يرى الناقد المصري أن نقطة النظام التي طلبها الروائي، ليعترض فيها علي أسلوب عهد كان قد طال واستطال واستفحل في غيه، أعلن فيها عن رفضه لتلك الممارسات عبر روايته، مؤكدا ألا مستحيل، وأن كل حلم من الممكن أن يصبح حقيقة فاستدرج قارئه بالسخرية المنتقدة ، وبطريقة الحكي القريبة من الفضفضة ليصب فيها حقيقة ما جري محمولا علي أجنحة الخيال.

المثقف والثورة في .. «نقطة نظام»

شوقي عبدالحميد يحيى

لم يعد جديدا أن نكرر أن للعمل الأدبي زمنين يؤثران في تكوينه، أما الزمن الأول، فهو زمن الكتابة، حيث يتأثر – بالتأكيد- بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنفسية، التي يعيشها الكاتب زمن الإبداع. وأما الثانية فهي زمن القراءة، حيث تؤثر نفس الظروف السابقة علي قارئ العمل، وحيث يعيش مع العمل تحت تأثير إسقاط كل تلك الظروف المعيشة علي تلقي ورؤية نفس العمل، أي أن القارئ يعيد إحياء ذات العمل، بمدخلات، ربما كانت مغايرة، خاصة إذا تباعد الزمنان. خاصة في عالمنا العربي عامة، وفي مصرنا خاصة، حيث تتعثر عملية النشر بعد الإبداع بفترات تمتد في كثير من الأحيان لسنوات، وفي ظل تسارع الأحداث في وطننا في هذا العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، يصبح الأمر أكثر تفاوتا. ولا أدل علي ذلك من قراءة رواية "نقطة نظام" للشاعر والروائي صبحي موسي، الصادرة في العام 2017. بينما سجل الكاتب في نهايته تاريخ الانتهاء من الكتابة في 22 أغسطس 2011. أي بعد أحداث الثورة المصرية ببضعة شهور، الأمر الذي يرجع بنا في زمن الكتابة إلي ما قبلها، والذي معه يمكن قراءتها علي أنها إنعكاس لتلك الفترة المشحونة قبلها، لتعبر عما كان أحد أهم أسباب إندلاع تلك الثورة، وهي تجاوزات الشرطة، وتصرفاتها المرفوضة. خاصة وأن العنوان يُدخلنا مباشرة في صميم الموضوع، حيث يصرح بأن هناك شيئا يسير خارج إطار النظام الطبيعي، والمنطقي، وهو ما يحتاج أن يرفع شخص ما يده طالبا "نقطة نظام". وسرعان ما نتبين أن هذا الشخص هو السارد نفسه، بمعطياته المتاحة، والتي تقول بأنه صحفي، أي يمكن أن نعده في عداد المثقف، في مواجهة، سيناريوهات الشرطة وتلفيقاتها، سعيا لإيجاد من يحمل أي قضية تتعرض لها الشرطة، بغض النظر عن كونه الفاعل الحقيقي أم لا، وهو ما يعرض الكثيرين، بالطبع، للظلم، ولإهدار حقوق الإنسان. وإن كانت "نقطة نظام" لم تتوقف عند فنرة ما قبل يناير 2011، وإنما تتجاوزها لما بعدها. حيث الإشارة إلي (تهمة) الأخونة التي لم تكن كذلك إلا فيما بعد 2013، أي بعد إزاحة الإخوان عن صدارة المشهد. وهو الأمر الذي يقف بنا في رؤية الرواية إلي طرفي المعادلة، حيث يمكن النظر إليها باعتبارها تأصيل وبحث عن جذور اندلاع ثورة يناير، وإما النظر إليها علي اعتبار دفعنا للنظر حولنا، لرؤية ما يدور علي أرض الواقع، للوقوف علي مدي تخلص الثورة مما كان، وكان سببا لاندلاعها، أو أن شيئا لم يتغير، وأن الثورة لم تصل إلي ما كانت تصبو إليه.

وهنا نقف أمام تلك الإشكالية التي يزرعنا فيها الكاتب بالعديد من أساليب التمويه، التي تتيح لكل قارئ أن يقرأ الرواية بوجهة نظر، غاليا ما تختلف عن قراءة آخر لها.

ويأتي في مقدمة هذه التمويهات، وربما اختلافها عن تلك الروايات التي دعت للثورة، أو حرضت عليها، بأن الكاتب لم يتوقف فقط عند انتهاكات الشرطة، علي الجانب الفردي، أي تقديم التجربة الفردية التي تقود للرؤية العامة، وإنما يمكن القول بأن الكاتب هنا قدم تجربة جمعية، شملت أوجاع الوطن كله، من خلال معاناة ، ومعيشة قرية صغير (لا يعرفها أحد). أي أن الرؤية هنا رؤية جمعية ، أصبح البطل فيها هو القرية، وليس الفرد. إلي جانب أسلوب الكاتب الساخر، الذي وضع به السم في العسل، وكأنه يسقي قارئه العسل فقط. فبينما هو يتحدث عن مرارات، جهاز من أكثر أجهزة الدولة احتكاكا به، إن لم يكن أكثرها علي الإطلاق، الأمر الذي يبعث علي العبوس، جاءت السخرية لتحيل هذا العبوس لابتسامة تنزرع علي الشفاه، حين يصف الكاتب كل اسرته بما يمكن أن يصمهم، وهو يتحدث كما لو أن الأمر جد، خاصة عندما يتجسد الموروث الثقافي لناس القرية إلي الرؤية الفانتازية، التي تصل بها إلي مصاف الواقعية السحرية.

تقترب الرواية من السيرة الذاتية، وإن لم تكن سيرة ذاتية، فهي تعتمد علي البوح الساخر، الذي يطال الأب والأم، والعم وكل شخصيات تلك القرية المجهولة علي الخريطة، والتي لا يعرفها أحد، لتصبح بؤرة الاهتمام من أجهزة الدولة، إثر حادث فانتازي، حيث اختفاء منطقة كاملة من القرية، بناسها، وحيواتها المختلفة، وكأن الكاتب أراد بهذه الحادثة الفنتازية أن يعلن بأن غياب تلك المنطقة، ما هو إلا غياب القرية نفسها عن أعين المسؤلين، وكأنها نسيا منسيا، حيث ينصب الاهتمام كله علي القاهرة وتحركاتها المركزية، ليعلن منذ البداية الثورة علي المركزية الحاكمة، والتي تجاهلت كل تلك الكنوز، والمواهب التي تطمر في طين النسيان، وكذلك ما تؤدي إليه تلك المركزية من تملق وطلب الرضي من تلك القوي المتحكمة الوحيدة في مصائر البلاد والعباد. وما يؤكده، تصور أحداث الرواية بشخص يبدو طبيعيا يسير بين شوارع القرية، لكنه وكأن شيئا لا يحدث، يلقي بطوبة هنا، وشظية هناك، فيشعل الحرائق، ويثير زوابع الغضب، فنري الرواية رغم أن أحداثها تدور في تلك القرية التي لا يعرفها أحد، توسع من فضائها لتشمل الوطن بأكمله، ومشاكله وأحداثه القلقة. حيث نجد أنه أثناء سير الأمور في القرية، نجد إشارة مقصودة، وإن بدت طبيعية إلي :

1 – إشارة إلي معاملة الشرطة، المتعالية، لأهل سينا ، دون مراعاة لطبيعتهم وظروف حياتهم. الأمر الذي يؤدي إلي لجوء أهل سيناء إلي العدو الإسرائيلي، وأهمية التعامل معها، من أجل الكرامة، أولا، ومن أجل العيش ثانيا.

2 – تلميح إلي مشكلة النوبيين التي برزت علي سطح الحياة المصرية فترة أخري { ووجد الرجل الكبير نفسه في ورطة جديدة، فلم يكد يخمد فتنة النوبيين بالانفصال حتي دخل في فتنة البدو والانضمام إلي جار السوء}.

3 - التجاوزات التي أعقبت حركة الجيش في 1952. عندما أشارت الرواية إلي أحد رجال يوليو بألا تفتح نقطة مياه واحدة قبل أن تروي عزبته التي استوبي عليها في نهاية الترعة. قام الفلاحون بقطع الترعة . وأمر الزعيم رجله الأول عبد الحكيم عامر بأن يزيل القرية من علي وجه الأرض. ولم ينقذ القرية من مصيرها إلا رفعهم لعضو البرلمان الدائم فضلا عن عضويته لمجلس قيادة الثورة "زكريا محيي الدين" حيث رفعوه أمام الدبابات.

4 – الإشارة إلي الثقافة الشعبية التي تقدس الغيبيات، والتي اعتمدت الرواية عليها في حدثها الرئيسي والتي تجلت بصورة كبيرة في حكاية "حسان " الكهل الذي ولدته الغجرية من طيف مارد زارها في الليل . ومات دون أن يعرف أحد حقيقة الأمر. وكذلك قدرية الرؤية عند العامة ، والتي قد تتقبل معها الأمور بالاستكانة والتسليم، مثل تعاملها مع ثروة الخشن من بعد الضنك .. ورؤية القرية لها بأن الله يرزق من يشاء بغير حساب.. في مقابلة رؤية (المثقف) التي يري أن الثروة تعبير عن فساد الدولة وتواطؤها مع رجال الأعمال.

5 - رؤية المثقف، الرافضة دوما، والتي عبر عنها الكاتب بسخريته المنتقدة في {ولأنني ممن جلسوا علي مقاهي المثقفين في القاهرة، تلك المقاهي المليئة بالريبة والسعي لاتهام الجميع بالخيانة والعمالة}.

كل تلك الأمور، وغيرها التي توسعت أفقيا بعرض الأرض المصرية، وراسيا بعمق ثقافتها التاريخية، لتحول الرواية إلي مرثية وطن، لا مجرد قرية في الوطن. فضلا عن معالجة الشرطة، لتلك الواقعة، كيف يتصرف رجال الشرطة بما يمكن أن يقود إلي مآسي، ونكبات، المهم أن يظهر القيادي في الشرطة، ما يمكنه من الحصول علي الجائزة، والتي بالطبع {لن تقل عن وزارة بحجم دولة كاملة} في رمية خلفية تحيل إلي ما وصلت إليه وزارة الشرطة من توسع، ومن نفوذ : { فألقي بالدبابير والنياشين علي الأرض وعلق السيفين المتقاطعين علي وجهه: عايزهم قبل ما أوصل هكذا صرخ في رجاله} ثم ينصرف الذهن الشرطي إلي التصورات التقليدية { توصل إلي أن الأمر في حقيقته لن يخرج عن سيناروهين، الأول أن الجناة مجموعة منظمة خلفها جهاز مدرب علي أحسن وجه، والثاني أن زملاء آخرين فعلوا ذلك عن عمد لإجبار جار السوء علي دخول القوات المسلحة إلي المناطق منزوعة السلاح} أي أن الأمر لا يخرج عن نظرية المؤامرة، التي يُسند إليها كل الأمور، وكأن العالم كله يتآمر علينا.المهم {هو الوصول إلي السيناريو الأمثل وليس الحقيقة المثلي}. ويواصل صبحي سخريته المريرة من ذلك الأسلوب الشرطي بتصوير البحث عن السيناريو { طَرَحَ يوسف شاهين أرضا وأخرج صلاح أبو سيف من قبره قائلا إن في سينا تنظيما تابعا للقاعدة يدعي "جند الله" ومهمته ضرب السياحة وفتح غزة علي سيناء وقد تسلل من الأولي إلي الثانية عبر أنفاق سرية ومساعدة أبناء البدو الذين تدربوا علي تنفيذ العمليات في إسرائيل} فتكون النتيجة لذلك التصور الخيالي، حيث لم يرد علي فكر الباحث عن السيناريو، أن الحادث ربما يكون ظاهرة كونية، أو ظاهرة علمية، أو خطأ ما في المنطقة، فتلك التصورات بعيدة عن تصورهم، فليس لديهم إلا الحلول الأمنية، فتكون النتيجة أن يتم التعامل مع أولئك البدو بإعتبارهم مجرمين بالفعل، وأن عليهم تنفيذ الأوامر العسكرية، ويتم القبض علي عدد كبير منهم، فلم يكن أمامهم إلا الارتماء في أحضان إسرايل، وكأن عملية هجرة تتم من سيناء، ليلقي صبحي بطوبة أخري وكأنها عابرة، وهو يعني أن يضئ بها منطقة أخري تمور بالقلاقل، وعجز الحل الشرطي في إنهائها{ ووجد الرجل الكبير نفسه في ورطة جديدة، فلم يكد يخمد فتنة النوبيين بالانفصال حتي دخل في فتنة البدو والانضمام إلي جار السوء}.

و تتواصل عملية توسيع الفضاء الروائي، حين يموت "حسن الخشن" من جراء جرعة حشيش زائدة، يضرب الكاتب في أكثر من اتجاه، وكأنه العيار الواحد متعدد الشظايا، يصيب بها الثقافة المجتمعية، وإرجاع كل الأمور إلي أن الله يفعل ما يشاء، وكأن الإنسان ليس له إرادة. ويصيب بها تواطؤ الدولة مع الفساد والفاسدين. ويصيب بها في ذات الوقت نظرة المثقفين إلي الأمور، والتي تشكك في كل شيء، وأنها ، أيضا، غير واقعية {فالخشن ابن لعامل تراحيل شهير في القرية، يُجمع الكل علي أن "الغلق" أكل من كتفه جزءا، لكنهم يفسرون سبب الثروة التي هبت علي أبنائه بأن الله يرزق من يشاء بغير حساب، ولأنني ممن جلسوا علي مقاهي المثقفين في القاهرة، تلك المقاهي المليئة بالريبة والسعي لاتهام الجميع بالخيانة والعمالة، فقد فسرت الأمر علي أنه أحد تجليات الفساد الذي ضرب شتي أنحاء إدارة الدولة، فالخشن صنيعة التواطؤ بين أجهزة النظام وفساد رجال الأعمال}. وأبرز دليل علي ذلك التواطؤ، هو أن يتم إثبات حالة وفاة الخشن علي أنه سكتة قلبية.

وفي إطار خلق الصراع، وبالتالي شحن الرواية بالحركية، شكل الكاتب من مجموع شخصيات روايته مجموعتان، وضحهما في شرح السارد للضابط ذي النسر والدبابير الثلاثة في: { النظام الذي قامت عليه هذه القرية هو التوازن بين الخير والشر، بين ملوك الليل والنهار، لكن فيما يبدو أن شيئا ما جعل الأفيال البيضا تعاني الشيخوخة أو مرض ما ، وكلما أصابها الضعف ازدادت قوة الأفيال السودا، تلك التي يقودها الميرزا بحنكة ومهارة، حتي أنه حدد سبع نقاط كوعود قطعها علي نفسه ، ولم يبق منها غير نقطة أو اثنتنين كي يصل لمراده، ورغم أن الجميع يعرف الحفناوي ورجاله، إلا أنهم لا يعرفون شيئا عن الميرزا وأعوانه} 145. فنستطيع تقسيم شخصيات الرواية، وفقا لذلك في:

المجموعة الأولي "ملوك الليل" ويمثلهم الميرزا، ذلك المجهول الهابط علي القرية، والذي احترف السحر ويعزي إليه أنه وراء عملية اختفاء الجزء من القرية، والذي تعاون البوليس معه سرا، مثلما تعاون مع الخشن وكأن الشرطة تربي وترعي مثل هؤلاء لمثل تلك المواقف.

أما الثانية: فحراس النهار والذين يأتي علي رأسهم إسماعيل الحفناوي مؤذن المسجد الكبير ثم خادم الضريح، وصاحب الكرامات التي يأتي علي رأسها صفعته للميرزا بإعادة مباني الجزء المفقود من القرية. والشيخ السني، والذي يعتبر نائب الحفناوي، والرجل الذي امتلك قوة بدنية يستطيع بها أن يقسم الحائط اثنين. ووالد وعم السارد الذين اختلفا وتفرقا، ثم تجمعا، مرات عديدة، وكأن صبحي أراد التلميح إلي تفرق القوي الإيجابية الكثير(حراس النهار)، مما يؤخر الحلول المطلوبة، وينبثق من تلك المجموعة، السارد ذاته، الذي يجد نفسه، دون سعي منه، أنه المهدي المنتظر. حيث يصبح هو المخلص من آثام الشرطة المُنسحبة، ومن خلال تلك الرؤي الغيبية التي تتوافق مع الثقافة الشعبية القائمة علي الغيبيات، وكأن المهدي هو المُخلص، أو المنقذ علي طريقة أهل الريف، أو أهل مصر، الذين قاموا بثورتهم، ثم تخلوا عنها، وكأن ملاكا من السماء سينزل ليكمل المسيرة.

التقنية الروائية

لقد أصبح من المسلمات، أن من قادوا وتقدموا الصفوف في ثورة الخامس والعشرين من يناير، هم شباب المثقف، بعد أن كانت كتابات الكتاب وإبداعات المبدعين، قد شحنت القلوب والنفوس بتلك المآسي، التي كان أبرزها تجاوزات الشرطة وقمعها، ولذا لم يكن من قبيل الصدفة، أن يأتي السارد، أو إن شئنا، بطل "نقطة نظام" هو واحد من المثقفين، فهو صحفي وكاتب روائي في ذات الآن. فقد أوضحت الرواية قناعة الكاتب بهذا الدور، وأكدته تقنية العمل. فإذا ما قرأنا في بداية العمل عن ذلك الرجل الذي ذهب لجرير يسأله عن اشعر العرب {فما كان منه سوي أن أخذ بيده حتي وصلا إلي باب زريبة للغنم فطرقه، حينها خرج لهما رجل أشعث، تناثرت علي وجهه ولحيته نقاط بيضاء، فسأل جرير صاحبه: أتعرف ماذا كان يفعل؟ أومأ الرجل بالنفي. فأكمل جرير كان يحلب العنزة في فمه كي لا يسمع أحد صوت حلبها في الإناء، فيعلم أن لديه حليبا ، إن من كان هذا أبوه وفاخر به ثمانين شاعرا فغلبهم لهو أشعر العرب}. ويقول السارد في روايتنا، أنه شعر بالفخر، عندما قرأ هذه الحكاية. ثم يستمر طوال الرواية بعد ذلك يُقطر لنا مقتطفات من حياة والده، وعمه، وأهل قريته، والتي لم تكن لتختلف كثيرا عن ظروف والد الشاعر الأموي "جرير" فأهله عموما {مازالوا يسكنون بين العشش وحوائط الطوب اللبن} ويقول عن والده { هو رجل طيب ، ويمكن القول إنه حكاء ممتاز ما دمت وفرت له الشاي والمعسل، أما أكثر من ذلك فإنه لا يصلح لشيء، إذ أنه "لا بيهش ولا بينش" حسب وصف أمي ....... أما هو فكان يكفيه أنه صاحب المزاج والفكرة}. وكذلك العم زايد لم يكن له من عمل سوي التحشيش. وبعد أن طابق السارد بين ظروف أهله وظروف والد أشعر العرب جرير، يخطو للخطوة التالية، وهي بداية صعود السارد سلم التفضيل. حيث تقول العرافة عنه وعن ابن عمه "الخضر" :{ أحدهما سيأخذ عمر الآخر، والذي سيعيش، أمه ستموت، لكنه سيكون الذبيح الذي سينفتح به السرداب} وليموت الخضر بالفعل، وتموت أم السارد، ويصبح هو المنذور للرسالة. فيحمل العم أثر السارد ويطوف به علي الكنائس والجوامع والمعبد اليهودي – في إشارة أيضا إلي المرجعية الثقافية لأهل القرية/ أهل مصر- فيقول العارفون عن الأثر: { لكن الإجابات كانت تتحدث عن أنها لا تعرف صاحب الأثر خيًرا أم شِريرا، لكنه سيكون طرفا أصيلا في صراع بين الخير والشر، وأنه سينقذ أناسا ويتسبب في هلاك آخرين} فيقول السارد {في هذه اللحظة أدركت أنني المعني بالكلام، وأنني الأضحية، ومحور الحرب المشتعلة بين ملوك الليل وحراس النهار}. وهنا تبرز الرؤية الأبد للسارد في عين الكاتب، والنابعة من صميم البيئة الشعبية الرازحة تحت تأثير (الساحر) و(المشعوذ)، ليرتقي به إلي مصاف النبي موسي. بذكر مرافقه أو من رابطت حياتهما معا، (الخضر)، رفيق موسي النبي. وما جعل تحول السارد بعد ذلك إلي المهدي منطقيا وغير مفتعل أو مفاجئ. حيث بعد هروب الشرطة واختفائها، تنطلق الإشاعة أن الشرطة سلمت القرية للميرزا (الساحر) وأنه لابد سينتقم، فيدور الاقتراح بين السارد ووالده والسني، بأن عليهم الاستباق بأن يعلنوا عن ظهور المهدي المنتظر. لكن لا يتم الاتفاق علي من سيكون هذا المهدي المنتظر، لحين إعلان وفاة السني وهو يؤم الناس بالصلاة ، وبعد أن يصلي الناس صلاة الجنازة، يصرخ السارد في الناس أنني لم أُصلِ عليه، إتركوه وسط المسجد لأصلي عليه، فينصاع الناس له.. وينفرد به في المسجد ويتلو بعض الآيات والأدعية ليقوم السني من مرقده، ويعلن للناس أن من أحياه بعد موته، هو المهدي المنتظر، ليتحول الحلم لحقيقة ويصبح الصحفي الروائي، هو المهدي المنتظر، هو المنقذ والمُخَلِص. وحق للكاتب، وللمثقف النابع من تلك الأرض البكر أن يفتخر علي غيره مثلما افتخر جرير بوالده شارب لبن العنزة، واستطاع صبحي موسي أن يحزم روايته بتلك التقنية الشفيفة من البداية، وحتي النهاية.

وإذا كان الحلم قد تحول لحقيقة في ظهور المخلص، فإن تقنية الرواية داخل الرواية، والتي تعتبر خطا موازيا للحكاية الأصلية، لتؤكد أيضا تلك الرؤية. فقد دخل السارد القرية بحثا عن عوالم روايته التي يكتبها، وعندما وقعت الواقعة، تحول إلي مراسل للجريدة التي يعمل بها، وهو لازال يحتشد بالأحداث للرواية، إلا أن الرسالة التي بعثها للجريدة يتحدث فيها عن الواقعة، وبالطبع وصل أمرها للمسؤولين، بل هي التي حركت الرجل الكبير ليصب جام غضبه علي وزير الداخلية، الذي بدوره حول القرية إلي ثكنة عسكرية، فيصبح السارد متورطا في الأحداث، ويتم استدعاؤه من قبل الشرطة، لتتواري مسألة الرواية وتتراجع، حيث يحل محلها الواقع وتداعياته. ولتتماهي الحدود الفاصلة بين الرواية الداخلية والرواية الخارجية، او بين الواقع والخيال، ولتصح وسيلة أخري بيد الكاتب، يتهرب بها من التصريح للتلميح، أو للمزيد من تعدد الرؤي واتساع الفضاء الروائي، الذي نجح فيه صبحي موسي بدرجة عالية.

إلا أن الكاتب لم يكن في احتياج لذلك الفصل الأخير، فلو أن الرواية توقفت عند هذا، لكانت قد قالت كل ما تريده، دون أن تقع في فخ المباشرة، أو الخوف علي القارئ من ألا تصله الرؤية، أو يصله ذلك التضافر السلس الذي سارت عليه الرواية. فجاء بالفصل الأخير الذي يصرح فيه الكاتب بأحداث الثورة، أو بأحداث الثمانية عشر يوما في الميدان. والذي ينهي الرواية بالشعار الذي زلزل الميدان "الشعب يريد إسقاط النظام"، في الوقت الذي كان الكاتب قد أعلن بالفعل عن سقوط النظام من قبل هذا الفصل، حين عبر عن انسحاب الشرطة، دون أن يقول انسحاب. حيث ذهب السارد إلي (مركز قيادة العالم) وهو ما كان يطلقه علي مركز الشرطة، فلم يجد إلا ضابطا، ليس علي هيئة رجال الشرطة، الذي يأخذ في الدعاء علي الشرطة بحرارة وحماس، وكأن الكاتب أراد أن يقول – أيضا دون أن يقول – بأن الشرطة، أو الإدارة .. قد تولاها الإخوان المسلمون. فحين يسأله السارد عن الضباط الذين كانوا قد احتلوا القرية{سألته عن ذي السيفين فقال هرب، سألته عن ذي التفويض فقال اختطف، سالته عن الرائد المسؤول عن الأمن فقال يعلم الله أين أراضيه، العسكر وبقية القوة فقال تسللت من الخدمة في ظروف غامضة، سألته عن موقفه هو فقال في الانتظار.. وبدا أنه ينتظر مصيرا عبثيا ككل سابقيه}. فضلا عن ذلك المشهد للطائرة (المروحية) التي أحاطها الدخان الكثيف، فصعدت وسطه حتي غابت إلي حيث المجهول، وكأن صبحي قد وضع النظام كله، وليس الشرطة فقط، داخل هذه المروحية، وحملتهم إلي حيث المجهول، المهم، أنهم رحلوا عن القرية، أو عن مصر، فلم نعد بحاجة إلي {الشعب يريد إسقاط النظام}.

نقطة لافتة، أيضا قدمها صبحي في غير إطناب، حتي تبدو للقارئ وكأنها عابرة، وهي إرتباط قبلة السارد لأبيه حين وصوله للقرية {فقد انطلقت الانفجارات المهولة، التي اختفت علي إثرها منطقة سكنية كاملة مع الحضن الأول والقبلة الأولي لأبي}حيث ربط بين الحضن والقبلة، والانفجار الهائل، وكأن الانفجار كان اعتراضا علي القبلة، أو إعتراضا علي المزيد من التقديس للجالس فوق السلطة، ممثلة في السلطة الأبوية، إذا نظرنا للأب باعتباره رمزا في هذه الحالة. وهو هنا أيضا يشير دون تصريح بالكثير، حيث يشير إلي ما كان يحدث من مثقفي، أو أبنا ذلك العهد، وهو المرفوض من تلك اللحظة. وهذا بالطبع لا ينفي وجود الرؤية الفردية، في تصرف ابن تجاه أبيه. وليؤكد أن الرواية علي بساطتها الظاهرية، وخبثها في محاولاتها الساخرة، وكأن الكاتب يغمز للقارئ، لا يخدعنك تلك الحيل، فهي حيل روائيين، وهي ما يمز كاتبا عن آخر.

إن نقطة النظام التي طلبها صبحي موسي، ليعترض فيها علي إسلوب عهد كان قد طال واستطال واستفحل في غيه، أعلن فيها عن رفضه لتلك الممارسات عبر روايته، مؤكدا ألا مستحيل، وأن كل حلم من الممكن أن يصبح حقيقة فاستدرج قارئه بالسخرية المنتقدة ، و بطريقة الحكي القريبة من الفضفضة، التي تشد أذن القارئ الذي يقرأ وكأنه يسمع، ليصب فيها حقيقة ما جري محمولا علي أجنحة الخيال، وبساط الليل الهادئ اليقظ، ليتذوق حلاوة البوح والفضفضة.

 

Em: shyehia48@gmail.com

  1. صبحي موسي – نقطة نظام – رواية – الدار المصرية اللبنانية – ط1 – 2017.