرخ:

- قتلت زعيم الهنود أيها الكولونيل.

- عظيم.. عظيم ، قتلت الزعيم أبو ريشة، خذ هذه خمسة دولارات.

أطلقتُ النار بكل الاتجاهات وعلى أي شيء يتحرك، والكولونيل يهبني المزيد من قطعه الثمينة. وبين لحظة وأخرى يلتفت إلي ويقول: - هل حقاً قتلت كل هذا العدد من الهنود؟

-      بالطبع يا سيدي فأنا عراقي لا أجيد شيئاً سوى القتل.