الحديقة التي أهرب إليها ليلا ، أجلس في ركنها المنزوي ، بحثت كثيرا حتى وجدته موقعا بعيدا عن ضجيج روادها ، كل ما اريده بعض الهدوء وزاوية أرى منها النجوم ، وأتمدد على الأعشاب الخضراء.
أظل هناك وقتا غير محسوب
استند على جذع شجرة عملاقة وأروح أحدق في العالم
لأيام كنت أشم رائحتها، مزيج من المسك والياسمين، اعتقدتها رائحة نبات ما، لكن عندما لاحظت أن الرائحة تزداد كلما جئت المكان وتزداد قوة كلما بقيت فيه أطول.
بالبحث اكتشفتها هناك خلف جذع الشجرة، زهورا صفراء فاقعا لونها، بدت ساكنة وهي تستند على شجرة عملاقة، وحولها فراغ كبير لم أفهم سره إلا عندما تعمقت في دراستها لاحقا (تقتل النباتات من حولها)، ولا تقبل وجود أي نبات قريب، وما ضمن البقاء للشجرة العملاقة جانبها ضخامتها وقوتها التي لا تستطيع الزهرة التغلب عليها.
لم أعرفها بداية حتى التقطت صورتها وبحثت عنها عبر الانترنت، فعرفت اسمها.
قرأت عشرات الكتب والمقالات والأبحاث حول الزهرة التي اعتقدتها مجهولة، ومع التقدم في البحث توصلت لآلاف المعلومات التي أغرتني بتأليف كتاب عنها ، فالتعمق في معرفتها شديد الإغراء.
كثيرة هي المعلومات التي باتت تحاصرني فارضة نفسها على الذاكرة ، محتلة مساحة كبرى منها ، حتى صارت وردا يوميا تردده الذاكرة : موطنها الأصلي ، أواسط آسيا (ربطتها في ذاكرتي بالمغول) ، أزهارها ملفتة للنظر ، تكاد ألوانها تنحصر في الأبيض والأصفر ، تتدرج أنواعها ما بين الخمسين والمائة نوع .
شيئان خرجا من مجال الحقيقة المجردة إلى مجال الحقيقة الواقعية : أنواعها غير ثابتة وقابلة للتغير ، فهي تكاد تنتشر في الحديقة بصورة تطغى على بقية النباتات ، أصلها يرتبط بالكلمة اليونانية (ناركو) أي يخدر أو يجعله مخدرا وهو ما أستشعره فور الاقتراب منها .
أدمنتها حتى صارت قبلتي كلما عدت للحديقة ، وتطور الأمر حتى أصبحت آتيها في مواعيد يومية محددة .
مع مرور الزمن كنت أقضي معظم وقتي جانبها وبقيته يصاحبني خدرها ، و في نومي كانت تمد خيوط رائحتها مخترقة نافذتي فأنام في مجالها الحيوي .
منذ أيام حين داهمني مرض لم أتبين كنهه ، باغتني الطبيب بالقول ليس أمامك من مفر سوى أن تبتعد عنها أكثر من ألف كيلو متر وستحتاج إلى ألف يوم للتعافي فقد بدأت تعشش في خلاياك .
بعد صراع بدأت في الابتعاد ، لكن كلما ابتعدت كانت كل النباتات من حولي تتحول إلى زهور صفراء فاقع لونها.
---------------
بصمات
اختارها موظف الفندق مؤكدا تميزها، من ناحيتي حسبته القدر، قدري أن أقيم فيها، الغرفة المتميزة (كما قالوا)، تقع عند باب المصعد، كل من يستخدمه يمر على بابها ، دون النظر يعتقدها غرفته فيحاول فتحها، العابرون والقادمون من سفر بعيد يقفون أمامها لحظات قبل اكتشاف خطئهم، الذين أنهكهم السهر تكاد رؤوسهم تسقط عند بابها.
تنفتح على الميدان الكبير في المدينة، متطاوسة تطل على البيوت حولها، حتى الأبراج المرتفعة منها، نافذتها متسعة بصورة غريبة.
حين دخلتها للمرة الأولى بدت مريحة، يفوح منها عطر ساحر، تمنيت أن تطول فيها إقامتي، كان عليّ أن أبقى فيها حتى ينتهي عملي في المدينة، لم أشغل نفسي بالنهاية، مقررا أن أعيش اللحظة بعمق.
في الليلة الأولى لم أشعر براحة تامة، حسبت الأمر طبيعيا حين نغير أماكن النوم، ومع توالي الليالي بدا الشعور يتزايد دون ظواهر محددة.
ربما كانت الليلة الرابعة أو الخامسة حين ظهر أمامي تطبيق كاشف البصمات، تطبيق يعتمد الذكاء الاصطناعي في الكشف عن البصمة على أي موقع ويعطيك معلومات عن صاحبها، للوهلة الأولى لم أصدق الأمر لكن كالعادة في مثل هذه الحالات أثبت التطبيق وأجربه فإن لم يرق لي حذفته.
حملت التطبيق ورحت أجربه، جربته أولا على سماعة الهاتف ظهرت عدة بصمات لم أركز فيها كثيرا فقط كنت شغوفا بفكرة الكشف ومجرد إظهار البصمات.
الأيام التالية وسعت دائرة البحث بدءا من باب الغرفة حتى نهايتها، في المسح الأول ظهرت مئات البصمات المختلفة، بدا الأمر مرهقا لمجرد التتبع، ولما كان من شروط الفحص أن تبقى الجهاز على البصمة قرابة دقيقة لتظهر المعلومات، فلم أنشغل بما عددته مستوى ثانيا للفحص.
أرهقني التتبع، أغلقت التطبيق، حاولت النوم، لكن ما حدث لم يكن منطقيا، كل البصمات التي مررت عليها بدأت تظهر للعين المجردة، وأكاد أجزم حتى التي لم أمر عليها، بدت الجدران غابة من البصمات المشوهة، والمشوهة لنظام الجدران، أطفأت الأنوار لتختفي، ولكنها بدت متوهجة تكاد تغادر مواقعها متحركة بحرية.
كل ما أتذكره أنني لم أستطع الوصول إلى الباب، كانت النافذة الواسعة أقرب، فتحتها، وقفزت، كنت أطير، مئات البصمات تلاحقني والمدينة تعانق نومها الأعمى .