يتناول الباحث المغربي هنا كتابة الحضور والغياب في ديوان شعر مغربي ينتمي للحساسية الشعرية الجديدة هو «خطني أيها الحبر: يتعامل مع جدلية حضور الذات وغيابها، ومع الوجود في اللغة وباللغة حيث يصبح حبر الكتابة عنده مرادف لحبر الكينونة الذي يخط الحياة في تجلياتها المتعددة والمتراكبة في آن.

كتابة الحضور والغياب

في ديوان «خطني أيها الحبر» لعبد العاطي جميل

محمد الدوهو

 قال لي تاريخي الغارس في الرفض جذوره:

 "كلما غبت عن العالم أدركت حضوره".

 أدونيس"أوراق في الريح"-صياغة نهائية"، دار الآداب، 1988، ص21.

 

يطرح سؤال كتابة الحضور والغياب في ديوان "خطني أيها الحبر" للشاعر عبدالعاطي جميل(1) سؤال الذات وسلطة المعنى، سؤال يجعل الكتابة في بحثها عن المعنى المفتقد يجرنا نحو هذه الثنائية القائمة بين الذات والحضور والغياب في الآن ذاته. بين قول الذات ونسق قولها الخاص وسلطة المعنى هذا الموجود سلفا، والذي يحرس المسافة القائمة بين الدال والمدلول، سيد "المعنى المشترك"، الذي تتكفل الكتابة في ديوان "خطني أيها الحبر" بدق إسفين في طبقاته الكلسية حتى يتفجر ينبوع القول الشعري، ويفيض في صحراء التشابه. إننا أمام حالة وجودية تتمثل في كتابة صيرورة الذات في قبيلة الكلمات.

 كلما توغلت الذات في قولها الشعري، إلا واحتدمت المواجهة بينها وبين القبلي في اللغة عبر محور الاستبدال والتوزيع. أي أن الكتابة في ديوان "خطني أيها الحبر" كتابة قصيدة تجترح من اللغة الطبيعية (العربية) نَمْذَجة لغوية. خاصة بها في الزمان والمكان، على اعتبار أن الأدب نسق منمذج ثانوي كما يرى يوري لوتمان(1)، لتحتفي الذات بقولها الخاص عبر كوجيطو يتخذ من شعار "أنا اكتب-إذن أنا موجود" مهيمنة شعرية تؤسس من داخل اللغة المستعملة لغتها الذاتية الخاصة بها l’idiosyncrasie .ومن تم تعيد الذات، عبر القول الشعري، إعادة كتابة شفرتها الوجودية code existentiel أي ما يشكلها كذات مشكلة قبليا في سلطة اللغة وعنفها الرمزي. ومن بؤرة التضاد والاختلاف يبدأ مسار تمفصل التشكل الذاتي لهذه الأنا-أكتب-أنا موجود عبر مسار يؤثث خطوات الخطاب الذي يقول الذات في تشكلانها بدءا من مرحلة الاحتمال ومرحلة الترهن ثم التحقق. أي أن الكتابة في ديوان "خطني أيها الحبر" كتابة تبحث وراء سلطة اللغة عن تسمية جديدة لمسار الذات الوجودي، يبتدأ من الذات المحتملة مرورا بالذات المترهنة والذات المتحققة. إنها رحلة بحث عن الأصل المفتقد، وإعادة الإمساك بالذات في جنينيتها، لتبدأ قصة خلقها كذات في صيرورة. كل شيء يحدث وكأن ولادة-الذات-النص يمر عبر عملية جماع مقدس.

"الحبر أثمن سائل بعد القذف

والكتابة قذف ثان في الوجود.".(ص6)

 يتحول الحبر إلى مرسل إليه، موضوع الرغبة-النداء يتمثل في المساعدة لتدشين فعل الكتابة- الولادة،

 "أيها الخبر المدنس، اكتب صوتي بصرا كي يورق

 في برج عصياني ألم الخيال"

 والحال أن هذا النداء يتخذ منذ البدء بعدا دلاليا متقاطعا بين الأفقي والعمودي، وما يتفرع عن هذه الثنائية من دلالات ينتصر فيها الواقع على الميتافيزيقا، كيف لا والدعوة هنا دعوة لانتشال ولادة الذات من لغة التعالي التي تحتكرها سلطة اللغة. الولادة هنا ولادة جنين –ذات يسعى إلى فرادة الولادة، ويسعى إلى مصاحبة ولادته بزرع الفوضى والثورة على العلاقة القائمة بين الكلمات والأشياء، بين الدال والمدلول وبالتالي يتأسس من داخل فعل النداء، وللنداء تاريخ في تاريخ القصيدة العربية منذ المعلقات السبعة إلى يومنا هذا، ميتا-نص الكتابة عند عبدالعاطي جميل، النص-المسودة الذي يكتب عالمه-ذاته- قبل أن تكتبه اللغة.

الكتابة عن فرادة الولادة تبتدئ كما سلف الذكر بدق إسفين في بنيان الثنائيات الميتافيزيقية، التي تُؤَسطر ولادة الإنسان في لغتها وبالتالي تقرر له صيغ ولادته، فهو قبل أن يولد ويسمى ولد في اللغة-السلطة. ولتفجير هذه اللغة من الداخل يتعين الثورة عليها قبل أن نولد داخلها.

 "فالثورة أعلى مقام العري وسبيل البنيان ....

 والأرض، أيها الخبر، فيك جارة للوطء

والأبراج أزواج في دفتر الغيب تقيم...

والسماء حارة للغياب، يحوم حولها المستضعفون "

 إنها دعوة تسعى من خلالها الأنا إلى إنزال قصة مولدها من علياء السماء إلى الأرض، وبين السماء والأرض تنشق اللغة و النداء على سؤال الاختلاف بين الأعلى (السماء) والأدنى- الأرض.

 «والأرض، أيها الحبر، فيك جارى للوطء

والأبراح أزواج في دفتر الغيب تقيم...

والسماء جارة للغياب، يحوم حولها المستضعفون"

يتحول الحبر إلى طريق ملكي لاجتراح حلم الخلاص عبر فعل الكتابة، وانفتاح صيرورة الذات على ممكناتها الوجودية،

"كيف لا أرى الحلم فيك أيها الخبر، لم يعد،

ولم يوعد ... يركبه الربان صكوك غفران راية

بيضاء أراه لا يقوى على رد الفتاوي التي تدميها

مشانق المماليك؟".(5).

 الكتابة خروج من صمت الولادة القبلية، من زمن الذات- الصفرsujet zéro إلى زمن الذات، من زمن التسخير القبلي للذات إلى زمن الإرادة كقوة مؤكدة للوجود الذاتي، لتبدأ مرحلة الولادة ويتحقق الممكن، أي الانتقال من مرحلة الاحتمال إلى مرحلة الممكن، ليبدأ مسار شَعْرَنة الولادة النهائي:

"ففي البدء كان السمع..

في المابين كانت الرؤية..

وفي الختم كانت الرؤيا..

والرؤيا خروج ..وكل خروج يسبقه دخول من

دواة الشوق إلى ورق أرقه صمت بياض

أدمت نشوة الانتظار...".

 الكتابة ميلاد ثان للذات وانتشال معناها الحقيقي من عوالم الصمت والنسيان والبحث عن أبجديتها الحقيقية المغيبة في ظلام الصمت، إنها الخروج من الليل إلى النور، لا يعني الخلاص من الليل بل إن الليل ليلتان كما يرى هيحل، الليل الأول هو مشترك ومعروف، هو ليل يتوجب علينا أن نتخلص منه لبدء التفكير والاختلاف، أما الليلة الثانية فهي أكثر خطرا وغرابة، إنها الليلة التي يتوجب على العقل في نهاية رحلته، أن يعود مرة ثانية حتى يكون بمستطاعه أن يبدأ أوديساه من جديد. نجن أمام ليلتين ليلة الأصل وليلة الاكتمال ثم ليلة المطلق.

 ما أن يغادر القارئ النص-الاستهلال في ديوان "خطني أيها الحبر" حتى ترتسم معالم المواجهة بين الذات والمرجع في قبلة الكلمات. الانتقال من الاحتمال إلى الترهن، انتقال إلى بدء رحلة جديدة تبدأ فيها الذات بعد أن شكلت مولدها الحقيقي في ممارسة الاختلاف وكتابة صيرورتها عبر إعادة ترتيب فوضى الأشياء والتوغل في سديم الأشياء.

"كالغيلم

أحمل شعري

أتوغل

في غابة

لاتقرأ" (قصيدة توغل ص52).

وفي التوغل في عمق الأشياء تتضح جغرافية القول التي تجعل رحلة الذات في قول هويتها ممهورة بالعجز عن حرية البوح في فضاء يعتقل الكلمة والقبلة،

"لم أعد أقوى

على تحرير جملة

في وطن يعتقل قبلة"(ص10).

التوغل عشق للأضداد الذي يستمد نسغه من تسامي الذات في اعتناقها للمطلق، واستمرارها في وشم صيرورتها الوجودية في قولها الخاص، ليتحول فعل الكتابة في" ديوان"خطني أيها الحبر"إلى امتلاك معرفي للهوية و الوجود إلى حد الفناء.

"لي هوية دودة القز،

بعد قليل

أصير فراشة

أطير،

أراود شبق النار

أصير الرماد".(ص33).

بمرورها إلى حالة الترهن تكتب الأنا هويتها في مملكة الاختلاف، لتجترح من الغياب حضورها المائز بسؤال المكاشفة والتجلي، واستنطاق زمن الصمت الذي يغيبها، ويفرغها من كل معنى، الكتابة صيرورة فعل الخلاص الذاتي من معجم الغياب، واحتفاء بالذات الواقعية لذات اسمها "جميل" تبحث من داخل لغة الغياب عن فرادتها المعجمية الدلالية،

"للغياب أسماء

ولاسم غياب:

الجيم جموح الريح

الميم ماء القصيد

الياء يمام التيه

اللام ليل أمل

لا ينتهي".(ص12).

ومن بؤرة الاختلاف ينفتح سؤال الوجود على تكريس سلطة الذات في البوح عن اختلافها المتعدد وإعادة صياغة تجلياتها المغيبة والمتعددة، إنها تبحث عن مركزتها المغيبة في تاريخ التهميش، تريد أن تكتب لتنتشل هويتها من مستنقع النسيان والتهميش، تبحث في أبجدية اللغة-السلطة عن بلاغتها الوجودية والمفقودة. تبحث عن زمنها المفقود في صيرورة الاستلاب والانكسار، والخضوع لصيرورة تزمين Temporalisation متعالية:

"أنا الإناء

يشرب بي الوقت

أعياده

ينحث بي طقوسه

يرمى بي

على حافة لياليه

أنكسر"(ص14).

وفي عملية الانسلاخ من الصوغ الزمني والذاتي القبلي للذات ينفتح سؤال الكتابة على الاحتفاء بميتولوجيا الذات وتجليات اختلاف أناها المتعددة المطمورة في أقبية سلطة المعنى المشترك، لتبدأ صيرورة اكتشاف ثراءها الدلالي المبني على التدليل La signifiance، إذ لا ينحصر مدلول الذات في علاقة الذات كدال لها مدلولها، بل إن الكتابة في ديوان"خطني أيها الحبر" تنتقد ميتافيزيقا هذا المعنى وتزيحه عن مركزيته الميتافيزيقية لتميط اللثام عن تنوع دلالات الأنا عبر بلاغة التضاد :

"إن كنت ضدي

أنت معي

فأنا تتعشقني

الأضداد".(9).

 ومن بؤرة التضاد تتجلى الأنا-الهامش الذي يسعى إلى إعادة كتابة ذاته من داخل التسميات القبلية للغة،

"أنا الهامش

أبحث في مثنك

عن سطر

أختبئ فيه...

أتدرب على رفض

لا أثقته

كلما دعتني هذه الكلمات"(ص21).

 إنها كتابة"الشغب" حيث تتحول الذات إلى رحى:"أنا الرحى/كل خلايا الغضب/في جسدي تتجدد."(ص74).لكنها أيضا كتابة شغب تنهال بمطرقة الشك على صيغ تفضية spatialisation الذات، ذلك أن إعادة تسمية معنى الذات يبتدئ من نقد البرمجة الفضائية لهذه الذات، فالتحرر هنا تحرر ثلاثي الأبعاد تخرر من التسمية الاستثمار القبلي للذات وتحرر من سلطة الزمان والمكان القبلية:

"هَلْ أشاغب وحدي

كي أشيد لي وطنا

من حروف شداد

أم أتهجى في رتق الأشلاء

ومحو الحداد

هذا الذي صار لنا عنوانا

 وتاريخا

 وأسماء؟ !"(ص74).

الكتابة عن المكان، إعادة رسم جغرافيا جديدة للذات، كتابة الوطن في لغة الحلم، والبحث عن مكان متعال في صيرورة البحث عن هوية جديدة في الزمان والمكان.إنه هذا الوطن، كما تقول الأنا:

"هذا الذي يتشكل

نبضة .. نبضة

في دواخلي !

لكن عيوني تكشفه

وسطوري تفضحه"..(ص75-قصيدة وطن).

 سؤال المكاشفة والفضح للمكان يمتح دلالته من نقد قيم الفضاء التي تجعله يتحول إلى فضاء يحاصر الذات التي ترزح تحت وطأة قيمه، ومن تم تنقلب الصورة ويصبح الوطن-الأرض هو الذي يمشي على الذات وليس العكس.

"الأرض التي تمشي علي

لا تشبه حلمي

وليست لي يد تصفق للألوان التي لا أراها

وليس لي لسان

رسم به رفضي

فالأغاني التي تطرز مشهدي

لم اختر إيقاعها".(ص48)

 

*ألقيت هذه المداخلة ضمن فعاليات الملتقى الثقافي حول "الحساسيات الجديدة في الشعر المغربي المعاصر"، أيام 4 و5 و6 فبراير الذي نظمته مندوبية وزارة الثقافة بمراكش.

 

1-Youri lotman?Stucture du texte artistique.traduit du russe par Anne Fournier, Bernard Kreise?Eve Malleret et Joelle Youngue,préface de Henri Meschonic,Préface de henri Meschonic.Gallimard,1973,p85.. Frn?Gallimard.1973

 

2-عبدالعاطي جميل، لحسن فرساوي، "خطني أيها الخبر"-مسودات حبر"، المطبعة السريعة، ط1، 2014.

3-للمزيد من المعلومات حول مفهوم الليل عند هيجل يراجع مقال جورج لينبيرغرGeorge Leyenberger. Pensée.parole et nuit(s).in Le portique Revues de philosophies et de sciences humaines.-2002- dossier la nui

. http://leportique.revues.org/173