تقرير

الإعلام بالمغرب والمسألة الاجتماعية

اليديم ناصر

الجامعة والمجتمع
منذ أن أصبح الإعلام بالمغرب لبنة أساسية في التنمية والتطور، وهو يمر بمراحل تشكل، ساهم فيها الوعي السياسي والاجتماعي، وكذلك الأفق الثقافي. ومما يبدو، فان أسئلة أخرى، حقيقة بالبحث، لم تلامس بعد، وفي حاجة إلى تراكم متواصل من تصورات وحقول مختلفة تحفر في الوظائف التي يؤديها الإعلام المغربي، وفي الصور والقيم التي يخلقها أو ينقضها. ومن غير شك أن انفتاح الجامعة المغربية، وكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك بالدار البيضاء، على وجه الخصوص، على مسألة الإعلام ضمن برامجها التدريسية في سلك الإجازة أو ضمن فصول الدراسات العليا بالماستر والدكتوراه، هو اختيار أكاديمي منفتح على الخبراء وكل المشتغلين بالإعلام، يسعى إلى خلق جسور دينامية بين مهنة تجمع بين الثقافي والاجتماعي والسياسي وبين خبراء وباحثين وطلبة. وفي هذا الإطار نظم ماستر الدراسات الأدبية والثقافية بالمغرب، وماستر الإشهار والتواصل، جامعة الحسن الثاني المحمدية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بن مسيك ـ الدار البيضاء حلقة نقاشية في موضوع: الإعلام بالمغرب والمسألة الاجتماعية بمشاركة باحثين جامعيين ومسؤولين إعلاميين من المركزيات النقابية وصحافيين من الجرائد اليومية...وذلك يوم السبت 5 ابريل 2008.

في البداية افتتح د/ نور الدين الدنياجي رئيس ماستر الإشهار والتواصل أشغال هذه الحلقة النقاشية مبرزا أهمية تناول المسألة الاجتماعية في الحقل الإعلامي نظرا لما يشكله هذا القطاع من أثر بالغ في الدفع بعجلة التنمية المستدامة. بعد ذلك تدخل د/ شعيب حليفي رئيس مختبر السرديات وماستر الدراسات الأدبية والثقافية بالمغرب، مشيدا بدور الجامعة الريادي في تناول موضوع غير مسبوق في رحابها ويتعلق الأمر بالحقل الإعلامي بمختلف تمظهراته الممكنة، وأكد على ضرورة تناول البحث الجامعي للمسألة الإعلامية باعتبارها من المواضيع الراهنة والحقيقة بالبحث. كما أكد على التضامن مع جريدة المساء في ما تتعرض له من محن تريد التضييق على ممارستها النبيلة لمهنة المراقبة والنقد. ليعطي الكلمة بعد ذلك للورشة التي أشرف على تأطيرها، وتتكون من ثمانية باحثين اشتغلوا على حضور المسالة الاجتماعية في اربع جرائد وطنية، وهي الاتحاد الاشتراكي، المساء، الأحداث المغربية، الصباح. 

أرقام صغيرة في جرائد كبيرة
من ماستر الدراسات الأدبية والثقافية بالمغرب، كانت المداخلة الأولى للباحثين أزوغ إبراهيم وسالم الفائدة حول جريدة الإتحاد الاشتراكي وذلك لتقصي حضور المسألة الاجتماعية في هذه الجريدة، وقد خلص تقريرهما إلى ضعف اهتمام الجريدة بالمسألة الاجتماعية حيث لم تتجاوز 7.33% واحتلت المرتبة ما قبل الأخيرة ضمن المواضيع الأكثر أهمية في الجريدة، في حين تصدرت القائمة، المواضيع الثقافية والفنية بنسبة 17.47% وجاء في المرتبة الثانية الملف الرياضي بنسبة 17.47% ثم مواضيع الحوادث والجنس والعنف بنسبة، 16.49% تليها الأخبار المتفرقة بنسبة 14.31% ثم الاقتصاد بنسبة 13.35%، والسياسة بنسبة 7.5، أما الأخبار الدولية والعربية بنسبة 1.90%. وقد خلص التقرير المنجز حول جريدة الإتحاد الاشتراكي أن المسألة الاجتماعية تتضمن في غالبيتها الشأن النقابي: وضعية الموظفين مشاكل السكن، التعليم، الصحة، وضعية المعاقين، معاناة المعطلين، وارتفاع الأسعار...

التقرير الثاني أنجزته الباحثة الحسنية تغزوان والباحثة عزيزة آيت بها حول جريدة المساء وقد انتهى إلى أن المسألة الاجتماعية لم تكن من أولويات الجريدة حيث حصلت من مجموع المواضيع على نسبة عامة لا تكاد تتجاوز 9.80%، وهي نسبة متأخرة نوعا ما إذا ما قورنت مع باقي المواضيع.فالرياضة بنسبة 19.4% والإخبارات المتفرقة بنسبة 17.94 والثقافة والفنون 14.32% والسياسة بنسبة 9.4 % والاقتصاد بنسبة 7.54 %. وقد خلص التقرير، إلى أن المسألة الاجتماعية اهتمت بالقضايا اليومية للمواطن المغربي في قوته والارتفاع الصاروخي في أثمان المواد الغذائية، والمعاناة مع المشاكل الصحية من خلال الحديث عن الوضعية المتردية لبعض المستشفيات وندرة الأدوية وغلاء أسعارها، إضافة إلى علاقة المواطن المتوترة مع السلطة والإدارة.

الباحثان اليديم ناصر وسعيد سهمي عرضا لنتائج عملهما حول يومية الصباح ، وقد توصلا إلى أن جريدة الصباح لم تحد عن باقي الجرائد وأن المسألة الاجتماعية كانت بنسبة 10.16 % واحتلت المرتبة ما قبل الأخيرة، وهي نسبة محتشمة بالمقارنة مع الأخبار الرياضية التي جاءت بنسبة 29.92% وأخبار الحوادث العنف والجنس وقد جاءت في مقدمة الاهتمامات بنسبة 25.74% يليها كل ما هو ثقافي و فني بنسبة 13.45%، وأخيرا أخبار عالم المال والاقتصاد والسياسة بنسبة 9.38. وقد أشار الباحث اليديم ناصر إلى إشكالية الوعي بمفهوم المسألة الاجتماعية، مبينا أن هذا المفهوم يتغير من جريدة إلى أخرى وقد أكد على ضرورة وضع الحدود المائزة بين المسألة الاجتماعية وبين الأخبار المثيرة فقط، وهو الشيء الذي انتبهت إليه مجموعة البحث في إطار مقاربتها للخطابات الصحفية المختلفة.

المداخلة الرابعة للباحثين مصطفى فرحان و تيموياس مونى حول جريدة الأحداث المغربية ، حيث انتهى التقرير إلى أن المسألة الاجتماعية حضرت على مستوى هذه الجريدة بنسبة 10.26 واحتلت بموجبها المرتبة الرابعة من أصل ستة محاور، اذ جاءت أخبار الحوادث والعنف والجنس متصدرة بنسبة 25.48 ثم الأخبار الثقافية والفنية بـ 18.95 والإخبارات المتفرقة بنسبة 18.83 تليها الأخبار الاقتصادية والسياسية بـ 9.4 فالأخبار الرياضية بنسبة 8.32. وقد أشار التقرير إلى أن المسألة الاجتماعية تناولت مواضيع مختلفة من قبيل ملفات المعطلين، والاحتجاجات المتكررة أمام ارتفاع الأسعار والمطالبة بالزيادة في الأجور، إضافة إلى مواضيع أخرى تمس قضايا الفقر وقساوة ظروف العيش والمعاناة الصحية.

ومن ماستر الإشهار والتواصل افتتحت الباحثة الزهرة الغلبي المداخلة الموالية حول الإعلام والمسألة النقابية، في جرائد المساء والصباح والأحداث المغربية والإتحاد الاشتراكي ، حيث توصلت إلى ضعف حضور المسألة النقابية في الخطاب الإعلامي وضربت لذلك عددا من الأمثلة الملموسة من خلال متابعتها اليومية لهذه الجرائد حيث حصرت نسبة حضور ماهو نقابي في الجرائد الأربعة في أقل من 2 بالمائة ومن بين الأمثلة التي قدمتها مثال لجريدة الصباح ليوم 4/4/2008 التي خصصت ثلاث صفحات لفن العونيات مع التغييب الكامل لما هو نقابي بالرغم من وجود إضراب الجماعات المحلية الذي دعت له أغلبية النقابات كما ناقشت الحيز الصغير الذي تخصصه الجرائد للأخبار النقابية.

المداخلة الموالية ساهمت بها الباحثة خديجة كيتبغي، وتناولت المسألة الاجتماعية انطلاقا من برنامج أسر وحلول في القناة الأولى فخلصت إلى حضور وجهات نظر ورؤى خاطئة على مستوى هذا البرنامج. وفي نفس الإطار، تناولت الباحثة أمينة نقيري تحولات المشهد الإعلامي والتحولات الاجتماعية انطلاقا من مقاربة اعتمدت تجاوز إكراهات متعددة منها المكان والرقابة التقليدية الذي أصبح يضعف بفضل تحقق مكاسب حقوقية وتطور الوسائل التكنولوجية. 

قراءات مهنية
في تدخلات وتعقيبات الصحفيين والنقابيين على الورقات المقدمة، تدخل الصحفي عبد الإله سخير من جريدة المساء فأبدى بعض الملاحظات حول نتائج البحث المتوصل إليها من أهمها أن تبويب الأخبار مبني على مستوى الحدث وليس تبويبا اعتباطيا، وأن الحدث هو المتحكم في أشكال الاهتمامات بمختلف الأخبار. واعتبر أن عمل الصحفي مرتبط بتصور مهني يسعى إخراج جريدة لكل المغاربة تعبر عن رؤاهم وطموحاتهم.

في تدخل حكيمة تلوني والتي تقدمت للحديث باسم جريدة الأحداث المغربية ، وتناولت موضوعا بعيدا عن محور اللقاء، بحيث تطرقت إلى ما أسمته المسألة الاجتماعية في الإعلام الإلكتروني "حادثة القصر الكبير نموذجا" وبينت مختلف ردود الفعل بين الأوساط المغربية، وقالت ان الرؤى انقسمت إلى قسمين، الأول يرفض ممارسات الشذوذ الجنسي باعتبارها ظاهرة دخيلة على المجتمع، أما الثاني فيدافع عن هذا السلوك اللاأخلاقي. أما مصطفى منصور من أسبوعية الأيام فأبدى مجموعة من الملاحظات التقنية حول المسألة الاجتماعية والتقاطعات الممكنة مع الجانب السياسي والعنف...؛ كما بين أن المسألة الاجتماعية،وخاصة المرتبطة بأسماء أشخاص معينين، من الأمور التي يعمل رؤساء التحرير على تفاديها نظرا لما تثيره من صدامات قضائية.

عبد اللطيف قيلش ممثلا للنقابة الوطنية للتعليم المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل تدخل مؤكدا على ضرورة التمييز بين الإعلام المكتوب والإعلام السمعي البصري هذا الأخير الذي ما زال تحت حصار الدولة، وقد أشاد بالدينامية الحاصلة في الحقل الإعلامي عموما والصحافة المكتوبة خصوصا، وركز بشكل مخصوص على تهميش الصحافة للقضايا النقابية بشكل عام. الصحفي محمد عدة من جريدة شمال 2000 ساهم بتعقيب حول أثر الإعلام في الخطاب الاجتماعي، مجملا الوظائف المجتمعية لوسائل الإعلام في مجموعة من النقط أهمها: مراقبة البيئة الاجتماعية وتزويدها بالمعلومات والتنبيه بالمخاطر ـ خلق المثل الاجتماعي وذلك بتقديم النماذج الإيجابية في الأمور العامة والثقافة والفنون التنشئة الاجتماعية وتحقيق التواصل...

وفي الأخير تدخل محمد عطيف، عضو المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل والمسؤول عن دائرة الإعلام، حيث قدم ورقة افتتحها بملاحظتين: الأولى أن الغاية من الملاحظات والانتقادات هو تصحيح الاختلالات والثانية هو الدور الأساسي للصحافة المغربية. بعد ذلك قدم لفكرتين أساسيتين.الأولى وتتعلق بدور الصحافة، وهو الاخبار. فهي إلى جانب فاعلين آخرين من أحزاب ونقابات وجمعيات،تساهم في تكوين رأي عام وطني يدفع في اتجاه التغيير المنشود ببلادنا وفي اتجاه الديمقراطية مع ما يصاحبها من محاسبة ومراقبة ومعالجة للمشكلات الاجتماعية وتوزيع عادل للثروات الوطنية وتوفير الخدمات الاجتماعية من تعليم وصحة ونقل. وأضاف محمد عطيف بخصوص الفكرة الثانية والمتعلقة بسلطة الصحافة. واعتبر أن الصحافة بالمغرب لاتشجع على المشاركة السياسية والنقابية، ولا تساهم في إنجاح النضالات المطلبية والقومية. ليخلص إلى ما يلي:

ـ التعتيم على أخبار ونضالات الطبقة العاملة المغربية التي تمثل شريحة وكتلة أساسية.. والاكتفاء بنشر بعض الإشاعات المغرضة التي تتقصد الإثارة
ـ الانتقائية في التعامل مع الأحداث بتقزيم حدث مهم، وتضخيم حدث صغير.
ـ الترويج لمقولات جاهزة وتيئيسية ممثل موت النقابة، نهاية النقابة، النقابة شكل متجاوز للتأطير الاجتماعي...
ـ عدم تغطية بعض التظاهرات الكبرى (فاتح ماي، المسيرات التضامية..) او تناولها بشكل سلبي ومحتشم
ـ غياب إعلاميين، في العموم، متخصصين في المجال الاجتماعي، وفي الشأن النقابي.
ـ عندما يتعلق الأمر بالحوار الاجتماعي، فان كفة الحكومة هي الغالبة في المتابعات اليومية، بينما يتم تغييب موقف المركزيات النقابية.

في ختام هذا اللقاء عاد شعيب حليفي إلى الحديث عن الإعلام بالمغرب والمسألة الاجتماعية، مذكرا باشتغال الدرس الجامعي واهتماماته التي تدخل في إطار الانفتاح على كافة الخطابات، وكذا اهتمام الباحثين والأكاديميين بكل مكونات المجتمع ومن بينها الصحافة والمنظمات النقابية والسياسية. وانتقل مشيرا إلى الخطاب الإعلامي في التلفزة المغربية، ممثلا لذلك بأخبار الظهيرة من نفس اليوم وهي نشرة إخبارية رئيسية، حيث اكتفت القناة الأولى المغربية بثلاثة أخبار عن احتفالات فاس ومهرجان تطوان السينمائي، وقطاع العقار بطنجة. نفس الأمر يجري على القناة الثانية التي أوردت ضمن نشرتها لنفس اليوم تسعة أخبار تتعلق باحتفالات فاس وحوادث السير والعراق والرياضة ومهرجان تطوان السينمائي وبرنامج شالنجر. وتساءل هل فعلا بمثل هذه الأخبار نقدم عملا إعلاميا مرئيا يمثل المغرب والمغاربة؟

وختم نورالدين دنياجي هذا اللقاء بالدعوة إلى توسيع هذه الحلقة النقاشية للوقوف على نتائج ملموسة.