يكشف لنا الباحث المغربي كيف تتحول هذه الرواية المغربية إلى أهجية سياسية لما يدور في الواقع من خلل، وأزمة النخب والسلطة في تطوير أنساقها السياسية ومقولاتها، وعجزها عن ترسيخ عقد سياسي واجتماعي مبني على شرعية سياسية تفتح صيرورة المجتمع على التطور والبحث عن تحولات يساهم فيها جميع الأفراد.

الحكاية وأزمة الممكن

في رواية «هوت ماروك Hot Maroc» لياسين عدنان

محمد الدوهو

 

تولد الرواية عندما تبدأ الكلمات بالانسحاب أمام الواقع(1)، هذه توطئة جامعة مانعة لقراءة رواية ""هوت ماروك Hot Maroc" للكاتب المغربي ياسين عدنان(2). ينبني المنظور السردي في رواية "هوت ماروك" على رؤية سردية برانية الحكي خارج حكائية، أي أننا أمام قصة يرويها راو بضمير الغائب لا يشارك في احداثها، يحكي الراوي عن شخوص –أشكال لا يشكلهم هو بل تشكلهم الصيرورة التاريخية التي لا يستطيع أن يوقف سيولها الجارفة. أين تتبدى أزمة الممكن في رواية "هوت ماروك"؟ إنها تتجلى في الصيرورة الوجودية لرحال العوينة كعلامة في علاقتها بالصيرورة التاريخية والسياسية للسياق السياسي والتاريخي الذي ينوجد فيه، صيرورته صيرورة انحطاط processus de dégradation(3)، إنه شخصية مرآوية تنعكس فيها صيرورة أزمة السياق الذي يعيش فيه، سياق يعيش أزمة ممكن تاريخي وسياسي. لا يستطيع رحال أن ينتقل من حالة الإمكان état d'éventualitéإلى الفعل وتحقيق ما يصبو إليه. إنه بطل فاشل تاريخيا. منذ البدء يحكم ياسين عدنان على بطله بالفشل والعقم التاريخي، بطل الراوي بطل لا بطولة له. يحقق قوته في الحلم لا الواقع، يقدمه الراوي ومنذ صباه كائنا ضعيفا أمام أقرانه، كيف لا وهو الذي "يصفي كل حساباته في الحلم"، ذلك أن الركبتين اللتين تصطكان من الخوف في الواقع تصير يمناهما جبارة في الأحلام.(ص21).

يعرف الراوي أن رحال شخصية مشكلة قبليا قبل أن يشتغل عليها كعلامة سردية، ومن تم تتكفل الحكاية بتَسْريد صيرورة هذا التشكل القبلي عبر مَفْصَلة المحكي إلى مرحلتين أساسيتين: مرحلة الجامعة وما بعد التخرج من الجامعة والحصول على إجازة في الأدب العربي. لكن قراءة حياة رحال على ضوء هاتين المرحلتين يطرح مسألة تأهيل البطل. رحال وكما سلف الذكر كائن فاشل، لا يرتبط هذا الفشل بأصوله الاجتماعية وانتماءه إلى القاع الاجتماعي الفقير والمهمش، بل إن فشله يجد له مسوغاته في كونه ينتمي إلى سياق سياسي وتاريخي لم يؤهله تربويا وسياسيا لخوض معركة التاريخ والحضارة. أزمته أزمة نسق تربوي وسياسي يرفض تربية النوع البشري، وتركه عرضة لقراضة الاستهلاك والسمسرة والنفعية السياسية الموغلة في نسيان الفرد إلى حد الحيوانية l'animalité.

1- مرحلة الجامعة والتأهل لخوض معركة الحياة والتاريخ
يقول الراوي ملخصا مساره التربوي والجامعي قائلا: "لم يلتحق رحال بحلقات النقاش في ساحة كلية الآداب طلبا للنضال ولا حبا في السياسة بدليل أنه قضى ثلاث سنوات في الكلية لا يقرب تلك الحلقات ويتفادى حتى الممرات المؤدية إلى الساحة التي تنعقد فيها، لكن حين وجد نفسه مطرودا بعد فشله بثلاثة سنوات مواسم في اجتياز السنة الأولى من شعبة التاريخ والجغرافيا، لم يكن أمامه من خيار سوى تقديم ملفه للجنة الحوار الطلابية التي افتتحت الموسم بمعركة نضالية شرسة بغية إرجاع المطرودين" (ص27). يتوج رحال نضاله في منظمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بقبول تسجيله في شعبة الدراسات الإسلامية، لكن ما يثير الانتباه في رواية "هوت ماروك" أن شفرة رحال الوجودية مبنية على الازدواجية التي تجعل منه إنسانا وحيوانا في الآن ذاته، مساره الوجودي مسار صيرورة تحول إلى حيوان devenir-animal (3)، ذلك أن هذا التحول يجد له امتدادات في ماضي رحال إذ لم "يكن يفهم لماذا يشبهه البعض بالقرد، ولا كيف يصفه البعض بالجرذ، تضايقه هذه الأوصاف غالبا ما يتلقاها كشتائم، لكنه لا يتأثر بها ... رحال يجد نفسه أقرب إلى السنجاب منه إلى حيوان آخر ... فهو ابن عائلة أرفع شأنا، دعك من الذيل، صحيح أن ذيل الفأر رفيع وطويل فيما يزهو السنجاب بذيل كثيف، لكن الفرق الأكبر يكمن في الأخلاق والسلوك و في العين وكذا في التطلعات العميقة للحيوان، مما يؤثر بشكل لا شعوري على سلوك الإنسان المرادف له وأدائه في العمل والحياة مثلاّ".(ص22-23). والنتيجة يتحول الجميع في منظوره ورؤيته للعالم إلى كائنات-حيوانات، وتخضع تسميات رحال للكائنات البشرية لاستثمار ذاتي ينهض على صنافة TAXINOMIE لهذه الأشكال-الكائنات إذ "كان بسهولة يعثر لكل من يتحرك أمامه من الآدميين على الحيوان الذي يقابله وحين يتعرف على الشخص ويستوعب منطق تفكيره وأسلوبه في الحجاج أو مزاجه في السخرية يتأكد من حكمه الأولي، وفي حالة الخطأ يعيد تكييفه باختيار حيوان آخر يكون في الغالب من نفس الفصيلة التي اهتدي إليها أول مرة، وهذا على العموم علم لا يدرس في الجامعات، وإنما هو موهبة ربانية جعلت رحال منذ طفولته يبحث في وجوه رفاقه في الفصل وجيرانه في الحي عن حيوان مضمر. هكذا عاد البشر إلى حيواتهم الأصلية في عقل رجال و خياله، وكذا في أطلسه الخاص بالعالم والكائنات".(ص23).

قد يؤول القارئ استحضار موضوعة الحيوانية في رواية "هوت ماروك" على أنها "مزرعة حيوان" تحكي قصة بشر تحول إلى قطيع حيوان تحكم صيرورة تحولاته سلطة متعالية لا يعرف رحال وكل الشخوص التي تدور في فلكه مصدرها المجهول، ومما يجدر ذكره في هذا المقام أن هذه الحيوانية أصبحت تيمة (موضوعة) مهيمنة في الكتابة الروائية المغربية، خاصة إذا ما تذكر القارئ نصوصا روائية متميزة كـ(أحلام بقرة ) لمحمد الهرادي و"سيرة حمار" لحسن أوريد وقبلهما بزمن كتابات محمد زفزاف حول الهامش حيث تتخلل تيمة الحيوانية بامتياز نصوصه الروائية.

هكذا تتحول كل شخوص رواية "هوت ماروك" في خطاب رحال إلى حيوانات، يتطابق جوهرها وجوهر تسمية الحيوان التي يمنحها إياها رحال، الكائن-الحيوان (السنجاب). لا يهتم رحال بالمؤسسات السياسية الحزبية والانتماء إليها. ما يهمه هو تحقق مبدأ التطابق بين الاسم والمسمى، بين الإنسان والحيوان "لم يكن يصنف المتدخلين في حلقات الاتحاد الوطني لطلبة المغرب "حسب انتماءاتهم الفصائلية كما جرت العادة، ولم يكن يهتم بالاصطفاف الحزبي والولاء الأيديولوجي، بل كان يذهب مباشرة إلى الصميم ، يدقق في الشكل ،الهيئة، علاقة العين بالحاجب، حجم الفم، استدارته، مدى نتوء الأنف أو سعة المنخرين، الموقع الذي يحتله الأنف وسط الحنك الصلب بين الوجنتين، هذه التفاصيل هي التي تهم رحال أساسا. ثم تأتي الخصائص الجوهرية التي تجعل الصلة مابين المتحدث وجوابه المستخفي أكثر وضوحا، الحركات، السكنات، النظرات، الابتسامة، كيفية الوقوف، طريقة الكلام، حركة اليدين، تقطيب الحاجبين، سرعة التنفس، إضافة إلى الأسلوب ومنطق الخطاب" (ص24)، وهكذا يمتد مبدأ التطابق بين الإنسان والحيوان ليطال كل الكائنات البشرية التي يصادفها رحال في الجامعة أو خارج الجامعة ليكشف عن وضع إنساني تحول فيه البشر إلى إنسان-حيوان يتحكم فيه حيوان أسطوري متعال، لا يشير الراوي إلى هذا الحيوان- الأسطورة في الرواية،ولكن القارئ مدعو للإيمان والتصديق بوجوده على اعتبار أنه قابع في لاشعور رحال يملي عليه التسميات الحيوانية، بدءا من أبيه الذي كان "سرغوفا بأوراقه الثبوتية طويل ونحيف كالسرغوف" (ص105)، أما أمه فتشبه بجعة حقيقية "فمها واسع عريض أما مرض الدراق الذي ظهرت أعراضه عليها مباشرة بعد الزواج فقد جعل غدتها الدرقية تتضخم لتأخذ شكل ورم في منطقة الرقبة تبدو معه كالحويصلة الكبيرة التي تحتفظ بها البجعة أسفل المنقار، أيضا بسبب عجيزتها العظيمة، كانت حليمة تجد صعوبة في الوقوف، وحتى تستوي على قدميها، تمشي بطريقة مضحكة تماما كالبجعة".(ص105).

لا تجد هذه الحيوانية تفسيرا لها في الوضع الإنساني البئيس الذي يعيشه أب وأم رحال بل إن هذا البؤس الوجودي في الزمان والمكان يطال شجرة أنسابه الذي تكلفت بها فأس الجفاف والسيبة وطغيان القياد (ص72)، وعليه "لا يجد رحال تفسيرا لكل الهزائم التي حاقت بأهله وعشيرته، مند أيام السيبة وحكم القياد حتى اليوم سوى النحس" (ص76). لنلاحظ أن الراوي يقرن أزمة الحاضر باستمرار الماضي في حياة رحال، وإلا بماذا يمكن تفسيرا عبارة "حتى اليوم"؟ هذا تساؤل يرتبط ببنية الزمن في رواية "هوت ماروك" لكنه تساؤل يكشف عن أزمة الممكن في صيرورة التحولات التي عرفتها الدولة في العالم الثالث . وتمتد هذه الحيوانية لتطال أيضا رفاق الجامعة، فعتيقة المناضلة في حلقات الاتحاد الوطني لطلبة المغرب تتحول إلى بقرة، فهي هذه القروية القادمة من أحواز مراكش "ثورية بالفطرة تتصرف مع الرفاق باعتبارها أما. جسدها القوي المتدفق وتقاطيع وجهها الصبوح المستغني بالسماحة عن الذكاء وصفاء عينيها الواسعتين، كل ذلك قاد رحال إلى التفكير فيها مند البداية كبقرة" (ص25). و الأدهى في منظور رحال أنها، والعهدة على ما يرويه طلبة فصيل العدل والإحسان معارضي طلبة اليسار، أن جسدها تحول إلى ميدان لتحقيق الشيوعية الجنسية، إذ أنها حين تسكر مع الرفاق يمارسون عليها الفاحشة تباعا وهي راضية مرضية لأن "مبادئ الشيوعية الجنسية التي تشبعوا بها تلزمها بحل المشاكل البيولوجية لرفاق الدرب، وهو ما جعل رحال يطمئن إلى "صواب تصنيفه فالبقرة تستخدم في الحرث وشق الأرض، في الجر وإدارة الطاحونة، ولا تمنع ضرعها وحليبها عن عجل ولا آدمي، كما تمنح بعد الذبح لحمها وشحمها بل وجلدها أيضا لمن يطلبه فما الذي يمنع الرفاق من الوفاء لطبيعتها؟"(ص25).

وعلى غرار عتيقة يطلق رحال على الرفيق أحمد اسم الضبع، وهكذا وأمام ولع أحمد الضبع بالنبش في مقولات ماركس، وانجلز، لينين، وماو تسي تونغ، مهدي عامل والمهدي بنبركة، يصبح ولعه بمقولات الأموات الثقافية شبيها بولع الضباع بنبش القبور، أما الرفيق عزيز السلوقي، المولع بنقطة النظام، ويرى لها أهمية قصوى في حلقات النقاش، بين فصائل الطلبة برحاب كلية الآداب بمراكش، فهو، كما يقول الراوي، يفضل اقتناص نقطة النظام الحاسمة لصالح فصيل حزب التقدم والاشتراكية، لكن رحال المولع بالتصنيف والعارف بطباع الحيوانات يعرف أن "السلوقي مهما كبر رأسه واستدار يبقى سلوقيا. كل حيوانات الدنيا تصيد لنفسها إلا السلوقي، فقد اعتاد أن يصيد لصاحبه، وله بعد أن ينتهي رحلة الصيد ما يجود به هذا الأخير من وضيع الطرائد، إلا أن وفاة والده جعلته يعرف حرارة الفقد ومرارة اليتم، وجعلته يراجع مقولاته الفكرية ويتجه طوعا نحو التَأَسْلُم لأنه "أكتشف أن الدنيا إلى زوال وكل من عليها فان إلى آخره، ليفاجأ "السلوقي الجميع وهو يسجل نقطة نظامه هذه المرة لصالح طلبة العدل والإحسان واضعا براعته النظرية في التعقيب والتعليق رهن إشارة الفصيل الإسلامي(ص27). أما الرفيق المختار فهو جرذ في حين ينعت رحال الرفيق مراد بالجربوع، وهما بذلك ينتميان إلى جنس القوارض (ص114). هل لهذا المنطق السردي من تفسير؟ الجواب إن رحال حيوان سياسي واجتماعي يتأمل عجزه وحيوانيته في مجايليه في ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن العشرين، إنه في صيرورته الوجودية شبيه بفراشة في طريقها إلى المسلخ، وهو تشبيه يحيل إلى عنوان لديوان شعري كتبه عدو رحال ، وفيق الذرعي.

ويمتد عنصر المشابهة بين الإنسان والحيوان ليطال هذه المرة أستاذ رحال بوشعيب المعروفي، أستاذ الأدب العربي، الذي لعبت الصدفة في ولوجه لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش، وبما أن الأستاذ بو شعيب حول حلقاته الدراسية إلى ميدان لتشغيل مقولة "الشيخ والمريد"، فقد وجد رحال مطابقه الحيواني: الفيل، الشبه واضح بين المشبه والمشبه به، هو فيل حقيقي بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، بحيث لم يجد رحال أدنى صعوبة في اصطياد حيوانه، "كتلة لحمية بجلد سميك وساقان غليظان متورمتان كأن الرجل مصاب بداء الفيل، وفرة شحمه تمنعانه من أن يدير رأسه بشكل كامل حتى ولو شبت النار في جلبابه الأبيض من الخلف، لذا يكتفي كالفيل بمراقبة ما يجري أمامه على جانبه فقط". نزعة الفيل لدى الأستاذ بوشعيب المخلوفي جعلته يتحول إلى مريد (فيل/ أستاذ) لأن الوسط الذي "يفضل السي بوشعيب أن يعيش فيه ويشتغل، شبيه إلى حد كبير مجتمع الفيلة بتراتبيته الصارمة التي تقوم أساسا على احترام الصغير للكبير. حيث تحتل الفيلة رتبها داخل المجتمع حيث السن يتدرج لا يمكن القفز عليه. هكذا تتلقى الأفيال الصغيرة الدروس يوميا ويكون عليها تعلم القواعد الاجتماعية وممارسة آداب الجماعة"، وهذا النظام/ الانظباط الذي نجده محترما بدقة في مجتمع الفيلة ما يفتقده المخلوفي مع الأسف في مجتمعنا البشري التافه، وداخل هذه الكلية بالذات لذا حرص على أسماء طلبته بصرامة ليؤسس معهم بدأب مجتمعا فيليا صالحا، لا مجال فيه لمتنطع غر أو لمدع مغتر" (ص44)، أما حسنية زميلة الصف الدراسي الجامعي وزوجة المستقبل فيما بعد، فلم تسلم هي الأخرى من تصنيف رحال. مصادفة اكتشف حيوانها العميق، ظل رحال يطارد على امتداد الشهور الماضية "حيوان حسنية في ملامح وجهها في حيرتها وصمتها، وفي ملامحها وكلامها في مشيتها وطريقة جلوسها، في حركاتها وسكناتها، في الكتب والأحلام، دون جدوى، والآن تخرج حليمة عرضا أثناء بثها التلقائي حيوان حسنية من جحره بلا عناء(ص135)، حيوان، لم يكتشفه إلا بعدما حدد عقد النكاح، لكن رحال الشبيه بالأصم في الزفة، لم يكن يعرف، وهذا سر يفضيه الراوي إلى قارئه، أن مشغله عماد القطيفة، هو من اغتصب قنفذته (ص515)، وأن البضاعة قد تم العبث بها دون أن يدري، لذا كان على الحاج القطيفة انتظار حسنية للحصول على الإجازة في الأدب العربي ليشغلها كمكافأة عن صمتها على الفضيحة.

2-مرحلة المابعد-واستمرار صيرورة أزمة الممكن:
معظم هذه الشخوص ستصاحب رحال في رحلة بحثه المحكومة بصيرورة تاريخية وسياسية، ستستمر في لعب "الكوميديا الحيوانية" (ص375) كما يسميها الراوي، صحيح ستظل مرحلة الماقبل- مرحلة الجامعة مشدودة تاريخيا وسياسيا إلى مرحلة تاريخية كان الخطاب السياسي، على الأقل، شفافا، وواضحا، لكن رواية" هوت ماروك" تكتب عن تحول من مرحلة تاريخية إلى مرحلة تاريخية أخرى، التحول انتقال من حالة إلى حالة أخرى في إطار تاريخاني تطوري يتم بموجبه تحقيق القطيعة مع مفاهيم ومقولات ظلت تتحكم في تسيير الكلية الاجتماعية، وذلك لخلق جدل التجاوز والاستمرارية في الصيرورة الاجتماعية والتاريخية، عبر خلق وإبداع تصورات ومفاهيم ومقولات سياسية وتاريخية وثقافية جديدة توجه الكلية الاجتماعية في صيرورتها، لكن القارئ سرعان ما يكتشف أن شخوص النص حكم التاريخ عليها بالفشل، لم تكن مؤهلة، لخوض معركة التاريخ والتحول.

أيسر مدخل لفهم ذلك تبقى السياسة، ذلك أن فهم صيرورة أزمة رحال الوجودية تكمن في صيرورة الواقع التاريخي، بحكم أن التحول كان محكوما بالبراغماتية (النفعية) السياسية التي جعلت الطبقة المتوسطة المحسوبة على اليسار بمجرد أن وصلت إلى السلطة تتنكر لمبادئها، ألم يقل أحد أبطال الرواية في لحظة ما أنه "واحد من شبيبة المغرب المحبطة التي كفرت بالسياسة والسياسيين وهجرت بشكل جماعي الأحزاب ومقراتها، وصار العزوف قرارها النهائي الثابت أمام كل الاستحقاقات الانتخابية الفاقدة لأية مصداقية"، ركبت كل الأحزاب السياسية سفينة النفعية، وظل الجميع يتفرج على فصول المسرحية السياسية التي رفع ستارها لمشاهدة ما حدث وما يحدث، فالاشتراكيون وبعدما انقلبوا على مبادئهم حين تحملوا المسؤولية في حكومة التناوب "صاروا أكثر توحشا من أكثر الليبراليين وهم يشرفون بحماس منقطع النظير على بيع ممتلكات الشعب وتفويت مؤسساتها الوطنية للأجانب والمحظوظين، لقد طبخوا رؤوسنا أيام النضال بشعارات تبشر بالتأميم وتذم الخوصصة وتحذر الجماهير من المؤسسات الدولية ومن بورجوازيتنا الوطنية ومن الليبرالية المتوحشة، لكنما أن وجدوا أنفسهم يحكمون إلى جانب الحسن الثاني عام 1998، حتى تحولوا إلى تلاميذ نجباء لصندوق النقد الدولي، وكانوا وراء أكبر عملية تفويت لمؤسسات القطاع العام شهدها تاريخ المغرب المعاصر"، أما الشيوعيين فقد تحولوا، وهم الذين يرون إلى الدين على أنه إيديولوجية الطبقة المهيمنة، وبجرة قلم إلى حجاج "تابوا إلى الله، جميعا وصار الحج إلى بيت الله شرطا أساسيا للحصول على مطلب الأمين العام لديهم، حتى أن لقب الحاج في لجنهم المركزية أكثر تداولا من لقب الرقيب" (ص367).

لم يسلم الإسلاميون هم الآخرون من مبدأ النفعية، إنهم يعيشون مفارقة الواقع والشعار في خطابهم، "تحدثهم عن التنمية ورهاناتها فيحدثونك عن الجنة ونعيمها، وتسألهم عن الفساد والاستبداد فيذكرونك بجهنم والجهاد وتجادلهم حول الديمقراطية فيأمرونك بطاعة أولي الأمر، لكن ما أن تختلف معهم حول فكرة أو موقف، حتى يحشروك في زمرة المغضوب عليهم والضالين من العلمانيين الملحدين، ويؤلبون عليك الغوغاء والدهماء وعامة العامة، وقد يتطوع أحد شيوخهم فيبادر إلى تكفيرك وإهدار دمك إذا اقتضت حساباتهم السياسية ذلك، حتى الديمقراطية ليست في ملتهم أكثر من شكليات يتعاملون معها ببراغماتية، ومجرد مطية يركبونها إلى السلطة. وما إن تستتب لهم الأمور حتى يشهروا في وجه خصومهم وحلفاءهم ورقة القرب من الله والحكم بأمره والتقيد بشريعته، ويرفعون شعارهم الخالد "لا انتخاب لا دستور، قال الله قال الرسول" (ص367).

أمام هذا الوضع ما ذا يتبقى؟ الجواب يرتهن بصيرورة الممكن السياسي في صيرورة الخطاب السياسي، فلا أحزاب المعارضة ولا أحزاب السلطة، لم تفتح صيرورة الخطاب السياسي والتاريخي على عقد سياسي مبني على شرعية الاختلاف التي تجعل الديمقراطية ممكنا تاريخيا يتحكم في صيرورة الكلية الاجتماعية. إذا كان اليسار (المعارضة) قد تنكر لمبادئه، كما سلف ذكره في الرواية، في لحظة تاريخية مهمة من تاريخ المغرب (تجربة التناوب)، فلأن أحزاب السلطة هي الأخرى ساهمت هي الأخرى في وصول خطاب المعارضة إلى حالة التنكر للمبادئ الاشتراكية والمساهمة في أكبر عملية بيع و خوصصة ممتلكات الدولة، كيف لا و"الأحزاب المخزنية التي خرجت من رحم الإدارة المغربية" انتهت صلاحيتها من زمان ولم يعد أحد يرجوا منها خيرا ولا شرا، و إلا فماذا تتوقع من أحزاب لم تتخذ طوال مسيرتها أي قرار سياسي خارج التعليمات والإملاءات؟ أحزاب ظلت تنتظر الإشارات من أعلى" (ص368).

إذا كان دور اليمين والمعارضة (اليسار) غائبا ومغيبا، ماذا يتبقى إذن؟ ما يهم هو أن المتخيل السياسي في رواية" هوت ماروك" يكشف للقارئ أن قراءة الصيرورة الوجودية لرحال والشخوص الأخرى تخضع لمنطق التحول المحكوم بالنفعية، لكن المثير في هذه التحولات هو رحال نفسه الذي وجد نفسه مكرها لا بطل يشتغل في" مقهى انترنت" لعماد القطيفة مغتصب حسنية كما سلف ذكره، ليجد نفسه، كما يقول الراوي، " يدخل العلبة الزرقاء" (ص169)، ويتحول إلى كاتب- في خدمة سلطة خفية، وهي مهنة أفلح في إنجاز مهمتها عندما كان طالبا، وتسبب في إبعاد وتدمير كل من وفيق الدرعي (ص60)، وفؤاد الوردي من صفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب (ص70)، مهنة استمرت بعد تخرجه من الجامعة من طرف المخابرات وتحديدا من طرف رفيق الجامعة الرفيق المختار. هناك تفاصيل أخرى متعددة في حياة رحال تبقى هامشية في علاقته بالبنية السياسية العميقة التي تؤثث في العمق سؤال الممكن في البنية الزمنية لرواية "هوت ماروك"، ذلك أنه وفي إطار أزمة الممكن التي يتتبع ياسين عدنان جذورها السياسية والتاريخية، يشكل بروز حزب الأخطبوط وحزب الناقة على ساحة المشهد السياسي، تتويجا على مستوى المتخيل السياسي لصيرورة أزمة الممكن في حياة الفرد والجماعة، والاستمرار في تثبيتها في كيان الأفراد العامة والخاصة منهم على حد سواء، وما يثير الانتباه في هذه النفعية السياسية هو انخراط رموز ثقافية وسياسية معروفة في إعادة إنتاجها. هذا منطق ميكافيلي، لكن ما لم يكن رحال يتخيل للحظة واحدة أن الفيل أستاذه بوشعيب المخلوفي شخصيا سيكون في الطليعة إلى جانب السلوقي الذي يبدو أنه تجاوز الهزة التي تعرض لها إثر وفاة والده، وعاد للصيد من جديد بجانب الأخطبوط (ص455).

تحول حزب الأخطبوط إلى سفينة ركبها كل من أراد أن ينجو من طوفان النفعية السياسية، وما لم يتوقعه رحال هو أن تمتد ممصات الأخطبوط إلى المكمن الآمن الذي يلبد فيه هنا في السبير ليصير في قلب الحدث (ص447)، إذ اصطف الجميع وراء عماد القطيفة لإنجاح ترشحه في الانتخابات باسم حزب الأخطبوط الذي كرس على مستوى القيم السياسية استمرارية الفراغ الإيديولوجي في علاقة الأحزاب السياسية بالسلطة. سواء في مرحلة الماقبل أو المابعد، و إلا بما نفسر قول الراوي على لسان أحد شخوصه "اليوم لا أحد يهتم لا بيمين ولا بيسار، حتى الأحزاب لا أحد يهتم لأسمائها أصلا ليدقق في خلفياتها الفكرية والإيديولوجية" (ص215)، الأزمة أزمة تاريخانية متجذرة في كون الحاضر/ الراهن امتداد للماضي، في أزمة النخب والأحزاب السياسية والسلطة في تطوير أنساقها السياسية والإيديولوجية ومقولاتها السياسية، وترسيخ عقد سياسي واجتماعي مبني على الشرعية السياسية التي تفتح صيرورة المجتمع على التطور والبحث عن تحولات يساهم فيها جميع الأفراد، لذا يشعر القارئ في رواية "هوت ماروك" أن لا شيء يتغير ويتطور، ما يتغير هو منظور السلطة، هذا الظاهر والخفي في الآن ذاته، في صيغ احتوائها للتحولات ومصائر البشر.

يبقى الصوت - النشار في الرواية المحجوب ديدي الملقب بأبي قتادة، الذي يكشف شخصه عن عبثية الوضع الإنساني في تفسير حالة الإشباع التي وصلت إليها أزمة الممكن في رواية "هوت ماروك"، وغدت تقتضي حالة التحول، وضعية جعلته يتقمص دور "النبي" في مجتمع يعيش أزمة ممكن في عصر الرقمنة، إذ تلقى رسالة غريبة، كما يقول الراوي، تقول: "عبدي الصالح المحجوب بن يامنة المكنى بأبي قتادة المراكشي، سلامي يغشاك وعيني ترعاك، وبعد: لا تستغرب رسالتي ولا تستكثر على نفسك أن يخصك ربك، رب العزة، بهذا الإيمل دون العالمين. إن لي في حكمتي شؤونا لا يدركها العباد فاستغفرني وعذني من الشيطان الرجيم أيها العبد الصالح، لقد ختمنا الرسالات بذكر حكيم حفظناه في كتاب مبين، وبرسول أمين جعلناه رحمة للعالمين. لذلك اصطفاك يا محجوب ضمن ثلة من عبادي الصالحين لترفعوا رايتي وتذكروا برسالتي وتستغفروني إني كنت غفارا" (ص423)، حتى إذا جاء اليوم الموعود خرج المحجوب إلى ساحة جامع الفنا بمراكش لخوض معركة المواجهة لتغيير الأحوال منفذا وصايا الإيميل، الرسالة الالكترونية التي توصل بها، ولكن من هو العامل الشرير (المعاكس) الذي يقف عقبة كأداء دون تحقيق التغيير؟

تبدو الرسالة التي تلقاها المحجوب من تدبير مجهول، لكن الراوي يطرح من خلال محكي المحجوب أزمة الممكن في مجتمع جرفت فيه سيول النفعية السياسية كل شيء، وأصبح المطلق سيد الكلمات والأشياء في الزمان والمكان، لأن الأزمة عمودية وأفقية، فلا السلطة تطورت ولا المجتمع هو الآخر تطور ليتحول المحجوب إلى دون كيشوت، امتشق سيفا خشبيا وتأبط مصحفا، وخرج إلى ساحة جامع الفنا ليحارب طواحين الوهم، أملا في تحقيق المطلق، بعد أن يتحول السيف الخشبي إلى سيف بتار، وتستحيل صفحات المصحف إلى أجنحة من نور تحمله، كما يقول الراوي "رويدا رويدا، فإذا هي بجاه السميع العليم فرس مجنح من أفراس الجنة "(ص431)، ستحلق به في ساحة جامع الفنا ويبدأ في حصد الرؤوس ميمنة وميسرة.

 

هوامش:
1-Maurice Blanchot, L'arret de mort, Ed Gallimard, 1973, p10.

2-ياسين عدنان، هوت ماروك ، رواية ، دار العين للنشر(مصر)، ط1، 2016.

3-أستفيد هنا من عمل كلود بريمون المهم "منطق الحكي"، دار سوي، 1973.

-Claude Bremond, Logique du recit, Seuil,1973

 

باحث من المغرب