من يشاهد الهرولة العربية للتسليم بمشيئة ترامب في مؤتمره الأخير في الرياض، لا تدهشه دلالات وثيقة حماس الجديدة، التي يرى الكاتب كما يقول عنوانه بحق أنها نتيجة تنكب طريق المقاومة الصعب وقد تناقص سالكوه، لكن تناقص سالكي طريق الحق لن ينال منه مهما طال التردي والهوان.

وثيقة حماس: طلب عضوية في نادي التسوية

محمد سيف الدولة

فى الوطن العربى طائفتان؛ طائفة تتمسك بعروبة كل فلسطين، وترفض الاعتراف (باسرائيل) والصلح والتطبيع معها مهما اختلت موازين القوى، وتتمسك بالكفاح المسلح والمقاومة كخيار وحيد لتحرير الارض. والأخرى انكسرت ارادتها فاستسلمت للمشروع الصهيوني، وكفت عن مواجهته وهرولت للصلح والتطبيع والتنسيق أو التحالف معه. الاولى تضم غالبية الشعب العربي. والثانية تضم كافة الحكام والانظمة العربية اضافة الى السلطة الفلسطينية. الاولى تتصدرها فصائل المقاومة قبل كسر ارادتها مثل منظمة التحرير قبل 1988، وحماس قبل اول مايو 2017، والثانية تصدرتها مصر بكامب ديفيد من السادات الى السيسي، وتنجح كل يوم في استقطاب مزيد من الاطراف العربية والفلسطينية الى الحظيرة الامريكية على رأى الشاعر احمد مطر. الأولى محجوبة ومحظورة ومطاردة في الأقطار العربية، وموضوعة على قوائم الارهاب الامريكية والاوروبية. والثانية تفتح لها ابواب واشنطن ولندن وباريس وكل العواصم العالمية والخزائن العربية.

فعلها قادة حماس، وقرروا اللحاق بقطار التسوية مع العدو الصهيوني، قطعوا الخطوة الاولى في هذا المسار الذى عادة ما يبدأ، بصياغات مراوغة من أمثال "نقبل دولة على حدود ١٩٦٧" او "دولة على كل شبر يتم تحريره من الارض المحتلة" او الحديث عن "الحل المرحلي والحل النهائي" ... الخ. فعلتها وكنا نظنها لن تفعلها أبدا، كنّا نظنها محصنة ضد السقوط في مستنقع التسوية والتنازلات. فهي حركة أذاقت هي وشركائها من فصائل المقاومة الاخرى، العدو الصهيوني الامرين، ونجحوا رغم جسامة التضحيات في تحويل غزة الى قلعة تستعصي على الكسر او الخضوع. حركة طالما دعمناها ودافعنا عنها في مواجهة الحصار والحروب والاعتداءات الصهيونية المتكررة.

شبعنا تنازلات وتضليلات:
لقد اصبح الشعب العربي خبيرا بطرق واساليب التسوية وبمقدمات وتمهيدات التنازل والتفريط، من كثرة ما شاهدها تُمارس في نصف القرن الماضي. في البداية كانت الشعوب حسنة النية، تُصدق التفسيرات التي يقدمها الحكام والزعماء العرب والفلسطينيين، بانه ليس تنازلا ولا تفريطا وإنما هي خطوة تكتيكية ومناورة سياسية لا تمس الثوابت، ثم اكتشفوا مع التجربة والتكرار كيف تباع فلسطين واستقلال الامة وحقوقها في كل مرة. فاكتسبوا مناعة ضد هذا النوع من التضليل، وأصبحوا "يفهموها وهى طائرة" كما يقال في المثل الشعبي. وبمجرد ان يسمعوا تعبيرات مثل: "لا تنازل عن الثوابت" او "فلنكن واقعيين" أو "تجديد وتطوير الخطاب السياسي" أو "حتمية التوافق مع المتغيرات والمستجدات الدولية والإقليمية" ... الخ يدركون ان هناك تنازلا جديدا في الطريق وان متنازلا جديدا على الابواب.

ان الحديث عن حدود ٦٧ بأي صيغة وفى أي سياق، يحمل تنازلا ضمنيا عن باقي فلسطين، حتى لو احيط بأغلظ الإيمانات بالتمسك بالثوابت الوطنية والحقوق التاريخية وعدم الاعتراف بإسرائيل. لماذا؟ لأن القبول بدولة على حدود ١٩٦٧، او بانسحاب قوات الاحتلال الى حدود الرابع من يونيو ١٩٦٧فقط، هو بند واحد في مشروع شامل ومنظومة متكاملة من القواعد والمبادئ والشروط والالتزامات المتبادلة، فهي حزمة واحدة، اما ان تأخذها كلها او ترفضها كلها، لا يمكن ان تنتقى منها ما تريد وتترك الباقي.

وأصل هذه المنظومة هو القرار رقم ٢٤٢ الصادر من الامم المتحدة بعد هزيمة ١٩٦٧، والذى ينطلق من ضرورة الاعتراف بشرعية وجود اسرائيل وحقها ان تعيش داخل حدودها الآمنة وهى حدود ١٩٤٨، مقابل ان تنسحب من أراضي احتلتها عام ١٩٦٧. فلا حديث عن حدود ١٩٦٧ الا مقابل الاعتراف بإسرائيل ولو بعد حين.

والاعتراف انواع ودرجات ومراحل: أقواها الاعتراف الرسمى مثلما فعل ابو عمار ومن قبله انور السادات ومن بعده الملك حسين. او اعترافا وتطبيعا كاملا معلقا على شرط انسحاب اسرائيل الى حدود ١٩٦٧، مثل اعتراف كافة الدول العربية بموجب مبادرة السلام العربية. او اعترافا ضمنيا او مستترا كما فعلت وثيقة حماس الاخيرة، بقبولها دولة على حدود ١٩٦٧، بما يعنى بمفهوم المخالفة: السكوت او الصمت عن الوجود الصهيوني في باقي فلسطين.

أصل وفلسفة حدود 1967:
ان المتصالحين مع العدو الصهيوني الذين اعترفوا به وتنازلوا له عن ٧٨٪ من ارض فلسطين، يبررون مواقفهم دائما بان الامم المتحدة والولايات المتحدة وكل الدول الكبرى والمجتمع الدولي تعترف بإسرائيل وتعتبر ان فلسطين عندهم تقتصر على الضفة الغربية وغزة، وبالتالي فلا طائل ولا جدوى من التمسك غير الواقعي بكل فلسطين، ولذلك يحرصون على طمس أي حديث او مطالبة بفلسطين ١٩٤٨، وتركيز كل خطاباتهم ومفاوضاتهم وتصريحاتهم على دولة فلسطينية على حدود ١٩٦٧ عاصمتها القدس الشرقية.

ويقولون: "لا يمكن تحرير فلسطين بالمقاومة والكفاح المسلح، وليس لنا قِبَّل بحرب اسرائيل، ولن نأخذ شيئا الا بالمفاوضات، واذا أخذنا شيئا فلن يكون الا ما يجود به المجتمع الدولي، وهو (ان فعل) فلن يجود الا بدولة قابلة للحياة على حدود 1967."

وبالتالي فان معنى حدود 1967 فى قاموس الصراع العربي الصهيوني = مفاوضات بديلا عن الحرب والقتال + تنازل عن باقي فلسطين + اعتراف بإسرائيل وبحقها في ارض 1948 + حل تقبله اسرائيل بشروطها وتباركه الولايات المتحدة. وتقوم فلسفة هذا الحل، على اعطاء ضمانات لإسرائيل بان أي ارض تنسحب منها لن تشكل قاعدة لتهديدها مستقبلا، وان احدا لن يعود فيما بعد ليطالب بحقوق في ارض فلسطين التاريخية، وان شركاءها من العرب والفلسطينيين في أي معاهدة، يجب ان يتم تكبيلهم بمنظومة من القيود الامنية والعسكرية، لتجريدهم من أي امكانية للعودة مرة اخرى الى تهديد اسرائيل.

هذا ما ورد في نص القرار 242، وما ورد في كل الاتفاقيات العربية الاسرائيلية بدءا بكامب ديفيد ومرورا بأوسلو وانتهاء بوادي عربة، وأي ادعاء لقادة حماس او لغيرهم بأنهم قادرون على الفوز بدولة على حدود 1967 خارج هذه القواعد والشروط والقيود، فهو وهم او تضليل.

التنازلات المستترة أخطر من الصريحة:
ورغم ان مثل هؤلاء خانوا فلسطين، وخانوا الامة العربية بكل أجيالها الحالية والراحلة والقادمة، الا انهم يقدمون خطابا واضحا وصريحا لا التباس فيه او مراوغة أو تضليل. اما ان نقول اننا لا نعترف بإسرائيل ولا نتنازل عن ارض فلسطين التاريخية ولكننا نقبل مؤقتا ومرحليا دولة على حدود ١٩٦٧ فهذا بالإضافة الى ما فيه من تناقض، فانه يحمل تضليلا خطيرا، سيؤدى الى زرع جرثومة مدمرة في وعى الشعب العربي والفلسطيني، وعلى الأخص من الشباب، بانه يمكن القبول والفوز بدولة في الضفة الغربية وغزة بدون التنازل عن فلسطين التاريخية.

ان الطرح الواضح الصريح اقل ضررا و خطورة.

كما اننا لا يمكن ان ننسى أن التمهيد لأوسلو داخل م. ت. ف. بدأ مبكرا منذ السبعينات، وبخطابات وتصريحات وصياغات ومواثيق أكثر قوة وتشددا من وثيقة حماس الأخيرة، ومع ذلك جرى ما جرى.

ثم ما هو الفرق بينكم وبين ابو مازن ومبادرة السلام العربية:

فاذا كان مصيرنا لا قدر الله ان نقبل أو نكتفى بدولة على حدود 1967، فان الرهان على ابو مازن والسلطة الفلسطينية اوقع واقصر طريقا، فلهم من الشرعية والتحالفات والعلاقات الدولية والاقليمية والعربية ما ليس لكم، ومعترف بهم من الجميع بانهم الممثلون الوحيدون للشعب الفلسطيني، وقائمة التنازلات التي قدموها للعدو الصهيوني اضعاف مضاعفة ما تعرضونه، واذا كان اسرائيل تنوى ان تعطى الفلسطينيين أي شيء في المستقبل (ولن تفعل)، فستختار ابو مازن ولن تختاركم.

اما عن مبادرة السلام العربية، فان المعروض على اسرائيل من الدول العربية المجتمعة هو اعتراف وتطبيع كامل، ومع ذلك رفضته اسرائيل رغم ما فيه من مغريات ومكاسب دولية وسياسية و مالية واقتصادية هائلة، فماذا تقدمون انتم؟

من تخاطبون وماذا تريدون؟

ان رسالتكم الموجهة الى امريكا واسرائيل واصدقائها من العرب والاوروبيين، تستهدف رفعكم من قوائم الارهاب الامريكية والاوروبية، لأنكم بقبولكم دولة على حدود 1967، لم تعودوا تهددون بالقضاء على اسرائيل، وهى دعوة للجميع للتوقف عن استبعادكم والعمل على دعوتكم واشراككم في أي عملية سياسية، وعدم الانحياز الى ابو مازن، فكلاكما اصبحتما اليوم تنطلقون من ذات المرجعيات الدولية. وهو ما ورد صراحة وبالنص في حديث خالد مشعل لمراسل "السى ان ان" بعد المؤتمر حيث قال: "ليلتقط الغرب فرصة وثيقتنا وعلى ترامب أن يعمل مقاربة جديدة فهو لديه جرأة التغيير"

المكاسب والخسائر:
قد تكسبون بعض الرضا الأمريكي والأوروبي والعربي الرسمي، وقد يتم تخفيف الحصار قليلا عن غزة، وقد تجدون انفسكم على قوائم المدعوين الى المؤتمرات الدولية والمفاوضات السياسية، ولكنكم لن تحققوا اكثر من ذلك، كان غيركم أشطر. ولكنكم ستخسرون في المقابل اهم سند لكم، وهو الحاضنة الشعبية العربية، التي دعمتكم وأيدتكم لمبدئيتكم ومقاومتكم. وما ادراكم ما هي الحاضنة الشعبية العربية؟ ربما لا تستطيع ان تقدم لكم ذات التسهيلات والتشهيلات وامكانيات الدعم والتمويل المالي التي تملكها الأنظمة العربية، وربما فشلت حتى اليوم في تخفيف الحصار وفتح المعبر، ولكنها هي الوحيدة القادرة على إبقاء القضية حية رغم كل الطعنات التي تلقتها فلسطين من الحكام العرب، انها ضمير الأمة وصانعة وعيها ومربية شبابها.

بوثيقتكم هذه اقتربتم خطوة من اسرائيل وامريكا ومجتمعها الدولي وانظمتها العربية، وبعدتم عنا خطوات.

هل حقق الحصار أهدافه؟
يبرر البعض لحماس موقفها الأخير، بتدهور الظروف الدولية والاقليمية بعد نجاح ادارة ترامب، ناهيك عن طول وقسوة سنوات الحصار، وحجم المعاناة والضحايا في قطاع غزة خاصة بعد ثلاثة حروب اسرائيلية عدوانية كبرى من 2008 الى 2014. وهو ما كان يستوجب منهم اعادة النظر فى المواقف السياسية والتسلح بقدر من الواقعية. ونرد على ذلك بانه اذا كان الهدف من هذا التنازل هو فك الحصار عن غزة، فان الحصار يكون للأسف قد نجح في كسر إرادة القيادة الحمساوية. اما عن دعوات التنازل باسم الواقعية، فإننا نقول لهم: أن لهذا السبب تحديدا، أبدعت البشرية ما يسمى بالثوابت والمبادئ، من أجل الاحتماء بها في لحظات الهزائم والانتكاسات، في مواجهة كل محاولات المراودة عن النفس والأرض والعرض.

الإسلاميون يتنازلون مثل غيرهم:
وبالطبع لن تقتصر آثار مثل هذا التنازل على حماس، وانما سيمتد أثره لتشويه سمعة قطاع واسع من التيار الإسلامي، فلقد قيل فيما مضى أن كل من ينطلق من مرجعية اسلامية يتفوق على غيره درجة، فهو محصن من تقديم التنازلات التي قدمتها الفصائل والقوى والانظمة والحركات ذات المرجعيات الوطنية او المدنية، امثال نظام السادات ومنظمة التحرير ... الخ، فاذا بوثيقة حماس الأخيرة تبعث برسالة واضحة أنهم مثل غيرهم ليسوا معصومين.

احذروا مزيدا من الفتنة والانقسام:

وأخشى أن تنشأ فتنة وفرقة كبرى بيننا وبين أخوتنا ورفاقنا من التيار الإسلامي، اذ هم قرروا بدوافع تنظيمية او ايديولوجية الانحياز لوثيقة حماس وحدود 1967 على حساب ثوابت الأمة وعقيدتها الوطنية. خارجين عن الحكمة المتوارثة بأن "يعرف الرجال بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال".

اللعب بالنار:
انكم تلعبون بالنار، وتضحون بكل رصيدكم بلا مقابل، وتكررون سياسات فاشلة، سبق تجربتها واختبارها وفشلها عديد من المرات: وافق عبد الناصر على القرار 242 بعد هزيمة 1967، بدعوى انه قبول صوري ليس له أثر ولا معنى، وستواصل مصر المعركة وتعيد بناء جيشها لتزيل آثار الهزيمة. فلما مات عبد الناصر، استغل السادات القرار 242 لتمرير اتفاقيات كامب ديفيد والاعتراف بإسرائيل والانسحاب من الصراع. وفعلها ابو عمار بعد حصار بيروت ونفيه ومحاولات عزله وتهميشه، هادفا الى دخول الارض المحتلة باي ثمن، فانتهت محاولاته ومناوراته بحصاره واغتياله.

فلنقسو عليهم:
أيدت الشعوب العربية حركات المقاومة بلا حدود، ودعمتهم كل التيارات السياسية العربية من كل المرجعيات والايديولوجيات الفكرية بلا تحفظات، لانهم كانوا بمثابة القلعة الفلسطينية المسلحة الاخيرة داخل الارض المحتلة التى تقاوم وترفض التسوية وتتمسك بالثوابت والحقوق التاريخية. وأسوأ ما يمكن أن يحدث اليوم، أن تجد حماس من يبرر لها أو يدافع عن وثيقتها الجديدة، او يبدى تفهما لدوافعها، او يروج لخدعة ان القبول بحدود 1967 لا يمثل تنازلا.

ولذلك من الواجب علينا اليوم أن نقسو عليهم، ونختلف معهم وننتقدهم بشدة لعلهم يراجعوا انفسهم ويتراجعوا عن موقفهم الأخير. واذا قال قائل ولكن ابو مازن وسلطته هم الاحق بالنقد والتعرية، نذكره بما نال جماعة أوسلو على امتداد ربع قرن من هجوم حاد وشديد من كافة القوى والشخصيات الوطنية العربية، الى أن تم اسقاطهم في السنوات الأخيرة من حساباتنا تماما، بعد أن تحولوا الى أحد أدوات قوات الاحتلال في وأد ومطاردة وتصفية أي مقاومة او انتفاضة فلسطينية من بوابة ما يسمى بالتنسيق الأمني، فلم نعد ننتظر منهم أى خير. أما حماس فلا تزال على البر، ربما ننجح فى انقاذها من مصيرها المحتوم.

ان التمسك بالثوابت والمبادئ وبكامل الحقوق التاريخية، لو لم يكن وراءه من فائدة سوى بناء الوعى الشعبي العربي والفلسطيني وتحصينه ضد دعوات الاستسلام والتفريط فى الارض، فان هذا يكفى ويفيض.

لا نبرء أنفسنا:
واخيرا يجب أن نعترف كشخصيات وقوى وطنية عربية خارج فلسطين، باننا جميعا، بشكل أو بآخر، شركاء في كل ما يصيب فلسطين كل يوم من اعتداءات او هزائم او تراجعات، شركاء بعجزنا عن دعم المقاومة وكسر الحصار وعن اسقاط اتفاقيات الصلح مع العدو الصهيونى، وعن مواجهة انظمتنا الحاكمة التى تتواطأ لتصفية القضية. شركاء بسماحنا بتراجع قضايا ومعارك الصراع العربي الصهيوني من اجنداتنا السياسية.

القاهرة في 5 مايو 2017