يتحرك بطل القصة المغني الأعمى بين صندوقي الفرح والحزن، بناءً على اوامر صاحب الملهى، وسط عوالم من السكارى أو المغيبين، وتهاويم مسرحية لا تخفي ما تنطوي عليه من خواء. التفاتة مبكرة لبوادر ما ستأتي به الأيام السود بصورة عامة، ولكاتب القصة والنخب الثقافية بصورة خاصة.

الاقفاص

غضـبان عيـسى

 

الضوء خافت داخل هذا الملهى المزدحم وهذا السقف الشاهق المزخرف .. الاضواء باهتة .. وحركة راقصين تنعكس عليه. ثمة اضواء أخرى مستطيلة .. تتلوى فوق جدران سميكة .. تتحرك باستمرار وتشكل خطوطا متلاحمة أو متوازنة في ارتعاشاتها الدائمة .. وحينما تهم الوصلة الراقصة على الانتهاء .. ينهض احد ما .. من ركن دامس بنظارة وعصا .. يتحسس الطريق بيده الفارغة .. ويضرب الارض اللامعة بعصاه، وبما انه كان قريبا الى الجدار فقد تحسسه بأصابعه اللينة وراح ينقل كفه عليه حتى افضى به الى ستار يتأرجح .. دلف منه بسرعة .. وخلف الاضواء المستطيلة .. وبعض من ظلال اعمدة تتقاطع بين طياته .. احتج صاحب الملهى .. وهو رجل منفوخ قليلا .. على تأخر الاعمى، وأبدى استياء واضحا .. إلا ان الوقت كما تبادر الى ذهنه .. في هذه اللحظة .. ليس وقتا للاستياء أو الاحتجاج ولهذا سرعان ما استدرك الامر قائلا: أنك أيها السيد ..لا تدري ما يتعبني هنا .. إنكم جميعا هكذا تتأخرون وكأن الوقت عندكم لا يعني شيئا.

          - نعم سيدي..

         - لا تقاطعني..

         - ولكنني لم افعل هذا يا سيدي.

وحدق المنفوخ برهة في الرجل الاعمى .. ثم انفجر في وجهه وأزبد .. وراحت عيناه تبحلقان على غير اتجاه .. وصرخ وهو يضرب كفه على فخذه:

         - ها! كيف.. لم تقاطعني؟ ها! قل لي بربك هل وجدنا الحل؟!

         - اي حل ياسيدي؟

         - الحل! .. الحل! .. اريد عملا، دقة .. فهمت..؟

        - نعم سيدي.

        - تعال إذن لننته من كل هذا .. اسمع ان القفصين جاهزان .. وسنضعهما على المسرح بعد انتهاء وصلة التنين مباشرة، سيكون القفص الذي على يمينك للفرح .. والذي على اليسار للحزن .. هل فهمت؟!

       - نعم سيدي!

وتنحنح المنفوخ .. ومخط في منديله وقال:

      - عظيم! انت لم تنس .. جيد! ولا تنس ايضا ان دخولك يجب ان يكون أولا في قفص الفرح لتبدأ من هناك بالغناء .. ومثلما تدربت حين ينفرد الكمان بالعزف .. تمرق بسرعة من الباب الفاصل بين القفصين لتكمل اغنيتك هناك في قفص الحزن .. انتبه! لديك اربع دقائق فقط تقضيها في القفص الاسود، ثم تنتقل بسرعة حال تغير الايقاع الى قفصك الاول وستظل فيه حتى تنتهي أغنيتك .. ويسدل الستار. اعتقد انك فهمت أكثر الآن؟

      - نعم .. لقد فهمت يا سيدي ولكن الا توجد منطقة وسطى ما بين القفصين؟

     - هم .. وماذا تفعل بها؟!

     - لا بدّ من منطقة وسطى يا سيدي .. منطقة استعداد .. بعيدا عن الاعين فقد ارتب هندامي فيها أو ااتنفس بكامل رئتي، خاصة وان هذه البدلة التي سوف ارتديها ضيقة قليلا .. وقد لا تسمح بالحركات والتنقلات المطلوبة .. نعم يا سيدي .. إنني لا اتنفس فيها بحرية.

    - لا ..لا ..انها مناسبة .. ولقد خاطها افضل خياطي البصرة .. هل نسيت؟! ثلاثون دينارا .. نعم .. من الافضل ان تكون بهذا الضيق. انها الموديلات الحديثة .. هل تريد ان اعتبرك متخلفا؟! تعال اذن اجلس هنا وانتظر دورك .. وتأكد ان مسؤول الديكور يفكر ليلا ونهارا باكتشاف اقفاص أو صناديق جديدة اخرى تشارك في ايصال الافكار والأحاسيس المطلوبة .. وتضعك في مصاف نجوم الفن الغنائي.

ثمة تنين بعدة رؤوس وأجنحة مكسوة بشعر متهدل .. يهوم على المسرح باقدامه المفلطحة .. ويحاصر فتاة شبه عارية .. منزوية في خوف استعراضي .. ويتقدم ويتراجع ببطء شديد .. مرفرفا بأجنحته العملاقة .. تحت أضواء كثيرة تقطعه قطعا ملونة نابضة .. وكان في اقترابه وتراجعه البطيء هذا .. يرفع قدما من ظلام سحيق .. ويحطها فتلتمع اظافر رهيبة معقوفة .. كسكاكين متنوعة الاحجام تتلون في ثباتها الصارم.

وراحت الفتاة تتكوم على نفسها..وتشهق في كومة من ظلام كثيف وظلت اصابعها المرتبكة .. تتشبث ببعض صخور ناتئة على جدران هذا الكهف الاسطوري المغبر. وتناهت الى الرجل الاعمى الذي يعبث بعصاه الصقيلة اصوات صراخ واصطدام رؤوس .. ودربكة اقدام تتقافز بسرعة .. فقال في نفسه:

  • لابد انه المنقذ خرج الان .. ها! صحيح .. ان ضربة الوتر الحادة هذه تعني سقوط احد الرؤوس .. عظيم! انه الرأس الثاني .. ولكنها غير مرتاحة الان .. لا ترتاح اليه .. هم! فارس من حبر! تقول انه حين ينقذها من التنين يحملها بين ذراعيه مغميا عليها، ويدس اصابعه بين فخذيها خلسة .. وهو يخطر متباهيا فوق المسرح .. ها!ها!ها! ستشتمه في غرفة الملابس فقط ..هيء! يريد كل شيء مجانا! ها! .. ها..ها! حتى ولا قطرة ويسكي في فمها!

ومن زاويته تلك راح يبتسم بهدوء، وينصت للصخب المرتفع والتصفيق الحاد وقد راح البعض يلوحون بمناديلهم وبالقناني الفارغة .. بينما كانت الفتاة في جلستها المنكسرة تلك محاطة بالرعب والرؤوس النازفة والدماء .. شبه عارية ملطخة .. وراحت بجهد يائس تكرر بعيدا عن الرؤوس المتناثرة حولها .. والأذرع المقطعة وصليل المعركة .. ولقد رأت في التفاتاتها الدائمة المرعوبة ان المنقذ بدأ يخور .. وانسلخ عنه جلد وجهه وذراعيه .. وراحت قدماه تتعثران بينما سيفه يخبط في الهواء فصرخت به:

  • تجلّد ايها الفارس العظيم .. تجلّد وأقطع ذلك الرأس الفاحم فأنه الأصل!

وانزلقت مغشيا عليها .. في دوائر ضوئية متشابكة .. اخذت تنسحب عن عريها الهمجي .. شيئا فشيئا .. الى حيث الفارس والتنين والمواجهة الازلية.

الستارة مسدلة الآن .. وثمة اشباح اشكال ادمية .. تتحرك في الظلام بهيئة نساء أو رجال .. يصدر منها أو من خلف المناضد المتناثرة هنا وهناك لغط خفيف أو ضحكة قصيرة لامرأة مخمورة. في حين كانت بعض مصابيح سقفية تلقي بدوائر ضوئية باهتة فوق قناني مبعثرة وعلب سكائر وولاعات وأساور وأخذت بعض اشكال مبهمة تتحرك بهدوء، خلف الستارة .. تنحني أو تدفع أو تحتك .. ومرت دقائق اخر .. توزعت خلالها اشيا مبهمة .. مكعبات خشبية أو حديدية أو من المطاط .. وأسلاك وكراسي .. ومصابيح مثبتة في نهايات انابيب دقيقة .. وحينما سكنت الحركة على المسرح انشقت الستارة عن قفصين كبيرين شبه متلاصقين متصلين بفتحة واسعة، يتوسط احدهما رجل بمثل الدبوس قبعة صغيرة ويخفي نصف وجهه الأعلى بنظارة قاتمة. وفيما كان العازفون يجرّبون آلاتهم .. ويدندنون بها .. انبرى ضارب الايقاع فجأة .. وأطلق اصابع سريعة فوق جلدة دافئة .. ثم توقف .. ومسح جبينه ووضع طبله الصغير على مدفأة خاصة ونهض قائلا.

  • حضرات السادة ..

ثم قرب اللاقط من فمه وقال بصوت أعلى:

      - أيها السادة الكرام ..! مساء الخير، سوف تستمعون الآن في هذه الأمسية الى أغنية جديدة .. كما عودناكم بين فترة وأخرى .. وهي أغنية الآمال .. انها.. وقطع حديثه تصفيق حاد .. وصراخ وصفير .. وتلمّظ الطبال بانتشاء ومسّد شاربيه الصغيرين .. وأضاف بعد ان هدأ الحاضرون:

    - أغنية من طراز جديد .. فيها من العزف المنفرد ما نأمل ان ينال رضاكم .. كما اننا بإدخالنا بعض الآلات الموسيقية الغربية إنما حاولنا سد الثغرات الايقاعية التي لا يمكن سدها فقط بآلاتنا الشرقية، إضافة الى هذا، فإننا ضبطنا مفاتيح جميع الآلات الغربية المستخدمة في هذه الاغنية، بحيث تمنحنا نغما أو إيقاعا منسجما مع النغم والإيقاع الشرقي الذي تمنحه آلاتنا الموسيقية.

وسكت لحظة .. وحدق في الجمهور .. ثم بلع ريقه وأضاف:

  • ولقد عدنا الى التراث الغنائي فأخرجنا هذه الاغنية .. واشرفت بنفسي على بعث الدم الجديد في الحانها .. أما المطرب فهاهو أمامكم الاستاذ الكبير والفنان الاصيل الاستاذ ناجي عبد شمخي!

وانحنى الاعمى في هذه اللحظة عدة مرات .. ورفع قبعته عاليا .. فهاج الجمهور وماج وانقلبت بعض القناني الفارغة .. فيما كانت الاكف مسترسلة بتصفيق متصل.

وحين استقر الطبّال على كرسيه .. علّق ضربتين في الهواء .. انسابت الانغام بعد ذلك خفيفة متدفقة بعوالم شفافة وهمية تختلط مع دخان سكائر كثيف فوق رؤوس مطفأة ، وراح دخان كثيف يتلوى فوق مناضد متناثرة في انسياب لا نهائي .. محلقة في فراغ معبأ بالروائح وارتعاشات قيثار تتصاعد في سلم موسيقي طويل ترافقه أنات كمان قطعت انسيابه فجأة، ضربتا مقص من قيثار منفرد .. واستمرت الانغام متلاحقة .. لاهثة .. وتشكلت اشياء وهمية أخرى .. مبهمة بين لفائف دخانية محلّقة .. تتأرجح منها ذيول مندفعة من قاع مخمور.. وظهرت رؤوس شباب لامعة .. وفتيات مدهونات .. وأزهار -  بلا رائحة -  واراق عريضة خضراء وحمراء .. يغلفها الربيع .. تنتشر حولهم .. والى جانبهم راحت بعض من طيور الحب والزينة .. وبعض الطواويس المريشة .. تخب حولهم بهدوء مرفرفة فوقهم .. وكان الجميع يرقصون في ساحة مزهرة حتى اذا تعبوا توزعوا بصمت وتشابك في العمق المجهول من الغابة واستحموا هناك في نبع صادفهم .. وراحوا يتراشقون بالمياه والأغصان المورقة .. ثم خرجوا يقطرون .. فتمددوا عرايا لاهثين .. فوق حشائش طرية في فسحة من الغابة .. تسقط فوقهم شرائط من شمس صباحية ناصعة.

وظلت الطيور تحوم حولهم وتحط على اجسامهم اللدنة وتنقرهم .. وكانوا يضحكون - بلا صوت – فتلمع اسنانهم البضة خلف الشرائب الدخانية السابحة .. داخل بدلته وقد اتسع منخراه وانتفخت رقبته .. وظل يهوم بيديه .. خلف قضبان قفصه الملون المليء بالعشاق والطيور والشمس .. ومن قفصه المزدحم هذا راح يسح خطاه .. خفية ويتقرب الى القفص الاسود المجاور حيث ما تزال دموع كبيرة تتدلى من سقفه .. وشفاه متيبسة ملتفة حول القضبان .. واذرع رطبة مرتخية في الزوايا تتبعثر حولها نوابض وعقارب معوجة بلا زمن .. تختلط في هذا الموكب بعض ديدان ساحلية وقواقع بحرية جافة .. وعيون بشرية ندية..