رسالة فلسطين: الدخول إلى حيز الذاكرة الإنسانية

جمانة عودة تفوز بجائزة نوبل للأطفال

فيحاء عبدالهادي

«وأعطي نصف عمري
للذي يجعل
طفلاً باكياً
يضحك...
وأعطي نصفه الثاني، لأحمي
زهرة خضراء
أن تهلك»
(توفيق زياد).

في الثالث عشر من شهر تشرين الثاني، من عام 2008، وفي حفل تكريمي، نظِّم في مقر منظمة الأمم المتحدة للأطفال/ يونيسيف، في مدينة نيويورك، احتفلت "جائزة نوبل للأطفال"، بفوز ثماني شخصيات ساهمت في تغيير حياة الأطفال عبر العالم، كان بينها اسم "جمانة عودة". ويأتي فوز الطبيبة الفلسطينية، مؤسسة "مركز الطفل السعيد الفلسطيني" بالجائزة، ليطبع وساماً على جبين فلسطين، نسائها ورجالها، وليدخلها حيز الذاكرة، من نافذة الإنجاز الإنساني العالمي.

يدلِّل شعار "مركز الطفل السعيد"، المستلهم من قصيدة الشاعر الفلسطيني "توفيق زياد"، على رسالة المركز الإنسانية، حيث العناية الحثيثة بالأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، عبر احترامهم، والإيمان بقدراتهم، لتحدي إعاقتهم، ومساعدتهم في إبراز طاقاتهم ومواهبهم، وإمدادهم بما يشعرهم بأهميتهم، "كفلسطينيين يناضلون لإسعاد فلسطينهم، فهي تحتاجهم كحاجتهم الى وطن يتقبلهم ويحترمهم". تتلخَّص فلسفة المركز، في ضرورة إيجاد نمط أكثر تكاملاً لحياة الطفل الفلسطيني، وحماية حقوقه، مع التركيز على الإناث، وتزويد الأطفال بالرعاية الصحية الجسدية والنفسية، دون تمييز مبني على جنس أو عرق أو لون أو إعاقة، ويهدف إلى توفير وسائل التشخيص والخدمات، للأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، مثل الأطفال بطيئي النمو، والذين يعانون صعوبة في التعلم، أو مشكلات في السمع، أو النطق، أو الاتصال والتواصل، أو اضطرابات حسية، أو عاطفية، أو سلوكية أو نفسية.

وحتى يقوم المركز بدوره، يجري دراسات مسحية لمرحلة الطفولة المبكرة، ولمراحل الدراسة الأساسية، للكشف المبكر عن الإعاقات الجسدية والسلوكية والعقلية والنفسية لدى الأطفال.
ويرعى برامج تربوية موجهة، توفر المعلومات، حول النمو الطبيعي للطفل، ووسائل المساعدة والحماية للأطفال الذين يعيشون ظروفاً سياسية واجتماعية صعبة. وتشتمل هذه البرامج على تعزيز الوعي عند الأهل والمعلمين، وإعداد نشرات تعليمية وتوعوية، إضافة إلى استغلال وسائل الإعلام لخلق وعي عام.
ويشرف المركز على جمعية أصدقاء مرضى التشنجات "Epilepsy" وهي الجمعية الأولى في الوطن ـ والتي بادر المركز إلى إنشائها ـ لتقديم الدعم للأمهات، ثم توجيههن، وفق خطط مدروسة، تتلاءم مع الوضع الخاص لكل أسرة، واحتياجات كل طفل على حدة، كما يقدم خدمات مميزة، كالتخطيط الدماغي، والكشف المبكر والعلاج.
كما يرعى أنشطة وفعاليات موجهة، تستهوي الأطفال، كاللعب والرسم والموسيقى والرقص، وتتناسب مع رغباتهم وقدراتهم، كوسيلة للتخفيف من الآثار النفسية والاجتماعية الصعبة، التي يعيشها الطفل الفلسطيني، ولإخراجهم من هذه الأزمات، وتوجيههم توجيهاً مدروساً، ينأى بهم عن الإحباط والانحراف السلوكي والفكري.

ما الذي ميِّز الطبيبة الفلسطينية "جمانة عودة"، حتى استحقت جائزة نوبل للأطفال؟ بالإضافة الى أنها مؤسسة "مركز الطفل السعيد الفلسطيني"، هي طبيبة أطفال وأخصائية في الطب العام، وهي إحدى القيادات الرئيسة في مجال الطب والصحة، في الأراضي الفلسطينية المحتلة. منذ بدء مهنتها في مجال الخدمات الطبية صبت اهتمامها في العمل لدى القطاع العام، لمساعدة ذوي الدخل المنخفض في المستشفيات الحكومية، في الضفة الغربية وقطاع غزة. أكملت مسيرتها الطبية، بالعمل لسبع سنوات في مستشفى المطَّلع، كطبيبة أطفال، وفي مستشفى المقاصد، في القدس. استمرت في مهمتها الطبية والانسانية، فقد تطوعت كطبيبة أطفال، ورئيسة مشروع "اتحاد لجان الإغاثة الطبية الفلسطينية"، التي تعنى بإيصال الخدمات الطبية للقرى والمجتمعات النائية، التي يصعب الوصول إليها، في الضفة الغربية. عملت الدكتورة عودة كطبيبة رئيسة في مستشفى كاريتاس للاطفال في بيت لحم، ضمن برنامج العيادات الخارجية لخمس سنوات، ألحقتها لسنتين كمديرة عامة لمشروع الصحة النفسية للمرأة، في "مركز إرشاد العائلة والطفل"، في مدينة القدس.

تعاونت الدكتورة جمانة مع اليونيسيف، في المشروع الوطني لتحسين نوعية الرعاية الطبية المقدمة للأطفال الفلسطينيين، بالإضافة إلى عملها كمستشارة للعديد من المؤسسات العالمية، مثل منظمة "إنقاذ الطفل"، في الولايات المتحدة، ومنظمة "التعاون السويسري"، و"الصليب الأحمر الأسترالي"، و"أوكسفام"، و"المركز الدولي للأبحاث التنموية"، في كندا، و"الإغاثة الطبية الفلسطينية"، و"لجنة التعاون البلجيكية"، في القدس. وعملت كمستشارة، لدى جمعية المساعدات الشعبية النرويجية. إضافة إلى قيامها بتقييمات خارجية لدى "برنامج غزة للصحة النفسية".
منذ عام 2000 تعمل الدكتورة جمانة كمحاضرة، في كليتي الطب والصحة العامة في جامعة القدس. وفي عام 2004 انضمت للكلية الملكية البريطانية لأطباء الأطفال وصحة الطفل في لندن، كمستشارة في رعاية الطفل. وهو منصب مازالت تحمله حتى الآن.

"بعيداً عن أصوات الرصاص الذي يدوي في سماء فلسطين الجريحة، ويقطع أوصال أبنائها الضائعين، في فضاء الظلم والاضطهاد، تأتي "جائزة نوبل للأطفال"، كهدية مني، كطبيبة فلسطينية لفلسطين، التي طالما ظلمت من قبل سياسييها وقادتها. إن فوزي بتلك الجائزة، إنما هو فوز للفلسطينين جميعاً، فإنها تمثل منبراً للصوت الفلسطيني المكسور، ليؤكد أحقية الشعب في الحصول على العيش الكريم. جائزة نوبل للاطفال إنما هي مجهود متكاثف، ما ينفك طاقم العمل من تقديمه، فهو مجهود أناس لم يكتفوا بالعمل لدى "مركز الطفل السعيد الفلسطيني"، وإنما كانوا مؤمنين برسالة المركز، وأهميته في إبراز مواهب وقدرات الاطفال المهمشة. إن الجائزة تمثل صرخة لإيقاظ الأرواح الغافلة، عن ضرورة احترام الاطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، ومساعدتهم في تحدي إعاقاتهم، والوصول بهم إلى أقصى حدود مواهبهم وطاقاتهم".

لا شيء يعدل الاحتفال بإنجاز إنساني، لدى الشعب الفلسطيني، والعربي، ونحن نودِّع عاماً امتلأ بالكوارث وخلا من الإنجازات. عاماً أوجعنا بفقد قامتين ثقافيين عربيتين كونييْن: "محمود درويش"، و"يوسف شاهين"، وتكرَّس فيه الانقسام بين شطري الوطن، وتراجعت القضية الفلسطينية عربياً ودولياً.
تحية للطبيبة الفلسطينية د. جمانة عودة، ولمن نقشوا معها أسماءهم، في الذاكرة الإنسانية.
تحية للأطباء والناشطين المجتمعيين، من أثيوبيا: "تيبي ماكو" "Tibebe Maco"، ومن البرازيل "ريتا كونسيكاو" "Rita Conceicao"، ومن يوغندا الشمالية: "ريكي ريتشارد إنيوار" "Ricky Richard Anywar"، ومن أميركا "د. إدوارد زيغلر" "Dr. Edward Zigler"، و"فرانك برادي" "Frank Brady"، و"تاليا ليمان" "Talia Leman"، و"داريوس ويمز"Darus Weems"

faihaab@gmail.com